المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : روائع الطب الإسلامي



أحمد سعد الدين
06-12-2005, 10:06 PM
روائع الطب الإسلامي

المصدر : موقع Sience leads to Islam

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 01:53 AM
في التداوي

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 01:54 AM
مقدمة



و يتضمن مباحث تؤكد دعوة الإسلام إلى التداوي وعدم التواكل وأن التداوي لا يتعارض مع التوكل، ومبحث النهي عن التداوي بالمحرمات، وجواز ذلك عند الضرورة، ومدى مسؤولية الطبيب عند معالجته لمرضاه، وضمان المتطبب الذي لم يعهد منه الطب أو تعلمه، وأخيراً في الآداب التي يفرضها الشارع الكريم على من يزاول المهن الطبية وأدب عيادة المريض وهكذا نجد في هذا الفصل المباحث التالية:

الأول: يا عباد الله تداووا.

الثاني: ولا تداووا بحرام.

الثالث: مسؤولية الطبيب في الشريعة الإسلامية.

الرابع: أدب الطبيب في ظل الإسلام.

روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر. قال ابن جرير الطبري: وفي الحديث دليل على بطل ما يقوله ذووا الغباوة من أهل التصوف والعبّاد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج نفسه بدواء، وإذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضرر والنفع، وفي إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم للمحرم علاج عينه بالصبر أول دليل على أن معنى التوكل غير ما قال الذين ذكرنا قولهم وأن ذلك غير محرج فاعله عن الرضا بقضاء الله، لأن الله تعالى لم ينزل داءً إلا أنزل له دواء إلا الموت. وقد جعل أسباباً تدفع الأدواء، كما جعل الأكل سبباً لدفع الجوع.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 01:54 AM
يا عباد الله تداووا



عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء " رواه البخاري، وفي رواية " من داء ".

و عن أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء إلا داءً واحداً الهرم " أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي.

و عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل داءٍ دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى " رواه مسلم.

و عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما خلق الله من داء إلا وجعل له شفاء علمه وجهله إلا السّام، والسّام الموت " رواه ابن ماجة.



في هذه الأحاديث لإثبات للمداواة وحث عليها وتعريف بأنها سبب للشفاء، وأن الأدوية ليست سوى أسباب خلقها الله وسائل للشفاء والأخذ بسنة الله في كونه. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " علمه من علمه وجهله من جهله " حثٌّ للأطباء المسلمين على البحث والاستقصاء لاكتشاف أدوية للأمراض التي لم يعرف لها بعد دواء ناجع واستخراج أدوية أفضل من سابقتها. وفي تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل داء دواء تقوية لنفس المريض عندما يستشعر بنفسه وجود دواء لدائه يقوى به رجاؤه وترتفع معنوياته ويذهب توهمه الذي هو عدو آخر بعد المرض.



و قد علق النبي صلى الله عليه وسلم البرء بموافقة الدواء للداء، فللأدوية مقادير معينة تفعل بها يجب ألا تزيد عنها ولا تنقص. وفي هذا حث للأطباء المسلمين على زيادة معرفتهم ومهاراتهم في الطب وعلومه ليتسنى لهذه المعرفة أن تصيب الداء بالمقدار المناسب من الدواء.

و التداوي بصورة عامة سنة من سنن الإسلام، يشهد بذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله، وإذا حدث التباس فهو من فهم سقيم أو ناقص، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبّلغ لشرع ربه قولاً وفعلاً:

أما أقواله صلى الله عليه وسلم فما أوردناه أعلاه، ونذكر منها ما رواه أسامة بن شريك قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له شفاء غير داء واحد. قالوا: ما هو؟ قال: الهرم.

كما أن وصفات النبي صلى الله عليه وسلم العديدة والتي سنذكرها على صفحات هذا الكتاب لتشير إلى مشروعية التداوي بل وسنيته. ومن ذلك إرسال النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأطباء إلى أصحابه. فقد ورد عن جابر رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه، رواه مسلم.

و أما فعله صلى الله عليه وسلم ففيه أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به، وما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه: رُمي سعد في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية، والمشقص سهم له نصل طويل.

فهذه الأحاديث تدل على أن التداوي سنة ة لقد اتفق العلماء على جوازه بل أن عموم الأمر بالتداوي يدل على أنه أعلى من مرتبة الإباحة فإن أقل مراتب: الندب.

و قد ذهب الشافعية إلى أن التداوي أفضل من تركه. وإلى هذا ذهب أربعة من كبار أئمة الحنابلة (ابن الجوزي وابن يعلى وابن عقيل وابن هبيرة) مخالفين إمامهم. وعزا النووي مذهب أفضلية التداوي إلى جمهور السلف وعامة الخلف. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن التداوي مباح، لا بأس بالتداوي وتركه. وذهب ابن حنبل إلى أن ترك التداوي أفضل حيث يقول: العلاج رخصة وتركه أعلى درجة منه. والدليل عنده ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يشفيني، فقال: إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت صبرت ولك الجنة. قالت: يا رسول اله لا بل أصبر وما أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة لا حساب عليهم: الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون "

و يرى الكحال ابن طرخان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي، وأقل مراتب الأمر الندب والاستحباب ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يديم التطبب في حال صحته ومرضه. أما حال صحته صلى الله عليه وسلم فباستعمال التدبير الحافظ لها مثل الرياضة وقلة التناول من الطعام واكجال عينيه بالإثمد كل ليلة وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر بقوله: " أبردوا بها ". وأما تداويه عليه الصلاة والسلام فثابت بالأحاديث الكثيرة مما يثبت ما ذكرناه من تداوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومداومته تطببه في صحته ومرضه، ولم يداوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على الأفضل.

و يؤكد الدكتور النسيمي _ ونحن معه _ أن اختلاف السلف حول أفضلية التداوي إنما هو لواقع الطب في زمانهم من ضعفه وكثرة ظنياته. أما إذا نظرنا إلى ما توصل إليه الطب الحديث وإلى ما ورد من أحاديث في المداواة، ودعوة الإسلام أصلاً إلى حفظ النفس. فإننا نستطيع أن نقول أن التداوي تعتريه الأحكام الخمسة والله أعلم:

1. أنه مباح: في المباحات إذا لم يغلب على الظن فائدته. كما في مداواة معظم أنواع السرطانات وخاصة إذا انتشرت ولم تكافح في بدئها.

2. أنه مندوب: تجاه استعمال الأدوية التي يغلب على الظن فائدتها. سواء في شفاء المرض أو تلطيف أعراضه

3. أنه واجب: تجاه استعمال الأدوية قطعية الإفادة بإخبار الأطباء، إذا خاف المريض أو طبيبه أن يقعده المرض عن القيام بواجباته أو إذا خاف على حياته أو تلف عضو من أعضائه.

4. أنه مكروه: عند استعمال الأدوية المكروهة مع توفر الأدوية المباحة.

5. أنه محرمٌ: عند استعمال أدوية محرمة دون الاضطرار إليها.

و على هذا فإن المرض إذا علم يقيناً، أو بغلبة الظن بحصول الشفاء من المداواة وقد حكم الأطباء بأن حالته خطرة وأن حاجته للدواء أصبحت أمراً ضرورياً، وأنها كحاجته للطعام والشراب، بحيث لو تركه فقد جعل نفسه معرضاً للهلاك فإن إقدامه على المداواة يعتبر واجباً شرعياً يأثم بتركه.

و نص الشافعية على لسان الإمام البغوي: إذا علم الشفاء في المداواة وجبت، وقال ابن تيمية في مجال التداوي: وقد يكون منه ما هو واجب، وهو يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء.

و الرأي بأن التداوي تعتريه الأحكام الخمسة قال به حجة الإسلام الغزالي في (إحياء علوم الدين) كما رجحه ابن تيمية رحمه الله حين قال في فتاويه: والتحقق أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب

و تعليقاً على الأدوية المحرمة يقول البغدادي:... ثم قد تكون العلة مزمنة ودواؤها موهوم ومن شرب دواءً سمياً أو مجهولاً فقد أخطأ لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سمَّ نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم " متفق عليه.

التداوي والتوكل:

إن تناول العلاج لا ينافي التوكل، الذي هو في حقيقته ملاحظة القلب عند تعاطي الأسباب، بأن الفعال المطلق هو سبحانه وتعالى، وأنه هو الشافي وحده، إذ لا تأثير للدواء دون إذن منه سبحانه. وعلى هذا فإن تناول الدواء لا ينافي حقيقة التوكل، كما لا ينافي دفع الجوع بالأكل، بل إن حقيقة التوحيد وكمال اليقين لا تتم إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها. وإن تعطيلها يقدح في التوكل نفسه لأن في ذلك إهمالاً للأمر الشرعي بالتداوي.

و التداوي أيضاً لا يتنافى مع الإيمان بالقدر. فعن أبي خزامة قال: قلت يا رسول الله، أرأيت رقىً نسترقها ودواءً نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد قدر الله شيئاً؟ فقال: " هي من قدر الله " [رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح]. ففي هذا الحديث إبطال قول من أنكر التداوي متعللاً بالقضاء والقدر وبقول الله تعالى: {و إذا مرضت فهو يشفين} ويقال لأمثاله: إن قولك هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب المنفعة أو تدفع الضرر، وفي هذا خراب الدين والدنيا وفساد العالم. وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاندٌ له.

و في هذا المجال يقول البغدادي:... فالتسبب ملازم للتوكل فإن المعالج الحاذق يعمل ما ينبغي ثم يتوكل على الله في نجاحه ونعمائه، وكذلك الفلاح يحرث ويبذر ثم يتوكل على الله في نمائه ونزول الغيث. وقد قال تعالى: {خذوا حذركم}. وقال عليه الصلاة والسلام: " اعقلها وتوكل " رواه الإمام أحمد.

أما الإمام الغزالي فيقول: أما من ترك التداوي أو تكلم في تركها، كما يروى عن أبي بكر رضي اله عنه وبعض السلف، فالجواب بأمور:

الأول: أن يكون المريض تداوى فلم تفده الأدوية ثم أمسك، أو أن علته لم يكتشف لها دواء ناجع.

الثاني: أو أن يكون ما قاله لا ينافي التداوي وإنما هو تذكير بالقدر، أو أن يكون قد لاحظ في الحاضرين من يلقي اعتماده على الدواء فلا يتعلق قلبه بالله فكان جوابه جواب الحكيم.

الثالث: أن يكون المريض قد كوشف بقرب أجله. ة على أحد هذه الوجوه يحمل ما ورد عن أبي بكر لما قيل له: لو دعونا لك طبيباً فقال: الطبيب قد نظر إلي فقال:إني فعّال لما أريد.

الرابع: أن يكون مشغولاً بذكر عاقبته عن حاله، فقد قيل لأبي الدرداء: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قيل فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي، قيل: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال: الطبيب أمرضني. فقد تأولها الغزالي بأن تألم قلبه خوفاً من ذنوبه كان أكثر من تألم بدنه بالمرض.

و في تعليقه على حديث " لكل داء دواء " قال الإمام النووي: فيه إشارة إلى استحباب الدواء، وفيه ردٌّ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية محتجاً بأن كل شيء بقضاء الله فلا حاجة إلى التداوي، لأن التداوي أيضاً من قدر الله، وكالأمر بالدعاء وقتال الكفار.



مراجع البحث

الإمام الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).

الإمام النووي: عن كتابه (المجموع).

ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).

قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية).

الإمام ابن تيمية: عن كتابه (مجموع الفتاوى).

ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 01:56 AM
ولا تداووا بحرام



عن أم الدرداء رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق الداء والدواء فتداووا ولا تداووا بحرام " رواه أبو داود والطبراني ورجاله ثقات (مجموع الزوائد) عن أبي الدراداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل دواء فتداووا بحرام " رواه أبو داود.

عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " رواه أبو داود والطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد).

و عن وائل بن حجر رضي الله عنه أن طارق بن سويد: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه _ أو كره أن يصنعها _ فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: " لا إنه ليس بدواء ولكنه داء " رواه مسلم. وفي رواية: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: عندنا أنبذة أنتداوى بها؟ قال: أهي مسكرة؟ قال: نعم، قال: إنها داء وليست بدواء، رواه مسلم والبيهقي.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل دواء خبيث كالسمّ ونحوه "، وفي رواية " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح.

قال الرازي: ومن معاني جعل لكم حكم، أي شرع كما في قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وسيلة ولا حام} فمعنى لم يجعل شفاء أمتي، أي لم يشرع استشفاء أمته فيما حرم الله.

قال ابن الأثير: إنما سمى الخمر داءً لما في شربها من الإثم. وقد يستعمل لفظ الداء في الآفات والعيوب ومساوئ الأخلاق، ألا تراه سمى البخل داءً؟

قال ابن الأثير: والدواء الخبيث يكون من جهتين: إحداهما النجاسة وهو الحرام كالخمر ونحوها، ولحوم الحيوان المحرمة وأرواثها وأبوالها، وكلها نجسة وتناولها حرام إلا ما خصصته السنة من أبوال الإبل، والجهة الأخرى من جهة الطعم والمذاق. ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع وكراهية النفوس لها.



قال ابن القيم: وإنما حرّم على هذه الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه حمية له وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه إن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه... وأيضاً فإن إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تداوله للشهوة واللذة ولا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها والشارع سدّ الذريعة إلى تناوله بكل ممكن...!



و الحقيقة التي لا يشك فيها منصف أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم شيئاً على هذه الأمة إلا وقد أثبت الطب ضرره البالغ على الجسم يفوق ما له من فائدة، إن وجدت له مثل هذه الفوائد. وإذا كان المحرم يملك خاصية دوائية معينة قد تفيد في إصلاح بعض العلل، إلا أنه يملك غلى جانب ذلك آثار ضارة تهدد كيان وصحة هذا البدن تفوق المنفعة المرتقبة من تناوله. فالدواء المحمود هو الذي يفيد في العلة وتكون أعراضه الجانبية قليلة أو معدومة. أما الدواء الخبيث ومنه الخمر الذي أبطل الطب الحديث تداوله في التداوي في منتصف هذا القرن وألغي نهائياً من مفردات الطب.

و تفيد الأحاديث التي أوردناها تحريم التداوي بالمحرمات في شرعنا الحنيف. وإن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم القاطع بذلك أدّى إلى اتفاق، بل وإجماع الأئمة المجتهدين على ذلك. إلا أن هناك حالات قد لا يجد الطبيب أمامه إلا (دواءً محرماً) يمكن أن ينقذ مريضه من محنته المرضية فما هو حكم الشرع في ذلك؟



قال تعالى: {و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}.

و قال تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... إلى قوله: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}.

و قال تعالى: {إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم}.



تدل هذه الآيات الكريمة على أن المشرع الحكيم قد استثنى حالات الضرورة من التحريم وأطلقها من غير قيد ولا شرط ولا صفة، فاقتضى وجود الإباحة بوجود الضرورة. سواء كان ذلك للتغذّي في حالة المخمصة أو للتداوي في حالة المرض. ويعرف علماؤنا الضرورة بأنها الحالة المحدقة بالإنسان في ظروف سيئة تحمله على ارتكاب المحرم من أجل المحافظة على نفسه من الهلاك أو لدفع أذىً لا يتحمله، إما يقيناً أو ظناً. وعلى هذا فإن المريض إذا خاف على نفسه، أو الطبيب المسلم على مريضه، من الهلاك أو تلف عضو، أو بلغ به من الألم حداً لا يحتمل، ولم يجد دواء مباحاً ينقذه من علته، جاز له أن يستعمل، أو أن يصف الدواء المحرم إذا غلب على ظن الطبيب الحاذق فائدته.

و لقد اتفق أئمة المذهب الحنفي والشافعي على إباحة التداوي بالمحرمات عند الضرورة، عدا المسكرات، وتلكم الأدلة:

1. لقد أجاز الله سبحانه وتعالى للمحرم بالحج أن يحلق رأسه إذا اضطر إلى ذلك لأذى في رأسه مع أن الحلق من محرمات الإحرام. قال تعالى: {فمن كان به أذى من رأسه ففدية....} [البقرة: الآية].

2. رخص النبي صلى الله عليه وسلم لصحابيين جليلين في لبس الحرير وهو محرم على الرجال لحكة كانت بهما. عن أنس بن مالك: " رخصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما " رواه البخاري ومسلم.

3. رخصّ النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال الذهب في التداوي حالة الضرورة كستر عيب أو إزالة تشوه. عن عرفجة بن أسعد: " أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأنتن علي فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ أنفاً من ذهب " رواه الترمذي وحسنه.

4. رخص النبي صلى الله عليه وسلم لرهط عرينة التداوي بأبوال الإبل (راجع البحث في مكان آخر من الكتاب).

و لقد ذهب المالكية والحنابلة إلى منع التداوي بالمحرمات لعموم الحديث " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " وبقطع النظر عن خصوص السبب، لورود الحديث في معرض حادثة السؤال عن التداوي بالمسكر، كما علله الحنفية والشافعية.

و لقد اتفق الجمهور على تحريم التداوي بالمسكرات سواءً كان ذلك بضرورة أو لا، غير أن الحنفية استثنوا حالة الضرورة وتعين الشفاء بالمسكر وحده، وذلك استناداً إلى عموم الآية: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد...}.

و لقد أشار النووي إلى أن المعتمد عند الشافعية تحريم التداوي بالخمر _ أي تجرعه وشربه للتداوي _ أم تطبيقه على الجلد كعلاج خارجي عند الضرورة فقد أجازه النووي في فتاويه المسماة بالمسائل المنثورة.

و قيد بعض الشافعية حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفة وغير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه. فإذا استهلكت فيه جاز التداوي بشرط إخبار طبيب مسلم عدل وبشرط أن يكون المستعمل قليلاً لا يسكر [كما في مغني المحتاج في شرح المنهاج للشربيني الخطيب]. أو بحيث لم يبق فيه طعم ولا لون ولا ريح [كما في إعانة الطالبين].

و كلمة (استهلاك المسكر في الدواء) تعني تغير تركيبه بتفاعله مع الأدوية الأخرى المشاركة في تكوين الدواء , أو باستهلاك التأثير المسكر بغلبة تأثير المواد الأخرى بحيث لا يمكن السُّكر بذلك الدواء. وعلى هذا يشترط لشرب الأدوية المهيأة بالغول أو الخمر ثلاثة شروط:

1. أن يضطر المريض إلى ذلك الدواء لفقدان دواء مباح آخر يعادل بفائدته الدواء المحضر بالغول Alcohol.

2. أن لا تؤدي الجرعة الدوائية لعوارض السُّكر الأولي.

3. أن يكون السُكر بالمقدار الكبير غير ممكن أيضاً لأن زيادة مقدار الجرعة الدوائية إلى ذلك الحد تؤدي إلى حصول الضرر بالعقارات الأخرى المشاركة قبل حدوث السُّكر به، أي أن تأثير الأدوية المشاركة يغلب تأثير الخمر أو الغول فأصبحت الخمر بذلك مستهلكة فيذلك الدواء.

و على هذا لا يجوز مطلقاً عند الشافعية التداوي بالخمر صرفاً أو بما يسمى بالخمر والدوائية. أو الأدوية التي يدخل الغول في تركيبها لإصلاح الدواء او منعه من الفساد أو لتسهيل إذابته أو من أجل استخلاص الخلاصة الدوائية من النبات فجائز ضمن الشروط السابقة، وأن يتحقق من ذلك طبيب مسلم عدل.

و من أمثلة الضرورة على التداوي بالمحرمات، استعمال المخدرات في العمليات الجراحية أو لتسكين الآلام غير المحتملة، واستعمال الذهب في طبابة الأسنان وغيرها للعلاج دون التجميل، واستعمال بعض الهرمونات المستخلصة من أعضاء الخنزير إذا لم يكن لها نظير مستخلص من أعضاء البقر أو غيره من الحيوانات المباحة، وإسعاف النازفين بنقل الدم والاستفادة من أعضاء الموتى في عمليات الزرع إلى غير ذلك.

التدرج في ترك المسكرات لدى توبة المدمن:

يعرف الدكتور فيصل الصباغ المدمن على الخمر بأنه الشخص الذي لا يمكنه الاستغناء عن تناوله والذي يستحيل عليه القيام بعمل اليوم والغد دون أن يشرب. بينما الشارب المعتدل فهو الذي يمكنه أن يحدد ما يستهلكه من الشراب، والذي لا يشرب بصورة منتظمة والذي لا يعتمد على المشروب للهرب من واقع مؤلم أو لتغطية قلق مزعج.

و المقرر بدون خلاف شرعاً أن توبة غير المدمن تكون بترك المسكرات فوراً وبشكل كامل أما المدمن عليها، والذي سلبت إرادته تحت وطأة الاعتياد عليها، فإن الدكتور النسيمي يرى أن توبته مع التدرج بترك المسكر مقبولة شرعاً، إذا نوى الترك وعزم عليه وأخذ يتدرج بتنقيص المقدار الذي يتناوله، وبإطالة الفترة بين تعاطي مشروبين لأن الترك القطعي دون تدرج ودون إشراف طبي يؤدي إلى هذيان ارتعاشي عند المدمن وإلى حالة تشبه الجنون. ويستدل على ذلك بأن الإسلام كان قد تدرج في التحريم على الأمة فحرم على المسلم أن يقرب الصلاة سكراناً فأخذ الناس يقللون من شرب الخمور حتى لا تفوتهم صلاة مكتوبة، وهكذا إلى أن تخلص المسرفون من إدمانهم وأصبح بالإمكان تحريم الخمر مطلقاً.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).

3. عبد الرحمن الجزيري: عن كتابه (الفقه على المذاهب الأربعة).

4. الإمام الرازي: عن كتابه (تفسير الإمام الرازي).

5. وهبة الزحيلي: عن كتابه (نظرية الضرورة الشرعية).

6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

7. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).

8. دكتور فيصل الصباغ: عن كتابه (محاضرات في أمراض التغذية والتسممات).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 01:57 AM
مسؤولية الطبيب في الشريعة الإسلامية



روى الإمام مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ضرر ولا ضرار ".

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من تَطبَّبَ ولم يعلم منه طِبٌّ فهو ضامن " رواه أبو داود، وصححه الحاكم والذهبي.

و قال الإمام الخطابي: لا أعلم خلافاً في المعالج، إذا تعدّى، فتلف المريض، كان ضامناً. والمتعاطي علماً لا يعرفه متعدٍّ.

و قال الإمام ابن رشد الحفيد: وأجمعوا على أن الطبيب إذا أخطأ لزمته الدية، مثل أن يقطع الحشفة في الختان وما أشبه لأنه في معنى الجاني خطأ.

إنه لمن نافلة القول أن نؤكد أن الشريعة الإسلامية قد سبقت التشريعات الحديثة كلها في إرساء قواعد المسؤولية الطبية بما يكفل حماية الطبيب ويحفظ حقوق المريض ويشجع على تطوير المنهج العلمي للمهمة الطبية.

و إذا كان الطب منذ نشأته في عصور ما قبل التاريخ ممتزجاً بالسحر والخرافات، فقد كان الاعتقاد الشائع أن المرض ينجم عن تمكن الشيطان من البدن، وإذا مات المريض فهذا يعني أن الشيطان قد تغلب، فلا مجال للبحث حينئذ عن مسؤولية الطبيب.

و عند الفراعنة كانت الأمور العلاجية محصورة في السفر المقدس وكان على الطبيب الالتزام بها، فإذا خالفها وتوفي المريض دفع الطبيب رأسه ثمناً لذلك. وعند البابليين تضمن قانون حمورابي قواعد مشدَّدة لمحاسبة الأطباء قد تصل إلى قطع يد الطبيب إذا تسببت لفقد عضو عند رجل حر.

و عند الإغريق وبعد أن جاء أبقراط ليخلص الطب من كثير من الشعوذة، كان يجبر تلاميذه على أداء قسمه المعروف، غير أنه لم يكن ليرتب على هذا القسم أي مسؤولية قانونية بقدر ما كان التزاماً أدبياً، إذ لم تكن أية مسؤولية جزائية على الأطباء عندهم. وعند الرومان كانوا يعتبرون جهل الطبيب أو خطأه موجبان للتعويض إلا أن العقاب كان يختلف بحسب المركز الاجتماعي للمريض، فموت المريض قد يؤدي إلى إعدام الطبيب أو نفيه.

و في العصور الوسطى في أوربا، كان إذا مات المريض بسبب إهمال الطبيب أو جهله يسلم إلى أسرة المريض ويترك لها الخيار بين قتله أو اتخاذه رقيقاً.

و جاء الإسلام بدعوته إيذاناً ببدء عصر جديد تحكمه قوانين عادلة أنزلت من عند الإله الحق سبحانه وتعالى حيث أرسى محمد صلى الله عليه وسلم قواعد، ما تزال حتى اليوم هي الأمثل في تنظيم العلاقة بين الطبيب ومريضه، وبمقتضى المنطق والعدل. ومن الحق أن نذكر أن فقهاء المسلمين اعتبروا العلم بالنفس وأحوالها أساساً في علم الطب حيث يقول ابن القيم: لا بد أن يكون للطبيب خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها فذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمرٌ مشهود. والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح هو الطبيب الكامل. والذي لا خبرة له بذلك، وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن، نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه فليس بطبيب، بل متطبب قاصر...

و باعتبار أن التطبيب ضرورة تحتاج إليها الجماعة فقد جعل الشارع دراسة الطب وممارسته من فروض الكفاية وبهذا سبقت الشريعة الإسلامية أحدث التشريعات الوضعية لأنها تلزم الطبيب أن يضع مواهبه في خدمة الجماعة.

يقول عبد الستار أبو غدّة: وباعتبار التطبيب واجباً كفائياً يقتضي ألا يكون الطبيب مسؤولاً عمل يؤدي إليه عمله قياماً بواجبه، لأن القاعدة أن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده كان ذلك داعياً للبحث عن مسؤوليته عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض.

يقول العّلامة محمد أبو زهرة: ونظراً لصعوبة تمييز الخطأ الذي يحدث منه تلف النفس أو العضو أصدر عن جهل الطبيب وإهماله أم صدر عما لا يمكن تقديره والاحتياط له، لذلك اختلف الفقهاء في تضمين الطبيب مغارم مالية عند حصول الضرر أو التلف وتضاربت أقوالهم في ذلك لأنه يتنازع نظر الباحث أمران كلاهما واجب للرعاية:

أولاهما: أن ترتيب مغارم مالية على خطأ الطبيب قد يؤدي إلى إحجام الأطباء عن المعالجة إذا لم يكونوا مستيقنين بالنتائج القطعية لعلاجهم لكيلا يتعرضوا للمغارم. كما أن كثيراً من الأخطاء يتكون عند رغبة الإنقاذ فكيف يغرم من يحتسب تلك النية؟ ثم أن عمل الطبيب واجب شرعي، ومن يقع في خطأ أثناء قيامه بالواجب لا يسأل عنه إلا إذا كان قد قصّر، فيؤاخذ على تعديه بالتقصير لا على الخطأ. والتقصير والخطأ نوعان مختلفان: إذ الأول فيه عدوان والثاني لا عدوان فيه.

ثانيهما: أن إتلاف النفس أو العضو أمر خطير في ذاته، وإن قد يكون نتيجة أن الطبيب قد أقدم على ما لا يحسن، طمعاً في المال من غير تقدير للتبعية، وقد يكون ممن يحسن لكنه قصر في دراسة المريض، وإنما أذن المريض أو الولي رجاء العافية لا لتعجيل المنية. ومن أخطأ فيما كُلِّف وكان خطؤه يمكن تلافيه بالحذر والحرص فقد قصَّر، ومن قصر وأتلف بتقصيره استحق العقاب...

و قد أجمع الفقهاء على وجوب منع الطبيب الجاهل (المتطبب) الذي يخدع الناس بمظهره ويضرهم بجهله. يقول الإمام أحمد: إذا قام بأعمال التطبب شخص غير حاذق في فنه فإن عمله يعتبر محرماً، كما اجمعوا أن المتطبب الجاهل إذا أوهم المريض بعلمه فأذن له بعلاجه فمات المريض أو أصابه ضرر من جراء هذا العلاج فإن الطبيب يلزم بالدية أو بتعويض التلف، لكن ينفون عنه القصاص لوجود الإذن. أما إذا كان المريض يعلم أن هذا المتطبب ليس من صناعته الطب ثم سلّم نفسه له بعد ذلك، ففي هذه الحال لا ضمان لأن المريض هنا مغتر لا مغرور.

يقول أبو زهرة: ونتكلم الآن في الضرر الذي يلحق المريض، والذي يقع من الطبيب الحاذق أو يقترن بعلاجه. وهذه حالة قسمها الفقهاء إلى أربعة أقسام:

الأول: أن يكون موت المريض أو تلف عضو منه بسبب أمر لم يكن في الحسبان. ولم يكن باستطاعة الطبيب، مع حذقه، تقديره والاحتياط له، وهذا لم يكن بحال نتيجة خطأ وقع من الطبيب أو تقصير منه يمكن أن يُعَدَّ. فالطبيب هنا لم يكن به تقصير يجعله مسؤولاً على أي حال. فقد اتفق الفقهاء على أن الموت أو الضرر إن جاء نتيجة لفعل واجب مع الاحتياط وعدم التقصير لا ضمان فيه، كمن يموت عند إقامته الحدَّ المقرر شرعاً، لأن ذلك في سبيل القيام بالواجب الديني، ولا تقصير فيكون التعدي الموجب للضمان، ولا خطأ، فيعد قتل إنساناً خطأً لتجب الدية ولأنه لو وجب الضمان هنا لكان فيه تعويق للأطباء عن القيام بواجبهم.



الثاني: أن يكون التلف قد أصاب العضو أو الجسم بسبب خطأ عملي وقع فيه الطبيب كأن يحتاط الجراح كال الاحتياط ولكن تسبق يده إلى غير موضع العلاج فينال الجسم كله أو عضواً منه بتلف، وفي هذا يكون الضمان بلا ريب، لأنه إن أصاب الجسم كله بتلف كان قتلاً خطأ. وفي مذهب ابن حنبل خلاف: أيكون الضمان في بيت المال أم في مال الطبيب؟ ووجه الرواية التي تقول في مال الطبيب أن الأصل أنها تكون على عاقلته. وإن لم تكن له عاقلة كانت في ماله. أما الرواية التي تقول أنها في بيت المال فهي تعتبر أن خطأ الطبيب كخطأ القاضي والحاكم لأن أولئك نصبهم ولي الأمر للنفع العام فكان ضامناً لأخطائهم التي لم تكن نتيجة تقصيرهم الشخصي بل لسبق القدر فيما يفعلون.



الثالث: تلف الجسم بسبب خطأ في وصف الدواء، لكن الطبيب قد اجتهد وأعطى الصناعة حقها ولكنه ككل مجتهد يخطئ ويصيب وقد أدى خطؤه إلى موت نفس بشرية. وفي هذه الحال يكون الضمان ثابتاً وه وبالدية على قتل كان خطأ. وهنا أيضاً روايتان عند ابن حنبل أحدهما أن تكون الدية على عاقلة الطبيب والثانية أن تكون في بيت المال.



الرابع: في الأقسام الثلاثة السابقة كان التطبيب بإذن من المريض أو من يتولى أمره. أما إذا كان الخطأ أو التقصير على أية صورة من الصور السابقة بغير إذن من المريض أو وليه فالفقهاء متفقون على أن الضمان يكون ثابتاً لأنه فعل أدى إلى هلاك النفس أو عضو فيها بغير إذن من وليها فيكون مسؤولاً عنها والضمان على العاقلة.

و يستحسن ابن القيم أن لا يكون الضمان على الطبيب في هذه الحال، ولعله يرى الضمان في بيت المال. ويعلل ذلك بقوله: يحتمل ألا يضمن مطلقاً لأنه يحسن _ وما على المحسنين من سبيل _ وأيضاً فإنه إذا كان متعدياً فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعدياً فلا وجه لضمانه فإن قلت هو متعدّ عند عدم الإذن، غير متعدّ عند الإذن، قلت: العدوان وعدمه يرجع إلى فعله فلا أثر للإذن وعدمه.

و هذه العبارة تؤدي في نتيجتها إلى أن ابن القيم لا يرى أيّ ضمان على الطبيب الحاذق إذا أدى الصناعة على وجه الكمال ثم جاء ما ليس بالحسبان،؟ أو سبق القدر فتعدت يده موضع الداء أو أخطأ في وصف الدواء، فلا فرق فيذلك في أن يكون العلاج بإذن من المريض أو من وليه أو بغير إذن من أحد. لأنه في حال الإذن ممكن من صاحب الشأن وفي حال عدم الإذن متبرعٌ بفضل ويقوم بحق الدين فلا ضمان. إنما مناط الضمان هو كون الفعل جاء على وجهه أو لا. وما دام قد أتى بالفعل على وجهه أو بذل غاية جهده، جهد العالم الحاذق، فلا ضمان عليه ولا على عاقلته.

و يؤيد أبو زهرة رأي ابن القيم إلا أنه يميل إلى أن يكون الضمان في بيت مال المسلمين حتى لا يضيع دم مسلم خطأ. والقرآن يصرح بأن دم المسلم لا يذهب خطأ قط {و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...}. وإن من تشجيع الطب والصناعة الطبية أن لا يكون الضمان في مال الطبيب بل يكون في بيت مال المسلمين فنكون قد جمعنا بين النص القرآني وبين تشجيع البحث والعلاج.

قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، وفي دراسته المستفيضة عن المسؤولية الطبية في الفقه الإسلامي والتي فصل موجباتها في عشرة أمور:

1. العمد:

وهو أن يحصل من الطبيب أمرٌ محظور يفضي إلى هلاك المريض أو أحد أعضائه ويكون قصده من هذا العمل إذاية المريض ومساءته كأن يصف له دواء ساماً بقصد إهلاكه وهذه تعتبر من قبل جناية العمد التي توجب القصاص. وهذا أمر يندر حصوله من الأطباء.

2. الخطأ:

كأن يخطئ في تشخيص المرض ومن ثم في وصف الدواء أو يقدر الحاجة لإجراء عملية جراحية ثم يتبين بعد العمل الجراحي أن المريض كان في غنىً عنها أو تزِّل يد الجراح فيتجاوز الموضع المحدد لجراحته ولا شك أن الطبيب يعتبر مسؤولاً عن خطئه وعن الضرر الناجم عن ذلك الخطأ. إلا أن موجب الخطأ أخف من موجب العمد لعدم وجود قصد التعدي عند المخطئ لذا تميز عن العمد بعدم وجوب القصاص وإن اشترك معه في وجوب الضمان. كما أن الخطأ وإن كان موجباً للمسؤولية الدنيوية غير أن صاحبه لا يأثم عند الله تبارك وتعالى.

3. مخالفة أصول المهنة الطبية:

ذلك أن إقدام الطبيب على معالجة المرضى على غير الأصول المعتبرة في علم الطب يحيل عمله من عمل مشروع مندوب إليه إلى عمل محرم يعاقب عليه. وقد بين الفقهاء أن اتباع الأصول المعتبرة عند أهل الصنعة يعتبر واجباً على الطبيب وعلى هذا فهو مسؤول عن الأضرار الناتجة عن مخالفته لهذا الواجب.

4. الجهل:

كأن يكون المتطبب دعياً على صنعة الطب وإنما غرَّ المريض وخدعه بادعاء المعرفة أو أن تكون له معرفة بسيطة لكنها لا تؤهله لممارسة هذا الفن _ كطالب الطب مثلاً _ أو أن تكون له معرفة في فن من فنون الطب ثم يتصدى لممارسة العمل في تخصص آخر. ويعتبر المتطبب في كل هذه الحالات مسؤولاً، إذ أجمع الفقهاء على تضمين الطبيب الجاهل ما تسبب في إتلافه بجهله وتغريره للمريض " من تطبب ولم يعلم منه قبل ذلك طب فهو ضامن ".

5. تخلف إذن المريض:

إن ما متع الله به الإنسان من أعضاء ومنافع يعتبر حقاً له لا يجوز أن يتصرف فيها غيره إلا بإذنه، وعليه فلا يجوز للطبيب ولا لغيره أن يقدم على مباشرة جسم الإنسان من فحص أو معالجة أو جراحة إلا بعد حصوله على إذن معتبر من المريض، أو من وليه إن لم يكن أهلاً للإذن كالصغير والمجنون والمغمى عليه. وقول الجمهور في المذاهب الأربعة أن الضمان لا يسقط عن الطبيب الذي عالج بدون إذن المريض. ففي الفتاوى الهندية: أما إذا كان بغير إذن فهو ضامن سواء تجاوز الموضع المعتاد أو لم يتجاوز. وخالف ابن القيم وابن حزم فاعتبرا أن لا ضمان إلا في الخطأ.

6. تخلف إذن وليِّ الأمر:

و هو هنا الحاكم الذي يرعى مصالح الأمة ويمثله في هذه الأيام في منح الإذن بمزاولة الطب: وزارة الصحة. وعلى هذا يعتبر الطبيب مسؤولاً عن عدم التزامه بالحصول على الإذن المذكور، غير أن إذن ولي الأمر لا يرفع عن الطبيب المسؤولية لو لم يكن مؤهلاً لذلك.

7. الغرور:

و هو لغة الخداع، ويعتبر الطبيب خادعاً _ غاراً _ عندما يصف للمريض دواءً ضاراً أو لا يحتمله جسمه أو لا يفيده في حالته تلك، فيتناوله المريض مخدوعاً بطبيبه. ويعتبر الطبيب مسؤولاً عن الأضرار المترتبة على تغريره بالمريض.

8. رفض الطبيب للمعالجة في حالات الضرورة _ الإسعاف _:

ففي التاج والإكليل من كتب المالكية: واجب على كل من خاف على مسلم الموت أن يحييه بما قدر عليه، ونقل محمد أبو زهرة الاتفاق على أن من كان معه فضل زاد وهو في بيداء وأمامه شخص يتضور جوعاً يكون آثماً إذا تركه حتى مات. وحيث أن المريض المشرف على الهلاك نظير الجائع في البيداء فإن إسعافه يعد أمراً واجباً عند جمهور الفقهاء، وعلى ذلك فإن من حق المريض أن يجبر الطبيب على إسعافه إذا كان في مقدور الطبيب أن يسعفه وكان المريض مضطراً إلى ذلك.

9. المعالجات المحرمة:

ليس مما أباح الله للإنسان أن يعرض منافعه للهلاك والتلف حتى يقدم عليه. وكما لا يحق للمريض ذلك، فإن إذنه للطبيب بإتلاف نفسه أو شيء منها، لا يجيز للطبيب استباحة شيء من ذلك والعبث فيه، فالشريعة الإسلامية لا تجيز للمريض أن يأذن بهذا ولا يجعل لإذنه اعتباراً في إسقاط المسؤولية عن الطبيب في إقدامه إلى قتل المريض ولو كان ذلك بدافع الشفقة عليه.

10. إفشاء سِرّ المريض:

إن طبيعة عمل الطبيب وما فيها من مباشرة لجسم المريض عامة أن يطلع على عورات وأشياء يختص بها المريض ولا يُحِّب أن يطلع عليها أحد سواه، ولولا قسوة المرض وشدة وطأته على المريض لما باح بشيء من أسراره للطبيب. فينبغي على الطبيب حفظ الأمانة التي استودعتها إياه مريضه " والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون ".

ثم إن إفشاء سر المريض، إن كان فيه إضرار للمريض، لا شك في حرمته، وحين ينفي الضرر عنه، فإنه وإن لم يحرم، فهو مكروه، وإن الضرر الذي يمكن أن يلحق بالمريض، يجعل الطبيب مسؤولاً عن إفشاء سره. ولا يستثنى من ذلك إلا ما تدعو إليه الضرورة من ذلك للمصالح العامة كأن يعلم الطبيب أن مريضه الطيَّار مثلاً مصاباً بالصرع وأن هذا لا يسمح له بقيادة الطائرة وتعريض حياة الناس للخطر فيجب الإبلاغ عنه وعدم الستر عليه، وطبعاً فإن الضرورة تقدر بقدرها، فلا يجوز له الإباحة بأكثر من ذلك.

و خلاصة القول فالطبيب الحاذق لا يسأل عما يلحق مريضه من ضرر إذا توفرت الشروط التالية:

1. المعرفة الطبية المشهود له فيها.

2. إذن ولي الأمر.

3. إذن المريض أو وليه.

4. أن يعمل وفق الأصول الطبية المرعية بقصد العلاج.

5. ألا يقع في خطا جسيم يستوجب المسؤولية

كل هذا مع افتراض أن الطبيب الحاذق لم يقصر ولم يهمل العناية بمريضه. إلا أن الواقع يرينا أن الطبيب قد يقصر ولا يجتهد وقد صارت النفس البشرية وديعة بين يديه، وهذا كثير الوقوع في المشافي العامة التي يلجأ إليها الفقراء. فترى كثيراً من الأطباء مهملون، متقاعسون عن إسعاف المرضى، وتنبعث الشكاوي في أنات من صدور المرضى وفي أرواح تفيض إلى بارئها وهي تشكو ظلم هؤلاء الأطباء وتقصيرهم. وقد في تقع بعض العيادات الخاصة لطبيب يزدحم عليه المرضى، فيلقي النظرة العابرة ويكتب الدواء عاجلاً والذي قد يكون معجلاً للمنية.

إن قواعد الفقه كلها توجب الضمان على أمثال هؤلاء الأطباء لأن التقصير تعدّ على الأرواح فيكون الضمان من التعدي. وقد أجمع الفقهاء على أن الضمان يكون عند التعدي وأجمعوا أن التقصير من التعدي. ولا مناص من عقاب الله في الآخرة بعد عقاب الدنيا والله تعالى يتولى الآثمين ويعاقبهم على تعديهم وتقصيرهم، كما يتولى المحسنين بإحسانهم.

{إنَّا لا نضيع أجر المحسنين}.



مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. محمد أبو زهرة: عن مقالة له (المسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية)، مجلة لواء الإسلام العددان 11 و12 لعام 1949.

3. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية) دمشق: 1991.

4. محمد فؤاد توفيق: عن مقالة له عن (المسؤولية الطبية): في أعمال المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي. الكويت: 1981.

5. عبد الستار أبو غدة: عن مقالة له عن (فقه الطبيب وأدبه) في المصدر السابق نفسه.

6. أبو حامد الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).

7. أسامة عبد الله قايد: عن كتابه (المسؤولية الجنائية للأطباء) مصر: 1987.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 01:58 AM
أدب الطبيب في ظل الإسلام



يحتاج الطبيب من وجهة نظر الشارع الإسلامي إلى مجموعة من الصفات، كي يكون مؤهلاً لتأدية واجبه الطبي على الوجه الأكمل. ومع أن القيام بهذه المهمة واجب كفائي إلا أن علماءنا اعتبروها من أشرف المهن لارتباطها بحفظ النفس وحسن أداء الإنسان لمهمة استخلافه في هذه الأرض. بيد أنهم جعلوا ذلك رهين شرطين اثنين:

أولهما أن تمارس المهنة بكل إتقان وإخلاص.

ثانيهما أن يراعي الطبيب بسلوكه وتصرفاته الخلق الإسلامي القويم.

و قد جمع الدكتور شوكت الشطي صفات الطبيب الحاذق التي تتطلبها الشريعة الإسلامية عن مؤلفات الطب الشرعية في عشرة صفات:

1. على الطبيب أن يُلِّم بأسباب المرض والظروف التي أحاطت به بما في ذلك النظر في نوع المرض ومن أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه.

2. الاهتمام بالمريض وبقوته والاختلاف الذي طرأ على بدنه وعاداته.

3. أن لا يكون قصد الطبيب إزالة تلك العلة فقط، بل إزالتها على وجه يؤمن معه عدم حدوث علة أصعب منها. فمتى كانت إزالتها لا يؤمن معه حدوث ذلك أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب.

4. أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء. إلا عند تعذره. ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط.

5. النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المرض.

6. أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أم لا؟ فإن لم يكن علاجها ممكناً حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع في علاج لا يفيد شيئاً.

7. أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته وتأثير ذلك في النفس أمرٌ مشهور.

8. التلطف بالمريض والرفق به

9. أن يستعمل علاجات منها (التخييل) وإن لحذاق الأطباء في التخييل أموراً لا يصل إليها الدواء.

10. على الطبيب أن يجعل علاجه وتدبيره دائراً على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة، وإزالة العلة أو تقليلها، واحتمال أدنى المصلحتين لإزالة أعظمهما، وتقريب أدنى المصلحين لتحصيل أعظمهما.



و يقصد بالتخييل (الإيحاء) وهذا ما يذكرنا بأهمية التعامل مع المريض وطمأنته وهو أمر ضروري لدعم أجهزة الوقاية والمناعة في البدن.

و يلخص التاج السبكي رحمه الله آداب الطبيب فيقول: من حقه بذل النصح والرفق بالمريض، وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول، وله النظر إلى العورة عند الحاجة، وبقدر الحاجة. وأكثر ما يؤتى الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس دون استكمال الأهلية، ويجب أن يعتقد أن طبَّه لا يرد قضاءً ولا قدراً. وأنه يفعل امتثالاً لأمر الشرع وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء.

و قد أكد أبو بكر الرازي في حديثه عن أخلاق الطبيب هذه النقطة فقال: وليتكل الطبيب في علاجه على الله تعالى ويتوقع البرء منه، ولا يحسب قوته وعمله، ويعتمد في كل أموره عليه. فإن عمل بضدِّ ذلك ونظر إلى نفسه وقوته في الصناعة وحذقه حرمه الله تعالى من البرء.

و إتقان الطبيب صنعته يدخل ضمن عموم الدعوة النبوية الكريمة: " إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " [رواه البيهقي]. ومما نفهمه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله " [رواه مسلم]. ففي الحديث تشجيع للبحث لاكتشاف الأدوية الفعالة. وحثٌ للطبيب على زيادة معارفه الطبية وإتقان فنه. ولأن الإصابة منها تؤدي إلى الشفاء كما نفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله " [رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد)].

و قد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها، فالأحذق إلى الإصابة أقرب. فقد ذكر الإمام مالك في موطئه عن زيد بن أسلم أنّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جُرِح فحقن الدم، فدعا له رجلين من أنمار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكما أطبُّ؟ فقال أحدهما: أو في الطب خيرٌ يا رسول الله؟ فقال: إنّ الذي أنزل الداء هو الذي أنزل الدواء [الحديث مرسل، لكن مرسله زيد بن أسلم من كبار التابعين، ومرسلاته صحيحة عند المحدثين]. روى الحديث أيضاً عبد الملك بن حبيب [في كتابه (الطب النبوي)] عن أصحاب مالك الذين لقيهم في المدينة وزاد فيه أن أحدهما قال: أنا أطبُّ الرجلين. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بمداواته فبطّ بطنه واستخرج منه النصل ثم خاطه.

و النجدة لتفريج كربة المريض وتلبية الواجب لإسعافه ليلاً ونهاراً من واجبات الطبيب المسلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسَّر على معسِّر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة " رواه مسلم.



و على الطبيب أن يبدأ المعاينة والعمل الجراحي أو الوصفة بقوله: بسم الله أو باسم الله الرحم الرحيم. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل عمل ذي بال لا يبدأ فيه بِـ بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " [رواه السيوطي عن أبي هريرة وإسناده حسن].

و من واجب الطبيب بذل النصح للمريض. وأن يقصد بعمله نفع الخلق والإحسان إليهم. ومن النصيحة للمريض أن يجتهد في وصف الدواء الأنسب وأن يحفظ ماله، فلا يصف له دواء غير نافع في مرضه، أو يطلب له تحليلاً أو فحوصات لمجرد أن ينتفع هو أو ينفع مختبراً فيتعاون معه ليقبض عمولة مثلاً. فكل هذه الأمور هي خيانة للمريض ونقض للأمانة التي في عنق الطبيب من النصح له. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنّ أمولكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا " [رواه البخاري]. ومن هذا حفظ عرض مريضه فلا يكشف من عورته إلا ما تستدعيه الحاجة والمعاينة الطبية.

و من النصيحة للمريض أن لا يقدم على معالجته في كل حال يتغير منها خلقه، فلا يعالج وهو منزعج ولا وهو على عجلة من أمره ولا وهو غضبان. وقد قاسوا ذلك من أمر الطبيب على ما صح عنه صلى الله عليه وسلم: " عن نهيه للقاضي أن يقضي وهو غضبان " [رواه البخاري ومسلم]. فهذه حالات تُخرج المرء عن أن يحكم بسداد النظر. ويستثنى من ذلك من لو كانت حالته تستدعي السرعة في العلاج.

و من النصيحة للمريض أن يمضي معه أو مع أهله وقتاً كافياً، ليس فقط ما تستدعيه المعاينة الطبية بل ليستوعب الوضع الاجتماعي والروحي للمريض، والذي هو جسد وعقل ونفس. فعلى الطبيب أن يلمسه برفق وأن يصوغ كلماته بأسلوب إنساني تغلفه الرحمة وأن يحسن الإصغاء إليه وأن يسكّن من روعه ويبعث في نفسه السكينة والطمأنينة، اللذان يشدان من عزيمة المريض ويرفعا روحه المعنوية ويقويا وسائل المناعة في جسمه مما يجعلهما عاملاً في الشفاء.

و على الطبيب أن لا يتوانى عن إرسال مريضه إلى مختص. أم عمل لجنة استشارية له إذا كانت حالته تستدعي ذلك قياماً منه بالأمانة والنصيحة المطلوبين منه شرعاً. وعليه أن يبتعد عن غيبة الناس وخاصة زملاءه من الأطباء أو تجريحهم.

و يجب على الطبيب أن يكتم سِرَّ مريضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن " [رواه الترمذي]. إلا أن يخلّ هذا الكتمان بمصلحة المريض بالذات أو بمصلحة الجماعة. يقول أبو بكر الرازي: واعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقاً بالناس حافظاً لغيبهم، كتوماً لأسرارهم، فإنه ربما يكون ببعض الناس من المرض ما يكتمه عن أخص الناس به، وإنما يكتمونه خصوصياتهم ويفشون إلى الطبيب ضرورة، وإذا عالج من نسائه أو جواريه فيجب أن يحفظ طرفه ولا يجاوز موضع العلة.

و على الطبيب أن يعلم الحرام والحلال فيما يختص بمهنته فلا يصف دواء محرماً إلا إذا انحصر الشفاء فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا تداووا بحرام " ولقوله سبحانه وتعالى: {و قد بين لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [وقد فصلنا ذلك في بحثنا عن التداوي بالمحرمات].

و من ذلك أن يمتنع عن الإجهاض المحرّم أو أن ينهي حياة مريضه الميؤوس من شفائه بأي وسيلة كانت لقوله تعالى: {و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}. بل عليه أن يعمد إلى تخفيف آلامه وتهدئة نفسه حتى يأتي أجله. وعلمه بالحلال والحرام، وإتقانه لفنه يجعله يخشى الله في فتاويه لمرضاه كأن لا يفتي لمريض بالإفطار في رمضان وهو يعلم أن مريضه لا يتأثر بالصيام وقد يستفيد منه.

و من أدب الطبيب الدعاء لمريضه وفي هذا مواساة له بالكلمة الطيبة كقوله (معافى) أو (عافاك الله) أو بدعاء مأثور. فقد ورد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده وهو محموم فقال صلى الله عليه وسلم: " كفارة وطهور " [رواه البخاري]. ففي الدعاء للمريض تذكير له بخالق الداء والدواء حتى تبقى نفسه هادئة مطمئنة بالالتجاء إلى الله والتوكل عليه.

و يختلف الأطباء في تعاملهم مع مريض ميؤوس من شفائه كمصاب بسرطان مثلاً، فهناك من يفتح له الأمل ويرجيه الشفاء وقد يكذب عليه، وهناك من يواجه مريضه بالحقيقة سافرة، وهناك من يداري ويواري، فما رأي الشرع الإسلامي؟

الدكتور النسيمي يرى أن على الطبيب أن يكون لبقاً في تعريف المريض بمرضه ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه المقربين، معتمداً على ما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " إذا دخلتم على مريض فنفسّوا له في الأجل فإن ذلك لا يردّ شيئاً وهو يطِّيب نفس المريض " [رواه الترمذي وابن ماجة وفي سنده إبراهيم التميمي وهو منكر الحديث (الأرناؤوط)].

أما الدكتور زهير السباعي فيقول: الإسلام هنا لا يضع حدوداً ضيقة ولا يقف مواقف صلبة، إنما يطالب الطبيب بالحكمة وأن يلبس لكل حال لبوسها: فهناك المريض الذي تنهار مقاومته لو عرف حقيقة مرضه، وهناك المؤمن القوي الذي يستطيع أن يجابه مرضه بنفس راضية، وهناك من يحتاج إلى أن يعرف أبعاد مشكلته حتى يلتزم بالحمية والعلاج.

إلا أن القاعدة الأساسية التي يرسمها الإسلام هي الصدق. ولكن أي صدق نتحدث عنه؟ وهل يعرف الطبيب متى ينتهي أجل مريضه؟... إنما الصدق في شرح المشكلة المرضية وليس في تقدير الأجل. فهناك صدق فجٌّ جاف لا يبالي بمشاعر المريض، وهناك صدق لحمته الحكمة والرحمة. ولعل من الحكمة أن يعتمد الطبيب في مصارحته لمريضه على العموميات لا أن يخوض في التفاصيل، وإذا كانت هناك مضاعفات حقيقية فعليه أن يشرحها لذوي المريض حتى لا يتهم يوماً بالإهمال.

أما قيس بن محمد آل الشيخ مبارك فيرى أنَّ المريض إذا كان قاصراً أو صغيراً فيجب عدم إخباره لأن القاصر لا يملك أمر نفسه وعلى الطبيب أن يخبر وليّه الذي أذن له في علاجه، كما أن الصغير مظّنة للسخط.



أما البالغ العاقل فلا شك في أن الواجب الشرعي يقتضي إخباره بكل ما يتعلق بصحته من معلومات، ومصدر الوجوب العقد الذي جرى بينهما. ثم يقول: وأما ما يخشاه الطبيب من أن تزداد حالة مريضه سوءاً إذا علم بحقيقة الأمر فلا يكون مانعاً له أن يخبر المريض لسببين: الأول أن الطبيب قد ألزم نفسه في عقد الإجازة بذلك فلا يجوز له نقض العهد.

و الثاني أن عقيدة القضاء والقدر تعصم المسلم من الوقوع في الاضطراب والانزعاج، والمسلم مأمور بالصبر والتسليم- لأمر الله.

إلا أن قيس بن محمد يعود في نهاية بحثه فيقول: إلا أنه يمكن للطبيب وقد لاحظ عدم إمكانية إخبار مريضه، فيجوز أن يخبر بذلك أهله وأقاربه ليتولوا هم إخباره، إلا أن عليه أن يختار التعابير المناسبة. وكما يقول الإمام السبكي: وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول.



و من أدب الطبيب أن يكون حسن المظهر. إذ يجب أن يكون لباسه جميلاً ونظيفاً ومتناسقاً مع الوظيفة التي أناطها الله به. ومن هذا أيضاً أن يحافظ على صحته، فإنه إذا عدم الصحة كان محلاً لعدم الثقة والنفرة من المرضى.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:02 AM
تطبيب الجنس للجنس الآخر



عن الرُّبيع بنت معوذ قالت: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي ونردُّ القتلى إلى المدينة، [رواه البخاري]. قال ابن حجر: في الحديث دليل على جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل عند الضرورة. وقال في باب هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل: أما حكم المسألة فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك... والحديث يدل على مداواة النساء للرجال، فيؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس.



و لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل غزوة يسهم بين نسائه فأيها خرج السهم عليها خرجت معه. وكانت الصحابية المتطوعة للتمريض، يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تكون في رفقة نساء قومها أو أن تكون في رفقة أم المؤمنين التي كانت قرعتها في الخروج معه عليه السلام. ولقد اشتهرت رفيدة الأنصارية [عن أسد الغابة في معرفة الصحابة] بمداواة الجرحى في العهد النبوي، ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة ضمن مسجده الشريف، كانت كمستشفى ميداني لمعالجة الجرحى في غزوة الخندق

و يوضح الدكتور النسيمي هذه النقطة بقوله: الأصل عدم جواز معاينة ومداواة الرجل المرأة غير المحرم أو العكس لوجود النظر والجس فيهما. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة كعدم توفر طبيبة تثق المريضة في مهارتها، أو لعدم توفر طبيبة في ذلك الاختصاص. أو لحاجة المسلمين إلى الرجال من أجل الجهاد.



أدب عيادة المريض

و هي من الآداب الإسلامية التي يخاطب بها عموم المسلمين ويخص بها الطبيب لاتصاله المباشر بالمرضى.

و الطبيب علاوة على كونه يؤدي مهمته، فإن التزامه بهذه الآداب هي من تمام حق المسلم على أخيه وبذلك يكون أداؤه لمهمته أكمل وأتم.

و عيادة المريض هدي نبوي كريم وأدب ديني للأمر بها والأجر والفضل عليها:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض " [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس " [رواه البخاري ومسلم].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك و؟أنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " [رواه مسلم].

و عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفَة الجنة حتى يرجع. قيل: يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: جناها " [رواه مسلم].

و قد سن للزائر أن يدعو للمريض بالشفاء. وفي الدعاء له قول خير وتطبيب لنفسه وتنبيه له للالتجاء إلى الله تعالى مزيل البأس ومالك الشفاء فيكتسب المريض مزيداً من الطمأنينة. عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المريض يدعو له فيقول: " أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " [رواه مسلم].

و عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده قال: " لا بأس طهور إن شاء الله " [رواه البخاري].



و لقد لفت نبيُّ الرحمة صلى الله عليه وسلم الانتباه إلى ناحية هامة عند زيارة المريض، سواء كان الزائر طبيباً أم قريباً أم صديقاً وهي ألا يتكلموا في حضرة المريض بما يثير مخاوفه أو يأسه. بل عليهم أن يفعلوا ما يطيب نفسه ويدخل السرور والبهجة.

عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " [رواه مسلم].

كما اهتم ديننا الحنيف بإدخال الطمأنينة على المريض وزيادة أمله في الشفاء. فلقد عَلّق ابن القيم على قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لكل داء دواء " فقال: في هذا الحديث تقوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب الدواء. فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيد تعلق قلبه بروح الرجاء وبرد من حرارة اليأس.

و من هنا نفهم كيف حول الإسلام عيادة المريض من زيارة عابرة ليجعل منها علاجاً روحياً يرفع من معنويات المريض ويقوي أمله في الشفاء، فضلاً عن تحقيق الرعاية والمؤانسة له، وشد أزر أهله وذويه.



مراجع البحث

1. أبو بكر محمد بن زكريا الرازي:عن كتابه (أخلاق الطبيب) تحقيق عبد اللطيف محمد العبد _ القاهرة: 1977

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

3. عبد الملك بن حبيب الأندلسي: عن كتابه (الطب النبوي) تحقيق محمد علي البار _ دمشق: 1993.

4. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

5. الدكتور أحمد شوكت الشطي: عن كتابه (الوجيز في الإسلام والطب) دمشق: 1960.

6. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ بيروت: 1992.

7. دكتور زهير أحمد السباعي ودكتور محمد علي البار: عن كتابهما (الطبيب أدبه وفقهه) دمشق: 1993.

1. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية) دمشق: 1991.

8. دكتور عبد الستار أبو غدة: (فقه الطبيب وأدبه) عن أعمال المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي _ الكويت: 1981.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:03 AM
مفردات الأدوية والأطعمة القرآنية والنبوية

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:05 AM
مقدمة



و يتضمن عرضاً لمفردات الأدوية التي جاء ذكرها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم مبتدئاً في كل مفردة بذكر النصوص الثابتة الواردة فيها مع ذكر رأي أهل الاختصاص في الحديث فيها. ثم أتبع ذلك بنقل أقوال مقتضبة للأطباء المسلمين حول ما وجدوه من منافع فيها، ثم نذكر مختصراً عن كل ما وصل إلينا من أبحاث طبية حديثة حول فوائدها واستطباباتها، مشيراً في بعض المواقع إلى ما نجده من سبق علمي في كلام النبوة.

كما نذكر الفوائد الغذائية والعلاجية لما صح عن طعامه صلى الله عليه وسلم والأطعمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم إما لأن الله سبحانه أقسم بها أو بارك فيها:

{من شجرة مباركة زيتونة}

{و التين والزيتون}

أو ذكرها لفضلها ومنافعها. منبهين إلى أن قاعدة (اعدل عن الدواء إلى الغذاء) يقرها جميع الأطباء، قديمهم وحديثهم، مؤكدين على وجوب الاستفادة من الخواص العلاجية للأغذية قبل اللجوء إلى الدواء.



و في الصفحات التالية، تلك الأدوية والأطعمة النبوية والقرآنية مرتبة حسب الحروف الأبجدية.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:06 AM
الأترج



عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحه طيب " [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن القيم: وفي الأترج منافع كثيرة من قشر ولحم وحمض وبزر. ومن منافع قشره أن رائحته تصلح فساد الهواء، ويطيب النكهة إذا أمسكها بالفم وإذا جعل في الطعام أعان على الهضم. وأما لحمه فملطف للمعدة.

و قال الغافقي: أكل لحمه ينفع من البواسير. وأما حماضه فقابض، كاسر للصفراء، ومسكن للخفقان، نافع من اليرقان، مشه للطعام ونافع من الإسهال الصفراوي، وتنفع طلاءً من الكلف، وله قوة تطفئ حرارة الكبد، وتقوي المعدة، وتسكن العطش... وأما بزره فله قوة مجففة.

و قال ابن ماسويه: خاصة حبة النفع من السموم القاتلة إذا شرب منه وزن مثقالين مقشراً بماء فاتر، وإن دق ووضع على موضع اللسعة نفع... وحقيق بشيء من منافعه أن يشبه النبي صلى الله عليه وسلم خلاصة الوجود وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن.



و الأترج Citrus Medica Cedrata من الحمضيات، ومن أسمائه تفاح العجم وليمون اليهود. وهناك اختلاف بين المؤلفين. هل هو نفسه ما يدعى بالكباد (في ديار الشام) أو أن الكبّاد هو نوع قريب من نفس الفصيلة البرتقالية Aurantiaceae.



يزرع في المناطق المعتدلة الحارة وثمره كالليمون الكبار ذهبي اللون، ذكي الراحة، حامض الماء. وقد جاء ذكره في سفر اللاوّيين من التوراة: {تأخذون لأنفسكم ثمر الأترج بهجة}.

و هو نبات دائم الخضرة من أشجار الحمضيات، يؤكل طازجاً ويشرب عصيره بعد مزجه بالماء وتحليته بالسكر كشراب منعش ومرطب ومهضم. وهو مصدر جيد للفيتامينات " ج " و" ب 1 " و" ب 2 ".

و يصنع من قشره مربى لذيذ الطعم. والقشر هاضم وطارد للرياح لاحتوائه على زيت عطري. كما يفيد كمقشع صدري ومضاد لداء الحفر.



و ذكر ابن سينا أن حامض الأترج يجلو العين _ إن اكتحل به _ ويذهب الكلف من الوجه _ طلاء _ ويسكن غلمة النساء _ شرباً _.

و مغلي أوراقه يسكن النفخ، ويقوي المعدة، ويقوي الأحشاء، وزهره ألطف في تسكين النفخ.

مراجع البحث

ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي وزاد المعاد) من تحقيق عبد القادر الأرناؤوط

الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة) تحقيق القلعجي.

مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) _ دمشق: 1988.

أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) _ بيروت: 1982.

دكتور محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) _ دمشق: 1990.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:07 AM
اكتحلوا بالإثمد



عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر "، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل يكتحل في اليمنى ثلاثة يبتدئ بها ويختم بها وفي اليسرى ثنتين [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد وقال الترمذي: حديث حسن]. عن ابن عباس أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر " [رواه الترمذي وحسنه وابن ماجة، وصححه ابن حيان].

قال ابن حجر: والإثمد حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده ما يؤتى من أصفهان. وفي هذه الأحاديث استحباب الكحبل بالإثمد للرجال وللنساء قال الرئيس ابن سينا عن الإثمد أنه يحفظ صحة العين ويذهب وسخ قروحها. وقال العلامة البغدادي: الإثمد ينبت الهدب ويحسن العيون ويحببها إلى القلوب ولا يوافق الرمد الحارّ، وقال الكحال ابن طرخان: هو أجود أكحال العين لا سيما للمشايخ والذين ضعفت أبصارهم إذا جعل فيه شيء من المسك.

و الإثمد من أشباه المعادن ورمزه Sb ويدعى بالأنتموان Antimony. ويوجد في الطبيعة بشكل حر ولكن الأغلب وجوده بحالة سولفيد أو أكسيد أو أوكسي سولفيد وشكله بحالة سولفيد هو المصدر الرئيسي للمعدن. وهو معدن هشّ سريع التفتت، لامع ذو تركيب رقائقي بلون أبيض فضي عندما يكون نقيّاً وبلون سنجابي عندما يكون مرتبطاً وعندما يفرك بين الأصابع ينشر رائحة واضحة [هذا التعريف عن الإثمد منقول عن كتاب Rewington

و يوجد للإثمد مركبات عضوية كالأنتومالين والفؤادين والغلوكانتيم، وأخرى معدنية مثل طرطرات الإثمد والبوتاسيوم، طرطرات الإثمد والصوديوم، وله خصائص دوائية عديدة من مقشعة ومقيئة، كما تصنع منها بعض المراهم الجلدية. كما ويؤثر على زمر جرثومية كثيرة ويبيد العديد من الطفيليات كاللايشمانيا والبلهارسيا والمثقبيات والخيطيات. ويستعمل في بريطانيا لمعالجة البلهارسيا.

و يؤكد الدكتور حسن هويدي أن جلاء البصر بالإثمد إنما بتأثيره على زمر جرثومية متعددة، وبذلك يحفظ العين وصحتها، إذ أن آفات العين التهابية جرثومية، وعندما تسلم الملتحمة من الاحتقان يمكن أن يكون البصر جيداً. ويقول أن إنباته للشعر ثابت علمياً، إذ أن من خصائص الإثمد الدوائية تأثيره على البشرة والأدمة فينبه جذر الشعرة ويكون عاملاً في نموها، لذا يستعملون مركباته (طرطرات الإثمد والبوتاسيوم) لمعالجة بعض السعفات والصلع، تطبق على شكل مرهم بنسبة 2 _ 3 %. وهذه الفائدة في إنبات الشعر تنفع العين أيضاً لأنها تساعد على نمو الأهداب التي تحفظ العين وتزيد جمالها.

يا لروعة الاختيار النبوي. لقد كان عند العرب زمن النبي صلى الله عليه وسلم العديد من الأكحال استعملوها للزينة، وكما يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي: فقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم كحل الإثمد لأنه يقوي بصيلات أهداب العين فيحفظ الرموش فتطول أكثر، وبذلك تزداد قدرتها في حفظ العين من أشعة الشمس، وفي تصفية الغبار والأوساخ، فتزيد الرؤيا وضوحاً وجلاءً أكثر منها في استعمال الأكحال الخالية من الإثمد.

و إذا كان البعض يريد أن يطعن في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للاكتحال بالإثمد من جراء وجود حوادث انسمام عند بعض الحوامل نتيجة الاكتحال بأكحال مغشوشة تحتوي على عنصر الرصاص السام، فالانسمام إنما يحصل من غش الإثمد بالرصاص وليس من الاكتحال بالإثمد كما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

و إننا نتوجه بالدعوة إلى صناع الدواء ومواد التجميل من المسلمين الغيورين أن يقدموا لأمتهم كحلاً صافياً من الإثمد، خالياً من مركبات الرصاص السّامة، كي يتمكن أن يطبقه بأمان، كل من رغب في إحياء سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام بالاكتحال بالإثمد.

مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري على صحيح البخاري).

3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

4. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).

5. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ الطبعة 3 _ 1991.

6. حسن هويدي: عن مقالة له في مجلة حضارة الإسلام _ المجلد 11 العدد 5 لعام 1970.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:08 AM
إلية شاة أعرابية



عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " شفاء عرق النسا شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم تشرب في كل يوم جزء " قال أنس: وقد وصفت ذلك لثلاث مائة نفس كلهم يعافيه الله، [رواه ابن ماجة. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي رواية للطبري بإسناد حسن (إلية كبش)].

قال الكحال ابن طرخان: هذه المعالجة تصلح للأعراب والذين يعرض لهم هذا المرض من يُبس، وقد ينفع ما كان من مادة غليظة لزجة بالإنضاج والإسهال، فإن الإلية تنضج وتسهل وتلين. وقصد بالشاة الأعرابية قلة فضولها وصغر حجمها ولطف جوهرها ولمكان رعيها أعشاب البر الحارة كالشيح والقيصوم ونحوها ... ويرى ابن القيم في الطب النبوي أن هذا الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الخاص لأهل الحجاز ومن والاهم من أعراب البوادي فإنها أنفع العلاج لهم.

و يطلق (عرق النسا) أو الألم الوركي على ألم عصبي ذي صلة بالعصب الوركي يمتاز عما يمتد على الوجه الخلفي من الفخذ والساق. ويبدو أن المصطلح هذا لم يتغير مفهومه حديثاً عما فهمه القدماء. فقد عرفه الكحال (650 ميلادي): بأنه وجع يبتدئ من مفصل الورك وينزل من خلف وربما امتد على الكعب وكلما طالت مدته زاد نزوله وينتهي إلى آخر القدم من وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر.

و لعرق النسا أسباب عدة، وأكثر حوادثه تنجم عن فتق النواة اللبية للغضاريف بين الفقرات والذي يؤدي إلى انضغاط الجذور العصبية، كما أن التعرض للبرد يسبب الاحتقان الدموي داخل السيساء المؤدي إلى ذلك الانضغاط، وقد تنجم عن الرثية أو الإنسمامات أو الإصابة بداء المفاصل الفقرية أو الأنتان بالعصيات الكولونية التي تستوطن الأمعاء وتصبح ممرضة في ظروف خاصة.

و قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم لعرق النسا إلية شاة أعرابية، أو إلية كبش على رواية أخرى بمناسبة إصابة أحد الصحابة بعرق النسا.

و يرى الدكتور النسيمي في تعليل هذه الوصفة: أن إصابة ذلك الصحابي ربما كانت ناتجة عن أنتان بالعصيات الكولونية. وإن تناوله للدهن بهذه الكمية يؤدي إلى إسهال يقوم بعملية طرد الجراثيم من الأمعاء التي تعد موئلاً لها، هذا إلى جانب حكم أخرى الله أعلم بها، لم يتوصل إليها العلم بعد.

و نحن هنا نوجه اهتمام الأخوة الباحثين من الأطباء المسلمين دراسة حول هذا الموضوع لكشف أسراره العلمية وما ينطوي عليه من إعجاز نبوي.



مراجع البحث

1. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (زاد المعاد من هدي خير العباد) تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط.

3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ بيروت: 1991.

4. دكتور حسني سبح: عن كتابه (الأمراض العصبية).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:17 AM
البطيخ Pasteque أو Water Melon



عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب [رواه أبو داود والترمذي وحسنه]. وزاد أبو داود: وكان يقول: " نكسر حر هذا ببرد هذا ". [وصححه السيوطي: قال الأرناؤوط: إسناده صحيح].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ وكان أحب الفاكهة إليه. [رواه الطبراني في الأوسط والحاكم، وصححه السيوطي]



قال ابن القيم: والمراد بالبطيخ الأخضر. وهو أسرع انحداراً عن المعدة من القثاء والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أيّ خلط كان صادفه في المعدة وينبغي أكله قبل الطعام. فقد قال عنه بعض الأطباء أن أكل البطيخ قبل الطعام يغسل البطن غسلاً ويذهب بالداء أصلاً.

و قال البغدادي: الأخضر بارد رطب، والأصفر أميل إلى الحرارة وكله مفيد مدر للبول، سريع الهضم دلوكه مذهب لنمش الوجه لاسيما بزره، يذيب حصى الكلية والمثانة، والإسراف في تناوله بعد الطعام يسبب عسر هضم، لذا ينبغي تناوله بعد فترة كافية من تناول الطعام.

و البطيخ نبات حولي صيفي زاحف من الفصيلة القرعية وأوّل ما زرع في الهند ومصر حيث ورد ذكره في أوراق إيبرس الطبية ومنها انتقل إلى دول حوض البحر الأبيض المتوسط. وهو من أهم فاكهة الصيف لاحتوائه على نسبة عالية من الماء (90 _ 93 %) وهو يطفئ الظمأ ويرطب البدن.



و يحتوي البطيخ الأخضر على السكر (6 _ 9 %) وهو غني بالفيتامين ج = c، وفقير بالفيتامين آ وحمض النيكوتين، ويحتوي على الأملاح المعدنية بنسبة جدية وخاصة الفوسفور والكلور والكبريت والصود، ولغناه بالبوتاسيوم له فعل مدر معروف. ويرى عالم التغذية الأمريكي (إينسلي) أن عصير البطيخ يقي من التيفوئيد ويفيد المصابين بالرثية (الروماتيزم).

بذور البطيخ ذات قيمة غذائية عالية فهي تحتوي على الدهون بنسبة 43 % والبروتين 27 % والسكاكر 15 % وتستخدم ملينة ومجددة للقوى وتؤكل محمصة مع النقول (المسليات). ومن أسماء البطيخ (الجبس).

أما البطيخ الأصفر Le melon أو الشمّام فهو أغنى بالفيتامينات والبروتينات (ففيه بروتين 0.7 % ودسم 0.2 % وسكر 6 %) وعلى فيتامين ج وب 2 والمهادن من كبريت وفسفور والحديد والنحاس والصود والبوتاس والكلس والمانيزا. ولذا فهو مغذ جيد، دافع للجوع، وأجوده ما كان خشن الملمس ثقيل الوزن ذا أخاديد واضحة.

و البطيخ الأصفر كالأخضر مرطب ومطفئ للعطش، ويزيد عنه في خواصه الشّافية فهو علاج ممتاز للإمساك إذا أخذ على الريق. وإن وَضعَ شرائحه على الجلد المتغضن _ الجعد _ يكسبه نضارة وليونة، كما انه مفيد لمعالجة التهابات الجلد. ولا ينصح بتناوله للمصابين بالتهاب المعدة والأمعاء لأنه لا يهضم بسهولة. وماؤه ينقي الجلد من الكلف والنمش.

مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق القلعجي: 1988.

3. أحمد بن يوسف التيفاشي: عن كتابه (الشفاء في الطب) تحقيق القلعجي: 1988.

4. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.

5. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) _ بيروت: 1982.

6. دكتور محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) _ دمشق: 1990.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:18 AM
التكميد Pomentation



عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكان الكي التكميد " [رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن في سنده إبراهيم النخعي وهولم يسمع من عائشة إلا أن عدم سماعه لا يضر لأن مراسليه صحيحة عند أهل الحديث (الأستاذ محمد عوامة)].

عن عبد الله بن مسعود أن ناساً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن لنا صاحباً لنا اشتكى أفنكويه؟ فسكت ساعة ثم قال: " إن شئتم فاكووه، وإن شئتم فارضغوه " [رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. إلا أن البخاري نقل في كتاب (الكنى) ما يفيد سماعه عن أبيه]. قال ابن الأثير: أي كمده بالرضف وهي الحجارة المحّماة على النار وواحدتها رضفة.

لقد أكثر العرب في جاهليتهم من استعمال الكي ولا سيما في معالجة الآلام، وجاء الإسلام فنهاهم عن الكي دون وجود استطباب صحيح من ذوي الخبرة وأهل الفن. وأشار عليه الصلاة والسلام إلى أن البديل هو واسطة علاجية فيزيائية مسكنة للألم، لها فوائدها الجمة وهي التكميد.

و تكميد العضو: تسخينه بخرق ونحوها وكذا الكِمادُ بالكسر، فإذا أطلق الكماد فالمراد به الحار. ولا يزال الطب الشعبي حتى زماننا هذا يعالج مغص البطن وبعض الآلام لا سيما من منشأ بردي وذلك بتكميدها بخرقة (بشكير) مسخن أو بحجرة أو فخارة مسخنة بعد لفها بخرقة لتحاشي حدوث حرق جلدي.

و الطب الحديث يستعمل التكميد لمكافحة الألم ويستعمل لذلك القماش البلول بالماء الحار في حرارة محتملة وقد يضاف إليه بعض الأدوية. وتحضر الكمادات الحارة بغطس منشفة أو قطعة من الشاش الطري، مطوية عدة طيات، في الماء الحار، ثم يلف بها العضو المراد تكميده من صدر أو بطن أو أحد الأطراف، وقد يوضع فوقها قطعة من المشمع الكتيم أو المطاط أ والنايلون ويلف فوقها رباط لحفظها.

و تفيد الكمادات الحارة في معالجة احتقانات الرئة وذات القصبات، وذات القصبات والرئة، وآلام البطن والحوض، وفي الالتصاقات المختلفة التالية للالتهابات أو العمليات المختلفة أو تسريع عملية نضج القيح في الخراجات والدمامل وبذلك تخفف من آلامها وينحصر القيح في الخراج وذلك يساعد على انبثاقه وخروجه أو إلى تفجيره بالمبضع.



مراجع البحث

1. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).

2. الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:19 AM
التمر … وقاية وترياق



التمر ... وقاية وترياق

النخل قديم قِدم الإنسانية. واختلف في تحديد مكان نشأته ويرى العالم بكاري أن موطنها الأصلي هو الخليج العربي. ويذكر ابن وحشية رأيان: أحدهما أن موطن النخيل الأصلي هو البحرين والثاني أنها الأحساء ثم انتشرت في شبه الجزيرة العربية [عن مجلة العربي - عدد آذار 1981 م، ربيع الثاني 1401 هـ]. كما عثر زين هارت في مقبرة في مصر على مومياء ملفوفة في حصير من سعف النخل، كما عثر على نخلة كاملة في إحدى مقابر سقارة حول مومياء من عصر الأسرة الأولى (3200 عام قبل الميلاد). كما أن كثيراً من الأديرة القبطية بها كتابات تذكر ما للتمر من فوائد. وقد ذكر التمر في التوراة والتلمود والقرآن، واستخدم عيسى عليه السلام أغصانها كرمز للسلام.

و قد جاء نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ليؤكد أهمية هذه الثمرة حيث خاطب عائشة رضي الله عنها: " يا عائشة بيتٌ لا تمر فيه جياع أهله يا عائشة بيت لا تمر فيه جياعٌ أهله، قالها مرتين أو ثلاثاً " [صحيح مسلم].

و قد يتساءل الكثيرون كيف استطاع المسلمون الأوائل فتح ربع المسكون من الأرض في ثلث قرن وإدارة التموين في جيوشهم لا تقدم لهم في غالب الأحيان سوى جراب من التمر وقليل من الماء، فهل يستطيع الإنسان أن يعيش شهوراً على الماء والتمر؟ ...

عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت له: والله يا ابن أختي، إنّا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقدت في بيت رسول الله نار. قال: فقلت يا خالة ما كان يُعيشُكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء [رواه البخاري ومسلم]، وعن عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شبعنا من الأسودين: التمر والماء [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن حجر: فالمراد أنه عليه الصلاة والسلام شَبع حين شَبعوا واستمر شبعهم وابتداؤه من فتح خيبر وذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات. ومراد عائشة من الشبع هو من التمر خاصة دون الماء ولكن قرنته به إلى أن تمام الشبع حصل بهما. أما كلمة الأسودان فقد ذكر لسان العرب عن الأصمعي قوله: الأسودان التمر والماء وإنما الأسود التمر دون الماء وهو الغالب على تمر المدينة، والعرب تفعل ذلك في الشيئين يصطحبان يسمّيان معاً بالاسم الأشهر منهما حيث قالوا: القمران، للشمس والقمر.

هذا وتمر ثمرة النخيل بخمسة أطوار ويحتاج تكونها إلى 6 أشهر تقريباً. وطورها الأول يسمى الحبابوك أو السّدي الذي يتشكل فور إلقاح الزهرة حيث تكون كروية الشكل، مرَّة الطعم، والثاني: البلح حيث تأخذ بالنمو والاستطالة مخضرة اللون ذات طعم عفصي. والثالث البُسر أو الخلال حيث تبدو صفراء محمرة حلوة الطعم مشوبة بطعم عفصي، والرابع الرُّطب عندما يصبح نصفها السائب لحمَّي القوام عسلية اللون مطاوعة لينة حلوة سكرية الطعم، وأخيراً تصبح الثمرة تمرة فيعتم لونها وتتجعد قشرتها، وكلمة (تمر) هي العامة غير أنهم يسمّونها (بلحاً). والعجوة ما هي إلا نوع من التمر.



تركيب التمر:

يحتوي التمر على عشرات المواد الغذائية الهمة والتي تفي حاجات البدن لقيامه بأنشطته الحيوية. فهو غني بالسكريات، غني بالألياف، فقير بالدهون، فيمثل بذلك الغذاء المثالي الذي توصي به الجمعيات الصحية العالمية.

فالتمر يعتبر أغنى المواد الغذائية بالسكريات وأرخصها على مدار السنة إذ يمكن خزنه لكل الفصول. وتمثل السكريات Carbohydrate 70 _ 73 % من وزن القسم المأكول من التمر منها سكاكر أحادية (سكر العنب والفواكهة) كمكون أساسي ذو امتصاص سريع وسهل، ومنها سكاكر ثنائية (سكر القصب أو السكّر العادي) موجودة في الثمرة الناضجة بكميات قليلة حيث يكون معظمها قد تحول إلى سكاكر أحادية في فترة النضج.

و يحتوي التمر على 2 % من وزنه على البروتينات، وهي رغم قلتها تفوق نسبتها ما تحويه كل أنواع الخضار والفواكه الأخرى من هذه المواد القيمة والتي تعتبر المادة الأساسية لبناء الخلايا. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن معظم هذه البروتينات موجود على شكل حموض أمينية هامة، حيث أن كلاً من اللب والنواة تحتوي على 12 حمضاً أمينياً منها حمض الغلوتاميك والأسبارتيك والغليسين والسيرين والأرجنين والتربتوفان، كما وجد أن التمر من أغنى المصادر بالحمض الأميني النادر Pepicolic acide.

أما الدهون فقد وجد كلفلاند [عن كتاب (الأسودان: التمر والماء)]. أن نسبتها تبلغ 0.31 _ 1.9 % من وزن الثمار الناضجة (منزوعة النوى). ومعظمها موجودة في قشرة الثمرة على هيئة شمع. وللألياف التي تدخل في تركيبه بنسبة 8.5 % أهمية خاصة وتشمل المادة السللوزية المكونة لجدران خلايا الثمرة كما تشمل الهميسللوز وهي من السكريات المعقدة التي تختلف عن السللوز في إمكانية تحولها إلى سكر العنب.

و تحتوي كل 100 غ من التمر على 60 _ 174 وحدة دولية من الفيتامين أ _ A الضروري لنمو الأطفال ويحفظ رطوبة العين ويقوي البصر ويزيد مقاومة الأغشية المخاطية ضد الجراثيم، ويصلح الكثير من الاضطربات الجلدية. كما يتوفر في التمر الفيتامين ب 1 المضاد لالتهاب الأعصاب والمفيد في معالجة الإجهاد الفكري والعضلي، والفيتامين ب 2 الضروري لعمل الكبد ويعالج تشقق الشفاه وتكسر الأظافر وجفاف الجلد. وعلى نسبة عالية من فيتامين د _ D الذي يساعد في تثبيت الكلس في العظام والأسنان.

أما العفص Tannin _ المادة القابضة فتوجد _ في معظم التمور في مرحلة البُسر والبلح ويكون في الطبقة القريبة من القشرة، ويترسب تدريجياً في مراحل النضج محمولاً إلى حبيبات غير قابلة للذوبان. والأصناف التي تكاد تكون خالية من العفص في مرحلة البلح _ مثل حلوة المدينة _ يمكن أن تؤكل وهي في ذلك الطور. هذا وإن كل 100 غ من التمر (ما يعادل 10 _ 12 ثمرة) تعطي ما بين 248 _ 297 حريرة تبعاً لصنف التمر ودرجة نضجه.

و التمر أغنى المصادر الغذائية بالأملاح المعدنية فهو يحتوي على المغنزيوم والبوتاسيوم والكالسيوم والحديد والفوسفور والفلور وفيه قليل من الصوديوم. ويعتبر من أغنى الفواكه بالفوسفور فكل 100 غ من التمر تحتوي على 40 _ 72 ملغ فوسفور، لذا فهو الغذاء المفضل لحجيرات الدماغ وينشط الفكر للعاملين بأدمغتهم، كما يساعد أيضاً في تنشيط الوظيفة الجنسية ويقوي الباه، كما يدخل في بناء العظام والأسنان. وهو غني بالبوتاسيوم الذي يعتبر هاماً للعديد من وظائف البدن ويوجد في كل خلية من خلاياه، فهو ضروري لعمل القلب والعضلات والجهاز العصبي وللمحافظة على سكر الدم. كما أن تناول 100 غ من التمر تموّن البدن بسدس حاجته اليومية من الحديد الذي يعتبر نقصه من أهم المشاكل الغذائية شيوعاً وما ينجم عن ذلك من آفات يأتي في طليعتها فقر الدم. كما تموّنه بخمس حاجته من المغنزيوم وإن نقصه يعتبر عاملاً مساعداً في حدوث ارتفاع الضغط الدموي، كما يؤدي إلى الإعياء والتشنجات العضلية والضعف العام والرجفان وقد يحدث تسرع في القلب وإعياء في الذهن.

و يرى بعض العلماء [الدكتور جبار حسن النعيمي والدكتور الأمير عباس عن كتاب (الرطب والنخلة) لعبد الرزاق السعيد _ جدة 1985] أن خلو سكان الواحات من مرض السرطان يعود إلى كثرة تناولهم للتمر الغني بالمغنزيوم.

و تقدر كمية الفلور [عن بحث للدكتور رأفت حسين من الفجيرة، لخصه سيد عثمان في مجلة الاتحاد الإماراتية 20 / 12 / 1991] في التمر بـ 4 أضعاف ما تحتويه الفواكه الأخرى، وهو يلعب دوراً في المحافظة على سلامة الأسنان ومنع تسوسها، وهذا يفسر احتفاظ سكان البوادي بأسنان سليمة وقوية لتناولهم اليومي لكميات كبيرة من التمر الذي يحتوي أيضاً على الكالسيوم والفوسفور الضروريان لذلك.

و يعتقد العلماء [عن مقالة لأجود الحراكي عن التمر _ مجلة حضارة الإسلام، العدد 7 المجلد 18 لعام 1977 _ أيلول] أن وجود الأملاح المعدنية القلوية في التمر يسبب تعادل حمضة الدم المتأتية عن تناول النشويات بكثرة، والمعروف أن حموضة الدم هي السبب في الإصابة بعدد من الأمراض الوراثية كحصيات الكلى والمرارة والنقرس وارتفاع ضغط الدم والبواسير وغيرها. وفي تجارب على نوى التمر في تغذية الحيوانات تبين أنها تحتوي على هرمون أنثوي له تأثير خاص على وزنها كما أنها تفيد في إزالة المغص والإسهال عندها.

و تدل الأبحاث العلمية [عن مقالة لأجود الحراكي عن التمر _ مجلة حضارة الإسلام، العدد 7 المجلد 18 لعام 1977 _ أيلول] أن للتمر خواصّ مثبطة للنشاط الدرقي المفرط والذي يسبب المزاج العصبي عند الأطفال، لذا ينصح الأطباء بإعطاء التمر صباحاً لأمثال هؤلاء الأطفال لتضفي على نفسه الهدوء والسكينة.



التمر وارتفاع الضغط:

ارتفاع ضغط الدم مرض شائع جداً وقد ثبت أنه ينبغي على المصابين به أن يخففوا كثيراً من تناول الملح. وعلى العكس من ذلك فإن الأغذية الغنية بالبوتاسيوم تفيد في الوقاية من ارتفاع ضغط الدم وفي معالجته أيضاً. وللأسف فإن عمليات تحضير الطعام وتعبئته تزيد من كمية أملاح الصوديوم فيه وتنقص من كمية البوتاسيوم. ومن الملاحظات الهامة لربات البيوت أن طهي الطعام بكمية قليلة من الماء وعدم إضافة الملح إليه يخفقان من فقد البوتاسيوم أثناء عملية الطهي.

و ينصح خبراء التغذية [Davies Stewart: " Nutritional Medicine " London , 1987] المصابين بارتفاع الضغط بتناول الأغذية الغنية بالبوتاسيوم والإقلال من تناول ملح الطعام. ويؤكدون أن مثل هذا الإجراء كاف لوحده للشفاء، وربما دون حاجة لأي علاج إذا كان ارتفاع ضغط الدم طفيفاً. وهناك دراسات تشير إلى أن إعطاء المغنزيوم لمجموعة من المصابين بارتفاع الضغط ممن يتناولون المدّرات البولية قد أدى إلى مزيد من ضغط الدم عندهم.

و قد وجدنا من خلال بحثنا في تركيب التمر أنه غذاءٌ مناسب للمصابين بارتفاع ضغط الدم فهو فقير بالصوديوم (5 ملغ في كل 100 غ من التمر) غني بالبوتاسيوم (تعطي الـ 100 غ منه نصف حاجة الجسم اليومية من البوتاسيوم) كما أنه غني بالمغنزيوم أيضاً، وكلها عوامل تتضافر على خفض ضغط الدم المرتفع.

التمر والإمساك:

لا تخلو أعداد المجلات الأمريكية الشهيرة المختصة بالتغذية من دعاية لمعالجة الإمساك بتمور كاليفورنيا وحري بنا نحن المسلمين أن نعالج مرضانا المصابين بالإمساك بالتمر، وبلادنا منبت التمر منذ أقدم العصور ونبينا الكريم دعانا إلى أن نتصبح بالتمر فقال: " من تصبح كل يوم بسلع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سمٌ ولا سحر ".

و الإمساك صعوبة في خروج البراز أو نقص عدد مرات التغوط أو خروج براز قاسي القوام. ومن أهم أسبابه ممارسة المهن التي تتطلب عدم الحركة طيلة النهار، والتهاب القولون التشنجي وكثرة تناول مضادات الحموضة ومضادات الهمود. ومما لا شك فيه أنه أياً كان السبب في حدوث الإمساك فإن إضافة الألياف إلى الغذاء تساعد على التخلص منه. والاعتياد على تناول التمر الغني جداً بالألياف علاجٌ جيد.



التمور والبواسير:

البواسير هي توسعات وعائية وريدية في منطقة الشرج، وقد تتعرض للالتهاب أو التشقق أو النزف وتحدث ألماً وخروج الدم مع البراز. وإنّ دائرة معارف كاليفورنيا [University of California: " The Wellness Encyclopedia , Boston , 1991] تؤكد: أن أفضل علاج لتجنب البواسير هي تجنب الإمساك.

فاشرب كمية وافرة من الماء، وتناول الأغذية الغنية بالألياف كالفواكه والخضراوات والبقول والخبز الأسمر، وتناول التمر يساعد في القضاء على الإمساك ومن ثم التخلص من البواسير.



التمر والألياف:

ازداد اهتمام العلماء في السنوات العشر الأخيرة. بموضوع الألياف في الغذاء. ويرى بوركيت Burkit [عن كتاب (الأسودان: التمر والماء) للدكتور حسان شمسي باشا] أن تزايد أمراض العصر في المجتمعات المتحضرة وقلتها في مجتمعات العالم الثالث يعود إلى كثرة ما تتناوله هذه الشعوب من الألياف في غذائها.

إن الغذاء الغني بالألياف ومنه التمر، يفيد أولئك الذين يرغبون في تخفيف وزنهم فهو يعطيهم إحساساً بالشبع يقلل من تناولهم للطعام. كما أن تناول الألياف يعدّل تركيب الأملاح الصفراوية مما ينقص من احتمال تشكل حصيات المرارة. والألياف تزيد من حجم البراز وتسهل مروره في الأمعاء مما يخلص المريض من مشكلة الإمساك المزمن.

و يشكو المصابون من داء الرتوج Diverticulosis من الإمساك المتناوب مع الإسهال مع ألم أسفل البطن. وإن تناول طعام غني بالألياف يخفف أعراضه ويمكن أن يشفى المصابون تماماً بتغيير بسيط في نوعية الغذاء وإدخال كمية أكبر من الألياف في طعامهم اليومي. كما أثبتت الدراسات الحديثة ندرة حدوث سرطان القولون في المجتمعات التي تتناول غذاءً غنياً بالألياف حيث تبين أن بعض الألياف قادر على امتصاص المواد السمّية المسببة للسرطان والناجمة عن التخمرات الجرثومية في القولون. كما أن معظم المرضى المصابين بالتهاب القولون التشنجي يستفيدون من الحمية الغنية بالألياف. وقد أكّد باحثون من هولندا أنّ تناول غذاء يحتوي على كمية من الألياف تقل عن 37 غ في اليوم يترافق بازدياد نسبة حدوث السرطان بشكل عام بـ 3 أضعاف تقريباً.

و بالنسبة للمصابين بالداء السكري فإنّ أحدث التوصيات التي أصدرتها المؤسسات الطبية الأمريكية تنصح بتناول غذاء غني بالكربوهيدرات المعقدة الغنية بالألياف والذي ينقص التأرجحات الكبيرة التي تحدث في مستوى الدم عقب تناول السكريات.





هل تعيش الجراثيم في التمر؟

عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير تمراتكم البرني، يذهب الداء، ولا داء فيه " [رواه الطبراني والحاكم وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: حديث حسن (صحيح الجامع الصغير)].

يقول الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد في كتابه الرطب والنخلة: حقاً إنّ التمر لا داء فيه، فالجراثيم لا تعيش فيه. فقد لوثت تمور طرية من الأنواع التي تصدر للأسواق الخارجية بجراثيم الهيضة _ الكوليرا _ وبنسبة 100 _ 1000 مرة أكثر مما يشاهد في براز المصابين بالهيضة، واستخدم لذلك ثلاث سلالات مختلفة من الجراثيم الممرضة للكوليرا. وقد ظهر أن الجراثيم لم تعش أكثر من ثلاثة أيام، وهذا يعني أن التمور إذا تعرضت إلى تلوث شديد تصبح خالية من العامل الممرض خلال ثلاثة أيام في الظروف الطبيعية. وقد قام بهذه الأبحاث المعهد البكتريولوجي المركزي العراقي بالتعاون مع الخبير الدولي لمنظمة الصحة العالمية أوسكار فيلزنفيلد الاختصاصي بالكوليرا.

و يقول الدكتوران النعيمي وجعفي [عن كتاب (الرطب والنخلة) للدكتور عبد اللله الرزاق السعيد _ جدة 1985]: لقد أشارت دراسات Turel إلى أن وجود طبقة التانين Tannin في الثمرة يحميها من الطفيليات التي تسبب ظهور بقع متفسخة على سطح الثمرة في مرحلة الرطب.



الرُّطب والولادة

قال تعالى: {فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذعِ النَّخَلَةِ قَالَت يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبلَ هّذَا وكُنتُ نَسياً مَّنسِيّاً فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا أَلاَّ تَحزَنِي قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً وهُزِّي إِلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُسَاقِط عَلَيكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي واشَرِبي وقَرِّى عَيناً} [سورة مريم: الآية من 22 _ 26]

قال القرطبي: في قوله تعالى: {رُطباً جنيّا}: لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه. ونقل عن ابن عباس قوله: كان جذعاً نخراً فلما هزّت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف ثم صار بلحاً ثم زهواً ثم رُطباً... كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء.

و استدل بعض الناس من هذه الآية أنَّ الرزق وإن كان محتوماً فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعيٍ ما فيه لأنه أمر مريم بهزّ النخلة لترى آية...

و ينقل عن الربيع بن خيثم قوله: ما للنفساء عندي خيرٌ من الرطب لهذه الآية، ولو علم الله شيئاً هو أفضل من الرطب لأطعمه مريم، لذلك قالوا: التمر عادة للنفساء منذ ذلك الوقت، وقالوا: إذا عسر ولادها لم يكن خير لها خيرٌ من الرطب ولا للمريض خيرٌ من العسل. {فكلي واشربي وقرّي عيناً} قال القرطبي: أي كلي من الجني واشربي من السريّ وقرّي عيناً برؤية الولد النبي.

يقول الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد [عن كتاب (الرطب والنخلة)]: لقد هيأ الله تعالى الشراب والغذاء المناسبين للسيدة العذراء الماخض فأمرها أن تأكل من الرطب الجنّي الغني بالسكريات وخاصة سكر العنب السريع الامتصاص والذي لا يحتاج إلى هضم ويطلق طاقة ممتازة، كذلك أمرها أن تشرب من السريّ فكأنها تتناول محلول الغلوكوز بالماء، وهذا ما ينصح به الأطباء في يومنا هذا، ينصحون الماخض وهي في حالة ولادة أن تعطى سوائل سكرّية وقد سبقهم القرآن بذلك بألف وأربعمائة سنة.

يقول الدكتور شمسي باشا: ومرة أخرى يلتقي الأسودان: التمر والماء في قوله تعالى " فكلي " من الرطب " واشربي " من الماء.

و لقد أشار عدد من المؤلفين إلى تأثير الرُّطب القابض للرحم، فقد ذكر الدكتور مصطفى محمود [عن مقالة له في مجلة (العلم والإيمان) العدد 30 لعام 1398 هـ]: إنّ أحدث بحث علمي عن الرطب يقول أن فيه مادة قابضة للرحم تساعده على الولادة وتساعد على منع النزيف بعد الولادة.

أما الدكتور محمد كمال عبد العزيز [عن كتابه (الأطعمة القرآنية)] فيقول: ويقوي الرطب الرحم وزيادة فترة انقباضاته، وقد أشار الله على مريم أن تأكل البلح فيغذيها من جهة ويزيد من انقباض الرحم بانتظام فتضع وليدها بسهولة من جهة أخرى...

و قد جاءت الأبحاث الخيرة لتكشف عن آثار الرطب التي تعادل آثار الرطب التي تعادل آثار العقاقير الميسِّرة لعملية الولادة والتي تكفل سلامة الأم والجنين معاً، وانقباض الرحم بعد الولادة يمنع النزيف الحاصل بها ويعود بالرحم إلى حجمه ومكانه الطبيعي قبل الحمل.

أما الدكتوران دياب وقزقوز [عن كتابهما (مع الطب في القرآن الكريم)] فقد كتبا يقولان: تبين أن الأبحاث المجراة على الرطب أنها تحوي مادة مقبضة للرحم، وتقوي عضلات الرحم في الأشهر الأخيرة للحمل فتساعد على الولادة من جهة كما تقلل النزف الحاصل بعد الولادة من جهة أخرى. ومن هنا نفهم الإعجاز القرآني العظيم فيما نصت عليه هذه الآية، عن في ذلك عبرة لأولي الأبصار.



إفطار الصائم على التمر:

عن سلمان بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فمن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور " [رواه الترمذي وقال حديث حسن، وقال عبد القادر الأرناؤوط: إسناده صحيح]. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فتمرات فإن لم تكن تمرات حَسا حَسوات من الماء، [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].

يقول الدكتور أحمد عبد الرؤوف هاشم [عن كتابه (رمضان والطب)]: إن وراء هذا الهدي النبوي حكمة رائعة وهدياً طبياً عظيماً... فأهم شيء يجب تزويد الصائم به حال فطره هو طاقة جديدة تعوضه ما فقده نهار صومه، كذلك فالجسم في حاجة ماسّة إلى الماء وإزالة شعور العطش لديه. وأسرع شيء يمكن امتصاصه هي المواد السكرية وخاصة الأحادية منها. فالمواد السكرية في صورة محلول مائي يمكن امتصاصها في صورة ميسّرة في المعدة والأمعاء الفارغة عند الصائم وهذا ما يحققه الرطب وبذا يرتفع مستوى سكر الدم في وقت وجيز.

و من الملاحظات الهامة أن التمر والرطب يكادان يخلوان من الدهن وبذا لا يحتاج هضمها لساعات طويلة وكذلك الحال بالنسبة للبروتينات. كما أن وجود الألياف السللوزية في التمر بنسبة عالية له مزايا أخرى تفيد تعمل كإسفنجة تمتص الماء داخل المعي وتعطي البراز حجماً معقولاً مع إحداث تليين طبيعي يمنع حدوث الإمساك عند الصائم.



التمر... ترياق من السموم:

عن عامر بن سعد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر " [متفق عليه] قال الخطابي: كون العجوة تنفع من السمّ والسحر إنما ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة لا لخاصية في التمر. وقال ابن حجر: وأما خصوصية السبع فالظاهر أنها لسر فيها. وقال القرطبي: وظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السمّ وإبطال السحر. وقال المناوي في فيض القدير: وليس ذلك عاماً في العجوة بل خاصاً بعجوة المدينة بدليل رواية مسلم: " من أكل سبع تمرات مما بين لابيتها _ أي المدينة _ لم يضره في ذلك اليوم سمٌ ". قال المناوي: وتخصيصه بسبع لخاصية هذا العدد علمها الشارع وقد جاء في مواضع كثيرة فما جاء من هذا العدد مجئ التداوي فذلك لخاصية لا يعلمها إلا الله ومن أطلعه عليه، وما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ في عجوة العالية شفاءٌ أو أنها ترياق أوّل البكرة " [رواه مسلم]، وقال النووي في شرحه: والعالية ما كان من الحوائط والقرى والعمارات من جهة المدينة العليا وهي جهة نجد...

و في هذه الأحاديث فضيلة تمر المدينة وعجوتها، وفضيلة التصبح بسبع تمرات منها، وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع ولا نعلم نحن حكمتها فيجب الإيمان بها واعتقاد فضلها والحكمة فيها.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم والكماة من المنّ وماؤها شفاء للعين " [رواه أحمد والترمذي وابن ماجة]، هذه الرواية تتفق مع رواية البخاري بعدم تخصيص لتمر المدينة أو عجوتها.

قال القرطبي: ومن أئمتنا من تكلّف فقال: إن السّموم إنما تقتل لفرط برودتها فإذا داوم على التصبّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة وأعانتها الحرارة الغريزية فقاوم ذلك برودة السمّ ما لم يستحكم، قال: وهذا يلزم رفع خصوصية عجوة المدينة.

و قال ابن القيم: عجوة المدينة من أنفع تمر الحجاز وهو صنف كريم من ألين التمر وألذه... والتمر في الأصل من أكثر الثمار تغذية لما فيه من القوة الترياقية. فإذا أديم أكله على الريق جفف مادة الدود وأضعفه أو قتله.

قال ابن حجر: وفي كلامه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السمُّ وهو ما ينشأ عن الديدان التي في البطن لا كل السموم، لكن السياق يقتضي التعميم لأنه نكرة في سياق النفي.

و في هذا المجال يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي: السموم أنواع، والتسمم إما أن يكون خارجي المنشأ، يدخل الجسم عن طريق الجروح أو لدغات الأفاعي، أو عن طريق طلاء الحروق الواسعة بمواد تعدُّ سامة بمقدارها الكبير كالميركروكروم، أو عن طريق الفم مع الطعام والشراب أو عن طريق التنفس... وإما أن يكون التسمم داخلي المنشأ كالانسمام بالبولة _ أوريميا _ أو بانحباس الآزوت لقصور كلوي _ آزوتيميا _ والانسمام نتيجة التفسخات المعوية وذيفانات الجراثيم والطفيليات.

هذا ويتخلص الجسم من جميع المواد الضارة ومن ذيفانات الجراثيم ونتائج تعفن المواد الغذائية في الأمعاء عن طريق ربطها في الكبد ببعض المركبات ومن أهمها الغلوكورونيك الذي يصنعه الكبد نتيجة أكسدة سكر العنب. ونستطيع القول أن وظيفة الكبد في إبطال المركبات السامّة من أهم وظائفه، ولذا كان سكر العني داخلاً في حمية ومعالجة الانسمامات المختلفة، والتمر والرطب من أغنى الفواكه بهذا السكّر.

وللحكم الصحية السابقة ولحكم أخرى قد يكتشفها الطب في المستقبل _ الله أعلم بها _، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناول الإنسان صباحاً سبع تمرات عجوة قبل الفطور ليمتص سكرها بسرعة ويدخرها في الكبد مما يساعده على تخريب السموم وتعديلها، أضف إلى ذلك المعالجة الروحية وعُلُوَّ المعنويات الناجم عنها عندما يصبح المسلم بسبع تمرات يقيناً وتصديقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.



كما انه وقاية من السحر:

فالذي يتصبح بسلع تمرات إيماناً وتصديقاً لنبيه صلى الله عليه وسلم فإن يقينه بالله تعالى يزيد التجاؤه إليه، وتوكله عليه بقوى، وبذلك تقوى معنوياته وتزداد مقاومته الجسدية والنفسية، فلا مجال للوساوس والمخاوف وتوقع حدوث سحر يصيبه أو دسّ سمّ من قبل عدوٍ يكيد له. وإذا ما وقع ذلك فإن الأضرار تخف بما قدَّم من اعتقاد بالله وثقة به وتصديق لنبيّه فهي وقاية نفسية ومعالجة روحية في هذا المجال _ السّحر _.

و قال ابن القيم: إن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاده النفع به فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة حتى أنّ كثيراً من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التلقي.



التحنيك بالتمر:

جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: وُلِد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسمّاه إبراهيم وحنّكه بتمرة. يقول الدكتور فاروق مساهل في كتابه (تكريم الإسلام للإنسان): والتحنيك هو معجزة طبية للنبي صلى الله عليه وسلم لم تظهر الحكمة من ورائها إلا حديثاً. فالطفل بعد ولادته يجد نفسه وقد انفصل عن أمه، وانقطع سيل الغذاء الجاهز إليه، فيلجأ للاعتماد على ما استطاع جسمه تخزينه من الطعام وهذا ليس بالكثير أثناء حمله في رحم أمه، لحين إفراز اللبن من ثدي والدته. ويستغرق إفراز اللبن وقتاً متفاوتاً _ من 1 _ 3 أيام _. وبما أن نشاط أجهزة الجسم عند المولود تكون في قمتها في محاولة لملائمة الوضع الجديد فإن المخزون في جسمه يستهلك بسرعة، وقد تنخفض تبعاً لذلك نسبة السكر في الدم. وحيث أن الفترة الحرجة في إطعام الطفل تقع بين انتهاء ولادته وبدء رضاعته فإننا نجد في تكريم المولود على يدي النبي صلى الله عليه وسلم بتحنيكه بالتمر الممتلئ بالسكر والذي يمتص في عروقه فيحافظ على مستوى السكر في دمه لحكمة كبيرة...

و من هنا تتضح الأهمية العظمى للتحنيك في تغطية الفجوة هذه في تغذية المولود بين ولادته وبدء رضاعته من ثدي أمه.



التمر طعام النبي صلى الله عليه وسلم:

عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب، [رواه البخاري ومسلم]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أرادت أمي أن تسمّني لدخولي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أقبل عليها بشيء مما تريد حتى أطعمتني القثاء بالرطب فسمنت كأحسن ما يكون السمن، [رواه أبو داود وقال عنه الشيخ عبد القادر أرناؤوط: حديث صحيح _ (جامع الأصول)]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل البطيخ بالرطب، [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].

و جاء في تذكرة أولي الألباب لداود الأنطاكي: التمر هو المرتبة السابقة من تمر النخيل، يقطع السعال المزمن وأوجاع الصدر ويستأصل شأفة البلغم خصوصاً إذا أُكل على الريق ويغذي كثيراً، ومع الحليب يقوي الباه... وأكد ابن البيطار هذه الفوائد فقال: والتمر يسخّن البدن وهو صالح للصدر والرئة والمعي وإذا نقع في الحليب أنعظ إنعاظاً قوياً...

أما ابن قيّم الجوزية فقد شرح فوائد التمر في كل مراحله [عن كتابه (الطب النبوي)] فقال: البُسر حارٌ يابس يحبس البطن وينفع اللثة والفم وأنفعه ما كان هشاً وحلواً. والرطب يقوي المعدة الباردة ويزيد في الباه ويخصب البدن ويغذي غذاءً كثيراً.

أما التمر فهو مقوٍّ للكبد ملين للطبع يزيد في الباه ولاسيما مع جب الصنوبر، ويبرئ من خشونة الحلق. وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن وأكله على الريق يقتل الدود وهو فاكهة وغذاء



مراجع البحث

1. دكتور حسان شمسي باشا: عن كتابه (السودان: التمر والماء)، جدة: 1992

2. المهندس الزراعي أجود الحراكي: عن مقالة (التمر) مجلة حضارة الإسلام، العدد 7، أيلول: 1977.

3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث). المجلد 3

4. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

5. دكتور محمد كمال عبد العزيز:عن كتابه (الأطعمة القرآنية) _ 1991.

6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

7. ابن البيطار: عن كتابه (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية).

8. عبد الله عبد الرزاق السعيد: عن كتابه (الطب والنخلة) _ جدة: 1985.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:27 AM
التين Ficus



التين هو الثمرة المباركة التي أقسم الله سبحانه وتعالى بها في محكم تنزيله فقال: {وَ التَيِنِ والزَّيتُونِ وطُورِ سِينِينَ ْ}. وقد اختلف أهل التأويل في تفسيرها فقال معظمهم: عُني بالتين: التين الذي نأكل، والزيتون الذي يعصر.فقد رُوي عن الحسن قوله: تينكم هذا الذي يؤكل وزيتونكم هذا الذي يعصر. وعن عكرمة قال: التين والزيتون هو التين والزيتون الذي تأكلون. وعن مجاهد قال: هي الفاكهة التي يأكل الناس. ومثل ذلك روي عن ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد وغيرهم. ونقل ابن الجوزي أنه سبحانه إنما أقسم بالتين لأنها فاكهة مخلصة من شائب التنغيص وهو يدل على قدرة من هيأه على تلك الصفة وجعل الواحدة منها على مقدار اللقمة.و قال آخرون: التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس. وقيل أن التين هو مسجد نوح الذي بناه على الجودي، وقيل أنها أسماء لجبال في بلاد الشام، وبعد أن يذكر ابن جرير الطبري _ شيخ المفسرين _ هذه الأقوال يقول: والصواب عندنا قول من قال: التين هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر منه الزيت لأن ذلك هو المعروف عند العرب ولا يعرف جبل اسمه تينا ولا جبل يقال له زيتون إلا أن يقول قائل: أقسم ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون والمراد من الكلام والقسم بمنابت التين ومنابت الزيتون فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك في ظاهر التنزيل.

أما ابن القيم فقال: لما لم يكن التين بأرض الحجاز لم يأت له ذكر في السنة ولكن أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده.. والصحيح أن المقسم به هو التين المعروف.

و يرى الشيخ محمد محمود عبد الله أن القسم في القرآن يرد على نوعين: فأما لفضيلة وإما لمنفعة، والقسم بالتين والزيتون جاء لمنفعة للخلق فهما شراب وطعام وشفاء وإدام. واقترانهما لتمام الفائدة، فالتين مع الزيتون غذاء مكتمل يمدان الإنسان بما يحتاج إليه من الغذاء والفيتامينات والمعادن.

و قد عرف البشر التين في القديم وزرعوه منذ أكثر من 4000 عام، وورد ذكره في التوراة والإنجيل، وانتشر في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وذكره سقراط وهوميروس وكان أفلاطون يكثر من تناوله لذا سمي صديق الفلاسفة.

واستعمله الفينيقيون غذاءً ودواء فصنعوا منه لزقات لمعالجة البثور، وعالجوا الحميات بنقيعه. أما الفراعنة فقد استعملوه علاجاً لآلام المعدة، ويؤكد ابن سينا أن التين مفيد جداً للحوامل والرضع وأنه ينفع من الاستسقاء. أما الرازي فيقول بأن التين يقلل الحوامض في الجسم، ويدفع أثرها السيئ.

و قال الموفق البغدادي: أن التين كثير الغذاء أغذى من جميع الفاكهة، وفيه تليين للطبع، وتسكين للعطش، وينفع السعال المزمن، ويدر البول، ولأكله على الريق منفعة عظيمة في تفتيح مجاري الغذاء.

أما ابن القيم فيذكر أن أجوده الأبيض القشر، يجلو رمل الكلى والمثانة، ويؤمن من السموم، وهو أغذى من جميع الفاكهة، وينفع خشونة الحلق والصدر، ويغسل الكبد والطحال، وينقي الخليط البلغمي من المعدة، ويابسه يغذي وينفع العصب.

و يعتبر التين من أغنى الفاكهة بالفيتامينات وخاصة " ب 1 " و" ب2 " و" ث " والكاروتين _ طليعة الفيتامين " أ " _. كما يحتوي على نسبة عالية من المواد المعدنية وخاصة الحديد والكلس والنحاس، وهي المواد البانية لخلايا الجسم والمولدة لخضاب الدم، حيث تفيد المصابين بفقر الدم. كما يحتوي على نسبة عالية من السكاكر (من 18 _ 30 %) حسب رطوبته وجفافه، أما المواد الآزوتية فتتراوح بين 1 _ 5 %، المواد الدسمة من 0.1 _ 20 %، وتعطى الـ 100 غ من التين الرطب 70 حريرة وتصل إلى 268 في التين الجاف، لذا فإنها تهب آكلها مقداراً من الطاقة يساعد على التغلب على برد الشتاء وتمنحه القوة والنشاط.

إن غناه بالفيتامين " ب 1 " يجعله مفيداً في التهابات الأعصاب، وهو غذاء جيد للمصابين بالخرع وترقق العظام ولينها وواقياً من الإصابة بها لغناه بالكلس والفوسفور. وذكر بعضهم غناه بالفيتامين " ك " الذي يساعد على تخثر الدم وإيقاف النزوف.

و تجفيف التين يزيد من تركيز العناصر الغذائية فيه، إلا أنه يفق بعد التجفيف ثروته من الفيتامين " ث " غير أنه يحتفظ بباقي الأنواع الأخرى من الفيتامينات على الأرجح.

و إذا قطعت أغصانه أو أوراقه خرج منهل سائل لبني راتنجي أبيض إذا أضيف إلى الحليب يخثره، وإذا طليت به الأثفان والتآليل مرة كل يوم تشفى غالباً. ونظراً لغنى التين بالألياف السللوزية وحوامض الفواكه فإن ثماره ملينة ومحرضة لإفراغ الأمعاء وللتبرز [صنعت شركة Boots عقاراً مليناً على شكل شراب من ثمار التين أسمته Syrup of Figs]و يحرض لإفراغ المرارة مما يجعل منه علاجاً ممتازاً للمصابين بالإمساك المعند والمزمن ويكفي تناول بضع تينات على الريق سواء أكانت جافة أم غضة.

و يفيد منقوع التين في علاج التهابات الجهاز التنفسي كالتهاب القصبات والحنجرة مما يؤدي إلى تهدئة السعال. كما أن تناول كأس من هذا المنقوع قبل كل طعام يفيد في معالجة التهاب الفم والبلعوم واللثة. ولنفس الغاية يمكن استعمال مغلي ثماره الجافة (40

_ 120 غ / لكل ليتر ماء).كما يساعد على إدرار البول والحليب. ويعتبر شراباً ملطفاً لمرضى الحصبة والحمى القرمزية ومفيد جداً لمعالجة النزلات الصدرية والرشح. ولحل البلغم في المسالك الهوائية _ كمقشع _ يمكن تناول مغلي الثمار المجفف مع الأعشاب الصدرية بمقدار فنجان ساخن 3 مرات يومياً.

و كغذاء مقوٍ توصف ثمار التين للأطفال والناقهين والحوامل وللمصابين بالوهن الجسمي والعصبي والتهيجات المعدية _ المعوية، والقبض والالتهابات الرئوية والبولية وخارجياً يمكن لثمرة التين بعد شقها ونقعها بماء مغلي أن تطبق موضعياً لمعالجة القروح والجروح المتعفنة والدمامل بحيث يكون سطحها الداخلي فوق الآفة تماماً.أما مغلي أوراق التين فيفيد مسكناً للسعال ولمعالجة اضطراب الحيض حيث يعطى في الموعد المتوقع لإدرار الطمث، كما يفيد غرغرة للفم في التهابات اللثة.



التين كعامل في منع الأورام:

[مقتبس عن مقالة بنفس العنوان لأسامة القوتلي ودكتور ظافر العطار في مجلة الدواء العربي _ عمان، عدد نيسان، 1992].

إن استعمال ثمرة التين كعلاج بدأ ينتشر في العالم بأسره، فلقد كتب عنه العالم الأمريكي " جوناثان هارتويل " [Harwell من معهد السرطان الوطني في Bethesda Maryland ونشرته مجلة Lloydia عدد كانون ثاني 1970]، كما اهتم به الدكتور الياباني كوتشي [M. Kochi: من مستشفى اتشي جوكاي في مدينة تشيبا اليابانية] منذ زمن بعيد إذ أكد خصائص التين العلاجية. فقد لاحظ أن سرطان إرليخ Ehrlich Carcinoma في الفئران يتوقف إذا ما استعمل عصير التين، كما أكد على النتائج الحسنة لمعالجته لورم خبيث عند الإنسان بواسطة قطارة بخار التين في مؤتمر السرطان العالمي الثاني عشر 1978.

و في دراسة حديثة تابع كوتشي وزملاءه المكوِّن الفعال في القطارة البخارية لثمار التين [يغلى 2 كغ من التين مع ليتر ماء ثم يقطر البخار للحصول على 600 مل من القطارة] باستخدام فئران زرع تحت جلدها سرطان غدي Adenocarcinoma. وبعد الزرع ب24 ساعة حقنت هذه الفئران يومياً بمقدار 1 مل من القطارة وبعد 11 يوماً أميتت هذه الفئران وقورن الوزن الوسطي للأورام مع معدلات من المجموعة من الفئران التي لم تخضع للمعالجة فتبين أن القطارة البخارية لثمرة التين قد خفضت الوزن الوسطي للورم بمعدّل 39 % وتبين بعد ذلك أن العامل الفعال هو زيت اللوز المر أو البنزالدهيد وأنّ تركيزها ضمن القطارة المذكورة هو ضمن جزء من المليون تقريباً.

ثم أعطي زيت اللوز المر على شكل مركب سايكلود كسترين زيت اللوز المر [عن مجلة Cancer Treatment Reports _ كانون الثاني _ 1980] والذي رمز له بـ CDBA عن طريق الفم والشرج بجرعة يومية مقدارها 10 ملغ لكل كغ من وزن المريض لـ 90 مريضاً يعانون من أورام سرطانية متقدمة ومستعصية على الجراحة. وكان بالإمكان تقويم حالة 57 من المرضى الخاضعين للعلاج. إذ استحباب 19 منهم للعلاج استجابة تامة واستجاب آخرون جزئياً _ أي تراجع المرض لأكثر من 50 %]. وقد أجبرت المعالجة الخلايا الصُدفية السرطانية على التحول إلى الشكل الطبيعي.

شملت الدراسة 57 مريضاً منهم 32 رجلاً و15 امرأة. واستغرقت عامين وخمسة شهور وخضع المرضى لفترة مراقبة لأكثر من سنتين. كان منهم أربعة مصابون بسرطان الخلية الصدفية للسان وكانوا في بدء المعالجة بحالة خطرة جداً، استمرت فترة المعالجة من 1.5 _ 6 شهور وقد حصلوا على الشفاء التام. ومما يلفت النظر عندهم أن الخلايا المتسرطنة تماثلت نحو التحسن بشدة وتحولت إلى خلايا صدفية متقرنة. ومريض آخر كان يعاني من سرطان الخلية الصدفية نظير الجيي مع انتقالات رئوية، حصل على استجابة جزئية بعد 3 شهور من العلاج فتلاشت الأورام الرئوية وتحسن الورم في المنطقة الصدغية. وهناك حالة طفل في الرابعة من العمر كان يعاني من سرطان الدم النقيوي الحاد، عولج لمدة 10 شهور بالأدريامايسين وغيره من موقفات النمو الخلوي دون أن يشفى، طبق له العلاج بالقطارة التينية لمدة عشرة أيام حيث بدأ يتماثل للشفاء وبدأ تعداد الكريات البيض والصفيحات وخضاب الدم بالعودة إلى مقداره السويّ واستغرق التخلص التام من الورم من أربعة أشهر.

و قد ثبت أن زيت اللوز المر غير ضار بوظائف الكبد والكلى، كما أنه لا يسبب أي عرض جانبي كنقص الكريات البيضاء والإقياء وسقوط الشعر وغيرها كباقي الأدوية السرطانية. نعم! تلكم ثمرة التين المباركة.

مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. الإمام ابن جرير الطبري: عن كتابه (جامع البيان عن تفسير القرآن).

3. محمد محمود عبد الله: عن كتابه (الطب القرآني غذاء ودواء) القاهرة: 1989.

4. ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).

5. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة) تحقيق دكتور عبد المعطي قلعجي.

6. دكتور صبري القباني: (الغذاء لا الدواء) بيروت 1977.

7. أسامة القوتلي وظافر العطار: عن مقالة (التين كعامل في منع الأورام) مجلة الدواء العربي _ عمان، نيسان: 1992.

8. محمد شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.

9. أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) 1984.

10. دكتور محمد كمال عبد العزيز:عن كتابه (الأطعمة القرآنية) _ 1991.

11. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:28 AM
الثُفّاء



عن قيس بن رافع القيسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر " [أخرجه أبو داود في مراسليه والبيهقي، ونقله عنهما السييوطي رمز له بالضعف (فيض القدير)].

عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر " [في الجامع الأصول: أخرجه رزين، وأثبته الحافظ الذهبي من إخراج الترمذي].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالثفاء فإن الله جعل فيه شفاء من كل داء " [رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب، وعنهما السيوطي، وسكت عنه مما يرمز عادة للحسن (فيض القدير)].

قال الكحال بن طرخان: الحرف وهو الثُفّاء _ وتسميه العامة حب الرشاد _ وهو يسخن ويلين البطن ويخرج الدود ويحرك شهوة الجماع. وإذا طبخ مع الأحساء _ جمع حساء _ أخرج الفضول من الصدر، ويمسك تساقط الشعر، وإذا تضمد به مع الماء والملح أنضج الدمامل، وينفع الربو وعسر التنفس وينقي الرئة ويدر الطمث. وإن شرب منه بعد سحقه وزن خمسة دراهم بالماء الحار أسهل الطبيعة وحلل الرياح ونفع من وجع القولنج البارد، وإذا سحق وشرب نفع من البرص وإن لطخ عليه وعلى البهق الأبيض نفع منهما ونفع من الصداع الكائن من البرد والبلغم.

و قد نقل ابن القيم ما ذكره الكحال دون أن يشير إليه وزاد عن جالينوس: قوته مثل قوة بزر الخردل لذلك قد يسخن به أوجاع الورك المعروفة بالنساء وأوجاع الرأس ...

و الثُفّاء Cresson أو Lepidium Sativum نبات عشبي حولي قائم من الفصيلة الصليبية Cruciferae موطنه منطقة الشرق الأوسط والحجاز ونجد. وأزهاره بيضاء متعددة.

و من أسماء الثفّاء _ الرشاد _ في سورية _ البقدونس الحاد _ يؤكل من غير طبخ حيث تضاف أوراقه الغضة إلى السلطات والحساء ومع اللحوم والسمك كمادة مشهية، مسهلة للهضم. ويجب ألا يضاف إليه الملح للاستفادة من خواصه الطبيعية. وتفيد مادة اليخضور الموجودة فيه امتصاص الروائح من الجسم، كما أن أوراقه مدرة للحليب عند المرضعات.

و هو أكثر النباتات غنى بمادة اليود وهذا ما يجعله سهل الهضم كما يحتوي على الحديد والكبريت والكلس والفوسفور والمنغنيز والزرنيخ، وهو غني بالفيتامين " ج " = " C " وفيه نسبة قليلة من الفيتامين " أ " و" ب " و" PP " والكاروتين، وتدل دراسات حديثة على احتوائه عنصراً من المضادات الحيوية المبيدة للجراثيم.

و يرى الدكتور جان فالينه أن الثفّاء مقو ومرمم ومشه، مفيد لمعالجة فقر الدم، وضد داء الحفر، مدر للبول، مقشع ومهدئ، خافض للضغط، ومنشط لحيوية بصيلات الشعر حيث تطبق عصارته على فروة الرأس لمنع تساقط الشعر، ولمعالجة التقرحات الجلدية.

تؤخذ عصارة الأوراق بمقدار 60 _ 150 غ مع الماء أو الحساء لطرد الدود ومكافحة التسمم وينصح بتناوله المصابون بالتعب والإعياء وللحوامل والمرضعات والمصابين بتحسس في الطرق التنفسية والجلدية كما في الأكزيما، وهو نافع للبواسير النازفة. أما البذور فيستعمل مغليها أو منقوعها او مسحوقها لمعالجة الزحار والإسهال والأمراض الجلدية وتضخم الطحال، ويصنع كمادة من المسحوق كمسكن لمعالجة آلام البطن والآلام الرئوية وغيرها، كما يفيد تناوله داخلاً كطارد ومقو جنسي ومطمث للنساء.



مراجع البحث

1. الإمام السيوطي: عن كتابه (الجامع الصغير).

2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

3. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموسي الغذاء والتداوي بالنبات).

4. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء).

5. دكتور محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب).

6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

7. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).

8. مجموعة مؤلفين: (النباتات السعودية المستعملة في الطب الشعبي).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:29 AM
إن هذه الحبة السوداء شفاء



روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من داء إلا وفي الحبة السوداء منه شفاء إلا السّام " وفي رواية أخرى لهما: " في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السّام " قال ابن شهاب السّام الموت.

والحبة السوداء الشونيز [الحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز (الفارسية) بكثير. وتفسيرها بالشونيز هو الأكثر الأغلب وهي الكمون الأسود ويقال الكمون الهندي أيضاً].

أخرج البخاري عن خالد بن سعيد قال: خرجنا ومعنا غالب بن أبجر فمرض في الطريق فقدمنا المدينة وهو مريض، فعاده ابن أبي عتيق [أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق صحابي ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم] فقال لنا: عليكم بهذه الحبة السوداء فخذوا منها خمساً أو سبعاً فاسحقوها ثم اقطروا في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السّام " قلت: وما السّام، قال: الموت.

و في رواية أخرى عن قتادة قال: حُدثت أن أبا هريرة قال: الشونيز دواء من كل داء إلاَّ السّام. قال قتادة: يأخذ كل يوم إحدى وعشرين حبة من الشونيز فيجعلها في خرقة وينقعها ويتسعط بها كل يوم.

الأول في منخره الأيمن قطرتين وفي الأيسر نقطة.

والثاني في الأيمن قطرة وفي الأيسر اثنتين.

والثالث في الأيمن قطرتين وفي الأيسر قطرة. [رواية قتادة هذه أخرجها الترمذي موقوفة وفي سندها انقطاع].

قال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة السوداء شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفاً، بل استعملت مركبة، مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلاً وشرباً وسعوطاً وضماداً وغير ذلك. والذي أشار إليه ابن أبي عتيق ذكره الأطباء في معالجة الزكام مع عطاس شديد. وقيل أن قوله صلى الله عليه وسلم " كل داء " تقديره: يقبل الشفاء بها.

و قال الخطابي: قوله " من كل داء " هو من العام الذي يراد به الخاص، لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بما يقابلها وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة.

و قال أبو بكر بن العربي: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواءً من كل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل " فيه شقاء للناس " الأكثر الأغلب، فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى.

و قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث وخصّوا عمومه وردّوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأننا إذا صدقنا أهل الطب _ ومدار علمهم غالباً إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب _ فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم.



التسمية والتصنيف:

من أسماء الحبة السوداء المشهورة (حبة البركة)، وهو كما يقال نسبة إلى جارية سوداء كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها بركة وأضيفت " الـ " التعريف إليها تيمناً وتبركاً. وهي صحابية جليلة عرفت بأم أيمن وهي حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانت تستعمل هذه الحبة في معالجة المرضى عملاً بدعوة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

تنتمي نبتة الحبة السوداء Nigella إلى العائلة النباتية الشققية Ranunclaccaeو يوجد منها عالمياً أكثر من 20 صنفاً وأكثر أنواعها شهرة واستعمالاً في المجال الطبي ثلاثة أنواع:

1. الحبة السوداء المزروعة: Nigella Sativa وتدعى بالهندية، ومن أسمائها الكمون الأسود Black Cumin والكمون الهندي ويسميها الإنجليز Small fennel flower.

2. الحبة السوداء الحقلية: Arvensis Nigella ويسميها الإنجليز Small fennal

3. الحبة السوداء الشامية أو الدمشقية: Nigella Damascena وتدعى: التركية ويسميها الإنجليز Wild fennal.



الحبة السوداء: النبتة _ وصفها وزراعتها:

نبتة عشبية تزرع كنبتة غذائية، وتنبت تلقائياً بين الأعشاب كنبتة طفيلية وخصوصاً في المناطق الحراجية. وتنمو الحبة السوداء المزروعة في حوض البحر الأبيض المتوسط وآسيا الصغرى وإيران وفي آسيا الوسطى والقفقاس.

و أول ما زرعت في الهند ثم نقلها العرب إلى بلادهم ومنها إلى إفريقيا _ في نيجيريا خاصة وأثيوبيا _ وتكثر زراعتها كتوابل في سورية وفلسطين وجنوب أوربا.

و تبلغ طول أعشابها من 10 _ 40 سم، سوقها منتصبة خشنة مغطاة بأشعار طرية، أوراقها خضراء مزرقة ريشية التقاطع إلى وريقات خطية أزهارها كبيرة بلون سماوي مخضر.

الثمار الناضجة ثلاثية القطع، وحبيباتها درنية متجعدة سوداء بيضاوية الشكل.

أما الحبة السوداء الدمشقية فتنمو كنبات طفيلي في حوض البحر الأبيض المتوسط والقفقاس وآسيا الصغرى وتزرع في أوربا كنبات للزينة وكتوابل وخاصة في ألمانيا وإيطاليا والهند وتنمو دون زراعة في الغابات بين شهري أيار وتموز، ساقها مستقيم يميل لونه إلى البنفسجي أوراقها قاسية وأزهارها زرقاء متطاولة منتفخة.

أما الحبة السوداء الحقلية فتنمو على ضفاف البحر الأسود والقفقاس وأوزبكستان وحوض البحر الأبيض المتوسط وإيران.



التركيب الكيماوي للحبة السوداء:

تحتوي بذرة الحبة السوداء على 1.4 % من وزنها الجاف على غليكوزيدسام [الميلانتين غليليكوزيد سام إذا أعطي لوحده وفاق المقدار الدوائي] هو الميلانتين Melantin وعلى غليكوزيد مُرّ بنسبة 0.5 _ 1.5 % هو النيغللين Nigellin.

كما تحتوي على زيت عطري إيتري بنسبة 1.4 % وهو زيت أصفر اللون ذو رائحة حادة واخزة لاحتوائه على التربين، ويستحصل على هذا الزيت الإيتري بواسطة التقطير ببخار الماء، كما تحتوي البذور على زيت دسم بنسبة 30.8 _ 44.2 %.

أما الأوراق فتحتوي وقت الأزهار على 1 _ 2.2 غ في كل 100 غ من وزنها جافة من الفيتامين " ث ". أما الأزهار فتحتوي على كمية عالية جداً من الفيتامين " ث " تبلغ حسب بعض الدراسات 1259 ملغ في كل 100 غ من الأزهار. ويجب أن نعلم أن الميلانتين يوجد في أجزاء العشبة كلها وهو شبه قلوي سام، حتى لذوات الدم الحار، وهو سمٌّ قوي للأسماك يسبب انحلال الدم عندها.

أما الحبة الدمشقية فتحتوي بذورها على زيت إيتري خاص يدخل في صناعة العطورات، لونه أصفر وذو فلورة سماوية شديدة وتبلغ نسبته فيها من 0.5 _ 0.37 % من وزنها. كما تحتوي البذور على شبه قلوي (الملانتين) وعلى شبه قوي آخر هو الدمشقين Damacin كما تحتوي على نسبة من الفيتامين E الذي يكون منحلاً في الزيت الدسم الموجود في البذور. وفي أوراقها نسبة من الفيتامين " ث " تصل حتى 430 ملغ %.

أما الحبة الحقلية فهي في تركيبها قريبة جداً من الحبة السوداء المزروعة المذكورة آنفاً.



الفوائد الطبية للحبة السوداء:

تعتبر الحبة السوداء وخاصة المزروعة Nigella Sativa من أقدم النباتات الطبية استعمالاً فقد وصفها ابن سينا لمعالجة آلام الرأس في الصداع والشقيقة وفي شلل العصب الوجهي ومن أجل معالجة الساد Cataract، كما ذكر في وصفة له يمزج فيها مسحوق الحبة السوداء مع العسل ويشرب بالماء الحار لمداواة وتفتيت حصى الكلى والمثانة وإدرار البول. كما يصفها سعوطاً بعد نقعها بالخل لمعالجة الصداع والشقيقة والزكام وسواها. وقد ذكرها ابن القيم كمادة مدرّة للحليب عند المرضعات ومنشطة للجنس ومطمثة.

و في الطب الشعبي العربي تؤكل مع الزبيب كمادة مقوية للبدن، محمّرة للوجه مزيلة لصفرته. كما عرفوا طريقة لاستخراج الزيت من بذور هذه الحبة واستعملوه في معالجة السعال المزمن وداء الربو القصبي حيث تضاف بضع نقاط منه (5 _ 15 نقطة حسب العمر ثلاث مرات في اليوم) مع الشاي أو مغلي الزهورات أو مع الماء، كما تعطى كمادة مضادة للمغص ومسكنة لآلام الأمعاء.

و في آسيا الوسطى لا تستعمل الحبة السوداء إلا كعلاج، كما وجد اسمها منذ القديم في معظم القواميس الطبية الأوربية. وتذكر المصادر السوفياتية والأوزبيكية بشكل خاص عدداً من الاستطبابات الهامة للحبة السوداء المزروعة حيث تؤكد أن صبغة مستخلصة من بذورها لها خواصَّ مسكنة وتعطي نتائج باهرة باستعمالها غرغرة لتسكين آلام الأسنان، وفي آفات المعدة تستعمل كمادة مضادة للمغص المعدي _ المعوي، ملينة وطاردة للغازات وذلك بفضل ما تحتويه من زيت إيتري [خالماتوف، صحابيدنيوف، أو غومفيتس وغيرهم].

و تؤكد المصادر المذكورة فائدة الصبغة المستخلصة من بذور الحبة السوداء بعد مزجها بالخل كدواء طارد للديدان وخاصة الشريطية، وتعطي نتائج ممتازة لمعالجة الزكام والرشح والتهابات الحنجرة، وتجمع الأبحاث السوفياتية على تمتع هذه الصبغة بخاصّية منوّمة لطيفة حيث يمكن استخدامها عند الأطفال لهذه الغاية.

و يؤكد الباحث الألماني أوتوغيسنر فائدة البذور كمادة مدّرة للبول والصفراء والحليب وكمادة مسرعة لبلوغ المراهقة لعادتها الشهرية _ مطمثة _ وفي حالة الإصابة بعسرة الطمث كما توصف في الطب البيطري وفي تعداد أدوية المعدة.

أما أوغومفيتس فيؤكد أن الصبغة المستخلصة من أوراق النبتة تبدي آثاراً عضلية إيجابية Positively inotopic وأخرى عصبية ناظمة سلبية Chronotropic بحيث تضاد فعل المبهم وتساير نظير الودي، ينجم عن ذلك بطء في حركة القلب _ مهدّئ _ وتزيد بذلك من حجم عمله المطلق.

و تمتاز الحبة السوداء الدمشقية _ الشامية _ برجحان خواصها المنومة إذا أخذت بكميات كبيرة وذلك لفعلها المخدر المركزي، كما أن مادة الدمشقين التي يحتويها زيتها الإيتري تعتبر مادة كوللينرجية، منبهة لنهاية الأعصاب فتشبه بذلك مادة البلوكاربين وتنبه إفراز اللعاب. هذا ولم تذكر المصادر العلمية أي استعمالات طبية للحبة السوداء الحلقية.



الحبة السوداء والربو:

إن استعمال الحبة السوداء في الطب الشعبي لمعالجة الربو وخاصة زيتها، والنتائج المشجعة التي تظهر من استعمالها دفع الباحثين المصريين: الدخاخني ومحفوظ إلى دراسة هذه النبتة والبحث عما يحتويه زيتها من مادة مؤثرة وتمكنّا بعد جهود مضنية استمرت خمس سنوات [تمت هذه الأبحاث في كلية الصيدلة في جامعة الإسكندرية عام 1960] إلى فصل المادة المؤثرة على شكل بلورات استخلصت من الزيت وسموها بالنيجيلون Nigellon. فقد حقنت حيوانات التجربة بمحلول هذه المادة ثم عُرِّضت لرذاذ من الهيستامين المولد للحساسية ثم للتشنج عند المصابين بالربو، فلم تظهر على تلك الحيوانات أي أعراض تشنجية، بينما تعرضت الحيوانات غير المحقونة بها إلى التشنج منذ الدقائق الأولى. كما أنه لم يظهر للنيجيلون أيّ أثر سميّاً ومهيج ولو حقن بكمية كبيرة وخاصة على القلب. كما تبين أنه بوسع الأوعية الدموية إذا كانت منقبضة بحالة طفيفة، ويساعد على إزالة التشنجات المعدية وله فعل باسط على العضلات الرحمية ويزيل انقباض الرحم.

و قد تمت معالجة 70 مريضاً بالنيجيلون يعانون من الربو القصبي لفترة تتراوح بين خمسة شهور و40 عاماً، وكانت أعمارهم بين 14 والـ 65 سنة، ومعظمهم كانوا من المزمنين ومن النوع الذي يستعمل كل ما تقع عليه أيديهم من الأدوية بما فيها الأدرينالين والأفدرين والأمينوفيللين ومضادات التشنج ومركبات ضد السعال وحتى مركبات الكورتيزون.

و قد أعطي 60 من هؤلاء المرضى النيجيلون بعد حلّه وتخفيف تركيزه حيث يعطى عن طريق الفم وبمقدار 15 نقطة 3 مرات باليوم، أما العشرة الباقون فقد أعطوا دواء وهمياً وأبقوا كشاهد.

و قد تبين بنتيجة الدراسة أن العشرة الذين أعطوا الدواء الوهمي لم يظهر عندهم أي تحسن أما الذين أعطوا النيجيلون فنستطيع أن نميز منهم ثلاث فئات: الفئة الأولى وعددهم 39 مريضاً: تحسنوا بشكل ملحوظ حتى أن 14 منهم توقفوا نهائياً عن تناول الأدوية الأخرى كما تخلصوا من نوبات الربو، أما الـ 25 الباقون فقد تحسنوا مع بقائهم على تناول الأدوية الأخرى ولكن بنسبة أقل. الفئة الثانية وعددهم 11 مريضاً: منهم 3 تحسنوا أول الأمر ثم انتكسوا، و8 مرضى لم يظهر عندهم أي تحسن ملحوظ. الفئة الثالثة وعددهم 10 مرضى لم يعودوا للمراقبة لنعرف نتائج معالجتهم.

و في أغلب الحالات المعالجة والتي تحسنت سريرياً وجد ارتفاع ملحوظ بالقدرة الحيوية عند المريض. هذا وإن العامل المثالي لمعالجة الربو لم نحصل عليه بعد، لكن كل الأدوية المستعملة وخاصة المشتقات الكورتيزونية لا تخلو من آثار ضارة، ولذلك فإن دواء جديد كالنيجيلون، خالياً من أي أثر سمي. يمكن أن يساعد المريض وسيكون موضع ترحيب، أما آلية تأثيره فيغلب أن يكون كمبسط مباشر للعضلات الملس.



الحبة السوداء والضغط الدموي:

يؤكد الأستاذ الدكتور ربيع الظواهري أن تفل الحبة السوداء بعد عصرها يخفض الضغط الدموي [الدكتور ربيع الظواهري أستاذ سابق في كلية طب عين شمس، والكلام منقول عن محاضرة له في المؤتمر الـ 23 العالمي الصيدلاني بمدينة مونستر في ألمانيا].



الحبة السوداء مضادة لنمو الجراثيم:

وجد الدكتور حافظ جنيد أثناء تجاره على العصيات الرقيقة Bacillus Subtilis أنَّ هذه الأنواع من الجراثيم لا تستطيع النمو في وسط غذائي يحتوي على الحبة السوداء. مما يدلّ على أن الحبة السوداء تحوي على مواد لها صفة الصادات، أوقفت نمو هذه الجراثيم.



تأثير الحبة السوداء على المناعة:

من المعروف أن الجهاز المناعي هو خط الدفاع الرئيسي في الجسم لأنه المسؤول عن محاربة

الجراثيم والحمات الراشحة Virus والعوامل الممرضة الأخرى، إضافة إلى دور هذا الجهاز في مقاومة السرطان. ولقد جاء أن كثيراً من أمراض العصر كالسرطان والآيدز تتمثل بضعف الجهاز المناعي في مقاومة الأمراض [Current: Medical diagnosis and Treatment].

و هناك آليات كثيرة ضمن بناء الجهاز المناعي، فيها آليات خلطية تتجلى بإفراز مواد هي الغلبولينات المناعية لكل منها عمله في مكافحة الانتانات وزيادة مقاومة البدن، ومنها آليات خلوية تعتمد على ارتكاس الخلايا الدموية وخاصة اللمفاويات والبالعات تجاه المستضدات. فهناك اللمفاويات التائية T. Cells [الخلايا التائية سميت نسبة لمصدرها من التيموس، أما البائية فينتجها جراب فيبر شيوس] التي يقوم كل نوع منها بوظيفة تختلف عن النوع الآخر

فهناك مثلاً اللمفاويات التائية محرضة المؤازرة Helper inducer T - Cells التي تساعد على تضخيم إنتاج الخلايا المصورية من الخلايا البائية بعد تأثرها مع المستضد. وهناك اللمفاويات التائية الكابتة Suppresor التي تثبط من تشكل الخلايا المصورية وتعتبر لذلك خلايا منظمة تكيف تشكل الأضداد. وفي الإنسان السويّ هناك نسبة ثابتة بين الخلايا المؤازرة والخلايا الكابتة لها أهمية في التوازن المناعي، وفي الأمراض الفيروسية كالآيدز مثلاً تهبط هذه النسبة لنقصان كمية الخلايا محرضة المؤازرة وزيادة عدد الخلايا الكابتة والسّامة للخلايا وهنا يأتي دور الحبة السوداء.

لقد أجرى الدكتوران أحمد القاضي وأسامة قنديل في عيادات " أكبر " [نشر البحث الجمعية الفيدرالية للأبحاث البيولوجية الأمريكية عن Akbar clinic ومعهد الأبحاث Reseach institute في Spingfield بفلوريدا U. S. A. Florida] التخصصية ومعهد الأبحاث في سيرنجفيلد (فلوريدا في الولايات المتحدة) أبحاثاً على الحبة السوداء فوجدا أن تلك الحبة تلعب دوراً هاماً في تنشيط وتقوية مناعة جسم الإنسان ليدافع عن نفسه ضد الجراثيم وغيرها من العوامل المؤذية الحية.

أجريت الدراسة على متطوعين ذوي نقصان في اللمفاويات التائية محرضة المؤازرة وذلك

بالنسبة إلى اللمفاويات التائية الكابتة، حيث سحقت البذور وعبئت بمحافظ Capsuls. وقسم المتطوعون إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى خضعت للمعالجة وأُعطيت غرام من مسوق الحبة السوداء يومياً والمعبأة ضمن المحافظ، المجموعة الثانية أعطيت محافظ لا دوائية معبأة بفم منشط للتمويه، والمجموعة الثالثة لم تعط أي علاج.

و لقد أجريت تحليلات الدم بما فيها نسب هذه الخلايا اللمفاوية في الدم الجائل قبل وبعد المعالجة والتي استمرت خمسة أسابيع. وبعد نهاية الأبحاث تبين الأثر الإيجابي الواضح للحبة السوداء على جهاز المناعة حيث ازدادت نسبة اللمفاويات التائية محرضة المؤازرة في دم المتطوعين في المجموعة الأولى والذين تناولوا مسحوق الحبة السوداء، كما تبين ظهور تحسن واضح على نسبة الخلايا محرضة المؤازرة بالنسبة للخلايا المثبطة حيث ارتفعت النسبة من 1.19 قبل المعالجة إلى 1.85 بعد المعالجة، بينما لم تتغير هذه النسبة عند مجموعتي الرصد والشاهد.

إن التجارب السالفة الذكر أثبتت بدون شك أن الحبة السوداء تنشط جهاز المناعة في جسم الإنسان [عن مقالة للدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد بعنوان (الاستشفاء بالحبة السوداء) مجلة الدواء العربي _ أيلول 1989] وهذا يفتح المجال واسعاً لاستطبابات الحبة السوداء في المعالجة والاستشفاء من جميع الأمراض الانتانية والفيروسية وذلك بتقويتها للدفاع الذاتي للعضوية ومساعدتها في التغلب على العوامل المرضية القاهرة. وهذا أيضاً مما يزيد ثقة المسلم بطب النبوة حينما دعانا إلى الاستشفاء بهذه الحبة المباركة وجعل فيها شفاءً من كل داء.

و لنا بعض المشاهدات في مجال التطبيق السريري للمعالجة بالحبة السوداء. ففي الإصابة بالأكزيما النازة طبقنا مسحوق الحبة السوداء بنجاح في معالجة عدد من الحالات المنتقاة لكننا لم نستطع مراقبة هؤلاء المرضى بعد الشفاء. كما رأينا فائدة الادّهان بزيتها في معالجة الأكزيما المزمنة. ونحن نصف لمرضانا المصابين بالعنانة وخاصة ضعف النعوظ عند الشيوخ كأساً من الحليب محلى بالعسل ومضافاً إليه نصف ملعقة شاي من مسحوق الحبة السوداء مرة في اليوم وكانت النتائج جيدة. كما رأينا نجاحها الواضح في معالجة حالتين من فقد الرعشة الجنسية.

استعمالات الحبة السوداء الغذائية:

تعتبر كل أنواع الحبة السوداء كأفاويه أو توابل _ مشهيات، بهارات _ تدخل في صنع المعجنات والخبز وتضاف للفطائر وتؤكل مع الجبنة، كما تضاف إلى الخيار والباذنجان حين كبسه لصنع المخلالات. وتستعمل في أوربا لصنع أنواع من الحلوى والكاتو، أما زيتها فيدخل في العديد من الصناعات الغذائية، والذي يستخرج من الحبة الدمشقية ويستعمل في تحضير العطورات ومواد الزينة.

و ليعلم أن تسخين هذه البذور يفقدها زيتها الإيتري وبالتالي تفقد كثيراً من خصائصها الطبية. كما أن أكلها هكذا دون طحن قد يقلل من فرص الاستفادة منها لأنها إذا لم تمضغ جيداً ود خلت كاملة بقشرتها فإنها تمر من الجهاز الهضمي وتخرج كما دخلت دون أن يستفاد منها.

لذا فنحن نرى أن سحقها أو طحنها ثم تناولها مع الغذاء أو الحليب أو مع ما يناسب طعمها هو الحل الأمثل للاستفادة منها. وهي كثيراُ ما تزرع في حدائق أوربا كنبات للزينة لجمال منظر أزهارها علاوة عن كونها زراعة وفيرة المحصول، اقتصادية ومريحة كما تعطى للنحل رحيقاً حلواً وفيراً ويعتبرها النحالون من النباتات المعسلة _ أي يفضّلها النحل _.



خاتمة:

ما من شك في أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الصريحة والثابتة إلى التداوي بالحبة السوداء ليست عبثاً وإذا كان علماء المسلمون قد اختلفوا في تأويل عموم ما دعت إليه السنة المطهرة بين مخصص أو مقيد لعمومه، وبين مطلق لهذا العموم فنحن نميل إلى رأي القاضي أبي بكر بن العربي على أن المراد بكلمة شفاء من كل داء هو الأكثر الأغلب وهذا ما يؤيده عالم العربية عبد الغني الدقر الذي يرى أن العرب كثيراً ما تطلق بغرض الحث ولفت النظر إلى ما تطلق من كلامها.

و هذا ما يدعونا، نحن الأطباء المسلمون إلى البحث عن أوسع ما نتمكن من الوصول إليه من استطبابات في مجال العلاج والوقاية بالحبة السوداء سواء بمسحوقها أو زيتها أو خلاصاتها أو .... وتحديد المقدار العلاجي وذلك عملاً بعموم الدعوة النبوية الكريمة التي فتحت الباب واسعاً أمامنا، لندخل إليه ولنكتشف للبشرية جمعاء عقاقير جديدة علها تخفف من آلامها فيما استعصى أمام المعالجة من أمراض وعلل. والعودة إلى كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم يدل على التوكيد: " إن هذه الحبة السوداء ...... " فلنمعن النظر فيه ولنقارن بينه وبين حديث تأبير النخل الذي يحتج به بعض القائلين بأن الطب النبوي هو من أمور الدنيا فنص حديث تأبير النخل فيه من التأرجح الواضح والظن ما فيه ما لا يوجد مثله في أحاديث الحبة السوداء، خاصة وأن الشبهة هناك قائمة في فهم قول المولى سبحانه وتعالى: {و أرسلنا الرياح لواقح}.

مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم) _ المجلد 7 كتاب الطب.

3. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري بشرح البخاري) _ كتاب الطب.

4. أوغومفيتس Ogomovites: عن كتابه (القاموس الموسوعة للنباتات الطبية الزيتية - الايترية) بالروسية، موسكو: 1951.

5. أجو دالحراكي: عن مقالة (عليكم بهذه الحبة السوداء) مجلة حضارة الإسلام _ مجلد 18 العدد 9 / 10 لعام 1977.

6. أوتوغسنر Otto Gessner: عن كتابه (النباتات الدوائية في أوربا الوسطى) بالألمانية _ لعام 1953.

7. داود الأنطاكي: عن كتابه (تذكرة أولي الألباب).

8. خالماتوف Khalmatov: عن كتاب (النباتات الدوائية البرية في أوزبكستان) بالروسية، طشقند: 1964.

9. عبد الرزاق السعيد: عن مقالة (الاستشفاء بالحبة السوداء) مجلة الدواء العربي، أيلول 1989.

10. الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي).

11. ظافر العطار وسعيد القربي: عن مقالة (العسل والحبة السوداء) مجلة حضارة الإسلام، المجلد 14، العدد 4 لعام 1973.

12. غوبانوف وكريلوفا: عن كتابهما (النباتات البرية النافعة في الاتحاد السوفياتي) بالروسية موسكو: 1976.

13. صحابيدنيوف: عن كتابه (النباتات الطبية البرية في آسيا الوسطى)، بالروسية ÷، طشقند: 1948.

14. غوربايف: عن كتابه (الزيوت الايترية لنباتات الاتحاد السوفياتي) ألماآته 1952 بالروسية.

15. فولف ومالييفا: عن كتابه (دليل المصادر العالمية للنباتات النافعة) بالروسية، موسكو: 1952.

16. أحمد القاضي وأسامة قنديل: عن مجلة الجمعية الفيدرالية الأمريكية للأبحاث البيولوجية Federation of American Societ for exp. Biology , V.46. N. 4 March - 1987].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:33 AM
إن أمثل ما تداويتم به الحجامة



روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشفاء في ثلاثة: شربة عسل وشرطة محجم وكية بنار وأنهي أمتي عن الكي "، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في العسل والحجم الشفاء ".

و روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي ".

و روى الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشيُّ ... "، وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنه سُئل عن أجر الحجام، فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه، وقال: " إنّ أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري "

و في رواية أن جابر بن عبد الله عاد المقنع ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن فيه شفاء ".

و الحجم لغة: المصُّ،و سمي به فعل الحاجم لما فيه من المص للدم في موضع الشرط.

والحجامة: هي فعل الحاجم وحرفته والمحجم الآلة التي يحجم بها أي يمص بها الدم وهي أيضاً مشرط الحجام. فإذا استعمل المحجم للمص دون مِشرط سميت بالحجامة الجافة أوو كما يدعوها العوام (كؤوس الهواء) حيث تشعل ورقة أو قطنة داخل الكأس لتفريغ الهواء منه وتوضع مباشرة على الظهر لإحداث تبييغ للدم في موضعها وهذه ليست موضع بحثنا لأن ما ورد في السنة صراحة (شرط المحجم) وأثبتتها النصوص الكثيرة عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد أن العلاج النبوي يوافق ما يسمى بالحجامة الدامية أو المبزغة والتي تهدف استخراج كمية من الدم من الدورة الدموية وطرحها لغاية علاجية بحتة، وذلك بتشطيب الجلد أو قطع بعض الأوردة.

كما يمكن أن تتم ببزل الوريد بإبرة وهذا ما يدعوه بالفصادة وقد تتم أحياناً ببزل الشريان. وإذا طبق المحجم على المكان المبزغ بالمشرط فإنه يسرع خروج الدم ويعمل بذلك على منع تجمده على فوهة الجراح وتوقف سيلانه. وهكذا فإن كؤوس الهواء (كؤوس الحجامة) تمص الدم من المكان المبزغ حتى تمتلئ بالدم فيرفع الكأس ويوضع مكانه رباط ضاغط.

و الحجامة معروفة منذ العصور الغابرة، وجاء الإسلام فدعا إليها ورفع من مكانتها مؤكداً فائدتها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن أمثل ما تداويتم به الحجامة ".

و كما روي عن عبد الله بن مسعود قال: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به، انه لم يمر على ملأ من الملائكة إلا وأمروه، أن مُر أمتك بالحجامة " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].

و ذكر ابن القيم في منافع الحجامة أنها تتقّي سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لأعماق البدن أفضل وهي أنفع للصبيان من الفصد وآمن من غائلة، ولمن لا يقوى على الفصد، وتنفع في الأمراض الحارة [ويقصد بها الأمراض الناجمة عن زيادة الاحتقان الدموي كارتفاع الضغط وآفات القلب والرئتين]. سواء بالفصد أو الحجامة لأن في ذلك استفراغاً للمادة وتبريداً للمزاج.

عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثاً، واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين، وورد أنه صلى الله عليه وسلم احتجم في الأخدعين و

الكاهل. [أخرجه الترمذي وحسنه ورواه أبو داود وابن ماجة].

و ذكر ابن القيم أن الحجامة على الكاهل [الكاهل ما بين الكتفين وهو مقدم الظهر وهذه أبعد عن العروق الكبيرة وأسلم] تنفع من وجع المنكب والحلق، وعلى الأخدعين [الأخدعان عرقان في جانبي العنق وهما الوريدان الوداجيان الخارجيان الخلفيان] تنفع من أمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف.

و أصح ما ورد في السنة تداوي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجامة من شقيقة أصابته [الشقيقة: migraine مشتق من اليونانية لأنها تصيب بآلامها شق من شقي الرأس كما تدعى بالصداع الشقي، وهي صداع وعائي المنشأ يصيب 10 - 20 % من الناس وتصيب النساء أكثر من الرجال بنسبة الضعف، ورغم الاهتمام الدولي بها فلم يكتشف لها حتى اليوم علاج جذري غير أن برينارد يمنع مرضاه من التدخين ويحرم عليهم الخمرة ويوصيهم بالابتعاد عن الجبن، وليس لنا إلا العودة إلى طبنا النبوي].

فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم بلحي جمل من طريق مكة وسط رأسه [رواه البخاري ومسلم والنسائي، ولحي الجمل موضع من الأرض معروف بعقبة الجحفة]. والحجامة مفيدة لتسكين الآلام المختلفة من صداع ووثي وغيرها.

عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم على وركه من وثء كان به [رواه أبو داود وحسّنه]

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به [رواه أبو داود والنسائي وإسناده صحيح].

قال الإمام النووي: في الحديث دلالة لجواز الحجامة للمحرم وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره8 إذا كان له عذر وإن قطع الشعر حينئذ لكن عليه الفدية لقطع الشعر.

قال ابن القيم: ومن ضمن الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي واستحباب الحجامة وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال وجواز احتجام المحرم وإن آل إلى قطع الشعر فإن ذلك جائز وفي وجوب الفدية عليه نظر.

و جواز احتجام الصائم فقد ورد في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم. وعيها دليل على استئجار الطبيب من غير عقد إجازة بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه، وفيه دليل على جواز التكسب بالحجامة.



و إن النظرة نحو الحجامة ونتائجها وآلية تأثيرها كانت متغيرة من زمن لآخر، فحتى القرن الثامن عشر كانت النظرة عنها أنها طرح لمواد سميّة من العضوية. وفي القرن التاسع عشر تغلبت النظرة الناقدة للحجامة معتبرين إياها طريقة تقوم على الدجل وأن الأساس الفيزيولوجي الذي تقوم عليه ضعيف.

إلا أن الاهتمام بها عاد في أوائل القرن العشرين حيث دُرس تأثيرها على نطاق واسع وأصبحت لها استطباباتها التي تقوم على أساس علمي وقد استحدث الأطباء الأدوات لتبسيطها.

فصار هناك مشارط متنوعة منها مشرط فيدال ذي ثلاث شفرات أو ذي ثماني شفرات مخفية تظهر عند الضغط على زر جانبي محدثة ثمانية شرطات بآن واحد لتسهيل العمل.

و محاجم مختلفة لمص الدم فوق مكان التشطيب. كما استعمل العلق الطبي للغرض ذاته: وهو نوع من الدود يعيش في المستنقعات، يلتقط ويوضع على الجلد فيتثبت عليه بمحاجمه ويمتص من الدم حتى يمتلئ ويسقط.

و يرى الدكتور ظافر العطار أن قلع سن من فم المريض لا حاجة له به كرحى ثالثة مثلاً وتركها تنزف لمدة هي بمثابة حجامة فموية يمكن أن يستفيد منها المريض المصاب بالشقيقة.

كما أن التبرع بالدم ما هي إلا حجامة متطورة ويمكن أن يحصل المريض على النتيجة نفسها والذي يمكن أن يكرر كل أربعة شهور كما تسمح بذلك أنظمة التبرع بالدم.

و قد أكد كل من كونيايف وساليشيف [عن الموسوعة الطبية الكبرى: المجلد 12 الطبعة 3 لعام 1980 - موسكو، بالروسية] التأثير الواضح للحجامة أو الفصادة على العضوية. وأن الطرح المقصود لكمية كبيرة من الدم في زمن قصير تنقص كمية الدم الجائل ينخفض معها إلى حدٍّ ما الضغط الدموي الشرياني والشعري وخاصة الضغط الوريدي مما يملك تأثيرات إيجابية حالة وجود فرط توتر وريدي بسبب قصور البطين الأيمن. وإن عودة الدم الجائل إلى حجمه الطبيعي يتم بسرعة عقب الحجامة بسبب تميُّه الدم (مَوهَ الدم _ Hydremia) حيث يزيد نسبة الماء فيه أكثر من 15 % من الحدود الطبيعية، ومَوهَ الدم هذا مرتبط بآلية عصبية خليطة ناظمة لحجم الدم الجائل.

و من تأثيراتها أيضاً نقص لزوجة الدم وزيادة زمن تخثره وهذه تغيرات مرحلية تتعلق بخصوصيات المرض الأصلي _ فمثلاً عند المصابين باحمرار الدم فإن قابلية تخثر الدم تزدادا بعد الفصد _

و الحجامة والفصد مثيران قويان لارتكاسات العضوية الدفاعية _ كما يؤكد المؤلفان _ كما أن ما يستدعيانه من إعادة لتوزيع بعض العناصر في العضوية كالماء والشوارد والعناصر المكونة للدم تترافق مع زيادة نشاط ميكانيكية التنظيم العام والموضعي لدينامية الدم _ hymodynamics _ يؤهب لتراجع الاضطرابات الدموية وهذا يفسر في العديد من الحالات تحسن الحالة العمة للمريض وزوال الآلام في الرأس وخلف القص والمذل والانحراف في الاحساس، وهذا ما نراه مصداقاً للدعوة النبوية للاحتجام حين الإصابة بالشقيقة والصداع وغيرها من الآلام.

و يلخص المؤلفان الاستطبابات الحديثة للحجامة أو الفصد بما يلي:

1. قصور البطين الأيمن المترافق بارتفاع الضغط الوريدي.

2. القصور الحاد في البطين الأيسر مع وذمة الرئة (حالة غياب الصدمة والوهط الدوراني)

3. الارتعاج Eclampsia الحاصلة في التهاب الكلية Nephritis أو الحمل.

4. الانسمامات المزمنة التي طال فيها وجود السم في الدم [روى الطبراني بإسناد رجاله ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بعد ما سُمَّ (الهيثمي في مجمع الزوائد)].

5. فرط الكريات الحمر Polycetimia [مصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اشتد الحرُّ فاستعينوا بالحجامة، لا يتبيغ الدم بأحدكم فيقتله " الحديث رواه أبو داود في الطب، وفي هامش جامع الأصول قال الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط أنه حديث حسن. والتبيغ التهيج وهي ترجمة كلمة Hypeshemie ويحدث تبيغ الدم في ارتفاع التوتر الشرياني وخاصة الأحمر المترافق باحتقان الوجه واليدين والقدمين، كما يحدث في فرط الكريات الحمر الحقيقي].

هذا ويعتبر مضاد استطباب الحجامة وجود هبوط مرضي في الضغط الشرياني أو نقص في حجم الدم وفقر الدم من أي منشأ كان والتصلب العصيدي الدماغي.

و هناك بعض الاختلاطات التي قد تنجم عن الحجامة غير المراقبة بسبب هبوط الضغط الشرياني أو نقص الخضاب أو عدد الكريات الحمر في الدم المحيطي. وفي هذه الحالات يصحح الخطأ بحقن المصورة المعاوضة أو نقل كمية من الدم. أما الاختلاطات الأخرى فيمكن أن تنجم عن خطأ تكتيكي نتيجة رض الوريد أو حصول ورم دموي لوجود شريان مجاور، عندئذ توقف العملية ويوضع رباط ضاغط. وقد يحصل غثيان Syncope عند إجراء الحجامة عند الضعفاء من المرضى حيث ينصح بانشاق المريض الغول النشادري.

و لا يسعنا بعد أن وضحنا ما توصل إليه الطب الحديث من أمر الحجامة إلا أن نتذكر قول الله سبحانه وتعالى حين وصف نبيه الكريم:

{إن هو إلا وحيٌ يوحى، علمه شديد القوى}.



مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

3. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري بشرح البخاري) _ كتاب الطب.

4. ظافر أحمد العطار: عن مقالته (الحجامة تشفي الشقيقة) مجلة طبيبك مارس: 1984، ونشرت في الفيصل العدد 78 لعام 1983.

5. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).

6. كونيايف وساليشيف: عن مقالة (الحجامة في الموسوعة الطبية الكبرى) الروسية الطبعة 3 المجلد 12 لعام 1980.

7. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث). المجلد 3 الطبعة 3.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:34 AM
الحمية رأس الدواء



عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن " [رواه البخاري ومسلم، ومعنى تجُّم فؤاد المريض أي تريحه وتزيل عنه الهم وتنشطه.

و في رواية للبخاري: أن عائشة كانت تأمر بالتلبينة وتقول: هو البغيض النافع.

و عن عائشة أيضاً قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب بعض أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ثم أمرهم فحسوا منه ويقول: " إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن الوسخ عن وجهها بالماء " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ويرتو يشده ويقويه، ويسرو أي يكشفه ويزيله].

و في رواية للبخاري أن عائشة كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النسوة ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت: كلن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن " _ والبرمة القدر _

وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليّ وعليٌ ناقه، ولنا دوالٍ معلقة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وأخذ علي ليأكل منها فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: مه يا علي إنك ناقه، فكف عليّ. قالت: فصنعت شعيراً وسلقاً وجئت به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصب من هذا فهو أنفع لك، [رواه أبو داود]

روى الترمذي نحوه وفيه: فجعلت لهم سلقاً وشعيراً... الحديث وفيه: فهو أوفق لك، والناقه الذي أبلَّ من مرضه ولم تتكامل صحته.

و أما القول المأثور: الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء، فليس حديثاً نبوياً وإنما هو على الأغلب من كلام طبيب العرب (الحارث بن كلدة) وكان يقول: رأس الطب الحمية.قال ابن حجر قال الأصمعي: التلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل. وقيل لبن. وسميت تلبينة تشبيهاً لها باللبن في بياضها ورقتها.قال أبو نعيم في الطب: هي دقيق بحت... وقال البغدادي: التلبينة الحساء ويكون في قوام اللبن وهو الدقيق الناضج لا الغليظ النيئ. وإذا شئت أن تعرف منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير لا سيما إذا كان نخالة _ مطحوناً _ فإنه يجلو وينفذ بسرعة ويغذي غذاءً لطيفاً. وإذا شرب حاراً كان أجلى وأقوى نفوذاً. والمراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة.

قال ابن القيم: الحمية حميتان: حمية عما يجلب المرض وحمية عما يزيده، فالأولى حمية الأصحاء والثانية حمية المرضى.

و الأصل فيها قوله تعالى: {و إن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً} فحمي المريض عن استعمال الماء لأنه يضره....و أنفع ما تكون الحمية للناقه فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها، ,القوة الهاضمة ضعيفة والطبيعة مستعدة فتخليطه يوجب انتكاسها.

و اعلم أن في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الأكل من الدوالي وه وناقه، أحسن التدبير، فالدوالي رطب معلق في البيت والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن وقتها، وفي الطب خاصة ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره. فلما وضع الشعير والسلق بين يديه أمره بأكله فإنه من أنفع الأغذية للناقه، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف والتليين ما هو أصلح للناقه لا سيما إذا طبخ بأصول السلق فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف.

و مما ينبغي أن يُعلم أن كثيراً مما يحمى عنه العليل والناقه إذا اشتدت الشهوة إليه فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن المعدة والطبيعة تتلقيانه بالقبول والمحبة فيصلحان ما يخشى ضرره. ولذا فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيباً على تناول التمرات اليسيرة كما يروي صهيباً رضي الله عنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر فقال: أُدن فكل. فأخذت تمراً فأكلت. فقال: أتأكل تمراً وبك رمد؟ فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم [رواه الترمذي وابن ماجة].

و إنه لمن المعجز حقاً التوافق التام بين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحمية وبين معطيات الطب الحديث، والذي يعّرف الحمية بأنها التدبير الغذائي الخاص بالمريض من إلزامه منهاجاً من الغذاء لا يتعداه أو منعه من بعض أنواع الأغذية أو الأشربة التي أضحت مؤذية له بسبب مرضه.

و تعتبر الحمية جزءاً من المعالجة في كثير من الحالات ولكل مرض حميته. ولقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية الحمية حتى في دور النقاهة. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يغذى المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية.

وقد وصف التلبينة والحساء لأنهما سهلا الهضم لطيفا التغذية، فكل منهما يريح المعدة ويقوي هضمها ويخفف آثار الحزن ولأن الطعام الثقيل في ظروف الانفعال قد يعرض المريض لعسرة الهضم.

و لقد كان الشعير غالب طعام أهل الحجاز لأن الحنطة عزيزة عندهم، لذا فإن التلبينة كانت تصنع من دقيق الشعير. وتؤكد مصادر الطب الحديث [الدكتور عزة مريدن (علم الأدوية)] وصف حساء الشعير في الحميات وكغذاء لطيف سهل الهضم حيث يستعمل مهروس الشعير بعد نزع قشوره مطبوخاً بالماء أو الحليب للمسعورين والأطفال وتوصف للمتوعك والمصاب بالحمى أو بقلة الشهية أو عسرة الهضم... هذا وسنتكلم عن السلق تحت عنوانه الخاص.

و من الهدي النبوي في الحمية أيضاً، ألا يجبر المريض على الطعام أو الشراب حين تعافه نفسه فقد روي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله عزَّ وجل يطعمهم ويسقيهم " [رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن غريب].

قال ابن القيم: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على حكم إلهية، وذلك لأن المريض إذا عاف الطعام والشراب فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها.. واعلم أن الجوع هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما يتحلل منها. وإذا وجد المريض اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء والشراب. فإذا أكره المريض على الطعام اشتغلت به الطبيعة عن فعلها واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه فيكون ذلك سبباً لضرر المريض.

يقول دكتور عادل الأزهري [في تحقيقه على هامش كتاب الطب النبوي لابن القيم]: ومعظم الأمراض يصحبها عدم رغبة المريض في الطعام وإطعام المريض قصداً في هذه الحالة يعود عليه بالضرر لعدم قيام جهازه الهضمي بعمله كما يجب مما يتبعه عسر هضم مع سوء حالة المريض... وكل مريض له غذاءٌ معين له ويجب أن يكون سهل الهضم قليل الغذاء... وإن من دلائل الشفاء عودة المريض إلى سابق رغبته في الطعام.

و يؤكد الدكتور النسيمي: أن الله سبحانه وتعالى قضت حكمته أن يكون في الجسم مدخرات كبيرة يستفيد منها وقت الحرمان، فينبغي أن لا يغتم ذووا المريض لعزوف مريضهم عن الطعام خلال المرض، فإن المعدة قد لا تحتمل الطعام الزائد، أو لا تحتمل الطعام مطلقاً، , قد يسبب له غثياناً أو قيئاً.. ولذا لا يجوز أن يجبروا مريضهم على الطعام وقد عافته نفسه.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري بشرح البخاري).

3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

4. دكتور عزة مريدن: عن كتابه (علم الأدوية).

5. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).

6. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:35 AM
الحناء... دواء وجمال



عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " [رواه البخاري ومسلم].

و عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيضٌّ لحاهم فقال: " يا معشر الأنصار حُمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب " [رواه أحمد بسند حسن.

و عن جابر رضي الله عنه قال: أُتي بأبي قحافة يوم الفتح ورأسه كالثغامة [الثغامة نبات أبيض الزهر والثمر شبه به بياض الشيب] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد " [رواه مسلم].

و عن أنس رضي الله عنه قال: اختضب أبو بكر بالحناء والكتم [الكتم نبات من اليمن يصبغ بلون أسود إلى الحمرة] واختضب عمر بالحناء بحتاً، _ أي صرفاً _ [رواه مسلم].

و عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ورواه أيضاً أصحاب السنن وقال الأرناؤوط: حديث حسن].

و عن سلمى أم رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكا إليه أحد وجعاً في رأسه إلا احتجم، ولا شكا إليه وجعاً في رجليه إل قال اختضب، [رواه أبو داود، ورواه أيضاً البخاري في تاريخه وقال الأرناؤوط: حديث حسن].

و عنها أيضاً قالت: كان لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحة ولا شوكة إلا وضع

عليها الحناء، [رواه الترمذي بإسناد حسن، ورواه أبو داود وابن ماجة وقال الهيثمي: رجاله ثقات]

و عن عثمان بن وهب قال: دخلت علي أم سلمة فأخرجت لنا شعراً من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوباً، [رواه البخاري].

قال النووي: ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل بصفرة أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل يكره كراهة تنزيه والمختار التحريم، ورخص فيه بعض العلماء للجهاد فقط.

نبتة الحناء (Low sania _ Henna):

شجيرة من الفصيلة الحنائية lythracees حولية أو معمرة تمكث حوالي ثلاث سنوات وقد تمتد إلى عشرة، مستديمة الخضرة، غزيرة التفريع، يصل طولها إلى ثلاثة أمتار. أوراقها بسيطة بيضاوية بطول 3 _ 4 سم، متقابلة الوضع بلون أحمر خفيف أو أبيض مصفر.

لها صنفان يختلفان في لون الزهر كالصنفِ Alba ذو الأزهار البيضاء والصنف Miniata ذو الأزهار البنفسجية.

كما ذكروا لها صنفين: حمراء وسوداء، والغالب مزج النوعين معاً. والموطن الرئيسي للحناء جنوب غربي آسيا، وتحتاج لبيئة حارة، لذا فهي تنمو بكثافة في البيئات الاستوائية لقارة إفريقيا. كما انتشرت زراعتها في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وأهم البلدان المنتجة لها مصر والسودان والهند والصين.

لمحة تاريخية:

عرفت الحناء منذ القديم، فقد استعملها الفراعنة في أغراض شتى، إذ صنعوا من مسحوق أوراقها معجونة لتخيب الأيدي وصباغة الشعر وعلاج الجروح، كما وجد كثير من المومياء الفرعونية مخضبة بالحناء، واتخذوا عطراً من أزهارها. ولها نوع من القدسية عند كثير من الشعوب الإسلامية إذ يستعملونها في التجميل بفضل صفاتها الممتازة.

فتخضب بمعجونها الأيدي والأقدام والشعر، كما يفرشون بها القبور تحت موتاهم. وتستعمل في دباغة الجلود والصوف ويمتاز صبغها بالثبات. وينحصر استعمالها في أوربا وأمريكا في صباغة الشعر، إذ إنها لا تضر به فضلاً عن تقويتها لجلد الفروة وهذا مهم جداً لأن صباغات الشعر الكيماوية كثيراً ما تؤدي إلى أمراض التهابية و تحسسية عديدة وأعراض انسمامية أحياناً. كما تتجه الأنظار إليها في الوقت الحاضر لاستعمالها في صناعة المواد الملّونة لسهولة استخراج العنصر الملون فيها، وتمتاز بألوانها الجميلة ذات المقاومة الأكيدة لعوامل التلف.

التركيب الكيماوي:

يستعمل من الحناء أوراقها وأزهارها. حيث تحتوي الأوراق على غليكوزايدات مختلفة أهمها اللاوزون (Lawsone) وجزئيها الكيماوي من نوع 2 - هيدروكسي 1 - 4 نفتوكينون، وهي المادة المسئولة عن التأثير البيولوجي الطبي وعن الصبغة واللون الأسود، كما تحتوي على مواد راتنجية Resine وتانيتات تعرف بـ حماتانّين Hennatannin. أما الأزهار فتحتوي على زيت طيار له رائحة زكية وقوية ويعتبر أهم مكوناته مادة الفوبيتا إيونون (A , B , Ionone).

استعمالاتها الطبية:

كان للحناء مكانتها المرموقة عند أطبائنا المسلمين. فقد ذكر ابن القيم أن: الحناء محلل نافع من حرق النار، وإذا مضغ نفع من قروح الفم والسلاق العارض فيه ويبرئ من القلاع. والضماد فيه ينفع من الأورام الحارة الملتهبة. وإذا ألزقت به الأظافر معجوناً حسنها ونفعها، وهو ينبت الشعر ويقويه وينفع من النفاطات والبثور العارضة في الساقين وسائر البدن.

أما الموفق البغدادي فيقول: لون الحناء ناري محبوب يهيج قوى المحبة وفي رائحته عطرية وقد كان يخضب به معظم السلف، , يؤكد البغدادي: أن الحناء ينفع في قروح الفم والقلاع وفي الأورام الحارة ويسكن ألمها. ماؤها مطبوخاً ينفع من حرق النار وخضابها ينفع في تعفن الأظافر، وإذا خضب به المجدور في ابتدائه لم يقرب الجدري عينيه.

أما ابن سينا فيقول: الحناء فيه قبض وتحليل بلا أذى. ويستعمل في الطب الشعبي كقابض وفي التئام الجروح والحروق وغسول للعيون وكمروخ لمعالجة البرص والرثية. وذكر داود في تذكرته أن للحناء فوائد في إدرار البول وتفتيت الحصى وإسقاط الأجنة. كما ذكر أن تخضيب الجلد بها يلون البول مما يدل على قابلية امتصاصها من الجلد.

و في الطب الحديث: أكد الدكتور النسيمي فائدة معالجة السحجات الناجمة عن السير في الطرقات والداء الفطري بين الأصابع بالحناء.، وعلل ذلك بأن الفطور الخمائرية تؤدي إلى سهولة اقتلاع الطبقة السطحية من الجلد والحناء قابضة، وهذا يجفف الجلد ويقسّيه ويمنع تعطينه مما يمنع سيطرة الخمائر والفطور ويعمل على سرعة شفاء السحجات والقروح السطحية.

و يحضر مسحوق الحناء بسحق الأوراق ونهاية الأغصان الرفيعة بعد تجفيفها ثم تصنع منه عجينة. وتؤكد الدكتورة سامية قاسي فائدة تطبيق معجونة الحناء لمعالجة العديد من الأمراض الجلدية وخصوصاً الالتهابات الفطرية المنشأ والتي تتوضع في الثنيات وبين الأصابع، كما تساعد في التئام الجروح. وتفسر الدكتورة سامية تلك الصفات بسبب وجود مادة الحناتانين القابضة في الحناء وتؤكد أن تطبيق تلك العجينة على فروة الرأس لفترة طويلة، فإن المواد المطهرة والقابضة الموجودة فيها تعمل على تنقية الفروة من الجراثيم والطفيليات ومن المفرزات الزهمية الفائضة، كما تفيد في معالجة قشرة الرأس وتعمل على الإقلال من إفراز العرق عند مفرطي التعرق.

أما عند استخدام الحناء في صبغ الشعر فيجب استعمالها في وسط حامضي لأن مادة اللاوزون لا تلون في وسط أساسي، ولذا ينصح بصنع عجينة الحناء بالخل والليمون.

و من دواعي الأسف أن الأبحاث ما تزال فقيرة حول فوائد الحناء ونود لو يعطيها الباحثون حقها من الدراسة حتى يتم التحقق من المعجزة النبوية في كونها دواء وجمال ...

كشف الغش في الحناء:

تغش الحناء لزيادة وزنها بإضافة الرمل الناعم عند الطحن، وهذا يسهل كشفه لأن الرمل ذو ثقل نوعي أكبر، وهكذا فإن حجماً معيناً من الحناء الأصلية أقل وزناً من نفس الحجم من الحناء المغشوشة. كما أن نفخها نفخاً خفيفاً يؤدي إلى تطايرها وبقاء الرمل، كما أن وضع كمية قليلة منها في الماء يؤدي إلى ترسب الرمل وتطفو الحناء نقية. وقد تغش الحناء أيضاً لتغطية اصفرارها بمزجها بطلاء اخضر.



مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).

3. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

4. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ الطبعة 3 _ 1991.

5. شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة: 1977.

6. سامية قاسي: عن مقالة لها بعنوان (الحناء.. علاج وتجميل) مجلة الدواء العربي، حزيران 1993.

7. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:36 AM
نعم الإدام الخل



عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: " نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل ". وفي رواية: قال جابر: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلقاً من خبز فقال: ما من أدم؟ فقالوا: لا، إلا شيء من خل، قال: " فإن الخل نعم الأدم " قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلم [رواه مسلم].

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نعم الأدم الخل " [رواه مسلم].

و عن أم سعيد رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه خل " [رواه مسلم].

قال النووي: وأما معنى الحديث فقال الخطابي والقاضي عياض معناه الاقتصار في المآكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة، والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدحٌ للخل نفسه.

و الخل غذاء ودواء قديم قال عنه ابن القيم: والخل ينفع من المعدة الملتهبة ويقمع الصفراء ويدفع ضرر الأدوية القتالة ويحلل اللبن والدم وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويعين الهضم وليطف الأغذية الغليظة ويرق الدم ... وإذا تمضمض به مسخناً نفع من وجع الأسنان وقوىّ اللثة.

أما الرازي فيقول عنه: الخل يلطف الأخلاط الغليظة وييبس البطن ويقطع العطش وهو

بارد يطفئ حرق النار أسرع من كل شيء، , هو مولد للرياح منهض لشهوة الطعام معين على الهضم ومضاد للبلغم.

و الخل Vinegar تابل مائع ذو طعم نافذ ينتج عن تحويل الغول إلى حامض الخل بتأثير خميرة (ميكوديرما أسيتي)، ويمكن أن يصنع عن عصير العنب والبرتقال والشمندر والبطيخ وقصب السكر والتفاح والتوت والعسل كما تمكن العلماء من صنعه كيميائياً.

و يتركب الخل من الماء وحامض الخل (5 %) ومن مواد صلبة وطيارة وعضوية، ومواد أخرى تعطيه الطعم والرائحة. والخل يظهر نكهة بعض الأغذية ويجعلها أشد قبولاً ومذاقاً ويساعد على هضمها، لذا فهو يضاف إلى كثير من الأطعمة كاللحم والسلطات حيث يثير الشهية ويفتح القابلية. إلا أن الإفراط في تناوله يهيج المعدة ويسبب آلاماً وعسر هضم ومغص وقد يؤدي إلى قروح أحياناً.

و قد وصف الخل في الطب الحديث بأنه مرطب ومنعش، ومدر للبول والعرق ومنبه للمعدة ومحلل لألياف اللحم والخضروات الخشنة. كما أنه يُعطى كترياق للتسمم بالقلويات. ويطبق ظاهراً كعلاج للثعلبة والقرعة. وقد رأيت فائدته الكبرى في معالجة قمل الرأس وإتلاف الصئبان. ويطلى به الرأس علاجاً للصلع. وقد يضاف إليه النشاء ويطلى به الجلد كدواء للجكة. ويغسل به القروح والجروح الجلدية، ويدلك به جلد الصدر والبطن بعد تمديده كمنشط عام، ويمسح به جبين المريض المصاب بالحمى تخفيفاً للصداع. وقد ينشق عن طريق الأنف لإنعاش المريض المصاب بالغشي، ويغرغر به الفم والبلعوم لشد اللثة وقطع نزيفها وتطهير الفم.

و قد أثنى جارفيس على خل التفاح فقال أنه إذا شرب مع الماء كان أحسن علاج للبرد وكان ينصح زبائنه أن يتناولوا صباح كل يوم على الريق كأساً من الماء مع ملعقة صغيرة من الخل وأخرى من العسل، وذلك لتطهير جهازهم الهضمي من كل سوء ويحصلوا على عناصر مفيدة ومغذية ومطهرة. وشاهد بنفسه أن أطفال الفلاحين الذين يشربون الماء مع الخل كانت أجسامهم قوية وصحتهم جيدة.

يقول جارفيس: والأطباء متفقون على أن تناول مقدار قليل من الخل مفيد والإكثار منه مضر ويستثنى من ذلك خل التفاح. ويستعمل طبياً لتحضير الخل العطر النافع من الصداع والدوار والمناعة من الأوبئة. وله أهمية في جعل خلايا الجسم بحالة جيدة وفي تعزيز مقاومة الجسم للكثير من الأسواء التي تهدده، لأن تركيبه غني بالعناصر التي يحتاج إليها الجسم لتأمين التوازن بين خلاياه وفي طليعتها الفوسفور والحديد والكلور والصوديوم والكالسيوم والمنغنيز والسيليكوم والفلور.

و من وصفات الطب الشعبي الهامة:

* الخناق: (70 غ خل + كأس ماء فاتر: غرغرة ويشرب الباقي ببطء).

* الحروق: (يدهن مكان الحرق بسرعة لتجنب حدوث فقاعات، وذلك بخل التفاح وكذا في حروق الشمس).

* نخر الأسنان: (يفيد الخل مضمضة بعد مزجه مع منقوع زهر الخطمية).

* ولسوء الهضم: (كأس ماء فاتر فيه ملعقة صغيرة من خل التفاح).

* للأرق: (نصف ملعقة صغيرة خل تفاح، 2 ملعقة صغيرة عسل مع 100 غ ماء) يشرب بعد ساعة ونصف من العشاء.

* ومن أجل التنحيف: (يؤخذ مقدار ملعقتين صغيرتين من خل التفاح مع كوب من الماء وتشرب بعد الطعام 3 مرات يومياً ولمدة شهرين.

* وللثعلبة: (يطلى المحل 6 مرات يومياً بالخل أو يفرك مرتين بروح الخل).



مراجع البحث

ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).

ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

جارفيس: عن كتابه (الطب الشعبي) ترجمة أمين رويحة.

أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.

محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب)

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:37 AM
الذريرة



عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع لحلّه وإحرامه [رواه البخاري ومسلم].

و روى ابن السني عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل عَلَي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج في إصبعي بثرة فقال: عندك ذريرة؟ قلت: نعم. قال: ضعيها عليها وقولي: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغّر ما بي، [أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي].

و عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: دخل عليها _ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عندك ذريرة؟ قالت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثر بين أصابع رجليه ثم قال: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير أطفئها عني فطفئت، [رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناد أحمد رجاله رجال الصحيح عدا مريم بنت إياس فهي مقبولة]

قال ابن القيم: والذريرة دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة، تنفع من أورام المعدة والكبد والاستسقاء، وتقوي القلب لطيبها. أما البثرة فهي خراج صغير يكون عن مادة حارّة تدفعها الطلبعة فتسترق مكاناً من الجسد تخرج منه، فهي تحتاج إلى ما ينضجها ويخرجها والذريرة تفعل بها ذلك فإن فيها إنضاجاً وإخراجاً مع طيب رائحتها.

و قال ابن سينا: إنه لأفضل لحرق النار من الذريرة بدهن الورد والخل، وقصب الذريرة ملطف وفيه قبض يسير مع حرافته ... وتجفيفه أكثر يحلل الأورام.

و قصب الذريرة Acorus Calamus , Sweet Flag نبات عشبي معمر من جنس القصب من فصيلة القلقسيات، أحمر اللون عطر الرائحة، له ريزومات متفرعة وأفرعاً هوائية قصبية الشكل، ويسمى بقصب الطيب لرائحته الزكية وقد ورد ذكره في التوراة ضمن أفخر الأطياب، وإذا كسرت فروعه ظهر منها ذرور أبيض هو الذريرة، تضاف إلى الحناء لتعطيرها وتدخل في صنع الصابون المعطر.

منابته في الأهواز ومصر والصين.

يستخرج من ريزوماته _ الجذامير _ زيت عطري مذكور في دستور الأدوية الألماني كعقار طبي يحتوي على الإيجبينول والآزارون وحمض النخل وسيتيلك وفيتامين " ب " والكولين والعفص. تستعمل خلاصة جذاميره أو زيته، إذ هو نافع للمعدة مقو لها، هاضم، ومطمث، طارد للغازات، ويعالج به النهاك والملاريا وسوء الهضم. يعطى للمصابين بالحيات كمخفف للحرارة، ومسكن في الآلام العضلية والمفصلية _ الرثية _. وإذا مزج مع الكرفس وشرب نفع من برد الكلى والالتهابات البولية.



مراجع البحث

الحافظ الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).

ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

ابن قيم الحوزية: عن كتابه (زاد المعاد من هدي خير العباد) وكتابه (الطب النبوي) تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط.

دكتور شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة.

وديع جبر: عن كتابه (معجم النباتات الطبية) بيروت: 1978.

أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير: عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري) بيروت: 1985.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:38 AM
التداوي بالرماد



عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد رضي الله عنه يُسأل عما دووي به جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال: جرح وجهه وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وكانت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي يسكب عليها بالمجن. فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدَّم إلا كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً فألصقته بالجرح فاستمسك الدم، [رواه البخاري ومسلم وللترمذي رواية مقاربة، والبيضة: الخوذة، والهشم: الكسر، والمجن: الترس الذي يستتر به، والرباعية: السن التي نلي الثنية.

و روى ابن ماجة عن سهل بن سعد: أحرقت له حين لم يرقأ _ قطعة حصير خلق _ فوضعت رماده عليه.

قال ابن حجر: كان أبو الحسن القابسي يقول: وددنا لو علمنا ذلك الحصير ممّ كان لنتخذه دواء لقطع الدم. وقال ابن بكال: قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم. بل الرماد كله كذلك لأن الرماد من شأنه القبض.

و قد زعم كل من البغدادي والكحال ابن طرخان وابن القيم حين شرح الحديث أن المراد بالحصير المصنوع من البردي لأن في رماده تجفيفاً وقلة لذع يقطع الدم، ولأن المجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم. ورماد البردي إذا نفخ في أنف الراعف قطع دمه. وقال ابن سينا عن الرماد: أنه جلاء مجفف كله وإن اختلف ... ورماد الخشب القابض كالبلوط وغيره يحبس الدم.

و الرماد Ash هو ما يتبقى من حرق المواد العضوية الحاوية على كمية كبيرة من الأكاسيد والكاربونات والفوسفات وإن تركيب الرماد النباتي يختلف تبعاً للتربة التي ينمو فيها النبات.

أما تركيب الرماد الحيواني فيختلف حسب الغذاء الذي يتناوله ذلك الحيوان وحسب النص النبوي فنحن لسنا في معرض الرماد الحيواني. أما الرماد النباتي فإن فحمات البوتاسيم وأكسيد الكالسيوم ثم أكاسيد السيلكون والفوسفور. كما أن العديد من مركبات لمعادن أخرى كالنحاس والمغنزيوم والمنغنيز يمكن أن توجد في الرماد تبعاً لنوع النبات.

و بعد إيقاف النزيف بالرماد المستحصل حديثاً من المعالجات المعروفة القديمة في الطب الشعبي عند العرب منذ الجاهلية. وتفيد على الخصوص في النزيف الحاصل من الشجة أو الجروح السطحية _ نزيف الأوعية الشعرية _ وإذا أعقب وضع الرماد استعمال رباط ضاغط فإن النتائج تكون أسرع. وعموماً فإن الرماد يكون طاهراً بحرارة الاحتراق أما اختيارهم لرماد الحصير فهو لأنه أنفع من غيره أو لأنه خال من مواد لاذعة قد تمنع فائدته أو لأن قش الحصير يحتوي على مواد قابضة.

و قد علل الدكتزر النسيمي فائدة الرماد من الناحية الطبية أن الرماد يمتص قسماً كبيراً من ماء المصل الدموي فيساعد على تكون الخثرة البدئية من الصفيحات الدموية، كما أنه يزيد من تخريب بعض الصفيحات والتي يتخرب قسم منها أيضاً بتماسها مع سطح الشئز. وكما نعلم فإن الصفيحات عند تخربها تطلق خميرة ترومبوكيناز المساعدة على التخثر كما تطلقها الأنسجة المجروحة. فإذا انضم إلى ذلك وجود مواد قابضة كالعفص في المادة المحروقة فإن فعل رمادها يكون أقوى في إيقاف النزيف كما في رماد البلوط.

و يعلل الدكتور عبد المعطي القلعجي [في حاشيته على الكتاب (الطب من الكتاب والسنة) لموفق الدين البغدادي. دار المعرفة _ بيروت: 1988] الأمر بآلية مغايرة فيقول بأن الرماد يعمل عمل المواد القابضة، فهي عندما تطبق على جرح ترسب بروتيناته السطحية وتشكل بذلك طبقة ساترة على التهتكات والجروح تحميها من المخترقات الجرثومية وغيرها وتوقف النزيف بترسيب العنصر البروتيني في الدم، كما أن لها خاصية ترسيب البروتين في جسم الجراثيم فتوت فيكون فعلها في حماية الجرح والقضاء على أي جرثوم قريب منه.

مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. الموسوعة العالمية Encyclopedia International لـ: Grolier المجلد 2 لعام 1972 _ نيويورك.

3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) الجزء 3.

4. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق القلعجي 1988.

5. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:39 AM
الرّمان Pome Grante



الرمان من فاكهة الجنة التي خصّها الله بالذكر مما يقدم لعباده المؤمنين فقال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [سورة الرحمن: الآية 68].

قال الإمام ابن الجوزي: وإنما أعاد ذكر النخل والرمان _ وقد دخلا في الفاكهة _ لبيان فضلهما، كما ذكرنا في قوله تعالى: {و ملائكته ورسله وجبريل وميكائيل}.

و قال ابن كثير {و نخل ورمّان}: من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمّان بالذكر لشرفهما على غيرهما.

و الرمان من الفاكهة الموغلة في القدم عرفه كثير من الأقوام السالفة واكتشفوا كثيراً من خصائصها ومنافعها ومنهم الفراعنة الذين استخدموها في علاج المرضى. وموطنها الأصلي جنوب غربي آسيا أو شمال غربي الهند ومنه انتقلت إلى إيران ومن ثم إلى حوض البحر الأبيض المتوسط ومصر ومنها إلى أوربا في عصور متأخرة.

و في تراثنا الإسلامي وصف دقيق لمنافع الرمّان. فقد قال ابن القيم: أن حلو الرمّان جيد للمعدة ومقوّ لها بما فيه من قبض لطيف، نافع للحلق والصدر والرئة، جيد للسعال، وماؤه ملين للبطن يغذو البدن غذاء يسيراً، يعين على الباه ولا يصلح للمحمومين. وحامضه قابض لطيف ينفع المعدة الملتهبة ويدر البول ويسكن الصفراء ويقطع الإسهال ويمنع القيء ويقوي الأعضاء. وأما الرمّان المزّ فمتوسط طبعاً وفعلاً بين النوعين وهذا أميل إلى لطافة الحامض قليلاً.و قال الرازي: أن الرمان الحلو ينفخ قليلاً حتى أنه ينعظ والحامض يذهب شهوة الباه، الحلو يعطش والحامض يطفئ ثائرة الصفراء ويقطع القيء، وجميع الرمّان ينفع من الخفقان.

و الرمان شجر مثمر من الفصيلة الآسية Myrtacees وثمرته الرمانة تتميز بحبوبها الحمراء اللؤلؤية. وزهره أحمر قان جميل يدعى الجلّنار. والرمان على ثلاثة أنواع: حلو و

حامض ومزّ معتدل، وتختلف خصائصه باختلاف أنواعه. فالحلو يحتوي على السكاكر (7 _ 10 %) والماء 81 % والبروتين 0.6 % والدسم 0.3 %. كما يحتوي على ألياف بنسبة 2 % وعلى مواد عفصية كالتالين ومواد مرّة وعلى حمض الليمون 1 % وعلى مقادير ضئيلة من الأملاح المعدنية وخاصة الحديد والفوسفور والكبريت والكلس والبوتاس والمنغنيز وعلى نسبة جيدة من الفيتامين " ث _ C ". وفي الرمّان الحامض تقل نسبة السكاكر وترتفع نسبة حمض الليمون حتى 2 % فهو موجود في الرمان أكثر من الليمون نفسه. وترتفع في بذوره نسبة البروتين إلى 9 % والدسم 7 %.

تحتوي القشرة الخارجية لثمر الرمّان على حمض العفص Tannic Acide وهي مادة قابضة لذا يستعمل مسحوق القشور المجففة كمضاد جيّد للإسهال والزحار، وكمرقئ للنزوف الهضمية. كما يستعمل مغلي القشور لهذا الغرض ويفيد كطارد للديدان وخاصة الدودة الوحيدة لاحتوائه على مادة البلليترين Peletierine. ويستفاد من خواص القشور في تثبيت الألوان فتستخدم في دباغة الجلود وفي التخضيب بالحنّاء.

أما قشرة الجذور فتستعمل أيضاً كعلاج طارد للديدان وخاصة لاحتوائها على نسبة عالية من قلويد البلليترين ومشتقاته حتى أن مغليها [يحضر المغلي لقشر الجذور بغلي 50 غ منها لكل ليتر ماء لمدة ربع ساعة ويشرب منه مقدار كوب كل صباح] يمكن أن يؤدي إلى عوارض تسممية _ ضعف عام، دوار، غثيان، اقياء _. ولتحاشيها تمزج قشرة الجذور هذه مع مواد قابضة كالعفص Tannin حيث يصبح امتصاص المواد الذائبة بطيئاً كما تحتوي قشرة الجذر على نسبة عالية من المواد القابضة حيث تفيد في معالجة الإسهال أيضاً ومغلي الأزهار له نفس الفوائد التي نجنيها من مغلي قشرة الرمانة، كما يعتبر فعالاً لمعالجة التهابات اللثة.

و لعصير الرمان الحامض خواص هاضمة ممتازة لارتفاع نسبة الحموض العضوية فيه وخاصة بالنسبة لهضم الدسم، وهذا يساعد أيضاً على الوقاية من النقرس ومنع تشكل الحصى الكلوية. لذا يستعمل بإضافته إلى المآكل الغليظة فيساعده على هضمها وعلى تخليص الأمعاء منها. وتعتبر ثمرته من المواد المنعشة وز المقوية للقلب والأعصاب حيث تفيد المصابين بالوهن العصبي، كما أن لها خواصّ هاضمة. وإذا قطر العصير في الأنف لوحده أو ممزوجاً مع العسل فإنه يكافح أورام الأغشية المخاطية لكونه مقبضاً للأوعية الدموية كما يعين بذلك على تنظيف مجاري التنفس ويفتحها عند المصابين بالزكام والرشح، كما يشفي عسر الهضم.

و يصنع من العصير نوع من الدبس _ دبس رمان _ وهو خير الحموض المحفوظة التي تضاف إلى الطعام ويستعمل طبياً لمعالجة أمراض الفم واللثة.



مراجع البحث

ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق عبد المعطي القلعجي

أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) دمشق 1984.

محمد العودات وجورج لحام: عن كتابهما (النباتات الطبية واستعمالاتها) دمشق: 1987.

صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1977.

محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب).

ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).

ابن كثير الدمشقي: عن كتابه (تفسير القرآن العظيم).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:39 AM
مَن عُرِض عليه الريحانُ فلا يَرُدُّهُ



قال تعالى في معرض ذكره عن النعم التي وضعها في الأرض لعباده: {والحب ذو العصف والريحان} [سورة الرحمن: الآية 10].

و قال تعالى: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [سورة الواقعة: الآية 89].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من عرض عليه الريحان فلا يردُّه فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة " [رواه مسلم].

و عن أبي عثمان النهدي مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردًّه فإنه من الجنة " [رواه أبو داود والترمذي في مراسيلهما].

و في سنن ابن ماجة من حديث أسامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا مشمِّر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ... "

قال ابن القيم: الريحان كل نبت طيب الرائحة. فكل أهل بلد يخصونه بشيء فأهل المغرب يخصونه بالآس، وهو الذي يعرفه العرب من الريحان. أم أهل العراق والشام فيخصونه بالحبق



الآس: Myrtle

شجيرة من الفصيلة الآسية Myrtacees ترتفع إلى مترين ولها فروع عديدة ملساء عليها غدد ذات رائحة جميلة. تنبت برياً في سفوح الجبال، وتزرع في المناطق الغزيرة المياه وعلى ضفاف الأنهار. ويعود الاهتمام به لخضرة أوراقه الدائمة وأنها تحافظ على نضارتها وقتاً طويلاً. استعمله العامة من المسلمين لزيارة قبور موتاهم. يقال أن موطنه الأصلي بلاد فارس ونشره العرب في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي إسبانيا. ويعرف في المغرب العربي باسم الريحان وثمره هو حب الآس _ الحبلاس _. هذا وتفرز أوراقه مواد مطهرة تنقي الهواء وتقضي على الكائنات العضوية الدقيقة.

قال ابن القيم: الآس يجفف الرأس تجفيفاً قوياً وهو قاطع للإسهال الصفراوي وإذا شُمَّ فهو مفرح للقلب، مانع للوباء. وكذا إذا فرش في البيت.

و إذا سُحق ورقه اليابس وذر على القروح نفعها، وينفع من داء الداحس. وإذا دُلك به البدن قطع العرق وأذهب نتن الإبط. وطبيخه يجلو قشور الرأس وقروحه الرطبة ويمسك الشعر المتساقط ويسّوده، وحبه _ الحبلاس _ نافع من نفث الدم العارض في الصدر والرئة، دابغ للمعدة نافع من استطلاق البطن، مدمر للبول، نافع من لذع المثانة وعض الرتيلاء ولسع العقرب.

و أكد ابن سينا: أن ورق الآس يطيب رائحة البدن ويقوي أصل الشعر ويسّوده ويمنع تساقطه. وأضاف البغدادي: أن الآس يقطع الإسهال واشتمامه يسكن الصداع.

و في الطب الحديث يستخرج من ورقه وثمره زيت عطري طيار منعش زكي الرائحة، عنصره الفعال هو الميرتول Myrtole كما يحوي خلاصة قابضة ويوصف في التهاب اللثة والنزلات الصدرية وسيلانات المهبل. كما تحوي الأوراق على حمض الطرطير وزبدته ولذا فهي مدرة للبول، تخفف من شدة نوبات الصرع ومن عددها.

و يستخرج من ورقه وثمره ماء مقطر عطري زكي الرائحة _ عطر الملائكة _ يفيد مطهراً للأنف. أما ثماره _ الحبلاس _ فهي مغذية، منعشة ومقوية للجسم، تؤكل كفاكهة ولها خاصة مقبضة ومجففة للفم لاحتوائها على مادة عفصية، ويصنع منها مع السكر مُربّى لذيذ الطعم.



الحبق: Sweet Basil

هو الريحان بعرف أهل الشام، وربما كانت الهند موطنه الأصلي وهو نبات عشبي عطري من فصيلة الشفويات Labiee , s، زرع للزينة، ارتفاعه حوالي 50 سم، أوراقه بيضاوية معلاقية، زهره أبيض أو محمر قليلاً. يستعمل كتابل لتطبيب نكهة الطعام ويدخل في تحضير الحساء والسجق والسلطات. أما زيته الذهبي فيدخل في صناعة العطور والمشروبات.

و يستعمل كامل العشب الطازج بعد تقطيره لاستخراج الزيت. وهو زيت طيار أبيض أو أصفر اللون، له رائحة زكية واضحة ويدخل في تركيبه اللينالول والسينيول والأوجينول والتربين.

قال ابن القيم عن الحبق بأن: شّمه ينفع من الصداع الحار، ويجلب النوم، وبزره حابس للإسهال الصفراوي ومسكن للمغص، مقو للقلب ونافع من الأمراض السوداوية.

و أضاف ابن سينا: الحبق ينفع من البواسير والدوار والرعاف وأن أزهاره منشطة وهاضمة واستنشاق مسحوق أوراقه يزيل الصداع الناجم عن الزكام.

و في الطب الحديث: يحضر شرابه من رؤوسه المزهرة بعد نقعها في ماء مغلي، ويؤخذ منه مقدار ملعقة كبيرة بعد الطعام حيث يفيد كمنبه وهاضم، طارد للغازات، ومطهر للأمعاء ومزيل للمغص المعوي، مدر للبول، كما يقضي على الرشح والزكام. وله فائدة كبيرة في معالجة الوهن النفسي، وكمضاد للأرق العصبي والصداع وآلام الطمث.

و في أوربا يستعمل في عدد من المعالجات الشعبية. أما مغلي البذور فيعطي نتائج جيدة لمعالجة الزحار والاسهالات المزمنة.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. الإمام السيوطي: عن كتابه (الجامع الصغير).

3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

4. محمد العودات: عن كتابه (النباتات الطبية) دمشق: 1987.

5. أحمد قدامة: عن كتابه (النباتات الطبية) دمشق: 1982.

6. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:40 AM
كان مزاجها زنجبيلا



آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى تتحدث عن نعيم الجنة وما أعده الله لعباده المتقين قال تعالى: {و يسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا} [سورة الدهر: الآية 17].

قال الطبري: {كأساً} هي كل إناء كان فيه شراب فإذا كان فارغاً لم يقل له كأس وإنما يقال له إناء.

وقال ابن عباس: يريد الخمر {كان مزاجها زنجبيلا} كان مزاج الكأس التي يسقون منها زنجبيلا، أي يمزج لهم شرابهم بالزنجبيل.

قال القرطبي: كانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته لأنه يحذو اللسان ويهضم المأكول فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب.

و الزنجبيل Zingiber Ginger نبات عشبي عطري معمر ريزومي _ أي أنه ينبت من سوق عرضية طولها 1 _ 1.5 متر يخرج منها عدة سوق هوائية. أوراقه رمحية تستدق عند القاعدة سطحها أملس ولونها أخضر داكن. تحصد سوقه الهوائية عندما تبدأ بالذبول ثم تحفر الأرض وتستخرج السوق الأرضية _ الريزومات _ التي تغسل وتقشر وتقطع ثم تنقع بالماء أو تغلى في محلول سكري ثم تجفف وتحفظ للاستعمال. موطنه الأصلي جنوب شرقي آسيا وينحصر إنتاجه في المناطق الاستوائية في إفريقيا والهند.

استخدمه الصينيون والهنود منذ القديم كعلاج وتابل. يقول عنه جالينوس: إسخانه إسخان قوي، إذا أردنا أن نسخن البدن كله بالعجلة وجب أن نأكل الزنجبيل. وقال ابن ماسويه: الزنجبيل نافع من السدد في الكبد الحادث عن الرطوبة والبرد، معين على الجماع، محلل للرياح الغليظة في المعدة والأمعاء، وقال عنه ابن سينا: أنه يزيد الحفظ ويجلو الرطوبة عن نواحي الرأس والحلق وينفع من سموم الهواء.

قال ابن القيم: ذكر أبو نعيم في كتابه (الطب النبوي) من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة زنجبيل فأطعم كل إنسان قطعة وأطعمني قطعة. والزنجبيل مسخن، معين على هضم الطعام ملين للبطن. ينفع من ظلمة البصر الحاصلة عن الرطوبة: أكلاً واكتحالاً، معين على الجماع، صالح للكبد والمعدة، والمزّي منه يهيج الجماع ويزيد المني، ينشف البلغم ويطيب النكهة ويُدفع به ضرر الأطعمة الغليظة .... ريزوماته الشحمية تحتوي على أصماغ وراتنجيات دهنية ونشاء وزيت طيار يعطيه الرائحة العطرية التي تنبعث منه ويتكون من الكامفين Camphine واللينالول Linalol. وراتنج زيتي غير طيار هو الجنجرين الذي يعطيه الطعم اللاذع.

و تشير المصادر الطبية الحديثة إلى عدد من الاستعمالات الطبية الهامة للزنجبيل فهو يملك خواص مطهرة ومقوية ومضادة للحفر. خلاصته المائية من الأدوية الجيدة لأمراض العين كما تعطى داخلاً لتوسيع الأوعية الدموية وكمادة معرقة. كما يستعمل كمنعش ومنبه للقلب والتنفس، طارد للرياح، مضاد للمغص ومسكن للألم المعوي، لذا يفيد مزجه مع السنا فيمنع غثيانه ويصيره أقل شدة واستطالة. وبشكل عام فإن مزجه مع المسهلات يمنع حدوث المغص الناجم عنها. مَغليه منفث يفيد في النزلات البردية ويعتبر مضاداً للسعال، كما يصنع منه مربى يفيد في معالجة الآفات الصدرية. كما يمكن أن يغلى مع الشاي أو يسحق ويعجن مع العسل ويؤكل كغذاء مقو عام ومنشط للباه.

كما يعتبر مشهياً ومفرزاً للغدد لذا يستعمله الكثيرون كتابل يدخل في صناعة الحلوى والفطائر والمخللات والحساء لتطييب نكهة الطعام. كما يطبق معجون مسحوقه مع العسل موضعياً على الجلد والمفاصل كمسكن. هذا ولما كان الزنجبيل يحتوي على مقادير وافرة من المركبات الحريفة والقابضة فيجب تناوله باعتدال وعدم الإكثار منه وإلا أضرّ بالأغشية المخاطية للطرق الهضمية.

و يعتبر الزنجبيل منشطاً عطرياً يزيد من إفرازات المعدة بملامسته لبطانتها، وهو يقوي المعدة ويفيد لمعالجة أسواء الهضم وبعض اضطربات المعدة المشابهة بما فيها الناتجة عن دوار البحر، كما يفيد في طرد الغازات. وهو يعمل على تلطيف الحرارة وإزالة الظمأ لذا فهو يستخدم في الحميات والأنفلونزا، ويعطى شتاءً من أجل تدفئة الجسم. وهو مطمث عند المرأة، ويخفف من تأثير السموم على الجسم.



مراجع البحث

الإمام ابن جرير الطبري: عن كتابه (جامع البيان عن تفسير آي القرآن).

الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).

ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

حسان الكاتب: عن كتابه (الموسوعة الموجزة) دمشق: 1978.

محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.

أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.

أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) 1984.

زياد عبد الرحيم: عن مقالة (فوائد ومضار التوابل) مجلة البلسم، أيار: 1988.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:41 AM
كلوا الزيت وادّهنوا به



قال تعالى: {و هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والرمان متشابهاً وغير متشابهاً} [سورة الأنعام: 141].

و قال تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة كأنها كوكب دُرِّي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} [سورة النور: الآية 35].

قال القرطبي: قال ابن عباس رضي الله عنه: في الزيتونة منافع، يسرج الزيت وهو إدام ودهان ووقود، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ودعا لها سبعون نبياً بالبركة.

و قد اختلف العلماء في قوله تعالى: {لا شرقية ولا غربية} فعن ابن عباس وقتادة: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا تصيبها إذا غربت لأن لها ستراً والغربية عكسها أي أنها شجرة في منكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها. وقال ابن زيد: إنها من شجر الشام فإن شجر الشام لا شرقي ولا غربي وهو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة.

و في تفسير الجلالين {لا شرقية ولا غربية} بل بينهما فلا يتمكن منها حرٌ ولا برد مضرين.

قال تعالى: {و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} [سورة المؤمنون: 20]. قال القرطبي: {و شجرة} يريد بها شجرة الزيتون وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرها، وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار {تخرج من طور سيناء} أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه، وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلمّ الله عليه موسى عليه السلام، {تنبت بالدهن} أي تنبت ومعها الدهن، والمراد تعديد نعم الزيت على الإنسان، وهي من أركان النعم التي لا غنى للصحة عنها، {و صبغ للآكلين} يراد به الزيت الذي يصبغ به الأكل، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه.

قال تعالى: {و التين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين} [سورة التين: 1_3] قال الإمام الرازي حصل فيه قولان، الأول أن المراد من التين والزيتون هذان الشيئان المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء ... وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة، فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه ... ثم قال المفسرون: التين والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة فوجب إجراء اللفظ على الظاهر والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما من هذه المصالح. القول الثاني أنه ليس المراد هاتين الثمرتين، ثم ذكروا وجوهاً منها أنهما جبلان من الأرض المقدسة، ومنها أن المراد من التين والزيتون مسجدان، ومنها بلدان فقال كعب: التين دمشق والزيتون بيت المقدس.

عن أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه يخرج من ثمرة مباركة " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح حسن وأخرجه الإمام أحمد وصححه الحاكم]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ائتدموا بالزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة " [رواه ابن ماجة وصححه السيوطي في الجامع الصغير]. وعن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب]. وروى البخاري في صحيحه: كان ابن عمر رضي الله عنهما يدهن بالزيت، أي عند الإحرام [قال ابن حجر في فتح الباري: قال ابن عباس: إذا اشقّقت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت].

و في كتب التراث الإسلامي وصف مسهب لفوائد زيت الزيتون نقتطف منها ما جاء في تذكرة داود الأنطاكي: والزيت إذا شرب بالماء الحار سكّن المغص والقولنج وأخرج الدود وأدرّ البول وفتَّت الحصى وأصلح الكلى. ويقع في المراهم فيدمل ويصلح، والادّهان به كل يوم كل يوم يمنع الشيب ويصلح الشعر ويمنع سقوطه.. والاكتحال به يقلع البياض ويُحَدُّ البصر ... أما الزيتون فهو من الأشجار الجليلة القدر، العظيمة النفع، وإن مُضِغَ ورقه أذهب فساد اللثة والقلاع وأورام الحلق.

أما موفق الدين البغدادي فيقول: والإدّهان بالزيت يقوي الشعر والأعضاء ويبطئ الشيب،, شربه ينفع السموم ويطلق البطن ويسكن وجعه ويخرج الدود. ويذكر ابن سينا أن جميع أنواع زيت الزيتون مقوية للبدن منشطة للحركة. والزيت البري للحمرة والشرى والأورام الحارّة. والزيت البري المعتصر من الفج ينفع القروح الرطبة واليابسة والجرب، وورقه للحمرة والشرى. والزيت المغسول يوافق أوجاع العصب وعرق النسا، وزيت العتيق ينفع للمنقرسين إذا طلوا به. كما ينفع البريُّ اللثة الدامية تمضمضاً به ويشد الأسنان المتحركة، والزيت يتهوع مع الماء فيكسر قوة السم.

و في طبنا الشعبي توصف ملعقتان كبيرتان من الزيت في الصباح على الريق لمعالجة الإمساك. كما يوصف مزيجه مع الغليسرين لمعالجة تشقق الأيدي والأرجل من البرد. أما دولامور [Dolamore: " The Essential olive oil companion " London , 1988] فيورد بعض الوصفات من الطب الشعبي البريطاني، منها ما يجعل الشعر براقاً بعد مزجه مع صفار البيض وعصير الليمون: يدلك به الشعر 5 دقائق ثم يغسل. ولمنع قشرة الرأس يصفون مزيج الزيت مع الكولونيا. أما لمعالجة تجعد الشعر ومنع ظهورها فيوصف دلك الجلد بمزيج من زيت الزيتون مع عصير الليمون قبل النوم. كما يدلكون الأقدام بالزيت للذهب بتعبها.

و لقد أهمل الطب الحديث وحتى زمن قريب البحث عما في غذاء الإنسان من فوائد للوقاية من الأمراض وعلاجها، وأهمل الكثير من عقاقير القرون الوسطى _ كما يقولون _ وهكذا كان شأن الزيتون حتى عام 1986 حيث أيّدت أول دراسة موضوعية فائدته في معالجة ارتفاع كولسترول الدم، وبدأت الأبحاث تتوالى يوماً بعد يوم لتكشف أسرار هذه المادة الثمينة، وقد أثارت هذه الدراسات دهشة العالم حين أظهرت أن أمراض شرايين القلب واحتشاء العضلة القلبية كانت نادرة في جزيرة كريت، تلك الجزيرة التي يستهلك أهلها زيت الزيتون بشكل مثير يفوق الوصف. وفي حين قبل ذلك بـ 1400 عام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: " كلوا الزيت وادّهنوا به فإنّه يخرج من شجرة مباركة " وكيف لا تكون مباركة وقد أقسم الله بها، أو بأرضها حين قال جل وعلا: {و التين والزيتون وطور سنين ...} كما شبه الله نوره سبحانه بالنور الصادر عن زيتها حين قال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح * المصباح في زجاجة * الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة ....} [عن كتاب (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) الدكتور حسان شمسي باشا، جدة: 1992].

و يؤكد دولامور [Dolamore: " The Essential olive oil companion " London , 1988] أن سورية كانت أول موطن للزيتون حين زرعها الساميون قبل حوالي 6000 سنة، كما أن فلسطين كانت مشهورة بالزيتون. وقد جاء في سفر التكوين من الإنجيل أن حمامة تركت سفينة نوح ثم عادت إليها بغصن الزيتون، لذلك اعتبر غصن الزيتون رمزاً للسلام إذ كان إشارة إلى نهاية غضب الرب على قوم نوح، كما ذكر الزيتون في الآثار المصرية وشوهدت رسومه على أضرحة الفراعنة، كما ثبت استعمالهم لزيته في الطعام والعلاج. وقد علّم الفينيقيون الإغريق استخدام الزيت كمصدر للنور، وبلغ اهتمام الإغريق بالزيتون إلى درجة اعتبار بساتينه مقدسة لا يسمح بزراعتها إلا للعذارى من النساء أو الرجال الطاهرين.



شجرة الزيتون:

ينتمي الزيتون إلى فصيلة النباتات الزيتية Oleales وهناك مئات الأنواع المختلفة لشجر الزيتون، وتختلف فيما بينها تبعاً للمناخ والتربة وفيما إذا كان الزيتون سيستخدم للطعام أم للحصول على الزيت منه. ولا تستطيع شجرة الزيتون تحمل الطقس البارد جداً أو الرطب، بينما تتحمل الجفاف لفترة طويلة.

لذا تكثر في أقطار البحر الأبيض المتوسط بعيدة عن شواطئه، والمتميزة بشتائها اللطيف وصيفها الحار الطويل. وتمتاز هذه الشجرة بعمرها المديد إذ تعمر مئات السنين. وهي دائمة الخضرة وتزهر في أواخر الربيع ولا يتم نضج ثمرها قبل مضي 6 شهور على إزهارها. وقد كان الرومان يحرمون حرق خشبها ويستبقونه لصنع أثاث كنائسهم. ويفيد المغليّ المحضر من أوراقها في إدرار البول وكخافض للضغط الدموي.



خواص زيت الزيتون وقيمته الغذائية:

تختلف أنواع الزيت حسب لونه ومذاقه ورائحته وهذا تابع للأرض التي ينبت بها شجره وطريقة حصده وعصر ثماره. وألوانه تتفاوت من الذهبي إلى الأخضر القاتم، كما يختلف مذاقه من لاذع أحياناً أو فلفلي إلى طعم ثمري لطيف. ونحتاج للحصول على ليتر من الزيت إلى عصر 5 كغ من الزيتون. وليس هناك زيت نباتي آخر يمكن أكله فور عصره، فلا بدَّ للزيوت الأخرى من معالجتها بوسائل خاصة قبل أكلها. ويصنف الزيت حسب درجة حموضته وهناك طرق لتكريره من أجل تخفيف حموضته ورائحته.

إن ثمرة الزيتون حين بدء تشكلها لا تحتوي على أي كمية من الزيت بل إنها تحتوي على مزيج من الحموض العضوية والسكاكر التي تتحول بقدرة الخالق تدريجياً إلى زيت وثمرة الزيتون في طريقها إلى النضج وذلك ضمن عملية خاصة تدعى بتكون الدهن Lipogenesis أجل...! فما هي إلا مصانع كيميائية إلهية تحول الحموض العضوية والسكاكر إلى زيتن يكون غذاء ودواءً للناس...

يقول دولامور: ومن العجيب أن تجد أن طعم ونكهة زيت الزيتون يختلف من منطقة لأخرى رغم كون نوع الشجر واحداً في المكانين وهو يعود إلى اختلاف التربة والمناخ المحليين الذي يؤثر في طعم الثمار، وهذه المقولة هي مصداق قوله تعالى: {و هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه}.

و لأهل المغرب شهرة عالمية في إضافة البهارات والتوابل إلى الزيتون، حيث يسمى الزيتون المغربي الملكي. وزيتون الشام مشهور من ذ القديم وقد عرف بجودته. ويعتبر الزيتون مادة مغذية ومشهية وزيته أسهل هضماً من الزيوت الأخرى وله قيمة غذائية عالية. وقد كان الأطباء لسنوات خلت يحذرون المصاب بارتفاع كولسترول الدم من تناوله، لكن الأبحاث الحديثة دلّت عكس ذلك.

كما أوصت الجمعيتان الطبيتان البريطانية والأمريكية لمرضى السكر أن تكون الزيوت اللامشبعة الوحيدة كزيت الزيتون المصدر الرئيسي للدهون التي يتناولها المصابون بالداء السكري. ويشكل الزيت [Mc Cances: " Composition of food " London , 1979] نسبة 70 % من تركيب ثمرة الزيتون ويتكون من غليسيريدات وحموض أهمها حمض الأوليئيك مع كميات صغيرة من حمض البلمتيك واللينولئيك والستياريك والمستريك. وتحتوي كل 100 غ من الزيتون على بروتينات 0.9 غ، دسم 11 غ. وعلى عناصر معدنية هامة: البوتاسيوم والمغنزيوم والفوسفور والحديد والنحاس والكبريت وغيرها وعلى 4.4 م الألياف، وتعطي 103 حريرة.

كما تحتوي على نسبة عالية من الكاروتين _ طليعة الفيتامين آ _ [يعتبر فيتامين " آ = A " فيتامين النمو عند الأطفال. كما أنه ضروري لحماية الجلد وللرؤية أيضاً] وهي ما يقارب من 180 ميكروغرام، كما أنه غني بالفيتامين " و= E " الضروري لتركيب الخلايا ونشاطها الخمائري، كما يعتبر الفيتامين الخاص بالخصب والتناسل.

كما يحتوي على الفيتامين " د = D " الذي يقي من الكساح وتقوس الساقين عند الأطفال ومن تلين العظام عند الكبار. كما أن المادة العطرية [عن كتاب (الغذاء لا الدواء) للدكتور صبري القباني] التي يحتوي عليها تثير عند الإنسان شهوة الطعام. ويحتوي الزيت على ما يسمى بأشباه الدسم Lipoides وهي مواد ذات تأثير فعال في تغذية الخلايا السّامية في الجسم وخاصة النسيج الدماغي.

و زيت الزيتون مصدر عالٍ للطاقة الحرورية، فهو كغيره من الدهون، تبلغ قيمته الحرورية 9 حريرات للغرام الواحد، له مفعول جيد في نمو دماغ الطفل والعظام.



الخواص العلاجية لزيت الزيتون

فوائد زيت الزيتون عند المصابين بالداء السكري:

الداء السكري الكهلي يستفيد بالدرجة الأولى من الحمية وفي طليعتها الاعتماد على زيت الزيتون. فلقد أوصى الاتحاد الأمريكي لمرضى السكري المصابين بهذا الداء تناول حمية فقيرة بالكولسترول وبالدهون المشبعة _ الدهون الحيوانية _ وأصدر الاتحادان البريطاني والكندي توصيات مماثلة كما أقرت جداول حمية تعطى فيها الدهون بنسبة 30 % على ألا تتجاوز نسبة الدهون المشبعة 10 % وأن تكون نسبة الدهون اللامشبعة العديدة _ كزيت الذرة _ فيها 6 - 8 % في حين يكون الباقي 82 % على شكل حموض دهنية لا مشبعة وحيدة _ زيت الزيتون _. وقد أكد كارج وزملاؤه [Carg A. " New England j. Med.1988,34] أن استعمال زيت الزيتون كمعوض عن بعض النشويات في غذاء المرضى السكريين يمكن أن يؤدي إلى تحسين السيطرة على مستوى السكر الدموي.

زيت الزيتون وأمراض المرارة:

تؤكد الكتب المدرسية في فن المداواة [كتاب فن المداواة للدكتور عزة مريدن. دمشق] فائدة الزيت كمفرز ومفرغ لصفراء الكبد، إذا أعطي منه 2 - 6 ملاعق كبيرة يومياً موزعة قبل وجبات الطعام. وبتأثيره هذا يفيد المصابين بالرمال الصفراوية _ المرارية _ والصفراء اللزجة الكثيفة ويخفف من آلامها. ونظراً لتفككه في الجسم وانطلاق الغليسرين منه فإنه يفيد في تسهيل إفراغ الرمال البولية.

و في عام 1985 كتب الدكتور كوتكاس [Kotkas I. j. " Spontaneous passage gallstones " j. Royal soc. of Med. 1988 , 34] عن مشاهدات طريفة له من الطب الشعبي الكندي، وجدها فعالة في 95 % من الحالات لمعالجة حصيات المرارة تقوم على أن يصوم المريض على تناول السوائل والعصير _ من 20 - 24 ساعة _ ثم يبدأ بعدها بتناول ملعقتين كبيرتين من زيت الزيتون الطازج يتبعها فوراً بملعقة كبيرة من عصير الليمون الطازج أيضاً وذلك كل 15 دقيقة حتى يتناول ما مقداره (224 غ من زيت الزيتون) ثم ينام واضعاً زجاجة ماء دافئ على بطنه ويمتنع عن الطعام بعدها حتى صباح اليوم التالي. وقد أكدّ كوتكاس أنه كثيراً ما شاهد الحصيات المرارية تخرج متفتتة مع البراز خلال ساعات بعد ذلك.

زيت الزيتون والكولسترول:

يتواجد الكولسترول في دم وخلايا الإنسان. وهو عنصر أساسي في بنيته الكيماوية _ الحيوية حيث يدخل أيضاً في تركيب الهرمونات الهامة وله نوعان: ضارٌ ومفيد. فأما النوع الضار فهو ما يسمى بكولسترول الدسم البروتينية المنخفضة الكثافة، الذي يتراكم في الشرايين مؤدياً إلى تضيقها. وتوضعه في شرايين القلب خاصة يؤدي إلى الإصابة بخناق الصدر أو باحتشاء العضلة القلبية. أما النوع المفيد فهو كولسترول الدسم البروتينية المرتفعة الكثافة الذي يقوم بإزاحة النوع الضار من مواضعه في الخلايا ونقله إلى الكبد حيث يتخلص منه. لذا فيجب أن نهدف في تغذيتنا إلى رفع مستوى هذا النوع من الكولسترول حتى نقلل احتمال الإصابة بمرض في شرايين القلب. ويزداد هذا النوع في البدن عند تناول زيت الزيتون بدلاً من الدهون الحيوانية وعند القيام بالتمارين الرياضية وبعد التوقف عن التدخين.

و قد اعتادت المصادر الطبية على القول بأن زيت الزيتون لا يؤثر على كولسترول الدم سلباً أو إيجابياً، لكن الأبحاث العلمية الحديثة [الدكتور حسان شمسي باشا: (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) جدة: 1992] أظهرت أن زيت الزيتون ينقص معدل كولسترول الدم كما أنه ينقص أيضاً مستوى الدسم البروتينية المنخفضة الكثافة _ الكولسترول الضار _ ويجب أن تهدف معالجة المصابين بارتفاع كولسترول الدم لإنقاص معدّل هذين المركبين وعليه فإن زيت الزيتون يقوم بأداء ما نسعى إليه، وقد بينت تلك الأبحاث أن زيت الزيتون لا ينقص معدّل الكولسترول المفيد. وهكذا فإن للزيت تأثيراً مزدوجاً فهو ينقص من الكولسترول الضار في حين يحافظ على معدّل الكولسترول المفيد فيحمي بذلك شرايين القلب. وإن تأثير زيت الزيتون على دسم الدم أفضل بكثير من تأثير زيت الذرة أو المازولا الذي طالما تحدث عنه الأطباء.

زيت الزيتون وأمراض شرايين القلب:

يصاب القلب بعدد من الأمراض نتيجة إصابة الشرايين الإكليلية المغذّية للقلب بالتضيق أو الانسداد. وأكثر هذه الأمراض شيوعاً ما يسمى بالذبحة القلبية Angina Pectoris واحتشاء العضلة الققلبية _ الجلطة _ وينجم عن تضيق الشرايين عن تشكل لويحات في لمعتها يترسب فيها الكولسترول وصفيحات الدم مع نسيج ليفي، يزداد هذا التضيق بسبب ترسب خثرات دموية فوق السطح الخشن لتلك اللويحات مما يؤدي إلى الإصابة بالاحتشاء.

و قد أكد الدكتور تريفيسان وزملاؤه [Trevisan M. " Consumption of oil

, butter and veg. oils and Coronary Heart dis. Risk factor , " - JAMA, 1990] من جامعة نيويورك التأثيرات المفيدة لزيت الزيتون للوقاية من أمراض الشرايين القلبية. وقد أظهرت دراساته أن مستوى كولسترول الدم والسكر والضغط الدموي كانت أقل عند أولئك الذين كانوا يكثرون من تناول زيت الزيتون، ونظراً لأثر هذه العوامل في إحداث التصلب في شرايين القلب فهذا يجعلنا نعي الدور العظيم الذي يلعبه زيت الزيتون في الوقاية من الذبحة والاحتشاء القلبيين.

أما الدكتور باغيو [Baggio G. " Olive oil - Enriched diet: - " American j. clin. Nutrition , 1988] فيؤكد أنه على الرغم من الاستهلاك الكبير للدهون في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط فإن نسبة حدوث أمراض الشرايين القلبية ومستوى كولسترول الدم تعتبر منخفضة نسبياً. وعزى ذلك لكثرة تناول سكان المنطقة من زيت الزيتون، كما وجد أن معدّل الوفيات من الاحتشاء هو أقل من فنلندا وأمريكا حتى ولو تساوى مستوى الكولسترول عند هاتين المجموعتين مما يوحي بأن لزيت الزيتون تأثيرات واقية أخرى لا تقتصر فقط على خفض كولسترول الدم.

و من جامعة مينوستا الأمريكية نشر الدكتور كيز [Keys A. " lowering plasms cholestrol by diet " , New England j. Med , 1986] نتيجة دراسته التي أجريت على 2300 رجل من متوسط العمر ومن دول مختلفة حيث وجد أن معدّلات الوفيات كانت منخفضة جداً عند الرجال الذين يتناولون زيت الزيتون بكثرة، كما أكدت أبحاث أوليفر وأهرتس أهمية التغذية بزيت الزيتون وفائدته في الوقاية من آفات شرايين القلب الإكليلية.

و قد أظهرت الدراسات أن زيت الزيتون يحتوي على مواد كيماوية تمنع تخثر الدم وترفع مستوى الكولسترول المفيد _ المرتفع الكثافة وتقي الشرايين من ترسب الكولسترول فيها. ويعطي الأطباء في جامعة ميلانو مرضى القلب الذين أجريت لهم عمليات على شرايين القلب 4 - 5 ملاعق من زيت الزيتون يومياً كإجراء روتيني وكجزء من العلاج الذي يتلقونه. كما أن غراندي [Grundy S. M. " comparison of Monounsaturated fatty acides and carbohydrates for lowering plasma cholestrol ". Neo - Eng. j. Med. 1986 - 12] من جامعة تكساس بين أن زيت الزيتون يخفض كولسترول الدم بمقدار 13 % ويخفض الكولسترول الضار _ المنخفض الكثافة _ بمعدل 21 % وينصح بتناول زيت الزيتون بدلاً من الدهون الأخرى للوقاية من الأمراض التي تصيب الشرايين القلبية.

هذا ويمكن أن نلخص عمل زيت الزيتون للوقاية من الآفات القلبية الوعائية بما يلي:

1. يخفض مستوى كولسترول الدم ويرفع نسبة كولسترول المفيد _ المرتفع الكثافة _ أما الزيوت النباتية الأخرى كزيت الذرة ودوار الشمس فإنها بدون شك تخفض مستوى كولسترول الدم لكنه في الوقت نفسه تخفض الكولسترول المفيد الذي يقلل من احتمالات حدوث آفة إكليلية قلبية.

2. هناك عامل قوي مضاد للاحتشاء يقوم بفعل مضاد للتخثر ويقلل من امتصاص الكولسترول في الجسم. ومن 1000 مادة حية في زيت الزيتون هناك ما يسمى بـ سيكلو أترانول الذي يعدل الكولسترول أثناء استقلابه في الجسم.

3. يزيد زيت الزيتون من إنتاج العضوية للبروستاسيكلين الذي يخفض ضغط الدم.

4. يؤثر على استقلاب وإنتاج الأنسولين مما يفسر تأثيراته على خفض سكر الدم.

زيت الزيتون وارتفاع الضغط الدموي:

في الدراسة التي أجراها ويليامز [Williams P. T. " Assocition of Dietary fat , regonal adiposity , and blood pressure in men " JAMA , 1987. 6] وزملاؤه بيان واضح بأن ضغط الدم المرتفع قد انخفض عند أولئك الذين تناولوا زيت الزيتون في غذائهم اليومي، واستنتجوا أن هناك علاقة عكسية بين ضغط الدم وتناول زيت الزيتون. ويعتقد بعض الباحثين من جامعة كنتاكي أن تناول ثلثي ملعقة طعام من زيت الزيتون يومياً يمكن أن يخفض الضغط الانقباضي خمس نقاط والانبساطي 4 نقاط.

فوائد علاجية أخرى لزيت الزيتون:

لخصت دائرة المعارف الصيدلانية (Martindele - 1989) فوائد زيت الزيتون على أنه مادة مغذية وملطفة ذات فعل ملين خفيف _ مضاد للإمساك _ إذا أخذ بمقدار 1.5 ملعقة كبيرة قبل الطعام. وأنه يمكن استعماله كحقنة شرجية _ 100 سم 3 من الزيت + 500 سم 3 من الماء الدافئ بدرجة 32 _ وذلك لتليين الكتل البرازية المسببة للإمساك ولمعالجة حالات إنعقال _ انفتال _ الأمعاء، كما يستعمل في بعض الحالات المرضية على شكل مستحلب كجزء من غذاءٍ خالٍ من البروتين.

و يؤكد الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد الدور الهام الذي يلعبه زيت الزيتون في الوقاية من العديد من أسواء الهضم، فهو يلين الغشاء المخاطي للأثني عشر ويقلل من الإفراز المفرط للمعدة من حامض كلور الماء والببسين فيساهم بذلك في الوقاية من الإصابة بالقرحة المعدية والإثنى عشر، كما يعمل على وقف التقلص المرتفع، حيث يؤدي دوره الواقي والمنظم ويقلل من الإصابة بالتهابات المعدة.

و لزيت الزيتون حال الادّهان به فعل ملطف ومهدئ لحالات الجلد الالتهابية ويفيد لتطرية الجلد ولمعالجة القشور الناجمة عن الأكزيما والصدف، كما يستعمل مطرياً لصملاخ الأذن، وكمادة مزلقة لمساجات الجلد، كما يدخل في تركيب المروخات والمراهم. ويشرح الدكتور مريدن طريقة صنع المروخ الكلسي - الزيتي الذي يفيد في معالجة الحروق، ويحضر بمزج أقسام متساوية من زيت الزيتون وماء الكلس. ومن خلال مشاهداتنا العملية يمكننا أن نعتبر مزيج العسل مع زيت الزيتون علاجاً مثالياً للحروق خاصة بعد تفجير الفقاعات الناجمة عن الحرق _ الدرجة الثانية _ [عن كتاب (العسل فيه شفاء للناس) للمؤلف، الطبعة 3 لعام 1992 - دمشق].

ويؤكد الدكتور النسيمي فائدة زيت الزيتون للمرضى المصابين بالبواسير، إذ من المعروف أن الإمساك المزمن من الأسباب المساعدة لحدوث البواسير وأن تليين الباطنة يخفف من وطأتها. ونظراً لأن الزيت ملين، ومنبه لإفراز المرارة مما يساعد في هضم الدسم وتنبيه الحركة الحوّية للأمعاء. لذا فإن تناول الزيت النيئ قبل الطعام مفيد جداً للمصابين بالبواسير. فقد ورد عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بزيت الزيتون، كلوه وادّهنوا به فإنه ينفع من الباسور " [رواه ابن السني في الطب النبوي ورمز السيوطي لصحته ورواه عنه الديلمي].

و إذا كان الباحثون قد توجهت أنظارهم حديثاً نحو دراسة زيت الزيتون واكتشاف فوائده في الوقاية من احتشاء العضلة القلبية وفي تدبير مرضى السكر والضغط الدموي وارتفاع الكولسترول ومعالجة حصيات المرارة وغيرها، فإن رسول الإنسانية وطبيبها الملهم محمداً صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى أكثر من 14 قرناً غذاءً وعلاجاً، أكلاً وادّهاناً حين قال صلى الله عليه وسلم: " كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة ". وما أجمل فهم صحابة رسول الله لهذه الدعوة النبوية كما نراه من خلال الحادثة التي رواها القرطبي في شرحه لآية العسل حيث قال:رُويَ أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: إيتوني بماء فإن الله تعالى يقول: {و نزلنا من السماء ماءً مباركاً} ثم قال: إيتوني بعسل فإن الله تعالى يقول: {فيه شفاء للناس} وإيتوني بزيت فإن الله تعالى يقول: {من شجرة مباركة زيتونة} فجاؤوه بذلك كله فخلطه جميعاً ثم شربه فبرئ



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. حسان شمسي باشا: عن كتابه (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) جدة: 1992.

3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث). المجلد 3 الطبعة 3 , 1991.

4. داود الأنطاكي: عن كتابه (تذكرة أولي الألباب).

5. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).

6. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء).

7. الرازي: عن كتابه (تفسير الفخر الرازي) ببيروت: 1985.

8. الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).

9. عبد الرزاق السعيد: عن مقالة له في مجلة الدواء العربي، السنة 12 العدد 2 لعام 1992.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:47 AM
السدر والنبق



قال تعالى: {و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود} [الواقعة: 28]. وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى سدرة المنتهى ليلة أسري به وإذا نبقها مثل قلال هجر، [رواه البخاري].

و في الحديث الصحيح الذي رواه الستة وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اغسلوه بماء وسدر ". وقال ابن كثير عن قتادة: كنا نحث عن " السدر المخضود " أنه الموقر الذي لا شوك فيه، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر.

و قال الحافظ الذهبي: الاغتسال بالسدر ينقي الرأس أكثر من غيره ويذهب الحرارة وقد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل الميت. والنبق ثمر السدر شبيه بالزعرور يعصم الطبع ويدبغ المعدة. وزاد ابن القيم: أنه ينفع من الإسهال ويسكن الصفراء ويغذو البدن ويشهي الطعام وينفع الذرب الصفراوي وهو بطيء الهضم وسويقه يقوي الحشا، وهو يصلح الأمزجة الصفراوية.

و السدر Zizyphus Spina Christi أو الشوك المقدس Christ,s Thorn نبات شجيري شائك، بري وزراعي موطنه شبه الجزيرة العربية واليمن ويزرع في مصر وسواحل البحر الأبيض المتوسط. وهو من الفصيلة العنابية أو السدرية Rhamnaccae، والنبق هو ثمر السدر حلو الطعم عطر الرائحة. أهم العناصر الفعالة الموجودة فيه هي سكر العنب والفواكهة وحمض السدر Acide Zizyphique وحمض العفص، ثماره مغذية وتفيد كمقشع صدري، وملينة وخافضة للحرارة ونافعٌ في الحصبة وقرحة المعدة. مغلي أوراقه قابض طارد للديدان ومضاد للإسهال ومقوٍ لأصول الشعر. ونافع من الربو وآفات الرئة. ويمكن أن تضمد الخراجات بلبخة محضرة من الأوراق. وطبيخ خشبه نافع من قرحة الأمعاء ونزف الدم والحيض والإسهال. وصمغه يذهب الحزاز.



مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي).

3. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).

4. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي والسنة).

5. دكتور شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة.

6. أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير: عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:48 AM
السلق



عن أم المنذر رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليّ وعليٌ ناقه، ولنا دوال معلقة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وأخذ علي ليأكل منها، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: مه يا علي إنك ناقه، فكف علي، قالت: فصنعت شعيراً وسلقاً وجئت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصب من هذا فهو أنفع لك، [رواه أبو داود] وروى الترمذي نحوه وفيه: فجعلت لهم سلقاً وشعيراً ... الحديث وفيه " فهو أوفق لك " والناقه الذي أبَلّ من مرضه ولم تتكامل صحته.

و عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت: ولمَ؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلي بضاعة _ قال ابن سلمة: نخل المدينة _ فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر عليه حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا، فنفرح بيوم من الجمعة من أجله، [رواه البخاري ومسلم].

و السلق عشبة من البقول من فصيلة السرمقية Chenopodiscee، تزرع شتاءً. أوراقها عريضة خضراء تؤكل مطبوخة بالزيت أو تضاف لأطعمة أخرى كما تدخل في تحضير المقبلات. وهي غنية بالفيتامينات " آ " و" ج " وبالمعادن وخاصة الحديد والكالسيوم ولذا فهي توصف للمصابين بفقر الدم، كما أنها ملينة ومدرة للبول،و تسكن القولنج وتمنع الغازات.

و قد عرف أطباء العرب منافع السلق منذ القديم وقالوا أن أكثر ما فيه منفعة عصارته، وأنها تفيد في اللقوة سعوطاً وفي الصداع والشقيقة وحمرة العين. وتزيل ألم الطحال والكلى والمثانة وأمراض المعدة شرباً، وتستعمل أوراقها ضماداً للحروق، وتحسن الشعر

مع الحناء وتفيد إذا سحقت كمراهم للجروح المتقيحة المؤلمة.

يستعمل مغلي أوراق السلق _ 25 - 50 غ / ليتر ماء _ كشراب لعلاج التهاب المجاري البولية والإمساك وللمصابين بالبواسير والأمراض الجلدية، كما أنه منشط للكبد وخاصة إذا حُلي بالعسل. كما يطبق هذا المغلي كمادات من الظاهر على البواسير والقروح والجروح والخراجات.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. عبد اللطيف عاشور: عن كتابه (التداوي بالأعشاب والنباتات) القاهرة: 1985.

3. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء).

4. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:48 AM
السمك والحيتان



قال تعالى: {و هوَ الذي سَخَّرَ البحرَ لتأكلوا منهُ لحماً طَرَّياً} [النحل: الآية 14].

و قال تعالى: {و ما يستوي البًحران هذا عَذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا ملحٌ أجاج ومن كلٍّ تأكلون لحماً طرياً} [فاطر: الآية 12].

و قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامهُ متاعاً لكم وللسيارة} [المائدة: الآية 96].

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد _ وفي رواية السمك والجراد _ وأما الدمان فالكبد والطحال " [صحيح الجامع الصغير]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن البحر قال: " هو الطهور ماؤه الحِلُّ ميتته " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح].

و في جواب النبي صلى الله عليه وسلم عن أسئلة لأحد أحبار اليهود فيما يرويه أنس رضي الله عنه وعن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " وأما أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت " أي القطعة الزائدة منه [رواه البخاري]. وفي رواية مسلم عن ثوبان أن اليهودي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: " زيادة كبد النون " والنون الحوت.

و قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر، حينما أخبره جماعة من الصحابة عن أكلهم حوتاً قذفه البحر يدعى العنبر، أنه قال: " هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيئاً فتطعمونا؟ قال جابر: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه

فأكله " [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن القيم: أصناف السمك كثيرة وأجوده ما لذّ طعمه وطاب ريحه وتوسط مقداره وكان رقيق القشر، ولم يكن صلب اللحم ولا يابسه وكان في ماء عذب ويغتذي بالنبات لا بالأقذار. وأصلح أماكنه ما كان في نهر جيد الماء. والسمك البحري فاضل محمود لطيف وهو يخصب البدن ويزيد في المني ويصلح الأمزجة الحارة.

و أما داود الأنطاكي فيقول: وأجود السمك الأبيض المنقط بالصفار وفوق ظهره بقع خضر وألطف أنواعه الشبوط المعروف بالبوري ثم البني ثم الأليرك _ القشر _ ثم القشوة _ القرموط _ ثم الأنكليس. وينفع السمك من الاستسقاء والسل والقرحة وضعف الكلى وأوجاع الظهر والمفاصل وكله يهيج الباه وأولى ما أكل من السمك مشوياً بالخل والثوم والخردل.

و يعتبر السمك واحداً من الأغذية التي تشكل الطعام الرئيسي للملايين من البشر كاليابانيين وسكان أندونيسيا والأسكيمو، وحيث تقدم لهم مورداً بروتينياً ممتازاً يفوق اللحم بمقاديره. وبروتين السمك ذو قيمة غذائية عالية، سهل الهضم ولا يخلف بعد امتصاصه إلا القليل من الفضلات والأبيض منه أسهل هضماً من اللحم ولذا فهو يعتبر غذاءً مفيداً للمرضى المصابين باضطرابات في جهازهم الهضمي، كما يحتوي على جميع البروتيدات الكبريتية الرئيسية.

و يتميز الدهن الموجود في السمك بغناه بالحمض الدسمة غير المشبعة، وهي حموض مفيدة وغير ضارة وتتصف بقدرتها على خفض مستوى الدهون في الدم مما يجعلها مفيدة في الوقاية من تصلب الشرايين وخاصة من أمراض الشرايين الإكليلية القلبية. ودهن السمك أسهل هضماً من دهن اللحم. وإن نسبة اليود الموجودة فيه تسهل على العصارة المعثكلة مهمة امتصاصه.

و تحتوي الأسماك على كمية من الدهن تختلف حسب نوعها وحسب الفصول. فالسمك الأبيض كسمك القدّ والكولي يحتوي فقط على 1 % من وزنه دهناً. أما الأسماك الدهنية كالسلمون والمرقط Trout والسردين والطون فإنها تحتوي على 5 - 25 % من وزنها دهناً. ويعتبر الجنكليس أو الجري من الأسماك كثيرة الدهن المتوفرة في أسواقنا. أما المعلبات فيعتبر السردين والطون من الأسماك الدهنية الجيدة والمغذية جداً. وهي أفضل بكثير من اللحوم المعلبة. وليعلم أنه كلما ارتفعت نسبة الدهون في السمك كلما كانت أكثر فائدة للجسم.

و لحم السمك الدهني غني بالفيتامينات الذوابة في الدسم وخاصة " أ " و" د ". أما الأسماك البيضاء فإن هذه الفيتامينات موجودة في زيت كبدها وليس في لحمها. وإن غنى السمك بهذه الفيتامينات تجعل منه علاجاً ناجعاً للخرع عند الأطفال _ أو يعطوا زيت السمك _. إلا أن السمك فقير عموماً بالفيتامينات " ب " كما أنه لا يحتوي مطلقاً على الفيتامين " ج = C ". وبيوض السمك Caviar ذات قيمة غذائية عالية لكنها باهظة الثمن.

و تعتبر الأسماك مصدراً جيداً للأملاح المعدنية وخاصة اليود والصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والفوسفور والكلور والكبريت، لكنها فقيرة بالحديد. أما الكلس فمعظمه موجود في العظام. وتؤمن عظام الأسماك المطهية في المعلبات مصدراً جيداً للكلس.

و هناك أهمية كبرى لغنى السمك باليود الذي يفيد في عمل الغدة الدرقية إذ يدخل في تركيب هرمونها (التيروكسين). وإن المناطق النائية عن البحار والتي يفتقر سكانها إلى اليود في غذائهم يصابون بضخامة في الغدة الدرقية واليود يعالج هذه الحالة تماماً.

و نظراً لما يحتويه لحم السمك من الفوسفور والحموض الدهنية الأساسية فإن تناوله ضرورة بالغة لنمو وتغذية الدماغ كما أنه يفيد المصابين باضطراب الذاكرة.

و إن تناول السمك للنباتات المغمورة في أعماق الماء والحاوية على البلادونا يؤدي إلى اختزانها في لحمه وهذا السبب بشعور الإنسان بجفاف في اللسان والحلق بعد تناول وجبة سمك دسمة. وهذه المادة مع البروتين الممتاز الذي يحتويه السمك تنفع في آفات الجهاز الهضمي، فهو يضاد المغص المعدي ويهدئ ثوران المعدة وحموضتها ويقلل من القلق مما يجعله نافعاً للمصابين بالقرحة الهضمية.

أما زيت السمك فهو الزيت الناجم عن عصر كبد الحوت في محتواه من الزيت وهو أغنى بالفيتامينات " أ " و" د " من زيت السمك لكنه أقل منه وفرة بالأحماض الدهنية الأساسية. ويطلق اسم زيت السمك الصافي على الزيت الذي لم يتعرض لعمليات كيميائية وفيزيائية وهذا ما يميزه عن زيت السمك المصنع، وحتى اليوم فلا ينصح إلا باستعمال زيت السمك أو زيت كبد الحوت والذي يحتوي على عوامل علاجية تفقد بالتصنيع.

السمك كعلاج:

قام الدكتور سينور وزميله [Saynor R , Ryan F: " The Eskimo Diet " London , 1990] بدراسة على 153 مريضاً مصابين بارتفاع دهون الدم مع اختلاطات قلبية عند البعض. وبعد المعالجة بزيت السمك لمدة شهرين انخفضت الغليسيريدات الثلاثية إلى مستواها السوي، وتبقى منخفضة طالما استمر المريض على تناوله. وتشير الدراسات الحديثة أيضاً إلى أن تناول زيت السمك _ أو وجبات من السمك الدهني _ يؤدي إلى الإقلال من تشكل الخثرات _ الجلطات _ في شرايين الجسم لأن ذلك يؤدي إلى إطالة زمن النزف ز نقص لزوجة الدم.

و قد أثبت هيراري ندرة حدوث أمراض شرايين القلب والدماغ عند سكان قرية يابانية [Kromhont: " Neo - Eng. j. Med " 1985 , 312] يعتمد سكانها على السمك كغذاء رئيسي. وقد أظهرت دراسة كرومهوت 1985 أن معدل الوفيات بأمراض شرايين القلب كانت منخفضة جداً عند الذين يعتادون أكل السمك بالمقارنة مع أولئك الذين لا يتناولوه. وتبين لهم أن تناول وجبة أو وجبتين من السمك أسبوعياً تلعب دوراً هاماً في الوقاية من احتشاء العضلة القلبية. كما أن تناول السمك من قبل المصابين بالاحتشاء أدى إلى انخفاض نسبة الوفيات عندهم في السنين التي تلت الإصابة.

و تبين الدراسات قلة إصابة سكان الإسكيمو بتصلب الشرايين، علماً بأنهم يتناولون السمك أضعاف ما يتناوله غيرهم، كما أن نسبة حدوث احتشاء العضلة القلبية عندهم وعند اليابانيين أقل بكثير من المجتمعات الغربية. وقد ثبت أن تناول 30 غ من السمك في الأسبوع يؤدي إلى الوقاية من مرض شرايين القلب إلا أنه يجب تجنب السمك المقلي أو المملح [Leaf , Weber: N. Eng. j. Med. 1988 , 318].

و يقارن ليف وديبر بين الأسبرين وزيت السمك فيبين أن للأسبرين تأثيراً واحداً في الوقاية من احتشاء القلب وهو تأثيره على الصفيحات الدموية... أما زيت السمك فيمارس دوره في الوقاية من الجلطة على عدة مستويات وبآليات مختلفة مما يظهر أن له منافع تفوق الأسبرين [Lancet: May 1988. London]. كما أكد كريمر فائدة زيت السمك في تخفيف الآلام المفصلية وعدد المفاصل المؤلمة وتيبس المفاصل عند المصابين بالتهاب المفاصل الرثواني، وذلك بسبب تأثيره على البروستاغلاندينات المسؤولة عن الألم والالتهاب، كما يفيد في زيادة نشاط المريض وقدرته على الحركة [Kremer: Luacer j. 19885 , I.].

و تبين للباحثين تحسن أعراض داء الصدف عند العديد من المرضى خلال شهرين من تناول 10 كبسولات من زيت السمك يومياً أو ما يعادل تناول وجبة من السمك الدهني [Brit j. of dermatology: 1982.] وباحثون من النرويج أكدوا فائدة زيت السمك في معالجة التهاب الجلد التأتبي Atopic dermatitics حيث ظهر تحسن واضح في الأعراض بعد تناوله لمدة شهرين - 3 شهور [Brit j. of dermatology: 1982 , 117.].

و أظهرت دراسة أمريكية جديدة فائدة زيت السمك للمرضى المصابين بدار رينو حيث ظهر تحسن واضح في تحمل هؤلاء المرضى للبرد وخفت شدة الأعراض عندهم وذلك بسبب تأثيره الموسع للشرايين. كما تبين أنه علاج فعال للمصابين بالشقيقة ويكفي لذلك 2 - 4 كبسولة يومياً ولمدة 6 أسابيع [Pediatric. j. 1986 , 77].

و في عدد تشرين الأول من مجلة Chest الأمريكية نشرت توصيات مؤتمر علمي لباحثين في أمراض القلب والأوعية كان منها:

1. أوصى الباحثون بتناول 30 - 40 غ من السمك يومياً، أو تناول وجبتين من السمك أسبوعياً على الأقل، للوقاية من احتشاء القلب.

2. يخفض زيت السمك مستوى الغليسيريدات الثلاثية في الدم.

3. الجرعات العالية أو المتوسطة من زيت السمك تؤدي إلى نقص ضغط الدم عند المصابين بارتفاع الضغط الشرياني. أما آلية ذلك فما تزال مجهولة.

و يؤكد الدكتور Goodright [Chest. j. 1992 , 4] أن تناول كميات متوسطة من السمك الدهني _ وجبتان في الأسبوع _ يؤدي إلى انخفاض نسبة الوفيات عند المصابين باحتشاء العضلة القلبية. وأخيراً تدل أبحاث حديثة على أن زيت السمك قد يخفف من حدوث الانسمام الحملي [B. T. Obst. qynecol , 1990 , 97].



مراجع البحث

1. حسان شمسي باشا: عن كتابه (الأسرار الطبية الحديثة في السمك والحوت) جدة: 1993.

2. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.

3. دكتور السيد العجيلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) دمشق: 1989.

4. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

5. دكتور تول أ (Tull A): عن كتابه (Food and Nutration) أكسفورد: 1989.

6. دكتور محمد شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.

7. ابن الأثير الجزري: (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:50 AM
عليكم بالسّنا والسّنوت



عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: بِمَ تستمشين؟ فقالت: بالشُبرم. فقال: حارٌّ جارٌّ. فقالت: ثم استمشيت بالسَّنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أن شيئاً كان فيه شفاء من الموت لكان السَّنا " [أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد والحاكم وقال حديث صحيح الإسناد].

و له شاهدٌ قوي من حديث البصريين ووافقه الذهبي فقال: عن أسماء بنت عميس أن رسول الله دخل عليها ذات يوم وعندها شبرم تدقه فقال: ما تصنعين بهذا؟ فقال: يشربه فلان. فقال: " لو أن شيئاً يدفع الموت أو ينفع من الموت شيئاً نفع السَّنا " [حديث صحيح ".

و في رواية لرزين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالسَّنا والسَّوت فإنه لو كان شيء ينفع من الموت كان السَّنا.

و عن عبد الله بن حِرام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " عليكم بالسّنا والسّنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السّام. قيل يا رسول الله وما السّام؟ قال: الموت. [الحديث رمز السيوطي لحسنه وأخرجه ابن ماجة والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن عمر بن بكر اتهمه ابن حبان وقال ابن عدي له مناكير.]

و قد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث فيهن شفاء من كلّ داء إلا السّام: السّنا والسّنوت " قالوا: هذا السّنا عرفناه فما السّنوت؟ قال: لو شاء الله لعرفكموه، قال محمد ونسيت الثالثة [أخرجه النّسائي وذكره السيوطي في الجامع الصغير وأشار إليه بالصحة إليه بالصحة (فيض القدير)].

قوله: بم تستمشين: أي بم تستطلقين؟ وبأي دواء تسهلين بطنك، فكّنى عن ذلك بالمشي لأن الإنسان يحتاج إلى المشي إلى أن يتردد إلى الخلاء مع شرب الدواء. والشّبرم حب صغير شبيه بالحمص يُتخذ في الأدوية.

أما النسيمي فيعرفه بأنه قشور جذور شجيرة مسهلة. وقوله حارٌّ جارٌّ، اتباع له كقوله حار يار وحران يّران، وهو الشديد الإسهال.

و السَّنا Cassia - Senna شجيرة من الفصيلة البقلية يصل طولها من 2 - 3 متر. أوراقها خماسية أو سباعية الأزواج. لها أنواع عديدة منها السنامكي والسنا الإسكندري _ المصرية _ وفي الهند الكاسيا أكوتيفوليا والكاسيا أنجستوفوليا، وتستعمل وريقاتها ملّينة ومسهلة.

و قد ذكر الدكتور زيتوني أنَّ المادة المؤثرة هي حمض الكريزفاني وبعض أشباه السكريات الحاوية على أنتراكينون وأمودين. أما H. Carni [H. Carni: Sch. Rundschau (Praxis) 7Y. (6) , 1985.] وأحمد محمد عوض [مقالته عن العطارات الملينة (المجلة العربية) حزيران: 1982] فيذكران أن الجوهر المؤثر كمسهل أو ملين هو السنوسايد Sinnoside الذي ينشط غدد الأنبوب الهضمي ويحرض عضلاته الملس. وأكثر تأثيره يقع على حركات القولون بمقاديره القليلة. أما مقاديره الكبيرة فتحدث مغصاً في عضلات الحوض لذا لا يجوز إعطاؤه للحوامل مطلقاً. ويمزج عادة مع اللفاح أو البلادونا لمنع المغص. أو إلى غسل الوريقات بالغول. كما أن الغلي الطويل ينقص تأثير الأوراق المسهل. كما أن مزجها بالشمرة أو الأينسون يخفف المغص الذي يمكن أن تحدثه.

يقول الطبيب موفق الدين البغدادي: السنا مأمون الغائلة يقوي القلب ويسهل بلا عنف لذا أدخله الأطباء في أجل الأدوية لشرفه عندهم وكثرة منافعه، فيدخل في النقوعات المسهلة والحقن والسفوفات وما ذاك إلا لحسن إسهاله... وفي قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء: بم تستمشين....، سِرٌ لطيف ومعنى جليل وبرهان على أنه صلى الله عليه وسلم مطلع على كثير من المعلومات فإن الشبرم دواء منكر قوي الإسهال، ترك الأطباء استعماله لخطره وشدة إسهاله.

و يلخص النسيمي موانع استعمال السّنا بحالات التهاب المعدة والأمعاء والتهاب الزائدة والتهاب الكولون التشنجي والتهابات المثانة والرحم، وفي حالة الحمل والإرضاع وذلك لأن عناصرها الفعالة يمكن أن تفرز في الحليب.

و حديثاً فإن العديد من معامل الأدوية الشهيرة في العالم تصنع من السَّنا أفضل أنواع العقاقير مثل Pursennid وهي حبوب وشراب تعالج الإمساك. أو تدخلها في تركيب تلك العقاقير مثل Eucarbon وAgiolax وCarbon 80.

و في دراسة عشوائية قام بها كارني قارن فيها النتائج العلاجية للأجيولاكس الحاوي على السّنا مع ثلاثة مستحضرات أخرى لا تحوي عليه فأكد التفوق النوعي للأجيولاكس وأن هذه النتائج يمكن أن تعزى للتركيبة المتوازنة لهذا العقار. وأن ألياف السّنا الداخلة في تركيبه تؤدي بانتباجها إلى زيادة حجم الماء واحتباسه ضمن الكتلة البرازية، كما أنها لا تؤدي إلى أي تخريش في المعدة أو المعي مما يمكن من استعماله الطويل.

و في دراسة قام بها باس O. Bass: " Coparative Laxation of Psylium with and without Senna " The American j. of Gastroenterolgy , 82 , 1987] أكد التفوق النوعي للأجيولاكس كعقار ملين مضاد للإمساك المزمن باحتوائه على السَّنا كمادة متميزة.

أما المقدار المسّهل فهو 10 - 15 وريقة تسحق وترفع أعوادها وتمزج مع 2 غ من الشمرة بعد سحقها أو الأنيسون، تسف ويشرب فوقها ماء، أو تعجن مع 100 غ من العسل و100 غ من الماء وتؤخذ على الريق. أو تنقع في 200 - 300 من الماء المغلي وتشرب بعد ذلك على الريق. أما المقدار الملين فهو 3 / 1 - 2 / 1 المقدار المسهل كما أن المنقوع نفسه يمكن أن يستعمل رحضة _ حقنة شرجية _ لوحده أو بعد مزجه مع مغلي الخطمي _ الختمية _.

و في الهند دراسات واسعة يقوم بها الباحثان أرون ميصرا وراكليومارسينها حول التأثير الدوائي لفصائل مختلفة من السَّنا أو الكاسيا Cassia تنبت في الهند. فقد استعملت الأزهار واللب لفصيلة Cassia fistola كمسهل،، واستعمل اللب مضاداً للديدان، وفي التهاب الحلق تستعمل البذور واللب على شكل غرغرة واستعملوا Cassia Sufora لعلاج لدغة الثعبان واستعملوا أوراق Cassia Tura لتنقية الدم واستعملت بذةورها لمعالجة الربو.

كما قام الباحثان المذكوران بدراسة مخبرية حول تأثير خلاصات السّنا على معلق يحوي على الفيروس الذي يصيب أوراق التبغ ويدهن بالمزيج أوراق التبغ. وأكدت النتائج أن فصيلة Cassia Siam أوقفت تماماً نمو الفيروس، أما فصائل Cassia Fistola وCassia Oxyde Yant وCassia Eltora فكانت نتائجها المضادة للفيروس أضعف. كما تبين لهما أن خلاصة الأوراق في البنزول والخلاصة المائية لهما نفس النتائج. أما الراسب البروتيني والبروتين الذي استخلص من Cassia Siam واستعمل في اختبار حيوي لوقف نمو الفيروس فقد أعطى نتائج عالية وصلت إلى 100 % في بعض الأحيان.

كما أورد الباحثان عدداً من التقارير عن فاعلية بعض المواد الكيماوية ضد الجراثيم تم استخلاصها من نبتة السَّنا، ومنها مواد تستعمل ضد الفطريات استخلصت من Cassia Fistola Dekora تبين أنها غليكوسية - فلافونية وحامض كريزوفونيك - 9 أنتراسين ,

و صفوة القول في الوقت الحاضر أن نبتة السّنا وخاصة من فصيلة Cassia Siam تحتوي على مادة قاتلة للفيروسات لها صفات بروتينية. ولا بد من متابعة الأبحاث لمعرفة تأثيرها على الأمراض الفيروسية المختلفة سريراً على البشر وحتى تصدق نبوءة النبي العظيم حين قال: " لو أن شيئاً كان فيه شفاء من الموت لكان السَّنا ".

و من المعروف أن غياب دواء قاتل للفيروسات يفتح باب الأمل في معالجة الأمراض الفيروسية.

و اختلف في تعريف السنّوت على ثمانية أقوال ذكرها الكحال علي بن طرخان [عن كتابه الأحكام النبوية في الصناعة الطبية] أحده أنه العسل، والثاني أنه ربّ عكة السمن، والثالث حب يشبه الكمون، الرابع أنه الكمون الكرماني، الخامس أنه الرازيانج، السادس الشِّبت، والسابع التمر والثامن: أنه العسل الذي في زقاق السمن. حكاه البغدادي وقال: بأنه الأجدر بالمعنى وأقرب للصواب أي يخلط السّنا مدقوقاً مع العسل المخالط للسمن ويلعق فيكون أصلح من استعماله مفرداً لما فيهما من إصلاحه وإعانته على الإسهال.

و يؤيد الدكتور النسيمي تفسير السنّوت بالعسل أو بالعسل الذي يكون في زقاق السمن أي الذي يخالطه شيء زهيد من السمن، خاصة إذا أردنا زيادة التأثير المسهل أو تحسين طعم الدواء وذلك بأن يحل العسل مكان جزء من الدواء _ السَّنا _ الذي يوصف عادة.

أما داود الأنطاكي فيرى أن السنّوت هو الكمون وهو أسود وأصفر وأبيض. أما الرازيانج فهو الأنيسون ويسمى بالشمار أو الشمرة والشبت نبت كالرازيانج إلا أن بزره أدق وأشدّ حدة.

و يرى الدكتور أمين رويحة [عن كتابه (التداوي بالأعشاب) 1973] أن السنّوت Anethum Graveoleons بقلة سنوية من التوابل قريبة من الشمار الحلو، تسمى في الشام بالشِّبت، تؤكل أوراقها الغضة مع السَّلطات. ثمارها بعد النضج حبوب كالعدس المجنح تمتد عليها خطوط سمراء، هذه الحبوب هي الجزء الطبي المستعمل منها، فيها زيت طيار يحوي مواد فعالة مثل Limonin Carvon.

يستعمل مغليها لغسل العيون المتقيحة من الرمد. ويشرب لتسكين مغص المعدة وطرد الغازات منها ولتسكين آلام العادة الشهرية عند النساء وإدرار الحليب عند المرضع _ 1 - 2 فنجان من المغلي في اليوم _ كما يفيد شربه مساءً لمعالجة الأرق، ويحقن في الشرج لمعالجة البواسير. ولا يعطى السنّوت للمصابين بأمراض الكلى.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. أرون ميصرا وراكليومار سينها: عن كتابه (الكاشيا في الطب الإسلامي واستعمالاتها الحديثة) عن أبحاث المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي , الكويت: 1981.

3. أمين رويحة: عن كتابه (التداوي بالأعشاب) 1973.

4. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).

5. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.

6. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة) تحقيق دكتور عبد المعطي أمين القلعجي بيروت: 1988.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:50 AM
ضَمِّدها بالصَّبِر



عن نُبيه بن وهب أن عمر بن عبد الله بن معمر اشتكى عينيه وهو محرم فأراد أن يكحلها فنهاه أبان بن عثمان وأمره أن يضمدها بالصبر وحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله. [رواه مسلم].

و في رواية عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل يشتكي عينيه وهو محرم قال: ضمدها بالصبر. [رواه مسلم].

عن قيس بن رافع بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر " [أخرجه رزين , كذا في جامع الأصول , وأثبته الحافظ الذهبي من إخراج الترمذي عن عبد الله بن عباس أيضاً]. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت عليَّ صَبِراً. فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقالت: إنما هو صَبر يا رسول الله ليس فيه طيب. فقال: " إنه يشُّب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار " [رواه النسائي وأبو داود , قال الأرناؤوط: في سنده المغيرة بن الضحاك لم يوثقه غير ابن حبان وفيه أيضاً مجهولتان].

قال البغدادي: الصبر نبت يحصد ويعصر ويترك حتى يجف وأجوده ما يجلب من سقطرى _ من اليمن _ يدفع ضرر الأدوية إذا خلط معها وينفع من ورم الجفن ويفتح سدد الكبد ويذهب اليرقان، وينفع قروح المعدة كثيراً.

أما الكحال بن طرخان فيقول: أخبرني رجل من أهل عُمان عن معاصر الصبر عندهم ونبات الصبر كنبات السوسن الأخضر غير أن ورقه أطول وأعرض وأثخن كثيراً. وهو كثير الماء جداً. فيحصد ويلقى في المعاصر ثم يدق بالخشب حتى يسيل عصيره فيترك حتى يثخن ويشمس حتى يجف. والصبر مسهَّل، مُنَقٍ للمعدة، يجفف القروح ويسرع لحامها وينفع القروح التي تحدث في المذاكير والفرج والمقعدة نفعاً بيناً إذا ذُرّ عليها.

و يقول الحافظ الذهبي عن الصبر: أنه ينفع من ورم العين ويفتح سدد الكبد ويذهب باليرقان وينفع قروح المعدة ذروراً.

قال ابن القيم: الصبر كثير المنافع لا سيما الهندي منه: ينقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصاب البصر. وإذا طلي على الجبهة بدهن الورد ينفع من الصداع، وينفع من قروح الأنف والفم. والفارسي منه يذكي العقل ويشد الفؤاد وينقي الفضول الصفراوية والبلغمية من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء....

و الصبر Aloe Vera [بكسر الباء ويصح تسكينها] نبات معمر من الفصيلة الزنبقية Liliaceae من النباتات الصحراوية دائمة الخضرة، تنتشر زراعته في الحجاز وأبها واليمن _ سقطرى وحضر موت _ وفي عُمان ومصر والمناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في إفريقيا والبيرو وسومطرة وغيرها. ويطلق عليه بعض المؤلفين خطأ اسم الصبار. يزرع في أي من شهور السنة عدا كانون الثاني _ يناير _ وتفضل زراعته في أوائل الربيع والصيف. والنبتة يصل طولها إلى 40 - 50 سم، أوراقه غليظة لحمية هلامية متراصة ذات حواف مسننة وتحيط قاعدتها بالساق أزهاره صفراء متداخلة الحواشي.

و الصبر من أقدم النباتات التي استعملت في المعالجة، فقد استخدمه اليونان منذ القرن الرابع قبل الميلاد. كما عرفه اليمنيون القدامى والفراعنة وجاء ذكره في وصفاتهم الطبية وقد نقله العرب إلى أوربا في القرون الوسطى.

و يطلق الصبر أيضاً على المادة الناتجة عن تجفيف عصارة أوراقه والتي تكون على شكل كتل أو مسحوق، بلون رمادي - أسود أو أخضر ورائحته غير مستساغة وطعم شديد المرارة حيث يضرب به المثل _ مرّ مثل الصبر _. وهي مادة تنحل بسهولة في الغول 60 % وفي الماء الحار وهي قليلة الانحلال في الإيتر.

و لتحضير هذه العصارة عدة طرق أبسطها أن تقطع الأوراق قطعاً صغيرة وتوضع في وعاء من القصدير ذو ثقوب في قاعدته، ويترك ليسيل العصير من خلالها. والطريقة الحديثة تتم بعصر الأوراق آلياً بعد تقطيعها إلى أجزاء صغيرة ثم ينقى العصير ويوضع في محم بدرجة 50 - 60 مئوية لعدة ساعات ويركز بإمرار تيار هوائي ساخن حتى يجف تماماً.

يحتوي الصبر على مواد فعالة من زمر غليكوسيدية انتراكينونية Anthraquinoglycsides يدعى مزيجها بالألوين _ الصبرين _: Barb-Aloin مثل Aloin والألودين، والتي تتفكك في وسط الأمعاء القلوي لتعطي سكر الأرابينوز والألوءامودين Aloe-emodin لذا لا يعطى هذا العقار للمصابين بآفة كبدية أو صفراوية.

المقادير القليلة من الصبر (20 - 100 ملغ) تعتبر مشهية وهاضمة. أما المقادير المتوسطة فهي ملينة ومفرغة للصفراء. أما المقادير الكبيرة (أكثر من 300 ملغ) فهي مسهلة شديدة مطمثة وطارحة للماء وتأثيرها المسهل مرتبط بتأثيرها على المعي الغليظ ويظهر بعد 8 - 10 ساعات من تناوله. وهي تسبب احتقاناً في الأوعية الحوضية لذا لا يجوز إعطاؤها للحوامل وفي حالة الطمث والنزف الطمثي أو الإصابة بالبيلة الدموية أو البواسير أو ضخامة الموثة.

و قد ذكر ألن ناتو [Allen Natow " Aloe Vera , Fiction or fact , Cutis , 1986 , 37 , U. S. A.] أن للصبر أكثر من 300 نوع وذكر استخدامه لمعالجة الحروق ولدغ الحشرات وحروق الأشعة والتهاب المفاصل والإمساك.

و ذكر فائدته في السحجات والجروح الجلدية، كما أكد أنه مفيد جداً في تقرحات القرنية. وقد عدد ناتو المواد الفعالة في الصبر فذكر منها:

1. مادة براديكينار Brandykinase والتي تعطي البروتاز Protease المفكك لمادة البراديكنين المسببة للألم في مواضع الالتهاب الجلدية، كما أنها تقبض الأوعية الدموية الجلدية لذا تم إدخال الصبر في مراهم حروق الشمس.

2. لاكتات المغنزيوم: وهي تمنع تشكل الهستامين والذي يعتبر السبب الأول للحكة وظواهر الحساسية الجلدية وهذا يفسر فعاليته لمعالجة لدغ الحشرات.

3. المادة المضادة للبروستاغلاندين: والبروستاغلاندين هي من المواد الهامة المحدثة للالتهاب والألم.

4. الأنتراكينولون: وهي المسببة للإسهال، كما يستخرج منها مادة الأنترالين المستخدمة في علاج الصدفية.

و ذكر الدكتور شحات نصر لأبو زيد أن عصير الصبر الطازج تطلى به البشرة المصابة بحروق الشمس يخفف من آلامها ويسرع في شفائها. وفي مجال التزويق يرطب البشرة وينعمها، لذا فإن مركبات الصبر الغليكوسيدية تدخل في تركيب مستحضرات التجميل المرطبة للبشرة وخاصة الرهيمات والصوابين والشامبو. ومن هنا نفهم المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حين وضعت الصبر على وجهها " أنه يُشب الوجه " فيجعله شاباً نضراً. كمنا ذكر أبو زيد ما ثبت من أن للأمودين فعلاً مثبطاً لبعض الأورام الجلدية!

و قد ذكرت كتب الطب الشعبي أن الصبر مقوٍ للباه وأنه يقي من السموم وطارد للديدان، يفيد في أمراض العين والنزلات الشعبية وانحباس البول ويطبق عصيره على الفروة لإطالة الشعر ومنع تساقطه. وفي معالجة الحزاز والثعلبة. والأطباء الروس يستعملون الصبر منذ عدة عقود. وقد كتب ماشوفسكي عن عدد من الأدوية المستخلصة من الصبر منها:

1. خلاصة الصبر المهيأة للحقن Aloe exract:

و هي خلاصة مائية من أوراق الصبر الصغيرة، وهي سائل رائق بلون أصفر فاتح وحتى المحمر، مرة الطعم تنتج في أمبولات بسعة 1 مل تحقن تحت الجلد يومياً (من 1 - 4 مل) وللأطفال ما دون الخامسة (0.2 - 0.3 مل) وما فوق الخامسة (0.5 مل) تعاد السلسلة العلاجية بعد 3 شهور عند الحاجة. وتعطي نتائج جيدة لمعالجة العديد من أمراض العين (الحسر، الترقي، التهاب الشبكية، التهابات الأجفان والملتحمة والقرنية والقزحية وفي عتامة الجسم الزجاجي) كما تفيد في معالجة الداء القرحي والعفجي والربو القصبي. وهنا تتجلى المعجزة النبوية في قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي يشتكي عينيه " ضمدها بالصبر ". ولا تعطى هذه الحقن للمصابين بآفات قلبية وعائية وبفرط التوتر الشرياني وللحوامل بعد الشهر السابع وللمصابين بالتهاب الكلى النفروزي.

2. مروخ الصبر Aloe Liniment:

و يتكون من عصير أوراق الصبر 78 غ، زيت الخروع 11 غ، وزيت الأوكاليبتوس 0.1 غ وEmulgator 11 غ. والمروخ بلون الكريما وقوام القشدة. يوصف دهوناً في الحروق وفي الوقاية لآفات الجلد الشعاعية ومعالجتها.

3. عصير الصبر:

و يتركب من عصير الأوراق 80 مل، وغول إيتلي 95 % - 20 مل وهدرات كلور بوتانول 0.5 مل. وهو سائل عكر بلون برتقالي فاتح وطعم مر، يغمق بتأثير الضوء والهواء. يطبق غسولاً أو إرذاذاً لمعالجة الجروح المتقيحة والحروق وآفات الجلد الالتهابية. وهناك دراسات حديثة أشار إليها الدكتور محمد الظواهري [في محاضرة له بعنوان (الصبر وقيمته العلاجية) ألقاها في مؤتمر أطباء الجلد العرب المنعقد في دمشق 1992 وقد نشرتها مجلة الجلد التي تصدرها الجمعية السورية لأطباء الجلد في العدد 9 لعام 1993] منها دراسة Flag 1959 عن فائدة الصبر لمعالجة القرحات الشعاعية ودراسة Blits وزملاؤه 1963 عن معالجة القرحة الهضمية بالصبر ودراسة Riner وGjestad 1968 عن فوائده في العلاج التجميلي.

و قد تحدث الظواهري عن دراسته الميدانية التي جرب فيها هلام الصبر Aloe vera gel لمعالجة العديد من الحلات الجلدية المعندة نوجزها بما يلي: والهلام يشكل لب أوراق نبتة الصبر ويستخلص بتقطيع الأوراق اللحمية الغضة من قاعدتها وتترك يومين لتسيل منها العصارة المرة ثم تفتح الأوراق ويستخرج من لبها الهلام الموجود فيه، ثم يدعك ليصبح متجانساً ويصفى ويضاف له مادة حافظة ويترك في الثلاجة حيث يمكن استعماله خلال شهر كامل. ويطبق هكذا كدهون بلا تمديد. ويحتوي الهلام على الكاربوهدرات والعفص وشحوم وو سيترئيدات Steroides ومركبات غير مشبعة وحموض عضوية وأملاح معدنية كالكلورايد والكبريتات والحديد والنحاس والصود والبوتاس , وهو براق لزج عديم اللون ذو رائحة مميزة وطبيعة حامضية ويتلون بالقرمزي إذا تعرض للهواء. تمت معالجة 3 مرضى مصابين بقرحات ساق مزمنة مختلطة عند بعضهم بأكزيمة دوالية وتصبغات حول الآفة أو بداء فيل كاذب حيث طبق هلام الصبر مباشرة على التقرح 2 - 3 مرات في اليوم بعد تنظيفها بمحلول مطهر. وقد كانت القرحات مديدة السير استمرت لسنوات (5 - 15) سنة متسخة عميقة لم تعن لأي من العلاجات المعروفة. لاحظ المؤلف تحسن الأوعية الدموية في المنطقة منذ الأسابيع الأولى لتطبيق العلاج والتي عرفت من منظر النسيج الحبيبي المتورد. كما لوحظ أن الهلام يسمح بتحلل النسيج التنخري وسقوطه مما يؤدي إلى زوال الرائحة الكريهة وإلى نمو النسيج الحبيبي في قاع التقرح. يشاهد بعد ذلك تنمي النسيج الظهاري Epithelization من الجوانب وزحفه ببطء نحو التقرحات. مما يدل على فعالية العقار والتي أدت خلال أسابيع إلى تناقص سطح التقرحات التدريجي وحتى الشفاء. ويعزى سر تأثير هلام الصبر في التئام القرحات إلى واحد من عديدات السكاكر المخاطية والتي توجد بتركيز عال فيه.

كما طبق العلاج بنجاح عند 3 مرضى مصابين مصابين بنوع من الحاصات المثية Seborrheic alopecias والتي تترافق بسقوط أشعار واسع مع فرط الزهم في الفروة. وقد تبين أن للهلام فعلاً مجففاً للزهم المفرط عندهم يتبعه فعل منشط لنمو الأشعار. ويحتمل أن له فعلاً قابضاً على الغدد الزهمية منقصاً بذلك جريان الزهم عبر الأجربة الشعرية - الدهنية.

و عند المصابات بالعد الشائع أدى هلام الصبر إلى تجفيف البشرة من زهمها المفرط وإلى تراجع الآفات العدية خلال شهر من المعالجة. كما أدى تطبيقه عند المصابين بالثعلبة أو الحاصة البقعية Alopecia areata إلى عودة نمو الأشعار وإلى شفائها الكامل خلال أسابيع عدة، كما أن تجربته عند 10 مرضى مصابين بسقوط أشعار بآليات إمراضية مختلفة أدى إلى نتائج أولية مشجعة.

و على هذا فإن الدكتور الظواهري يرى أن هلام الصبر عقار مأمون ليس له أي تأثيرات جانبية، يطبق كدهون Lotion، 2 - 3 مرات يومياً كعامل مرهم هام لمعالجة التقرحات الجلدية وخاصة قرحات القرنية.

كما يطبق كمجفف للدهن في الحلات المثية Seborrhea والتهابات الجلد الزهمية والعد الشائع _ حب الشباب _.

كما أنه علاج فعال يحد من سقوط الأشعار ويعمل على عودة نموها.



مراجع البحث

1. الشحات نصر أبو زيد: عن كتابه (النباتات والأعشاب الطبية) بيروت: 1986.

2. دكتور محمد علي البار: في حاشيته على كتاب (الطب النبوي) لعبد الملك حبيب الأندلسي - دمشق: 1993.

3. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة). تحقيق القلعجي - بيروت: 1986.

4. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم). تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.

5. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي) القاهرة: 1978.

6. الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي) القاهرة: 1961.

7. حسان شمسي باشا: عن كتابه (قبسات من الطب النبوي) جدة: 1990.

8. دكتور محمد الظواهري: عن مقالته (الصبر وقيمته العلاجية) بالإنكليزية مجلة الجلد _ العدد 9 دمشق: 1993.

9. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية) القاهرة: 1955.

10. دكتور. ماشكو فسكي: عن كتابه (المواد الدوائية) بالروسية، موسكو: 1972.

11. ممجموعة من الأساتذة في جامعة الملك سعو دفي الرياض: عن كتابهم (النباتات السعودية المستعملة في الطب الشعبي) إصدار إدارة البحث العلمي.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 02:53 AM
وطلح منضود



الطلح من ثمار الجنة التي أعدها الله لعباده المؤمنين. قال تعالى: {و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين * في سدر مخضود * وطلحٍّ منضود * وظل ممدود} [سورة الواقعة: الآيات من 27 - 30].

قال الطبري: قوله {في سدر مخضود} يعني في ثمر سِدرٍ موقر حملاً قد ذهب شوكه. قال قتادة: وعن ابن عباس: خضده، أي وقره من الحمل، وعن عكرمة: لا شوك فيه. {و طلحٍ منضود} قال المعمر بن المثنى هو عند العرب شجر عظام كثير الشوك، وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين فيقولون أنه الموز. قال ابن عباس وعلي وروي عن مجاهد وعطاء وقسامة وقتادة. وعن ابن زيد قال: الله أعلم إلا أن أهل اليمن يسمون الموز الطلح. والمنضود هو الذي نضد بعضه على بعض وجمع بعضه إلى بعض.

و روى ابن كثير عن أبي سعيد الخدري في قوله {و طلح منضود} قال: الموز وأهل اليمن يسمون الموز الطلح. وروى ابن الجوزي في قوله {منضود} قال ابن قتيبة: هو الذي نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره فليس له ساقٌ بارزة. وعن مجاهد {منضود} أي متراكم الثمر ....

و لفظ الموز معرب عن الهندية _ موزا Musa Sapientum. وكان العرب يشبهون ثماره بالأصابع _ البنان _. فلما انتقلت زراعته إلى إسبانيا ومنها إلى أوربا أسموه Banana وهو شجرة عشبية طولها 3 - 6 أمتار من وحيدات الفلقة من الفصيلة الموزية Musace"es ولقد عرفه البشر منذ أكثر من ألفي عام ويعتقد أن موطنه شبه الجزيرة الهندية، وقيل الملايو، ومنها انتقل إلى بلاد فارس وإلى إفريقيا ومنها نقله البرتغاليون إلى كثير من أنحاء العالم.

و يعتقد أن الصينيين منذ القديم استعملوا خلاصة جذور شجر الموز دواءً لمعالجة الحصبة والصداع واليرقان. كما كان حكماء الهند يعتمدونه. وقد أشاد العالم النباتي بليني Pline _ 79 قبل الميلاد _ بمزايا الموز وكان يطلق عليه طعام الفلاسفة، كما يعتبر الفاكهة المفضلة عند الآشوريين.

و إذا كان الموز يتصدر معظم موائد العالم كفاكهة ممتازة فإنه يعتبر بالنسبة لبعض البلدان غذاء رئيسياً كما في جزر الأنتيل والفليبين وسواحل أمريكا الوسطى وأواسط إفريقيا فهو بالنسبة لهم كالقمح بالنسبة لنا. وإذا كان يؤكل نيئاً كفاكهة لكنه قد يطبخ ويصنع منه أنواع الجيلي. كما يصنع دقيق من شرائحه المجففة، ودقيقه من الناحية الكيماوية قريب من دقيق الأرز. ويصنع منه في فرنسا خبز يعجن مع السكر ويعطر بالطيب ويتزود منه الناس في أسفارهم.

و الموز غني بماءات الفحم التي تهب الجسم الطاقة والحرارة. وتتكون من النشاء الموجود في الموز الفج، لذا يكون هذا النوع عسر الهضم قليل الحلاوة. وكلما نضج الموز تحول قسم كبير من نشائه إلى سكر فيصبح سهل الهضم مستساغ الطعم. وإن نسبة السكاكر العالية لا توجد في أي من الفاكهة الأخرى، إذ تصل حتى 24 % من وزنه. أما باقي المواد التي تدخل في تركيبه فهي الماء _ 70 - 78 % _ بروتين _ 0.34 - 1.2 % _ دهون _ 0.4 - 0.9 % _ وألياف سللوزية _ 0.5 - 1 % _. كما يحتوي على أثر من النشاء والعفص. هذا وإن كل 100 غ من الموز تعطي من الحريرات ما يعطيه 100 غ لحم، يضاف إلى ذلك أثره في تمتين الأنسجة وتجديدها لما يحويه من فيتامينات وأملاح معدنية.

فالموز يحتوي على نسبة جيدة من الفيتامين " ث = C " لذا فهو مضاد لداء الحفر وواقٍ جيد من الكريب والنزلات الشعبية وعامل مقوٍ ومضاد للتعب والإنهاك. كما يحتوي على مجموعة الفيتامين " ب " وخاصة " ب 1 ب 2 ب 6 ب 12 " لذا فهو مفيد في التهاب الأعصاب وفي حالات فقر الدم والتشنج وللمصابين بالرثية وفيه نسبة عالية من الفيتامين " أ = A " (300 وحدة دولية / 100 غ) الذي يساعد على النمو ويقوي البصر.

أما الأملاح المعدنية فتوجد في الموز بكمية كافية تؤهله لتزويد الجسم بأكثر حاجاته من العناصر الحيوية. فهو غني بالبوتاسيوم _ 40 ملغ / 100 غ _ فقير بالصوديوم خالٍ من الكولسترول لذلك يستعان به على خفض الضغط الدموي المرتفع ة على تخفيف حمولة الكلى وللوقاية من تصلب الشرايين. ويحتوي على نسبة لا بأس بها من الكالسيوم والحديد والنحاس. وعلى نسبة جيدة من الفوسفور الذي يسمى بملح الذكاء والذي يساعد المشتغلين بالأعمال الذهنية والفكرية، والفلور الذي يحمي الأسنان من التسوس. وباحتوائه على مادة البكتين فهو يساعد على مكافحة الإسهالات.

يقول الدكتور لابيه رئيس مختبر الطب في باريس: إنَّ القيمة الغذائية للموز عالية، فالموز الطري يحتوي على نفس الفائدة لنفس الكمية من اللحم، أما الموز الناضج جداً فيحتوي على ضعف هذه النسبة، والموز وإن كان يعتبر من الأغذية الممتازة فمن الخطأ اعتباره غذاءً كاملاً فلا بد من إضافة أغذية أخرى إلى الموز تحتوي على الدهن كالحليب مثلاً والذي يعتبر مكملاً للموز...

هذا ويعتبر الموز غذاءً وعلاجاً للذين يشكون من الإرهاق والهزال وللمصابين بأمراض قلبية أو كلوية وكبدية، بل هو الغذاء المثالي لهم. أما المصابون بالداء السكري والبدينين فلا يلائمهم الموز لغناه بالمواد السكرية. كما أنه نظراً لقلة ما يحتويه من ألياف تجعلنا ننصح المصابين بالإمساك بعدم الإكثار منه.

إن هضم الموز وتمثله والاستفادة منه لا تتم إلا بشرطين وهما أن يكون تام النضج وأن يمضغ جيداً. وبهذا نتفادى محاذيره وسوء هضمه إن كان فجاً وخاصة لمن كانت معدته ضعيفة أو كان جهازه الهضمي غير سليم. هذا ويمكننا أن نسحق ثمرة الموز أو نخفقها كعجينة لتقديمها لأمثال هؤلاء ولصغار الأطفال ليحسن الاستفادة منها.

و الموز الناضج علاج جيد للمصابين باضطربات هضمية حادة وخاصة عند الصغار وللمصابين بالتهاب الأمعاء الغليظة _ القولونات _ والآفات الهضمية المزمنة وداء الذرب Spure الذي ما زالت أسبابه غامضة والذي ينتهي إلى الهزال الكلّي وانهيار الجسم فإن الموز أفضل علاج أمين وشافٍ له. فهو يحتوي على جميع العناصر الفعالة واللازمة للشفاء من هذا الداء المخاتل. ويحتوي الموز على مواد قلوية تحول دون حدوث التخمرات المعوية، وهذه القلويات تعتنر علاجاً شافياً من حماض الأنسجة والاستقلاب الغذائي Acidosis في اضطرابات الهضم المزمنة، إذ يعدّل هذه الحماضات ويرفع درجة القلوية الاحتياطية للدم أيضاً ويستدل على ذلك من تحول التفاعل الكيماوي للبول من حامض إلى قلوي.

و يستفاد من قلوية الموز في معالجة التظاهرات المرافقة للقرحة المعدية. فلقد نقلت أولغا كريج Olga Craig [عن مقالة لها بعنوان (Banana aday Keeps ulcers at abay] في صحيفة Today البريطانية بتاريخ 7 كانون الثاني لعام 1991] عن المجلة الطبية الأسترالية أبحاثاً تفيد أن موزة واحدة كل يوم تقي تماماً من تفاقم القرحة المعدية، ,أن تناولها قبل الطعام يشفي من قرحة المعدة، كما تتحدث التقارير عن الشفاء من الألم القرحي وحرقة المعدة بتناول موزة مسحوقة مع الحليب _ Coctail _ ويؤكد البروفيسور Barin Hills _ كاتب البحث _ أن الموز يعيد إلى المعدة المقروحة البطانة الواقية التي توجد عند الشخص السويّ. كما تؤكد خبيرة الأغذية شيللا كيسنجر أن الحوامل في أشهر الحمل الأخيرة كثيراً ما يعانين من حرقة المعدة يرافقها بعض الاقياء، وقد أثبتت أن الموز علاجٌ شافٍ للحوامل من هذه الظاهرة.

و الموز لسهولة احتماله ولما يحتويه من سكر فواكه وفائض القلوية والفيتامينات وبإشراكه مع الحليب يعتبر غذاءً ممتازاً للترميم خلال دور النقاهة من الأمراض الشديدة والحمّيات، وفي نقص التغذية وعند الحوامل والمرضعات وللرياضيين وعمال المهن الشاقة والشيوخ وخاصة الذين يعانون من ضعف الشهية.

كما اكتشفت الأبحاث الحديثة [عن قاموس الغذاء والتداوي بالنبات، تأليف أحمد قدامة: 1982] وجود هرمونات في الموز ذات صفات مقوية عالية من شأنها تنظيم الجهاز العصبي. وإن تناول الموز بانتظام يعطي الأطفال التوازن النفسي ويشع فيهم روح الغبطة والمرح.

هذا ولم يغفل تراثنا الإسلامي قيمة الموز العلاجية فقد قال عنه ابن القيم: أنه حارٌّ رطب

أجوده النضيج الحلو، ينفع من خشونة الصدر والرئة والسعال وقروح الكليتين والمثانة ويدرُّ البول ويزيد في المني ويحرك شهوة الجماع ويلين البطن ويزيد الصفراء والبلغم، أما ابن البيطار فيقول عن الموز: ينفع من السعال وأوجاع الصدر وقلة الدم ويسمّن كثيراً وهو جيد للصدر والكلى ويدر البول ويزيد في البلغم والصفراء ويحرك الباه ويزيد في المني.



مراجع البحث

1. الإمام ابن جرير الطبري: عن كتابه (جامع البيان عن تفسير آيات القرآن).

2. الإمام الحافظ ابن كثير: عن كتابه (تفسير آيات القرآن العظيم).

3. أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) دمشق: 1984.

4. محمد كمال عبد العزيز: عن كتابه (الأطعمة القرآنية) القاهرة: 1977.

5. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1977

6. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982

7. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

8. ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).

د. عمر هزاع
07-12-2005, 03:01 AM
جزيت خيراً سيدي

وبارك الله فيك

ونفع بعلمك

لك تقديري

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:29 AM
العسل: فيه شفاء للناس



[البحث ملخص عن كتابنا (العسل: فيه شفاء للناس) وقد صدرت طبعته الثالثة عن دار المعاجم دمشق: 1992، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا المذكور]

ما من شك في أن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في العسل هي أوضح وأرسخ النصوص التي جزمت بالخواص العلاجية المفيدة والثابتة لهذه المادة القيمة.

قال تعالى: {و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومكن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من الثمرات فاسلكي سُبُلَ ربك ذللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للناس} [سورة النحل: الآيتان 68 و69].

و في وصف جنة الخلد التي أعدت للمتقين قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون، فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهارٌ من لبن لم يتغير طعمه وأنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين. وأنهارٌ من عسل مصفّى..} [سورة محمد: الآية 15].

و قد أورد البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن كان في شيء من أدويتكم من خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي ".

و في رواية للبخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " الشفاء في ثلاثة: شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتي عن الكي ". ويشرح الحافظ ابن حجر هذا الحديث فيقول: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الحصر في ثلاثة فإن الشفاء قد يكون بغيرها.

كما روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلاً، فسقاه ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال له ثلاث مرات ثم جاء الرابعة فقال: اسقه عسلاً. فقال: لقد سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً، فسقاه فبرئ.

و في رواية لمسلم: أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي عرب بطنه، فقال: اسقه عسلاً....، ثم ذكر نحوه ومعناه.

قال العلامة الزرقاني في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، معناه أخطأ بطن أخيك حيث لم يصلح لقبول الشفاء بسرعة لكثرة المادة الفاسدة فيه، ولذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فلما كرر ذلك برئ.

و في نفس الموضوع يقول الإمام فخر الدين الرازي: لعله عليه السم علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان هذا جارياً مجرى الكذب فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ.

و يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي أن الإسهال الحاد الذي وصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم العسل، كما يحتمل أن يكون ناتجاً عن تخمة _ كما يقول الطبيب الكحال وأيده الطب الحديث _ فإنه يحتمل أن يكوم ناجماً عن عفونة معوية بدليلين: الأول أن كلاً من التخمة وعفونة الأمعاء سبب لفساد الهضم، والثاني أن الطب الحديث يداوي إسهال العفونة بمسهل أحياناً.

ويرى أن للوصفة النبوية ميزات ثلاثاً: الأولى المعالجة المثلية بمعالجة الإسهال بمسهل وذلك لدفع الفضلات ومحتوى الأمعاء الفاسدة، والثانية اختيار العسل وهو ملّين على المسهلات الشديدة التي تخرش الأمعاء الفاسدة وأكثر الدوائيين اليوم إذا رغبوا بإعطاء مسهل في حوادث الإسهال غير الطفيلية المنشأ فإنهم يفضلون الملّين، والثالثة اختيار العسل من بين الملينات لأن فيه مواد مطهرة تؤثر على الجراثيم.

و روى البغوي بإسناد صحيح: أن ملاعب الأسنة بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الدواء من وجع بطن أخٍ له فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم عكة عسل فسقاه فبرئ

و قال القرطبي: اختلف العلماء في قوله تعالى: {فيه شفاء للناس} هل هو على عمومه أم لا، فقالت طائفة هو على العموم في كل حال ولكل إنسان. فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلاّ جعل عليه عسلاً حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلاً. وروى أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال إيتوني بماء فإن الله تعالى يقول: {و نزلنا من السماء ماءً مباركاً} ثم قال: إيتوني بعسل فإن الله تعالى يقول: {فيه شفاء للناس} ثم قال: إيتوني بزيت فإن الله تعالى يقول: {من شجرة مباركة زيتونة} فجاؤوه بذلك كله في فخلطه جميعاً ثم شربه فبرئ. وقالت طائفة إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة بل إنه خبر أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال، ففائدة الآية إخبار عن أنه دواء لما كثر الشفاء به.

ثم قال القرطبي: لسنا نستظهر على قول نبينا بأن يصدقه الأطباء بل لو كذبوه لكذبناهم وصدّقناه صلى الله عليه وسلم.



ما هي مكونات العسل؟

[عن كتاب (Honey for Health) تأليف سيسل تونزلي، لندن: 1969]

العسل هو نتاج النحل ويدخل في تركيبه أكثر من سبعين مادة مختلفة وذات أهمية حيوية كبيرة للعضوية. ويعتبر منبع المواد السكرية الأكثر أهمية، وكما يقول المثل الفرنسي (لكل سيّد مكانته والعسل سيّد المحليّات). وهو منتج غذائي غني بالطاقة ويعطي الكيلو غرام الواحد من العسل ما يعادل 3150 - 3350 حريرة حسب نسبة الماء الموجودة فيه. ويختلف تركيب العسل اختلافاً يتناسب واختلاف الزهور والمناطق والأرض وحتى باختلاف الأحوال الجوية إلا أنّ السبب الرئيسي هو اختلاف تركيب التربة التي يتغذى منها النبات.

و العسل مادة معقدة التركيب التركيب جداً وتتألف من السكاكر بالدرجة الأولى إذ تبلغ 71 - 72 % من وزنه وأهمها سكر الفواكه (40 %) وسكر العنب (30 %) وعلى نسبة قليلة من سكر القصب وسكر الشعير والميلسيتوز والدكسترين والأرلوز وغيرها.

و يحتوي العسل على أحماض عضوية كثيرة وفي طليعتها حمض النمل والليمون والتفاح والطرطير والزبدة وعلى آثار من حمض العنبر والحمّاض Oxalic واللبن وغيرها. وهناكم أهمية خاصة للعسل باحتوائه على العديد م نالخمائر التي تلعب دوراً هاماً في حياة الكائن الحي وأهمها خميرة الشعير التي تحول النشاء إلى سكر. والقلابين Invertase التي تقلب السكر العادي إلى سكر عنب وسكر فواكه وخميرة الكاتالاز التي تحلل اعتباراً من سكر العنب وعلى آثار من خميرة البروكسيداز والليباز وغيرها.

و العسل يحتوي على مجموعة من الفيتامينات منها فيتامين " ب 1 " والفيتامين أو الريبوفلافين VIT. B2 والحمض الباتتوتيني VIT. B3 والحمض النيكوتيني VIT. B5 والبريدوكسين VIT. B6 وحمض الأسكوربيك VIT. C. كما توجد آثار من البيوتين والفيتامين " ك " والفيتامين " و= ُ " والكاروتين أو طليعة الفيتامين " آ ".

و العسل يعتبر وسطاً ممتازاً لحفظ الفيتامينات، فهي تبقى فيه مهما تقادم عليها الزمن دون أن تتخرب بينما تفقد الفواكه والخضار جزءاً كبيراً من فيتاميناتها عند حفظها أو تخزينها. إلا أن التسخين والوسائل المستعملة في تصفية العسل يفقد العسل الكثير من فيتاميناته لأن احتواء العسل على الفيتامينات مرتبط بما يحتويه من غبار الطلع. ولهذا نجد أن العسل يحتوي على أنواع من البروتينات والحموض الأمينية ومشتقات الكلوروفيل والأصبغة ومنشطات حيوية وعلى روائح عطرية وأغوال سكرية كالمانيتول وبعض الألدهيدات والإسترات والعفصيات.

و في تركيب العسل أملاح معدنية متعددة أهمها أملاح الكلس والصوديوم والبوتاسيوم والمنغنيز والحديد والكلور والفوسفور والكبريت واليود وغيرهما. وهي تلعب دوراً حيوياً هاماً ومميزاً ونقصانها من غذاء الإنسان يؤدي إلى فقده لنشاطه وحيويته وخاصة عند الشيوخ

و يمكن أن تكون المركبات المجهولة التي لم يعرف كنهها تماماً في العسل أكثر أهمية مما استعرضناه هنا من المواد المعروفة وإن كان بعض تلك المواد قد عرف بخصائصه الحيوية مثل خاصة تنشيط الكولين Cholinergic _ الكولين مادة تحول دون تكلس الأدهان في الكبد _ وعامل الغليكوتيل الذي يساعد الكبد على تحويل سكر العنب إلى غليكوجين دون وجود الأنسولين.

و على هذا فالعسل ليس غذاءً حلواً لذيذاً فقط لكنه مخزن كامل لمجموعة من العقاقير من علاجية ووقائية فعّالة. وهو إذا كان قد أخذ دوره في جداول الحمية فإن معظم المشافي لم تنصف العسل بعد ولم تتح له المجال اللائق به في التداول كعلاج أساسي في العديد من الأمراض المستعصية.

العسل: مضاد للعفونة... ومبيد للجراثيم:

أكدّ سوماروكوف [عن إيوريش في كتاب (النحلات صيدلانيات مجنحة)] منذ أكثر من قرن أن العسل يحفظ اللحم وعصير الفواكه والخضار من الفساد والعفونة، وشرح كيف يعمد سكان جزيرة سيلان إلى تقطيع اللحم إلى قطع صغيرة يطلونها بالعسل ويضعونها في تجويف جذوع الأشجار ويغطونها ويتركونها هكذا لمدة سنة وبعد ذلك يجدون اللحم ما يزال طازجاً. بل إن طعمه يصبح أفضل. ولقد أجرى ساكيت Sackett [عن كتاب (الطب الشعبي) لجارفيس تعريب الدكتور أمين رويحة] تجارب بزرع جراثيم مختلف الأمراض في مزارع من العسل الصافي ولبث ينتظر... لقد أذهلته النتيجة المدهشة فقد ماتت جميع الجراثيم وقضي عليها بعد عدة ساعات إلى مدة أقصاها عدة أيام. كما أكد لوكهيد من كندا أن الجراثيم الممرضة للإنسان تموت بالعسل.

و يعلل المؤلفون خواص العسل المبيدة للجراثيم بنظريات مختلفة، أو قد يكون الأصح، بآليات متعددة فالطبيب أنجيلودوبيني يعتقد أن حفظ العسل للمادة العضوية الحية من العفونة والتقيح يعود لاحتوائه على كمية من حمض النمل Formic acide. أما هوشتر [رسالة خاصة من هوشتر نفسه بتاريخ 22 نيسان 1968] فيفسر خاصة العسل هذه بارتفاع تركيز السكاكر فيه. إلا أن ملادينوف ينقض هذه النظرية حين وجد أن تلك القطع الحيوانية المحفوظة في عسل صناعي تعفنت حين بقيت فيه لمدة طويلة بينما لم تتأثر تلك المحفوظة في عسل طبيعي.

أما موهريغ وميسنر [Acta biol. med. germ. Band 21 , 1986] فيؤكدان أن الخميرة الحالة Lysozym الموجودة في العسل هي المسؤولة عن هذه الخاصية في حين تتفق أغلب الأبحاث الحديثة _ إيوريش _ على وجود مواد مثبطة لنمو الجراثيم ضمن تركيب العسل هي التي تمنع نمو الجراثيم، وأن هذه المواد هي من منتجات النحلة نفسها كما أثبتت كاغانوفا _ إيوريش أن العسل يحتوي على مواد مضادة للفطور المسببة للعفن.

أما شوفان ودولد فقد أكدا وجود مادة مانعة لنمو الجراثيم في العسل دعوها بالإنهبين Enhibine وأنها توقف نمو العصيات التيفية والمكورات العنقودية بأنواعها وعصيات شيغا الزحارية وعصيات القيح الأزرق وضمات الكوليرا وتؤثر بوضوح على عصيات الخناق.

و حسب رأي بوشيزر فإن للعسل تأثيراً جاذباً للكريات البيضاء والذي يزيد من فعل البلعمة بما يحتويه من الماء الأوكسجيني Hydrogen Peroxide. وأخيراً فلا بد من أن نشير إلى فرضية أخرى ترد الخاصة المضادة للحيوية في العسل بسبب غناه بعنصر البوتاسيوم الذي يسحب من الجراثيم رطوبتها الضرورية لحياتها نظراً لشراهته لامتصاص الماء.

و نحن نرى أن لا تناقض بين هذه النظريات إذ من الممكن أن يعمل العسل في مكافحته للجراثيم وقضائه عليها بوسائط وأسلحة متنوعة طالما أن كل هذه العوامل موجودة فيه بالتأكيد. وقد استفاد أكوبيا Akobia [عن مجموعة دراسات معهد البحث العلمي للرضوض في جمهورية جورجيا المجلد 6 لعام 1964] من هذه الخاصية ودرس إمكانية حفظ الأنسجة كالعظام والغضاريف والأوعية الدموية والأوتار والسحايا وغيرها ضمن المحاليل العسلية. وقد تبين له أن محاليل العسل الطازجة بنسبة 5 0 % تبقى عقيمة طيلة فترة الحفظ وأنها تحافظ بشكل ممتاز على حيوية هذه النسج بحيث تبقى قادرة على استعادة وظيفتها الحيوية الكاملة بعد زرعها في عضوية الإنسان المحتاجة إليها. وأن نتائج عمليات الزرع هذه بأنسجة محفوظة في محاليل العسل أفضل بكثير من تلك المجراة على أنسجة محفوظة بالطرق الأخرى المعروفة كالتبريد أو ضمن محاليل كيماوية أخرى.

العسل غذاءٌ قيّم:

يعتبر العسل بحق مادة غذائية قيمة ذات أهمية خاصة للعضوية فهو يمتص بسرعة ليصل إلى الدم والأنسجة. وهو أفضل من السكر العادي من حيث أنه يجدد القوة العضلية ويحفظها. ويعتبره تاونسند الطعام الحيوي للرياضيين حيث يمكن تناوله من قبلهم قبل التمارين الرياضية العنيفة مباشرة. كما أن الرياضيين الذين يتنافسون لدرجة الإرهاق يستطيعون استعادة نشاطهم بسرعة كبيرة عندما يتناولون شاياً أو قهوة محلّيان بالعسل.

و يساعد العسل على نمو العضوية وخاصة الفتية منها. ويلعب وجود الزيوت العطرية والإترية فيه دوراً منشطاً للجهاز العصبي والقلب والأوعية. ومن هنا تتضح فائدة العسل للأشخاص الضعفاء والمنهكين فيزيائياً وفكرياً وللناقهين من الأمراض الشديدة والمنهكة.

وقد تبين أن تناول كميات كبيرة من العسل لا يمكن أن ينعكس على العضوية بأي أذى _ شوفان Mladenov , Noecker _. كما أن العسل يساعد على هضم وتمثل الأغذية الأخرى فضلاً عن كونه مادة غذائية سهلة الهضم.

العسل والداء السكري:

يعتبر نقص الغلوكوجين من أهم مظاهر الداء السكري , ويختزن الغلوكوجين عادة في الكبد ثم تطلقه إلى الدم ليستعمله البدن كأهم مصدر للطاقة على شكل سكر عنب. والمصاب بالسكري لا يستطيع تكوين الغلوكوجين بكمية كافية لعوزه لمادة الأنسولين، الهرمون الوسيط لتكوين الغلوكوجين وحرق السكريات. والمريض المصاب بالسكر يستطيع الاستفادة من العسل وتحويله إلى غلوكوجين دون الأنسولين ومن هنا تتضح الأهمية الكبرى للعسل عند السكريين.

فالسكر الرئيسي في العسل هو سكر الفواكه وقد ثبت أن كبد الحيوانات المستأصلة معثكلتها والمحرومة من الأنسولين تستطيع تكوين الغلوكوجين اعتباراً م نسكر الفواكه على الرغم من عدم تمكنها من بنائه من سكر العنب _ Seige , MenKovski , وغيرهم _ كما وجد Baumgarten , Koch أن حقن سكر الفواكه بالوريد لا يرفع سكر الدم إلا بمقدار ضئيل. أما حقن العسل وريدياً فإن مستوى سكر الدم يهبط أيضاً وهذا يعود لفعل نوعي للعسل.

و قد أثبتت اختبارات كل من كيليان وتوبياش [Dent Zeit. F. Verdounge , Leiprig , 1953 - Kilian & Tobiach] أن إعطاء السكريين مقدار 20 غ العسل صباحاً و20 غ بعد الظهر دون أي تغيير في مقدار الأنسولين أو نوعية الحمية عندهم لا تؤثر بصورة ملحوظة على مستوى سكر الدم اليومي عندهم. ويؤكدان أن العسل الصيفي حيث لا تطعم النحلة غير رحيق الأزهار هو عسل ممتاز للسكريين ونتائجه جيدة. وفي كتاب Smedley , Beck وصف لكثير من الحالات المرضية يبيّن أن العسل قد تحملّه المصابون بالسكري وأعطاهم القوة اللازمة.

ويؤكد كل من منوفسكي ودافيدوف فائدة العسل الكبرى في معالجة تخلون الدم Acetonemia التي تحصل كاختلاط عند المصابين بالسكري، كما أن إعطاء العسل للسكريين يقيهم من الوقوع في هذا الاختلاط الخطير، ومن هنا يرى المؤلفان ضرورة تناول العسل من قبل السكريين في كثير من الأحوال. واعتماداً على ما اكتشف حديثاً من أن العسل يحتوي على مواد هرمونية شبيهة بالأنسولين وأن سكره هو سكر الفواكه فإن البروفيسور إيوريش ينصح السكريين بتناول العسل وخاصة إذا ما أضيف إليه مجموعة الفيتامينات " ب " والفيتامين " ج " (VIT. C).

و نحن نرى أن المصابين بالداء السكري يمكن أن يتناولوا العسل، إلا أنه بدون شك يجب أن يتحروا العسل الخالي من الغش وأن يتأكدوا أن النحل نفسه لم يطعم السكّر العادي، وأن تجري المعالجة تحت إشراف طبيب اختصاصي ذو خبرة بخواص العسل العلاجية.

العسل والوقاية من نخر الأسنان:

أكدت الأبحاث الحديثة _ أسبورن، نوريسكين.. _ أن السكاكر في مصادرها الطبيعية _ العسل، التين، الزبيب، قصب السكر _ تكون مترافقة مع عامل واقٍ من النخر يزول عند التصنيع والتنقية _ في السكر الأبيض _. إن هذه السكاكر الطبيعية ومن جملتها العسل لا تحدث نخراً ولا تسبب نموَّ العصيات الجرثومية اللبنية.

و هكذا فإن قبائل الأسكيمو البدائية الذين لم يتناولوا السكر الأبيض ولم يعرفوه مطلقاً لم يكن للنخر بينهم أي وجود _ Waugh _ ويؤكد بانتنغ الأثر السيئ للسكر العادي على الأسنان. أما ماكليدون فينصح بتحلية الشاي بالعسل للوقاية من نخر الأسنان.

و تؤكد أبحاث بوكسي F. Pucci [عن مجلة طب الأسنان السورية، كانون أول 1974 (دكتور غنوم)] أهمية استعمال العسل كمادة مُحَلِّية تبعد عن الإنسان خط النخر السنّي المبكر. كما تؤكد فائدة العسل بقدرته على القيام بنشاط حاث على نمو الطفل مبعداً عنه خطر الكساح لما فيه من الفيتامينات وكل مقومات النمو، ولفائدته في نمو العظام وبزوغ الأسنان وكذلك بالنسبة لإحداث التكلس الجيد العظمي والسنّي.

العسل في طب الأطفال:

تؤكد المشاهدات السريرية القيمة الكبرى لعسل النحل كمادة غذائية وعلاجية ممتازة لعضوية الطفل. كما تبين أنه يزيد من خضاب الدم وعدد الكريات الحمراء في دمائهم وبالنسبة للأطفال المصابين باضطرابات هضمية أو سوء تغذية، فإن وجود العسل في جدول الحمية عندهم يؤدي إلى تحسن ملحوظ وسريع في حالة الطفل المصاب وإلى زيادة بينّة في وزنه _ غولومب، لابورد _.و نظراً لخاصيته المضادة للجراثيم فهو يساعد صغار الأطفال على تجنب الأمراض الجرثومية والتعفنات المعوية ويسرع من شفائها إذا أشرك مع العلاج النوعي.

و بالنسبة لتغذية الأطفال فالأطباء ينصحون به كمادة مُحَلّية سواء للحليب أو لصنع الأغذية الخاصة للأطفال من سميد أو خبيصة أو غيرها.. فهو طعام سهل الهضم سريع الامتصاص والتمثل، يقدم طاقة وافرة وتغذية ممتازة في المرحلة الحرجة من نمو الطفل لغناه بالمواد الحياتية المعدنية Oligoelements.

و بيّن كل من أليسون [عن مجلة (Revue de Dietetique) العدد 3 لعام 1959] ونوربوتون أن إضافة العسل إلى غذاء الخدّج [الخدج: هم المولودون قبل أوانهم] يجعلهم يقبلون على الرضاعة جيداً وتتحسن قدرة المص عندهم. وينصح لوتينغر بإضافة ملعقة شاي من العسل إلى مغلي الشعير لوقف الإسهال الصيفي عند الرضيع أو إعطائهم الشاي المحلى بالعسل بنسبة 5 %، ويصّر فيليبس على استبدال العسل بالسكر العادي لتحلية المصاصات Bibrons بمقدار ملعقة شاي واحدة في الشهرين الأوليين وملعقتين في الشهرين 3 - 4 ويستمر الأمر بثلاث ملاعق، وهذا يعود إلى أن بعض الأطفال لا يمكنهم تحويل السكر العادي بسهولة إلى شكله المهضوم والعسل يمتص بسهولة أكبر من سكر الحليب. كما أن الأطفال الذين يعتمدون في تغذيتهم على العسل يمتازون بحالة جيدة لجهازهم الهضمي وبانعدام الغازات البطنية.

و قد أكد كل من هافيجي Haffejee [عن مجلة Brit. med. journal عدد حزيران 1985] وموزا Moosa _ 1985 _ أن محاليل العسل تقصر مدة الإسهال عند الرضع والأطفال المصابين بالتهابات معدية - معوية. كما ثبت أنه لا يطيل أمد الإسهالات غير الجرثومية، ويمكن استعماله بأمان كبديل عن سكر العنب محلولاً في سائل يحتوي على الشوارد المعروفة لإزالة التجفاف بواسطة الفم. أما فيليبس فيؤكد أن إضافة ملعقة شاي من العسل لكل رضعة تساعد على ظهور الأسنان وتمنع حدوث أمراض التسنين. فللعسل تأثير حسن على تمثل الكالسيوم والمغنزيوم في العضوية _ Knott وزملاؤه _.

و هكذا نرى بوضوح الأهمية الكبرى للعسل في تغذية الأطفال في مختلف مراحل نموهم سواء كان ذلك من أجل نموهم الطبيعي أم من أجل وقايتهم من مختلف آفات الطفولة من إسهالات أو انتانات معوية أو خرع أو سوء نمو...

العسل وطب الشيخوخة:

اعتقد الفلاسفة والحكماء منذ العصور الغابرة _ بيفاغور، مولباخر، فتفتسكي... _ أن تناول العسل مع الطعام بشكل مستمر يساعد على إطالة العمر ويبقي الإنسان رغم تقدمه في السن في حالة من الحيوية والنشاط.

و قد أكد إيوريش أن معظم المعمرين في مناطق الاتحاد السوفياتي _ سابقاً _ يتواجدون في مناطق أذربيجان وبلاد القفقاس الجبلية حيث يتعاطون تربية النحل ويتناولون العسل بكميات كبيرة في طعامهم اليومي.

و من مقالة للدكتور ب. لوت Luth [عن مجلة Arztiche Praxis الألمانية. المجلد 28 لعام 1959] بعنوان (زيادة فعالية المعالجة بالبروكائين عند مزجه بالمحاليل العسلية) نقتطف ما يلي: إن المعالجة الجهازية لشكايات الشيوخ بواسطة البروكائين والتي قامت بها الدكتورة أصلان إنما هي معالجة محتفظ بها. ولقد تبين أن تأثيره على بعض عوارض الشيخوخة إنما يرجع إلى فعل محصوله الاستقلابي في البدن وهو حمض أميني آخر يعتبر طليعة ينجم عنها تشكل الكولين والأستيل كولين والتي تعتبر ضرورية لحياة العضوية وخصوصاً الكهلة. وعلى هذا فالبروكائين يقوى الخواص الكولينية Cholingique في البدن. ولقد أجريت تحريات عن مادة غير سامة وتمتلك زيادة فعالية البروكائين فلم يجد الباحثون سوى عسل النحل الذي هو غذاء ودواء بنفس الوقت.

و بناء على هذه النتيجة فقد أنتجت شركة Woelm الألمانية مستحضراً هو البروكوبين ج 2 Procopin G2 الذي يتركب من: بروكائين 2 % روتين 0.5 % غلومينات الصوديوم 1 % مذابة في محلول عسلي بنسبة 1 0 % مصفى من غروياته. ولقد طبق هذا المستحضر في معالجة الظواهر الشيخوخية وكان له تأثير حسن على سير الثعلبة والشيب، كما أن تأثيراته كانت ممتازة على مظاهر الجلد الشائع المختلفة، وعلى سير الكثير من شكاوي الشيوخ من انحطاط ووهن عام وعصبي Neurasthenia ونفسي وآلام في الرأس والتي تشكل بمجموعها ما يدعى بمتلازمة انخفاض القدرة على العمل وفي إزالة هذه العوارض في معظم الأحوال. كما أبدت حالات من الاعتلالات المفصلية غير المشوهة وأخرى من تصلب الدماغ تحناً ملحوظاً.

أهمية العسل للوقاية من الأذيات الشعاعية:

يؤكد فرانكه [عن مجلة Zentralbtatt Fur Gynekologie الألمانية: 1949] وإيوريش [عن كتابه (النحلات صيدلانيات مجنحة) موسكو: 1966] فعالية العسل في معالجة أعرض الانسمام والتموت الناجمة عن التعرض المديد للأشعة وفي وقاية العاملين بها من ظهور تلك الأعراض، سواء بتناول محاليل العسل الدافئة وخاصة مع الحليب، أو حقن محاليله االمجهزة للحقن في الوريد.

هل يقي العسل من السرطان؟

تبين من تحريات فورستر أن ممتهني النحالة أقل عرضة للإصابة بالسرطان بالنسبة إلى المهن الأخرى كلها وهذا يعود إما إلى لسع النحل، كما يقول المؤلف، أو وهو الأرجح إلى التمتع بتناول العسل أكثر من غيرهم.

الفيتامين المضاد للنزف والعسل:

[عن مقالة في جمعية الطب الخيري لجامعة منسوتا، نشرت ترجمتها في مجلة طب الفم السورية _ حزيران: 1976]. بينما كان العلماء يبحثون في إثر العسل في الوقاية من فقر الدم المحدث عند الفئران ومعالجته لاحظوا أن التخثر الدموي عند الفئران التي كانت تتناول العسل في غذائها كان عالياً لدرجة أنه أصبح من المتعذر أخذ عينات الدم من أوعيتها لمعايرة خضاب الدم عندها.

و قد أكد فيفينو أن العسل عند مزجه بالمواد الغذائية الخالية من الفيتامين " ك " قد رفع زمن طليعة الترومبين بشكل واضح. وقد أوضحت هذه التجارب التأثير الفعال للعسل كمادة معوضة عن الفيتامين " ك = K ".



الاستشفاء بالعسل

الاستشفاء بالعسل في أمراض الجلد:

إن معالجة أمراض الجلد بالعسل، وخصوصاً تقيحاته وقروحه والجروح العفنة من الأمور المعروفة جيداً في الطب القديم _ الفراعنة، أبقراط، القديس أمبروس _. وفي قانون ابن سينا عدد من الوصفات لمراهم يدخل فيها العسل لمعالجة آفات جلدية متنوعة وخاصة قرحات الجلد العميقة والمتعفنة.

و منذ عام 1933 كان لوكه Lucke يعالج التقرحات الجلدية بمرهم يدخل فيه العسل وزيت السمك، ويعتبر منطلقاً له تأثير العسل على التئام الجروح وتنظيفها بسرعة وتأثير زيت السمك على التبرعم.

و يؤكد كرينتسكي أنه بتأثير العسل يزداد بكثرة محتوى الجروح من مادة الغلوتاتيون التي تلعب دوراً هاماً في عمليات الأكسدة والتعمير أو الترميم Regeneration التي تجريها من أجل نمو الخلايا والتئام الجروح.

و يعلل الطبيب الصيني يونغ _ 1944 _ التأثير الجيد للعسل في شفاء قرحات الساق المزمنة والقشب بتركيزه السكري العالي وخواصه المضادة للعفونة ولاحتوائه على صباغ أصفر فيه نسبة عالية من الفيتامين " آ ". ومرهم يونغ يتكون من العسل بنسبة 4 / 5 والفازلين 1 / 5.

أما خاتشاتوريان ويابوفا فيعالجان مختلف التقيحات الجلدية _ دمامل جمرة حميدة، تينة عنقودية _ بعسل النحل.

و يطبق العسل بنجاح موضعياً بواسطة التشريد الكهربائي Electrophorasis لمحاليله لمعالجة الجروح الواهنة _ Helfman _ [عن إيوريش في كتابه Bees and People _ موسكو: 1974] ويمكن إشراك التشريد الكهربائي بمرهم عسلي يدخل فيه القطران الخشبي 2 % لمعالجة الأكزيما المزمنة والتهاب أعصاب الجلد _ التأتب الجلدي _ (دانيلوف 1974).

و تحت عنوان (العسل والضمادات الجراحية) [عن مجلة Brit. Bee j. - كانون أول: 1955] كتب ميخائيل بولمان يقول: عندي كل المعطيات الإيجابية كي أفكر بهذه المادة البسيطة التي تجيب على كل الأسئلة حول مشاكل الجروح والقروح المتقيحة فهي مادة غير مخرشة، غير سامة، عقيمة بذاتها ومضادة للجراثيم، مغذية للجلد، رخيصة نسبة للعلاجات الأخرى، سهلة التحضير والاستعمال.. وفوق ذلك فهي مادة جدُّ فعالة.. ويضيف ديموفيتش الذي عالج آفات مختلفة شملت حروقاً وقرحات وهنية وخراجات وذات عظم ونقي وداحس وفلغمونات ودمامل وغيرها برهم كونكوف العسلي [مرهم كونكوف: يتركب من العسل 62 غ، ريفانول 0.3 غ، زيت سمك 33.5 غ قطران خشبي 3 غ وماء مقطر 1.2 غ] بأن العسل يملك خواص مضادة للجراثيم، مسكنة للألم، ومرممة لأنه يزيد في نمو البراعم الحبيبية Granulation فيسرع التنّدب وحتى الشفاء الكامل. وقد تبين لبيرلاندو 1978 [(عسل النحل وأثره الشافي في الحروق) عن مجلة عالم الطب والصيدلة _ تشرين أول 1987. تعريب قوتلي وعطار] أن الجلد المحروق المعالج بالعسل يُظهر حيوية كبيرة حيث تتولد بعض الأربطة العضلية المحيطية ويقل الإفراز النتحي مع تشكل غرائي وشبكي جديد ويغزر النسيج الحبيبي الأدمي وتتجه البشرة نحو التغطية الجلدية المبكرة Epithelization.

و في الحقيقة فإنه بالرغم من تقدم البحث العلمي وظهور المزيد من العقاقير الحديثة فإننا في ممارستنا اليومية لا نزال نشاهد حوادث من تقيحات جلدية مزمنة وتقرحات واهنة لا تعنو لأي من العلاجات التي بين أيدينا. واعتماداً على ما قدمناه من مشاهدات حول تأثير العسل فقد طبقناه في عدد من تلك الحوادث المختارة التي عندت على المعالجات المألوفة ونشرنا مشاهداتنا حول النتائج الباهرة التي توصلنا إليها في كتابنا (العسل: فيه شفاء للناس) وسنكتفي هنا بعرض واحدة من أهمها مع خلاصة لعملنا هذا ونتائجه.

المشاهدة للمريض (ع. ش) عمره 42 سنة دخل الشعبة الجلدية لمشفى المزة وهو مصاب بقرحة وهنية في أخمص قدمه اليمنى بطول 4 × 6 سم حوافها غير منتظمة قعرها وسخ ويظهر في منتصفها النسيج العضلي وهي مكسوة بقشور صفراء مع نزف قيحي.، تعود القصة إلى 4 شهور خلت بعد أن استؤصل للمريض ثفن عرطل، تقيح الجرح وأدى التقيح الثانوي مع الضياع المادي إلى تشكل القرحة التي عالجها المريض طيلة هذه الفترة بمختلف المطهرات والمضادات الحيوية والمراهم دون جدوى. طبقنا للمريض ضماداً يومياً بمزيج من العسل وزيت السمك وكانت نظافة القرحة تامة في غضون أربعة أيام وتَّم التئام التقرح الكامل خلال 20 يوماً.

كما طبقنا في بعض الحالات مرهماً عسلياً يدخل فيه العسل وزيت السمك _ أو زيت الزيتون _ واللانولين والكالامينا أحدهما حالة تقرح اكتيمائي والثاني حرق من الدرجة الثالثة ناجم عن كي مقصود أدى إلى إتلاف جميع طبقات الجلد والنسيج الخلوي تحته وكانت النتائج متقاربة وكان مجموع المرضى الخاضعين للتجربة 21 مريضاً، منها إصابات بقروح دوالية، وحروق وخشكريشات اضطجاعية وجمرة حميدة وتقرحات وهنية رضية المنشأ وأكتيمائية وغيرها.

و نستطيع القول أنه من خلال مشاهدتنا ومن النتائج الممتازة التي توصلنا إليها بواسطة الضمادات العسلية سواءً كانت صرفة أو على شكل مرهم عسلي أن للعسل بدون شك تأثيراً ممتازاً على دحر الانتان المسبب أو المرافق للآفة ومن ثمَّ على سير الالتئام والترميم في كافة القروح الجلدية على اختلاف منشأها.

و في عام 1986 أكدت هيلتون النتائج الحسنة جداً التي ذكرناها عن معالجة القرحات التوسُّدية _ خشكريشات الاضطجاع _ بتطبيق ضمادات العسل الصرف تغير يومياً. كما أكد محاسن وادي [عن مجلة عالم الطب والصيدلة - حزيران: 1987] ورفاقه حسن تأثير العسل على التقرحات المزمنة حيث أكدوا تراجع القيح بسرعة وتحسن عملية التحبب الخلوي والدورة الدموية في المنطقة كما لاحظوا تحسن وسرعة عملية التغطية الجلدية. ومن بريطانيا 1988 أكد المستشار الجراحي [عن مجلة المهندس الزراعي العربي العدد 30 لعام 1990 دكتور عطار وأيوب] Spenser النتائج التي توصلنا إليها أيضاً وأكد ملاحظاتنا أن الداء السكري لم يكن مضاد استطباب لتطبيق الضمادات العسلية.

حقن العسل في مداواة الأمراض الجلدية:

أكد Ammich النتائج المذهلة لمعالجته لعدد من المصابين بآفات جلدية حاكة مزمنة ومعندة استمر سيرها لبضع سنوات وذلك بحقن محلول عسلي مصفى من غروياته في الوريد _ حقنة واحدة يومياً _، منها حالات أكزمائية وأكالات وحالات من التأتب الجلدي. كما أكد شيرم مقدرة المحلول العسلي على التهدئة السريعة وإيقاف الحكة على اختلاف منشئها عند المرضى الجلديين.

العسل والعلاج التجميلي:

في مراجعتنا لكتاب القانون لابن سينا نجد عدداً من الوصفات التجميلية التي يعتبر العسل أبرز ما فيها من مواد. وفي الوقت الحاضر فإن كميات هائلة من العسل وشمعه تستهلك في تحضير العديد من مستحضرات التجميل الرائعة من صوابين وشامبو وكريمات وغيرها.و ينصح كارتاميشف [عن كتابه (المعالجة التجميلية للجلد) صدر في موسكو بالروسية: 1967] ذوي البشرة الجافة بوضع قناع عسلي لمدة 20 دقيقة _ عسل 50 غ، دقيق القمح 30 غ، ماء 20 غ _. أما كولغونينكا فتنصح ذوي البشرة الجافة والمتجعدة بتطبيق قناع عسلي مع صفار البيض _ ملعقة شاي من العسل + صفار بيضة واحدة + ملعقة شاي من زيت نباتي _.

و يرى إيوريش Ioyrish أن أقنعة العسل تعتبر من أفضل وسائل العلاج التجميلي، فالعسل لا يطري الجلد فحسب، لكنه ينظفه ويغذيه، وذلك لأنه يغني أليافه العضلية الملس بمولد سكر العنب Glucogen الضروري لحركتها ومرونتها كما أنه مطهر للبشرة من الجراثيم. ويؤكد تونزلي Tonsley فضل العسل للوقاية من اضطربات البشرة نتيجة الإكثار من استعمال مواد الزينة المختلفة _ الماكياج _. وينصح من أجل حفظ الشعر قوياً لامعاً: يمزج 4 مقادير من العسل مع مقدارين من زيت الزيتون يدعك بها الشعر ثم يعرض على الحرارة قريباً من الموقد أو تحت مصفف الشعر الكهربائي لمدة نصف ساعة، تكرر مرة أو مرتين كل شهر.

ونحن ننصح بإدخال العسل بنسبة 20 % مع أوكسيد الزنك والكالامينا والفازلين واللانولين لصنع مرهم لربات البيوت لمعالجة جفاف اليدين وخشونتها وتشقق البشرة نتيجة الإكثار من استعمال الصوابين والمنظفات، حيث يؤدي إلى نتائج ممتازة.

و تورد ماريا لوبنتو بعض الوصفات التجميلية، فمن أجل معالجة الكلف والنمش: تؤخذ 6 ملاعق من عسل الحمضيات مع ملعقة من الغليسرين وأخرى من الغول الطبي ومن عصير الليمون _ تمزج تباعاً في إناء على بخار ماء مغلي حتى تمتزج بشكل كامل _. وتصف الصيغة التالية لكريم مطهر للوجه: مقدار من اللانولين، مقدار من عصير الليمون، نصف مقدار من زيت الزيتون، مقدار من ماء الورد و3 مقادير من العسل.

أما لمعالجة تشققات الشفتين وقشب _ قشف _ اليدين فتصف مزيجاً متعادلاً من العسل وماء الكولونيا وعصير الليمون بنسبة الثلث من كل عنصر.

و من هنا نرى ما لأقنعة العسل والمراهم المحتوية عليه من تأثير ممتاز على الجلد، فهي تنشطه وتطريه، فتعطيه بذلك النضارة والحيوية والنعومة، وتخفف من تجعداته فتعيد بذلك إليه رونقه وشبابه.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:30 AM
الاستشفاء بالعسل في أمراض العين:

ذكر المقريزي أن الصحابي عوف بن مالك الأشجعي كان يكتحل بالعسل ويداوي به كلَّ سقم. وأوضح ابن سينا فعله المشَفِّف في كثافات القرنية. ويعالج بالعسل صرفاً التهاب حواف الأجفان والتهابات القرنية وتقرحاتها حيث يعطي نتائج باهرة _ ميخائيلوف، بلوتنيفا _. وطبق أوساولكو [عن مجلة أمراض العين السوفياتية _ موسكو العدد 3 لعام 1953] العسل كسواغ في مرهم السولفيدين من 3 % عوضاً عن السواغ الفازليني، وشملت مشاهداته حالات من التهاب القرنية السلية والإفرنجية حيث تراجع الارتشاح العكر وزادت الرؤية كما حصل على نتائج جيدة في معالجة التراخوما وحروق القرنية بالجير _ الكلس _. وينبه أوساولكو أنه لا يجوز غلي العسل عند تحضير المراهم العسلية لئلا يفقد العسل خمائره وفيتاميناته التي فيها سرٌّ من أسرار قوته العلاجية.

أما روزنشتاين [عن رسالة خاصة منه (من مشفى أوديسا) في تشرين الثاني: 1969] فيؤكد أن الندبات التي تخلفها قرحات القرنية وحروقها عند استعمال العسل أكثر نعومة وألطف من تلك الندبات حين تطبيق العلاجات الأخرى.

أما ماكوخينا فتؤكد أنه معالجة حروق العين بالعسل طريقة تعتمد على إصلاح استقلاب سكر العنب في القرنية بعد الحروق وما ينجم عنه من تشوهات اغتذائية كما تساعد على الوقاية من الانتان الثانوي والانسمام الذاتي في المستقبل. وهي تستخدم العسل موضعياً ممزوجاً كقطرة أو مرهم مع ألبوسيد الصوديوم _ 15 % _ حيث يطبق المرهم قبل النوم أما القطرة فتطبق مرة كل 30 دقيقة في اليوم الأول ثم مرة كل ساعة في اليوم الثاني ثم مرة كل ساعتين بعد ذلك حتى الشفاء.

و ينبه أوساولكو إلى أن بعض المرضى يبدون تفاعلاً موضعياً من احمرار ودماع عند تطبيق العسل، إلا أنها مؤقتة ولا تمنع من إتمام المعالجة إلا في حالات نادرة. وتؤكد بيلتوكوفا فائدة العسل _ قطرة العسل مع الديونين أو مع ألبوسيد الصوديوم _ ومراهمه في معالجة التهابات وتقرحات القرنية وحروقها، وترى أن العسل هنا يعتبر عاملاً منشطاً لعمليات الاستقلاب وإعادة التعمير الخلوي Regeneration في نسج القرنية.

و يطبق ماكسيمنكو العسل صرفاً في حروق العين [مقالة (العسل في حروق العين) عن كتاب (الحروق ومعالجتها والوقاية منها) موسكو: 1968] حيث أكد من منعه لحصول الانتان الثانوي وبيّن أنه ينطلق من العسل مجموعة من السكاكر والخمائر وعناصر مجهرية تعتبر عاملاً فعالاً في عودة الأفعال الاستقلابية إلى حالتها الطبيعية.

و نشر كل من ماكسيمنكو وبالوتبنا بحثاً عن كمعالجة قصر البصر عند الأطفال بالعسل بتطبيقه موضعياً خلف الجفن السفلي مشركة مع تطبيقه بالتشريد الكهربائي _ من 20 - 40 جلسة _ وإعطائه داخلاً إلى الطفل المصاب _ 40 غراماً يومياً _. وقد جزم المؤلفان بأن معظم الأطفال المعالجين شعروا بتحسن ملحوظ حيث خفت شكوى الطفل من تعب العينين عقب القراءة أو الكتابة ومع نهاية الدورة العلاجية تحسنت قوة الرؤية بنسبة 1 / 10 _ 2 / 10 بنفس التصحيح.

و أعطى العسل نتائج مقبولة لمعالجة آفات شبكية العين المتعلقة باضطراب الدوران الدموي للعين حيث طبق صرفاً 3 - 4 مرات باليوم مع استراحة 4 أيام كل 10 أيام. كما طبق محلول العسل بالتشريد الكهربائي بواسطة القطبين على التوالي لمدة 7 _ 8 دقائق يومياً ولمدة 20 - 40 يوماً.تكرر هذه السلسلة العلاجية 2 - 3 مرات في السنة. كما حقن البعض بمستحضر M2 Woelm _ محلول عسلي 20 % مصفى من غروياته ومجهز للحقن الوريدي _ كل 2 - 3 أيام حقنة، وبمجموع من 20 _ 40 حقنة.

و قد تحسنت حالة الدورة للعين عند المعالجين. وتم ارتشاف الدم النازف في الشبكة والجسم الزجاجي وازدادت وازدادت القدرة البصرية إلى حدّ كبير [عن كتاب (مجموعة أعمال أومسك) 1976 - بالروسية.

الاستشفاء بالعسل في أمراض الهضم:

ذكرنا كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي المصاب بفساد الأمعاء والإسهال بسقيه العسل. وتؤكد المشاهدات السريرية حسن تأثير العسل على عمليات الهضم. ويرى نوسباومر أن العسل يكافح الإمساك بشكل فعال لتأثيره الجيد على الحركة الحوّية للأمعاء والتي يعزوها ماير لما في العسل من مواد عطرية طيارة. ويضيف بيريز بأن الحموض العضوية في العسل تؤثر على جراثيم الأمعاء وتمنع التخمر. كما أن للخمائر الموجودة فيه أثر لا ينكر على سير عمليات الهضم وانتظامها. وقد عالج لوديانسكي المصابين بالإمساك التشنجي بإعطائهم ملعقتي عسل كبيرتين يومياً ولمدة 3 شهور.

و تشير الأبحاث السريرية أنه في نفس الوقت الذي يؤدي فيه العسل عند ذوي الحموضة المرتفعة إلى نقص هذه الحموضة، فإن تناوله من قبل أشخاص مصابين بانعدام هذه الحموضة أو نقصها الكبير يستدعي عندهم زيادة معتدلة في الحموضة العامة للعصارة المعدية. ومن هنا نفهم الدور الحقيقي لمحاليل العسل كعامل للحموضة المعدية.

و العسل أفضل علاج للقرحة المعدية والعفجية [عن إيوريش (النحلات صيدلانيات مجنحة) 1966] _ خوتكينا، موللر _ وله عليها تأثير مضاعف. فهو يؤدي بتماسه مع الغشاء المخاطي المتقرح إلى التئامه، كما أنه يعدل الحموضة المعدية ويضبط إفرازاتها ويكافح حس اللذع والفواع ويقضي على الألم القرحي. وينصح المقروحون بتناول العسل محلول في حليب دافئ (أو بمغلي النعناع أو البابونج) قبل الطعام بساعة ونصف - ساعتين وبعد العشاء بـ 3 ساعات على 3 وجبات وبمقدار من 30 - 40 غ للوجبة الواحدة. وتعطى محاليل العسل الباردة لمعالجة نقص الحموضة المعدية وذلك قبل الطعام مباشرة وبنفس المقادير العلاجية.

و في دراسة تجريبية على الفئران قام بها الدكاترة أبو الطيب محمد علي وزملاؤه [قام بالدراسة أساتذة قسم الصيدلة بكلية الطب في جامعة الملك سعود في الرياض ونشرته بالإنكليزية المجلة الطبية السعودية _ تموز: 1990] أثبتوا فيها أن العسل إذا ما أعطي مع العلاجات المقرحة _ كأدوية الروماتيزم: الأندوميتاسين _ أو قبل تناولها فإنه يحمي من التقرح المحدث بالأندوميتاسين ويمنع حدوثه. وهذا يعني أن العسل قد يكون معادلاً لتصنيع البروستاغلاندين المانع لتخريش الأندوميتاسين.

و هذا يؤكد وجود عامل مضاد للتقرح ضمن مكونات العسل. هذا العامل قد يكون بسبب تغير نسبة الحموضة والقلوية في المحتوى المعدي: إما بمنع الإفراز الحامضي، أو بتنشيط آلية إفراز الفحمات الثنائية في المعدة.

و العسل علاج ممتاز للمصابين بالتلبكات المتنوعة في جهازهم الهضمي [عن كتاب (منتجات النحالة واستعمالاتها) 1976 - بالروسية] وخاصة العصبية المنشأ، أو بسبب اضطراب في إفراز العصارة المعدية وفي معالجة الانتانات المعوية وخاصة عند الأطفال. وبالنسبة لمعالجة الاضطرابات المعوية إن العسل يؤهب لزيادة عصارات الأمعاء وإلى زيادة قلويتها، كما أننا نحصل بتناول العسل على تنظيم جيد لحركة السبيل الهضمي وإفرازاته.



العسل والكبد:

تعمل السكاكر الأحادية في العسل على زيادة احتياطي الكبد من الغلوكوجين وتحسن الأفعال الاغتذائية في كافة نسج البدن، فتزيد من خاصية الكبد الدفاعية وفي تصفية السموم والذيفانات الجرثومية. كما يعتبر العسل اليوم العلاج الأمثل في أمراض الكبد وخاصة التهاب الكبد الانتاني _ مياسنيكوف، ستامبوليو، شيرم _ وخاصة بعد مزجه بقليل من غبار الطلع والغذاء الملكي. ويؤكد كوخ حسن تأثير العسل على وظائف الكبد عموماً وتنشيط استقلاب السكاكر فيه وذلك لوجود عامل نوعي في العسل دعاه بالعامل الغليكوتيلي.



الاستشفاء بالعسل في أمراض الأنف والأذن والحنجرة:

يمكن لأي مصاب بالنزلات الشعبية من كريب وأنفلونزا ورشح أن يعتمد على العسل كلياً من أجل الشفاء ويكفي لذلك تناول كوب من الحليب الدافئ أو الشاي أو عير الليمون محلى بملعقة كبيرة من العسل. ويؤكد شوفان تأثير العسل كمخفض للحرارة لوجود الحموض العضوية فيه. ويعالج التهاب اللوزتين المزمن بدهنها بالعسل مرتين في اليوم ولمدة من 1 - 2 أسبوع [عن مجلة أمراض الأنف والأذن والحنجرة السوفياتية العدد 3 لعام 1965] _ Gold , Yofa , Stolt _ ويفضل إجراء غرغرة بماء فاتر قبل الدهن.

و تعالج التهابات الطرق التنفسية العليا وضموراتها بالتبخيرات أو المستنشقات لبخار يحوي رذاذ العسل Inhalation حيث تعطي نتائج جيدة _ كيزل شتاين , بور كشيان , بايان _ حيث يستعمل محلول عسلي للإرذاذ _ بنسبة 20 - 30 % _. ويعالج [عن كتاب (مباحث في الطب النظري والعملي) روستوف: 1969 _ بالروسية] دوروشنكو التهاب الأنف النتن Ozaena بدكّ الأنف بفتائل قطنية مغمسة بالعسل، أو على قطرة لمحلوله الطازج _ 15 - 20 % _ مع البنزوكائين 2 % والديمدرول 1 % _ مضاد هستاميني _. كما يؤكد ملادينوف النتائج الحسنة لمعالجة التهابات الأنف الحادة المزمنة التهاب الحنجرة والبلعوم بالعسل. ويستخدم J. Riedel مستحضر البركوبين _ يتكون من محلول عسلي مصفى 20 % + بروكائين 2 % _ حقناً موضعياً لمعالجة المصابين بالتهاب ضمورية ومزمنة في الأنف والبلعوم حيث حصل على نسبة عالية من الشفاء بعد حقنتين أو ثلاث حقن فقط من البروكوبين _ تحقن تحت الغشاء المخاطي في الطرف الأنسي للجذع البلعومي الجانبي.

و لمعالجة التهاب الجيوب ينصح سيسيل تونزلي بمضغ ما يملأ الفم من قرص عسلي _ بشمعه _ خلال ربع ساعة وطرح ما يتبقى منه، وتكرر هذه العملية 4 - 6 مرات في اليوم، حيث يبدأ الانفتاح في المجرى الأنفي وتزول الآلام بسرعة مدهشة. أما شانتورف فيعالج التهاب الجيوب المزمن بإحدى طريقتين: إما ببزل الجيب الفكي ثم غسله بمصل غريزي ثم حقن العسل داخله _ مرة واحدة كل 3 أيام _ أو إدخال العسل بواسطة التشريد الكهربائي لمحاليله _ 10 - 20 % _ عن طريق الغشاء المخاطي لباطن الأنف _ وبمجموع 10 جلسات تشريد _. ويرى شانتورف أن التأثير العلاجي للعسل يمكن اعتباره تأثيراً معقداً تشترك فيه كل مكونات العسل من مواد مضادة للجراثيم وهرمونات وفيتامينات وسكاكر مركزة وعناصر مجهرية وسواها.

أما دوروشنكو فيعالج التهاب الجيوب الحاد والمزمن بإرذاذ محاليل العسل Aerosol _ 30 % _ أو بتطبيق محاليله بالتشريد الكهربائي بعد أن يضاف إليها مضاد هستاميني مناسب.

كما يعالج التهابات البلعوم والحنجرة الحادة والمزمنة بالمستنشقات العسلية، ودهن البلعوم بالعسل وإعطائه داخلياً لهم _ 100 غ يومياً _.



معالجة أمراض الفم بالعسل:

للعسل فائدة عظيمة في معالجة التقرحات المختلفة للأغشية المخاطية للفم، وفي معالجة القلاع ولتهاب الفم بتطبيقه صرفاً بعد الطعام _ 3 مرات يومياً _ أو بعد مزجه مع الغليسرين والبوراكس _فبدجس Dorland , Stedman , Osann _ ويوصي سينغ بدعك الأسنان بالعسل ممزوجاً مع مسحوق الفحم الطبي لتصبح بيضاء كالثلج. كما يوصي الدكتور ظافر العطار [عن مقالة (العسل كعلاج في طب الأسنان) دكتور ظافر العطار _ مجلة طبيبك , تشرين أول لعام 1982] باستعمال العسل كمادة منظفة فعالة في مداواة الأقنية السنيّة.

الاستشفاء بالعسل في مداواة الجهاز التنفسي:

إنّ الشراب المحضر من العسل يمتص الرطوبة ويهدئ السعال _ أبو قراط _. ويعتبره إيوريش علاجاً مساعداً لمعالجة السلّ الرئوي لأنه يزيد من مقاومة العضوية للانتان السلّي.

و تؤكد أبحاث ملادينوف وزايس وفيليبس: فائدة العسل لمعالجة الالتهابات القصبية والحنجرية البلعومية وفي معالجة السعال الديكي. ويعزو فرانكه وتربين فائدة العسل هنا لوجود الزيوت الطيارة التي تعمل على تنبيه القصبات وتقلصها إلى جانب تأثيره المضاد للجراثيم. وينصح كيزل شتاين بتطبيق العسل ارذاذاً على شكل حلالة هوائية لمعالجة آفات الرئتين والقصبات الالتهابية.

معالجة فقر الدم بالعسل:

تجمع الأبحاث الطبية كافة من تجريبية وسريرية _ Golomb إيوريش، خوتكينا، فراون فلدو _ على اعتبار عسل النحل من أهم العوامل فعالية في معالجة الأنواع المختلفة من فقر الدم Anemia فالأطباء _ من كل الاختصاصات _ الذين عالجوا مرضاهم بالعسل لاحظوا أثره الممتاز على زيادة الكريات الحمراء وارتفاع نسبة الخضاب في دماء أولئك المرضى

و لاحظ Palmes أن العسل الغامق أكثر فعالية في هذا المجال من العسل الفاتح وذلك لغنى الأول بالعناصر المعدنية وخاصة الحديدي والنحاس والمنغنيز. أما إيوريش فيعزو ذلك لاحتواء العسل على نسبة من حمض الفوليك تلعب دوراً أساسياً في التصنيع البروتيني ولا سيما في تكوين الدم.

الاستشفاء بالعسل في أمراض القلب:

[عن مقالة للدكتور محمد وليد القوتلي، مجلة حضارة الإسلام، تشرين أول لعام 1972]

يقدم العسل في آفات القلب المختلفة خدمة ثمينة لعضلة القلب الواهنة فهو يوسع الأوعية الإكليلية ويزيد من تروية العضلة القلبية. وإذا كان بالإمكان الحفاظ على تقلصات قلب الضفدع المعزول في محلول سكر العنب فإن هذه التقلصات القلبية تكون أشد قوة وأثر انتظاماً عند استخدام محلول العسل.

و يقبل العالم كوخ بوجود عامل نوعي خاص في العسل دعاه بعامل الغليكوتيل يقوم بتأمين استخدام أفضل السكاكر من قبل عضلة القلب وعضلات الجسم الأخرى. وفعالية هذا العامل تحسن الدورة الدموية الإكليلية وتعدل الضغط الدموي كما أن له فعلاً منظماً لخوارج الانقباض غير المنتظمة. أما ايريخ بوهم E. Bohm فيرى أن مشاركة مركبات الستروفانتين بالعسل أمر ضروري عند معالجة المرضى المصابين بالآفات القلبية الحادة والمزمنة. ويوصي ميتز Metz باستعمال محلول العسل الوريدي _ 20 % - مشركاً من الستروفانتين لمعالجة التهاب العضلة القلبية التسممية والقصور التاجي.

و يلخص شيمرت استطبابات المعالجة بالعسل في الحلالات التالية:

1. جميع حالات القصور التاجي ويشرك مع الديجيتالين في الحالات الخطرة.

2. التهاب عضلة القلب مع تغير النظم وخاصة التالي للدفتريا.

3. يعطى كعلاج مساعد عند إعطاء الهتروزيدات.

4. عقب العمليات الجراحية كمنعش قلبي.

و يعالج أوخوتسكي فرط التوتر الشرياني بإعطاء ملعقة كبيرة قبل كل طعام من مزيج من العسل والتوت البرّي، أما ملادينوف فيعالجه بملعقة متوسطة قبل الطعام بساعة من مزيج متساوٍ من العسل وعصير الفجل مضافاً إليه عصير ليمونة واحدة.

العسل وأمراض الكليتين:

إنّ للعسل قيمة علاجية كبرى في أمراض الكليتين. واقترحه كثير من المؤلفين كمادة أساسية في قوام الحمية عند المصابين بآفة كلوية. وشاركه البعض مع أدوية نباتية كثمار السويتبري _ 15 غ لكل نصف ليتر ماء _ وعصير الفجل _ 2 - 1 _ واقترح بعضهم مشاركته مع زيت الزيتون وعصير الليمون بنسب متساوية حيث تؤخذ ملعقة كبيرة من المزيج 3 مرات يومياً لطرح الرمال البولية.

و نظراً لأن العسل ينظم انتقال الشوارد والماء عبر الأغشية الحيوية ويساعد على ضبط التوازن الحلولي بين الدم والأنسجة فإنه يوصف بنجاح كمدر للبول عند المصابين بقصور القلب أو الكليتين وانحباس السوائل في البدن. هذا ويجب استعمال العسل في أمراض القلب والكلية تحت إشراف طبيب اختصاصي يحدد استطباباته ويحدد مشاركته مع الأدوية النوعية الأخرى.

الاستشفاء بالعسل في أمراض الجهاز العصبي:

تبين المشاهدات السريرية الحديثة أن محاليل سكر العنب المفرطة التوتر تعطي نتائج ممتازة في العديد من الأمراض العصبية، وما العسل إلاَّ محلولاً سكرياً مفرط التوتر علاوة على احتوائه على مواد أخرى فعالة. فقد بين بوغوليبوف وكيسيليفا التأثير الرائع للعسل لمعالجة داء الرقص Chorea. وطبق لوديانسكي [عن مجلة النحالة _ العدد 12 لعام 1976 _ موسكو] محاليل العسل بالتشريد الكهربائي _ بنسبة 10 % يوضع على كلا قطبي التشريد _ وذلك لمعالجة المصابين بالوهن العصبي _ توضع الأقطاب على منطقة الرقبة _ ز التهاب العظم والغضروف _ توضع الأقطاب على المنطقة قرب الفقارية _ في سلسلة علاجية من 10 - 15 جلسة.

كما ينصح بتطبيق كمادات مغمسة بمحاليل عسلية للمصابين بتناذرات ألمية _ التهاب عظم وغضروف، التهاب مفاصل متعدد،...._

و ينصح كل من إيوريش ولوديانسكي وتساندر وأولدفيلد بتناول محلول العسل في ماء دافئ _ كأس كبير من الماء محلى بملعقة كبيرة من العسل _ قبل النوم كمادة مهدئة ومضادة للأرق للمهتاجين والعصبيين والمنهكين.

و يعالج نوفوسلسكي المصابين باللمباجو Lumbago بحقن محلول العسل مع البركائين حيث أعطت نتائج باهرة [استعمل مستحضر MYO , melcaine الذي تنتجه شركة Woelm الألمانية ويتكون من 0.1 غ بروكائين محلولة في 10 سم 3 من محلول عسلي بنسبة 20 %] وكان يسميها (الطريقة السريعة لمعالجة اللمباجو). وكان يحقن مستحضر الميوملكائين العسلي موضعياً في منطقة الألم حقنة واحدة كل يوم أو يومين ويتبع الحقن تدفئة المنطقة بالقوس الكهربائية لمدة 15 - 30 دقيقة، ويحتاج الأمر للشفاء من 3 - 6 حقن حسب شدة الإصابة. وقد عالج الدكتور أمين الرويحة بهذا المستحضر بنجاح حالات معندة من عرق الأنسر _ التهاب العصب الوركي _ كما أكد فائدته لمعالجة اللمباجو.

الاستشفاء بالعسل في الأمراض العقلية:

تؤكد الأبحاث السريرية التي أجراها برونو أن الأنسجة تستعمل محاليل العسل بشكل يفوق استعمالها لسكر العنب ولو تساوت الكثافة بينهما وهذا مهم جداً للمعنيين بالأمراض العقلية. ويؤكد كولومباتي أن الاستيقاظ والتنبه من الاستغراق بشكل سريع بفعل محلول العسل إنما هو نتيجة للتمثل الأفضل على مستوى الجملة العصبية المركزية. وقد أجريت الاختبارات بحقن محلول عسلي بنسبة 40 % مجهز للحقن الوريدي وخضع للاختبار مصابون بآفات مختلفة منها خناق الصدر والصرع البطني ومصابون بالوهن العصبي والوسواس، والهوس النفسي الهمودي _ الكآبة _، كما تم معالجة حالات فصامية من ازدواج الشخصية. ويخلص برونو بتزي بنتيجة دراسته إلى النتائج التالية:

1. إن المصابين بالأمراض العقلية يعانون من أوضاع معقدة، وإن المعالجة بالصدمات والمنومات لا تزيل كل الأعراض بل يتطلب كل مريض معالجات إضافية تناسب حالته...

2. ومن المؤكد أن إعطاء محاليل سكر العنب مع الفيتامينات أدى إلى نتائج جيدة في عدد من هذه الاضطربات. أما اليوم فإن محلول العسل المحقون وريدياً يشكل تتويجاً واتقاناً لهذه الصيغة الطبية...

3. يؤكد كولومباتي المفعول السريع لهذه الحقن للحصول على اليقظة من السبات وبالنتائج القيمة لهذه المعالجة، وأن الأعراض الصدرية - القلبية والهياج العصبي وبعد الاضطربات المتبقية بعد المعالجات العقلية المتعددة تجد لها بحقن محاليل العسل طريقة مفيدة للاستعمال في هذا الميدان.

و يعالج مارتنس لارس المخمورين بإعطائهم 125 غ من العسل حيث يصحو المريض بعد نصف ساعة ويبدو على ما يرام دون عواقب مزعجة وتؤكد كالافيني وبرونوبتزي [يستعمل الطبيبان المذكوران حقت محلول العسل المصفى _ 40 % _ والمجهز للحقن الوريدي من إنتاج شركة ألفا الإيطالية] النتائج الرائعة للعسل في معالجة الانسمام الغولي الحاد والاعتياد الغولي والمورفيني المزمنين، ,هذا تابع لعدة عوامل منها الهدم السريع الكيميائي للغول بواسطة سكر الفواكه وتأثير مجموعة الفيتامين " ب " التي تؤكسد الفضلات الغولية وتمنع احتراقها.

الاستشفاء بالعسل بالأمراض النسائية:

تعنو أقياء الحمل المعندة بنجاح للمعالجة بحقن محلول الملكائين العسلي [الملكائين مستحضر لمعمل I. C. N. Woelm حقناً بطيئاً للغاية في وريد المريضة وهي مضجعة. وقد حصل الشفاء في معظم الحالات المعالجة بعد الحقنة الثانية أو الثالثة _ هيرمن غينسل _

أما الدكتور منك Mink فقد عالج أقياء الحمل بنجاح بحقن مستحضر Impletol العسلي في جانبي الرباط العريض _ على جانبي عنق الرحم وفي الرباطين الرحميين العجزيين _

و من أجل الولادة بدون ألم كان برونو يستعمل الحقن الوريدية العسلية 40 %، ويفسر ذلك بأن العسل يساعد الألياف الرحمية على القيام بالتقلصات اللازمة بسهولة.

و يعتبر العسل مادة قاتلة للدويبات المشعرة Trichomonas ومن أجل هذا فقد عالج كل من تومينغ - رينتام وجورافليفا المصابات بالتهاب المهبل بهذا الطفيلي بدهن المهبل وعنق الرحم عندهن بالعسل لمدة 6 أيام على التوالي، وقد دلّ الفحص المخبري على انعدام وجود الدويبات وكل الجراثيم من مفرزات المهبل اعتباراً من اليوم الثالث للمعالجة وفي الحالات الحادة يجب تحضير المريضة قبل تطبيق العسل بإجراء غسولات بمغلي البابونج حتى تخمد الأعراض الحادة ثم نبدأ بتطبيق العسل.

أما الدكتور ش. رونهوف Rhonhof فقد طبق العسل في معالجة حالات معندة من الحكة الفرجية بالخاصة عند نساء مسنّات كنَّ يشكين من حكة مضنية رافقها ضمور في الفرج لم تفلح فيها كل العلاجات المعروفة وحصل على نتائج ممتازة ثبت له فيها الأثر المهدئ للعسل على حس الحكة.

كما نجح بولمان بجدارة في الإسراع بشفاء الجروح عقب عملية استئصال الفرج بتطبيق العسل كضماد يغير يومياً وكيف استطاع أن يغير من إنذار تلك العمليات وسيرها بواسطة العسل، كما قام كل من كافانا وبيزلي بدراسة عن خواص العسل العلاجية حيث طبقا العسل الصافي عند 12 مريضة أصبن بتهتك في جرح العملية عقب استئصال سرطان الفرج، وكان العسل يصب مرتين كل يوم على الجرح ثم يغطى بالشاش دون ضغط. وقد اكد المؤلفان فضل العسل على كثير من المراهم الأخرى نظراً للسرعة التي يتم بها ترميم تلك الجروح.

العسل والالتهابات البولية:

إن التهاب الاحليل بالدويبات المشعرة Trichomonas يعنو بنجاح للمعالجة بالعسل _ خوبلاروف، لوره، شكليار Shkliar _ حيث يحقن موضعياً في الاحليل محلول العسل 50 % ممدداً بمحلول النوفوكائين 0.5 %، يبقى ضمن الاحليل لمدة 3 دقائق ويمنع من التبول بعدها لمدة 3 ساعات وتكرر لمدة 4 - 5 أيام. وإن المعالجة الموضعية بالعسل لا يجوز أن تبدأ في الحالات الحادة إلا بعد خمود الأعراض الحادة بإعطاء المضادات الحيوية لمعالجة الانتان المرافق. كما يمكن إشراكها مع المعالجات العامة والمناعية في الحالات المعندة حيث تعطى نتائج طيبة. وطبق كابلون Kaplun المحلول العسلي المذكور لمعالجة التهاب المثانة الحاد بحقنة ضمنها عن طريق الاحليل إلا أنه يرى أن نسبة العسل 33 % تكون كافية للشفاء وأعطت نتائج ممتازة.

و تحت إشراف الدكتور فاهم عبد الرحيم تمَّت معالجة 40 مصاباً بتقرحات مزمنة في المثانة بسبب البلهارسيا وذلك بإعطاء المريض ملعقة كبيرة يومياً، حيث زالت الحرقة بعد أسبوعين عند 44 % من الحالات وتراجعت البيلة الدموية واختفت التقرحات في 56 % من

الحالات [عن كتاب (الطب النبوي في ضوء العلم الحديث) للدكتور غياث الأحمد].

حقن العسل عقب العمليات الجراحية:

أثبتت تجارب شفا يفرز أن إعطاء المصول الملحية بشكل روتيني بعد كل عمل جراحي قد يؤدي إلى توذم الأنسجة مما يسيء إلى نتائج العملية ولذا فقد لجأ العلماء إلى استعمال المصول السكرية معادلة التوتر فهي تعوض عن نقص السوائل وتؤمن للجسم حاجته من الغلوكوجين والتي ثبت أن مقدارها يقل بعد العمليات الجراحية الكبيرة. ونظراً لأن بناء الغلوكوجين في الكبد _ كما أثبت كوخ _ يزيد 68 % بالنسبة للعسل عنه نسبة لسكر العنب فقد طبق بنجاح حقن المحاليل العسلية المعادلة التوتر بعد العمليات الجراحية وخاصة المجراة على الطرق الصفراوية، وأكد أن ميزاتها تفوق أي علاج آخر بدرجة كبيرة حيث تتحسن الحالة العامة للمرضى بشكل سريع ومدهش.

و يؤكد إيوريش هذه النتائج الحسنة لحقن العسل عقب العمليات الجراحية كما انه ينصح كافة المرضى المبضوعين والقادرين على تناول طعامهم الإكثار من تناول العسل على شكل محاليل دافئة، كما يعتبر المحاليل العسلية العلاج الأمثل عقب العمليات المجراة على الفكين حيث لا يستطيع المرضى مضغ الطعام لفترة طويلة. فهو غذاء ودواء يبقي جوف الفم بحالة عقيمة تمنع الانتان الثانوي وتساعد على ترميم الجراح.

و يطبق أوخوتسكي العسل على شكل كمادات موضعية لمعالجة دوالي الساقين والتهابات الوريد الخثرية، حيث تغمس قطع الشاش بمحلول عسلي _ 10 - 20 % _ وتطبق فوق مكان الإصابة ويمكن أن تشرك بالتشريد الكهربائي لذلك المحلول. أما البواسير فيعالجها بالدهن بالعسل مباشرة وصرفاً مشركاً مع إعطائه للمريض داخلاً.

و في الختام وبعدما شاهدنا نجاح المعالجة بالعسل في مجالات كثيرة مع تواصل البحث عن مجالات أخرى، فإنه يحق لنا أن نذكر بالإعجاز القرآني الذي جاء عن العسل والذي وصفته آية النحل بأنه {فيه شفاء للناس} وصدق الله العظيم.



مراجع البحث

1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

3. أمين رويحة: عن مقالة (حقن العسل في المعالجة السريعة للروماتيزم) مجلة دنيا العلم، بيروت.

4. صادق فرعون: عن مقالة (المعالجة بالعسل في الأمراض النسائية) مجلة طبيبك _ تشرين أول: 1971.

5. ظافر العطار: عن مقالة (العسل كعلاج في طب الأسنان) مجلة طبيبك _ تشرين أول: 1982.

6. محمد أسامة القوتلي وظافر العطار: عن مقالة (عسل النحل وأثره الشافي في الحروق) مجلة عالم الطب والصيدلة _ تشرين أول: 1987.

7. محمد أسامة القوتلي وظافر العطار: عن مقالة (معالجة التقرحات التوسدية بالعسل) مجلة عالم الطب والصيدلة _ شباط: 1986.

8. عبد الكريم نجيب خطيب: عن كتابه (عسل النحل شفاء نزل به الوحي) جدة: 1974.

9. محمد نزار الدقر: عن كتابه (العسل فيه شفاء للناس) الطبعة 3 _ 1992.

10. غياث حسن الأحمد: عن كتابه (الطب النبوي في ضوء العلم الحديث) الجزء 1 دار المعاجم دمشق: 1993.

11. إيوريش: عن كتابه (النحل والطب) بالروسية، طشقند: 1974.

12. ملادنيوف: عن كتابه (العسل والمعالجة بالعسل) بالروسية، صوفيا: 1971.

13. أوخوتسكي: عن مقالة (العسل ينبوع الصحة) موسكو، مجلة النحالة، العدد 7 لعام 1977.

14. لوديانسكي: عن مقالة (العسل في مداواة الأمراض العصبية) موسكو، مجلة النحالة العدد 12 لعام 1976.

15. Beak and Smedley: " Hony and your health " New-York , 1971.

16. Crane Eva " Hony" Bee Briit. Assisition, London , 1975

17. Haffe jee and Moosa: " Brit. Med. journal , june 1985.

18. Ioyrish N. " Bees and People "Mir Pub. Moscow , 1974.

19. Tonsley C. " Hony for health" Tanden. London , 1969.

20. Berlando: "Giornale le Italiano: Dermat. Minerva , Oct. 1978.

21. Chauvin R. " Traite de Biologie de l Abeille " 1968.

22. Caillas A: "les3 Aliments miracles , le miel, le Pollen , le gel Royale 22. Kilian , Topiash: " Deut. Z. F. verd , U. vol. 13 , Stoffwech selk , leipzing 1953.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:31 AM
وجنات من أعناب



قال تعالى: {فأنبتنا فيها حبّاً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً} [سورة عبس: 28].

و قال تعالى: {و من النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجناتٍ من أعناب} [سورة الأنعام: 99]. وقال تعالى: {ينبتٌ لكم به الزرعَ والزيتونَ والنخيلَ والأعناب} [سورة النحل: 11].

و قال تعالى: {و في الأرض قطعٌ متجاوراتٌ ز جناتٌ من أعناب} [سورة الرعد: 4]

و قال تعالى: {و جعلنا فيها جناتٍ من نخيلٍ وأعناب} [سورة يس: 34].

وقال تعالى: {إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً} [سورة النبأ: 32].

ذكر الله سبحانه وتعالى العنب، في أحد عشر موضعاً من كتابه الكريم، وذلك في معرض تعداده للنعم التي أنعم الله وامتن على عباده بها، سواء في هذه الدار أو في جنة الخلد التي وعد المتقون.

قال ابن القيم: عن العنب: أنه من أفضل الفواكه وأكثرها منافع. هو فاكهة من الفواكه، وقوت مع الأقوات ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة. ومنفعته: يسهل الطبع ويسمن ويغذو جيده غذاءً حسناً _ ومجففه الزبيب _ وأجود الزبيب ما كبر جسمه وسمن شحمه ولحمه ورق قشره، وهو يغذي غذاءً صالحاً. وإذا أكل منه بعجمه كان أكثر نفعاً للمعدة والكبد والطحال. وإذا ألصق لحمه على الأظافير المتحركة أسرع قلعها وهو يخصب الكبد، ونافع من وجع الحلق والصدر والرئة والكلى والمثانة ...

أما ابن البيطار فيقول عن العنب أنه: أجوده الكبار الرقيق القشر، القليل البذر، والأحمر أعدل وهو أشهى الفاكهة وأجودها غذاء يسمن سمناً عظيماً، يصلح الهزال ويصفي الدم وهو جيد للمعدة، ينهض الشهوة ويصلح للمرضى ويقوي القلب. والحصرم غض العنب ومن فوائده أنه: نافع لنفث الدم العارض وشرابه قابض، مقوٍ للمعدة، نافع لمن عسر هضمه للطعام ولمن به قولنج. ويستعان بشراب الحصرم على تلطيف الحرارة وقطع العطش وتليين البطن.

و العنب Grapes شجيرات من الفصيلة الكرمية تدعى بالدوالي، لها أنواع مختلفة الثمار وهو فاكهة قديمة قدم الإنسان نفسه. ومن الثابت أن العنب أكثر الفواكه فائدة على الإطلاق فله دوره الفعال في بناء خلايا الجسم وترميم أنسجته وتقويته، وفي علاج العديد من أمراضه كما أن له قدرة خاصة على وقاية الإنسان من العديد من العلل والأمراض.

و تختلف نسبة المواد التي يتركب منها العنب حسب نوعه، والتربة التي ينمو فيها، كما أن سكاكره تزداد فيه كلما صار أكثر نضجاً. ويشكل الماء وسطياً 82 % من وزنه، والبروتينات 8 % والدهون 4 % والسكاكر 17 % وتعتبر السكاكر المواد الأساسية في العنب وأوفرها فيه سكر العنب السهل التمثل، وسكر الفواكه Fruetose، ثم سكر قصب. ولها قيمة خاصة في العنب لارتباطها فيه مع مواد أخرى كالفيتامينات " ب 1 " و" ب 2 " التي تساعد على تغذية الأنسجة. والعنب أغنى الفواكه بالفيتامينات وخاصة " أ " و" ب " و" ج " وحمض النيكوتين، كما أنه غني بالأملاح المعدنية وخاصة الحديد والكلس والبوتاسيوم وفيه نسب من الصود والمغنزيوم والسيليس والفوسفور والعفص، ويذكر بعض المؤلفين احتواءه على اليود.

فالعنب الناضج إذن غذاء ممتاز، سريع الهضم جداً [يحتوي كل 1 كغ عنب على 6 كغ من ثاني كربونات الصوديوم] أما قبل أن ينضج _ الحصرم _ فقليل الغذاء ويحضر منه شراب

كشراب الليمون،, عصير كعصيره، ويقال أن شراب الحصرم يفيد في إزالة السمنة.

و إذا كان يؤكل طازجاً في أواخر الصيف والخريف. فيمكن أكل مجففه _ الزبيب _ طوال فصل الشتاء. والزبيب يحتفظ بأكثر خواص العنب الطازج وخاصة فيتاميناته وأملاحه المعدنية وأجود الزبيب ما صنع من عنب كثير الشحم رقيق القشرة قليل البذور.

يوصف العنب لمعالجة الإمساك وسوء الهضم فهو يلين الأمعاء ويقلل الاختمارات فيها. وهو مدر للبول وينفع لمعالجة أمراض الكلى والحصاة البولية والصفراوية. وهو يزيد من خاصية الجسم لاختزان المواد الدهنية والبروتينية وبهذه الخاصية يزيد من مقاومة الجسم للأمراض وخاصة المسلولين ويعين على الشفاء. وهو منشط لوظائف الكبد مما يجعله مدراً للصفراء ويعالج المصابين بالتسمم المزمن بالزئبق والرصاص، وطارد للسموم من البدن. كما أنه مفيد للمصابين بالنقرس والثية _ الروماتيزم _ وينصح بتناوله المصابون بفقر الدم والعصبين وناقصي الكلس والناقهين.

و يؤكد جان فالنيه S. Valnet أن العنب منشط للعضلات والأعصاب، نافع في زيادة وزن المهزولين ويصفه كعلاج في كثير من الأمراض، حيث يؤكل وحده خلال أيام وبمقدار 1 - 2 كغ يومياً. ولقد لفت ماكفادن [عن قاموس الغذاء والتداوي بالنبات لأحمد قدامة] الأنظار إلى أن الإصابة بالسرطان تكاد تكون معدومة في المناطق التي يكثر فيها إنتاج العنب مما يشير إلى أن للعنب أثراً واقياً من السرطان.

و للعنب أنواع كثيرة كلها مفيدة. وكل ما ثماره نافع من القشرة إلى البذور. فمن قشور العنب تستخلص مواد لتنظيف الأمعاء كالعفص والحوامض الحرة. وليس من حرج على الإنسان من الإكثار من العنب إلا أن تكون أمعاءه مصابة بالالتهاب. ومن بذوره يستخرج زيت غني بالحوامض الدسمة غير المشبعة وفيه كمية من الفيتامين (هـ: H) ويدرس اليوم موضوع الاستفادة من هذا الزيت عند المصابين بالعلل القلبية وارتفاع الضغط وزيادة كولسترول الدم.

و لعصير العنب فوائد جمة وخاصة عندما يعصر مع بذوره،و يشترط أن يتناول العصير بسرعة لأنه سريع التخمر ويعطى علاجاً شافياً للمتسممين والناقهين ولإذابة الحصى والرمال الكلوية. ويؤكد د. ناروتسكي فائدة العصير ضد السعال وفي آفات الرئة. كما أنه مرطب وملين ومنشط للكبد.

و يحتوي العصير على كمية من الحموض العضوية التي تصلح فساد البدن وحموضة الدم والأحماض الضارة الناشئة عن الهضم وذلك بما تنقلب إليه من أملاح قلوية. وهو غني بمركبات الحديد التي تدخل في تكوين الدم ومركبات الكلس التي تقوي العظام والأسنان. وأخيراً فهناك الزبيب فهو منشط للعضوية ومقوٍ جيد لها



مراجع البحث

ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

ضياء الدين بن البيطار: عن كتابه (تحفة ابن البيطار في العلاج بالأعشاب والنبات).

صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.

أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.

هيفاء هرملاني:عن كتابها (العلاج بالفاكهة والخضار) بيروت: 1991.

محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1990.

السيد الجميلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) 1982.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:31 AM
القثّاء Snak Cuncumber



عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثّاء بالرطب، [رواه البخاري ومسلم. ورواه الترمذي عن عبد الله بن جعفر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثّاء بالرطب.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: عالجتني أمي بكل شيء فلم أسمن، فأطعمتني القثّاء والرطب فسمنت كأحسن السمن، وفي رواية: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبواي أن يطعماني القثّاء والرطب فسمنت، [أخرجه أبو داود وابن ماجة، قال الأرناؤوط حديث صحيح].

و عن الربيع بن معوذ أن النبي الله صلى الله عليه وسلم كان يحب القثّاء. [رواه الطبري في الكبير وحسنه السيوطي].

قال ابن القيم: القثّاء بارد رطب مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة، بطيء الفساد فيها، نافع من وجع المثانة بزره مدر للبول. وهو بطيء الانحدار من المعدة فينبغي أن يؤكل معه ما يصلحه ويكسر برودته ورطوبته وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ أكله بالرطب.

و زاد البغدادي قوله: القثّاء بارد رطب أفضله النضيج، يسكن الحرارة، مدر للبول، وهو أخف من الخيار.

و القثّاء نبات عشبي حولي مداد من الفصيلة القرعية، يعرف في ديار الشام بالقتي _ بالإمالة _ والمقتي، ومن فصيلتها الخيار والعجور. أول من عرفها الفراعنة واستعملوا بذورها لإدرار الحليب والبول وزيادة القوة الجنسية، ومن مصر انتشرت زراعتها في حوض البحر الأبيض المتوسط وهي تؤكل نيئة وتدخل في صنع السلطات والمخللات كتابل ومشه.

و في الطب الحديث وصفت القثّاء بأنها ملينة خفيفة، مرطبة ومنظفة للدم، توصف لإذابة الحامض البولي Acide Urique وأملاحه،و هي مدرة للبول ومنومة. تفيد كخافض للحرارة ومضاد للتسمم والمغص المعوي وتهيج الأمعاء. ونافعة ضد زيادة الصفراء ونزيف الدم والصرع ومذيبة للحصى.

و من الخارج يفيد عصيرها دهناً لمعالجة الحكة والقوباء وللعناية بالجلد حيث يمكن أن توضع قشورها على شكل رقائق على الوجه لمكافحة تغضن بشرة الوجه، ولمعالجة النمش والكلف _ يفيد مزيج عصيرها مع الحليب النيئ.

مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. الإمام السيوطي: عن كتابه (الجامع الصغير).

3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

4. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة) تحقيق القلعجي: 1988

5. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.

6. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) دمشق: 1988.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:32 AM
وعليكم بالقسط



عن انس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تعذبوا صبيانكم بالغمز وعليكم بالقسط " [رواه البخاري].و عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيّما امرأة أصاب ولدها عُذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطاً فتحكه بماء ثم تسعطه إيّاه " [رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجّام أجره واستعَطَّ. [رواه البخاري ومسلم] وعن ابن عباس أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ خير ما تداويتم به السُّعوط " [رواه الترمذي]

و قد روى الشيخان عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها وعندها صبي يسيل منخريه فقال: ما هذا؟ فقالت: إنه العذرة. فقال: ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها العذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطاً هندياً فلتحكه ثم يسعط به، فأمرت عائشة فصنعت به فبرئ. وقد روى البخاري أن أم قيس بنت محصن الأسدية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها قد أعلقت عليه من العذرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق؟ عليكن بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب، يريد الكُست...

و في رواية أخرى للبخاري عن أم قيس بنت محصن أنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " عليكم بهذا العود الهندي فإنّ فيه سبعة أشفية: يستعط به من العذرة ويُلَدُّ به من ذات الجنب ".

قال ابن حجر: والسعوط ما يُجعل في الأنف مما يتداوى به وقوله " استعطّ " أي استعمل السعوط وهو أن يستلقي على ظهره ويجعل ما بين كتفيه يرفعهما لينحدر رأسه ويقطر في أنفه ماءً أو دهناً فيه دواء _ ينطبق القول على أيّ قطرة _ ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه _ المقصود بلعومه الخلفي _ لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس.

و العُذرة _ بضم العين _ وجع في الحلق يهيج من الدم وتسميها العامة ببنات الأذن. وهذا التفسير يوافق في الطب أمراض الحلق التي تترافق باحتقان دموي سواء أكان التهاب لوزات أو التهاب لهاة أم التهاب بلعوم. وكان نساء المدينة وما يزال نساؤنا حتى اليوم يلجأن إلى معالجة العذرة بالإصبع أو غمز الحلق بها. والإعلاق الدغر أيضاً في اللغة تعني غمز العذرة بالإصبع. وقد يلجأن إلى إدخال فتيل من خرقة في أنف المريض فيطعن به البلعوم الأنفي فينفجر منه دم ويقال عذرت المرأة الصبي إذا غمزت أو أعلقت أو دغرت حَلقَهُ من العذرة.

و من توجيهات النبي الكريم في هذا المجال أنه نّبه إلى وجوب تجنب الخطأ في بعض المعالجات الشعبية والتي لا تستند إلى أساس علمي فنهى النساء عن مثل هذه المعالجة والمؤذية أحياناً مقدماً لهن العلاج الأمثل في هذه الحالة وهو القسط.

قوله " ويُلَد به من ذات الجنب " يعني يسقاه في أحد شقي فمه وهو تنبيه إلى طريقة لسقي المريض دواءه عندما لا يتمكن من الجلوس أو من تناوله بيده أو عندما يثير ذلك ألماً شديداً لديه، واللدود ما يسقى الإنسان في أحد شقي الفم، أُخذ من لديدَي الوادي وهما جنباه، واللُّدود _ بضم اللام _ الفعل. فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير ما تداويتم به اللدود والسعوط والحجامة والمشيّ " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب]. وروى زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد].

و لقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة القسط مع الشب اليماني وزر الورد، وسقوط اللهاة هو ضخامتها المتأتية عن التهابها.

و قال الموفق البغدادي: وذات الجنب قسمان: حقيقي وهو ورم حاد يعرض في الغشاء

المستبطن للأعضاء، وغير الحقيقي وهو ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات، إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس. وقال الدكتور القلعجي معلقاً: تنطبق هذه العلامات على التهاب الغشاء المبطن للرئة Pleurisy الذي يترافق بألم حاد شديد يتفاقم مع التنفس العميق أو السعال بالإضافة إلى سعال جاف وارتفاع حرارة وإنهاك القوى العامة وقد يتجمع في الغشاء سوائل في بعض الحالات. ويرى النسيمي أن ذات الجنب الواردة في الأحاديث هي الألم الجانبي الناتج غالباً عن البرد أو الرثية _ الروماتيزم _

و ذكر ابن الكحال ابن طرخان طريقة المعالجة بالقسط للألم الجانبي فقال: يُدقُّ القسط ناعماً ويخلط بالزيت المسخن دون غلي أو قلي ويدلك به مكان الألم، ويلعق.

أما ابن القيم فقد أكد هذا المعنى بقوله: والعلاج الموجود في الحديث عن آفة في الصدر تنجم عن ريح غليظة فإن القسط البحري إذا دُقَّ ناعماً وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الريح المذكور أو لُعق كان دواءً موافقاً لذلك نافعاً له محللاً لمادته مذهباً لها، مقوياً للأعضاء الباطنة.

قوله صلى الله عليه وسلم: " فإن فيه سبعة أشفية " قال البخاري: قال الراوي: فسمعت الزهري يقول: بّين لنا اثنتين ولم يبين لنا خمسة. وقال ابن حجر: كذا وقع الاختصار في الحديث عن السبعة على اثنين، فإما أن يكون ذكر السبعة فاختصره الراوي أو اقتصر على الاثنين لوجودهما حينئذ دون غيرهما. وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول ويقتل ديدان الأمعاء ويدفع السُّم وحمى الربع والورد ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع ويذهب الكلف طلاءً.

و عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري " [رواه البخاري ومسلم والإمام مالك في موطئه وأخرجه الإمام أحمد في المسند]. قال الموفق البغدادي: وفي جمعه صلى الله عليه وسلم بين الحجامة والقسط سرٌّ لطيف وهون أنه إذا طُلي به شرط الحجامة لم يتخلف في الجلد أثر المشاريط وهذا من غرائب الطب فإن هذه الآثار إذا نبتت في الجلد قد يتوهم من رآها أنها بهق أو برق والطباع تنفر من هذه الآثار. فحيث علم ذلك مع الحجامة ما يؤمن من ذلك. والقسط قد جعله النبي صلى الله عليه وسلم أمثل ما يتداوى به لكثرة منافعه، ينفع الفالج ويحرك الباه وهو ترياق لسمّ الأفاعي، واشتمامه على الزكام يذهبه ودهنه ينفع وجع الظهر.

قال ابن حجر: ويحتمل أن تكون السبعة أصول التداوي بها لأنها إما طلاءٌ أو شربٌ أو تكميدٌ أو تقطيرٌ أو تبخيرٌ أو سعوطٌ أو لدود. فالطلاء يدخل في المراهم ويحل يالزيت ويلطخ، ,كذا التكميد. والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء وغيرها. وكذا التقطير والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف والدهن والتبخير واضح. وتحت كل واحدة من السبعة منافع لأدواء مختلفة ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم.

و لكن... ما هو القسط Costus؟

ذكر المرشد إلى المصادر العالمية للنباتات النافعة [صدر بالروسية وألفه العالمان: فول ومالييفا - موسكو: 1952] أن للقسط أنواعاً كثيرة، وأكدّ على المنافع الطبية لثلاثة أنواع:

القسط الجميل Costus Speciosus:

و هو المسمى أيضاً بالقسط العربي Costus Arabicus وهو ينتشر تلقائياً في جنوب شرقي آسيا من جبال هيمالايا وحتى سيلان وفي الهند الصينية والفليبين وتايوان. ويزرع في الهند وأندونيسيا وتؤكل سوقه الحاوية على 24 % من تركيبها على النشاء. ويستعمل علاجياً في آفات الصدر والسعال والربو.

القسط الإفريقي Costus Afrri:

و يسميه الإنكليز Ginger Lily وهو منتشر في إفريقيا الاستوائية، تستخدم جذوره لتحضير عجينة لصنع الورق. أما طبياً فيستعمل مسحوق سوقه لمعالجة السعال. أما الصبغة المحضرة من جذوره فتدخل في عداد تركيبة دوائية من داء النوم. وتطبق أوراقه المسلوقة موضعياً لمعالجة الرثية، أما الجذور المسلوقة فتفيد موضعياً لشفاء التقرحات الجلدية.



القسط الموبّر Costus Villosissimus:

و من أسمائه Costus Spicatus , Costus Spetimus. وينتشر في كولمبيا وأمريكا الاستوائية وخاصة في البيرو وغويانا ويستعمل طبياً لعلاج النزلات الشعبية وخاصة المعوية منها وفي حمىّ التيفوس.

و في كتاب النباتات النافعة في غرب أفريقيا أشار J. Dolziel فقط إلى القسط الإفريقي وأكد فائدته كدواء للسعال حيث يؤخذ مغلي سوقه أو مدقوق ثمرته أو تعلك سوقه طازجة وقد يستعمل مغلي جذوره لنفس الغرض. كما تطبق أوراقه المسلوقة كمادة محمّرة لمعالجة الآلام الرثوية. ويشير إلى ما يعتقده سكان سيراليون وساحل الذهب وغيرها حول القدسية لهذه المادة العلاجية عندهم.

و خلاصة ما كتبه شراح الحديث أن نبات القسط _ الموصوف في السنة _ نبات يعيش في الهند وخاصة كشمير وفي الصين، وتستعمل قشور جذوره التي قد تكون بيضاء أو سوداء، وكان التجار العرب يجلبونها إلى الجزيرة العربية عن طريق البحر لذا سميت بالقسط البحري. كما كان يسمى بالقسط الهندي. وقد يُدعى الأبيض بالقسط البحري وز الأسود بالقسط الهندي الذي يتخذ في البخور وله نفس الاسم مع أنهما نباتان مختلفان. وقال البخاري تحت باب السعوط الهندي أو البحري، وهو الكُست _ بالقاف والكاف _ مثل كافور وقافور وكشطت وقشطت.

قال ابن القيم: القسط نوعان: أبيض يقال له البحري وأسود هو الهندي وهو أشدهما حرارة والأبيض ألينهما ومنافعهما كثيرة: ينشفان البلغم، قاطعان للزكام، وإذا شربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة وقطعا وجع الجنب ونفعا من السموم وإذا طلي الوجه بمعجونه مع الماء والعسل قلع الكلف.

أما الدكتور أحمد الرشيدي [عن كتابه (عمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج)] فقد ذكر أن للقسط نحواً من 15 صنفاً وأن الأصلي منه هو القسط الجميل C. Speciosus ومأواه الهند، ومن أنواعه القسط العربي. وذكر أن ابن سينا نقل عن ديسقوريدس بأن للقسط ثلاثة أنواع: صنف أبيض خفيف عطري هو القسط العربي أو البحري،و صنف أسود خفيف غليظ قليل العطرية هو الهندي، وصنف ثالث ثقيل يشبه خشب البقس، رائحته ساطعة هو القسط الشامي.

و ينقل عن الدكتور ميره قوله أننا إذا أجرينا على كلام المؤلفين نسبنا الجذر الذي يسمى عندنا الآن بالقسط العربي للقسط الجميل وهو أبيض فطري مائي عذب الطعم يقرب قليلاً لرائحة الزنجبيل،, هذا يوافق ما يسمى بالقسط الحلو Costus Duleis.

و يرى الدكتور النسيمي أن القسط الأبيض المر الذي يكون بلون البقس والذي يكثر في بلاد الشام والمسمى لذلك بالقسط الشامي والذي يعرف أيضاً بـ الرندة ليس هو القسط الذي وصفه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وليس له فائدة القسط الهندي أو البحري.

أما قسط أظفار فهو نوع من الطيب غير القسط الذي نتداوى به، وقد ورد ذكره في صحيح البخاري عن حفصة عن أم عطية قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس مصبوغاً إلا ثوب عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كُست أظفار.

و ذكر ابن حجر في تعليقه على حديث القسط البحري: وهو محمول على أنه وصف لكلٍ ما يلائمه، فحيث وصف الهندي كانت الحاجة إلى معالجة أشدَّ حرارة، وحيث وصف البحري كان دون ذلك في الحرارة.

و حيث لم نجد أبحاثاً حديثة تكشف أسرار هذه المادة العلاجية النبوية الذي دعانا للتداوي بها من لا ينطق عن الهوى فإننا نحث همم الباحثين من علمائنا وأطبائنا على دراسة هذه النبتة ومعرفة خواصها الدوائية واستطباباتها السريرية في مختلف المجالات.



مراجع البحث

1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) الطبعة 3 _ ج 3.

4. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة) تحقيق عبد المعطي القلعجي

5. أحمد يوسف التيفاشي: عن كتابه (الشفا في الطب) تحقيق عبد المعطي القلعجي.

6. فول ومالييفا: عن كتابهما (المرشد إلى المصادر العالمية للنباتات النافعة) صدر في موسكو بالروسية: 1952.

7. داليزييل: عن كتابه (The useful Plants of West Tropical Africa) صدر في لبنان: 1937.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:33 AM
كان مزاجها كافوراً



يصف سبحانه وتعالى شراب أهل الجنة التي أعدّ لعباده المتقين فيقول: {و يسقون فيها كأساً كان مزاجها كافوراً} [سورة الدهر: الآية 5]. قال القرطبي: يشربون من كأس أي من إناء فيه الشراب، قال ابن العباس: يريد الخمر. والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب وإذا لم يكن فيه شراب لم يُسَمَّ كأساً {كان مزاجها} أي شوبها وخلطها {كافورا} عن قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك، قال مجاهد وقال عكرمة {مزاجها} طعمها. وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها،و قال ابن كيسان: طُيّبت بالمسك والكافور والزنجبيل / 1. هـ.

عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو شيئاً من كافور... [رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأبو داود].

قال الموفق البغدادي: الكافور ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الميت، يقطع الرعاف ويقوي الحواس ويقطع الباه، وشُّمه يسُهر والشربة منه وزن شعيرة تقطع الإسهال / 1. هـ.

و يعرّف أبو قاسم الغساني الملقب بالوزير الكافور بأنه لثي _ حليب _ شجرة الفوفل التي تنبت بأرض الهند وهو شجر عظيم كشجر الزيتون فإذا نقر في أسفلها خرج ذلك اللثي فيجفف ويعقد ويصنع منه الكافور، وأجوده ما كان أبيضاً وهو من الأطياب الرفيعة القدر نافع من الصداع الصفراوي والأورام الحارّة والقلاع، قاطع للرياح مقوٍ للحواس نافع من الرمد الحار قاطع للباءة مُسرعٌ للشيب.

و يصفه داود الأنطاكي بأنه قاطع للدم حابس للإسهال والعرق قاطع للعطش والحميّات مزيل للقرح وز التهاب الكبد وحرقة البول وتآكل الأسنان. ويصفه ابن سينا مع الخل لمنع الرعاف ويصفه بأنه ينفع الصداع الحارّ، يقوي الحواس ويقع في أدوية الرمد الحار والأدوية القلبية.

و شجرة الكافور Cinnamonum Camphora من الفصيلة الغارية Louraceae شجرة عالية يصل ارتفاعها إلى 20 - 50 متراً لها أوراق لامعة داكنة دائمة الخضرة، موطنها الصين واليابان والهند، أدخلت كنبات زينة في المناطق الحارة والقريبة منها، يستخلص من تقطير أخشابها ما يسمى بزيت الكافور وهو من الكيتونات Ketones ويحتوي على Cinol والزعفرول Sofrol.

يفيد الكافور في تخفيف وطأة الزكام حيث يوضع قليل من مسحوقه في الماء الساخن ويستنشق البخار من الأنف،و يدخل بكمية قليلة إلى المساحيق الجلدية، إذ يُساعد على تخفيف الحرقة الناشئة عن الأكزيما والالتهابات الجلدية الأخرى.

يذاب مسحوق الكافور بنسبة 10 % في الزيت ويحضر ما يسمى بالزيت المكوفر الذي يفيد مسكناً في آلام المفاصل الرضية والرثوية دهناً موضعياً مع التدليك الخفيف للمفاصل المصابة كما يدخل في مراهم الحروق وفي معالجة التهاب اللثة.

منقوعه في الماء يشرب داخلاً ويساعد على إزالة عسر الهضم. أما الماء المكوفر فيحضر بإذابة 0.5 غ من الكافور في قليل من الغول ثم يمددّ في ليتر ماء، ويعطى داخلاً كمنعش للقلب ومنشط للدورة الدموية ومنبه للجهاز العصبي في حالات الوهط والوهن العصبي. كما يفيد مسكناً في آلام الحيض ويشيع بين العمة أنه يضعف القوة الجنسية ويسمونه بعطر الملائكة إذ ما زال يستعمل حتى اليوم طلاءً لجسم الميت حين تغسيله.



مراجع البحث

1. الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).

2. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).

3. أبو القاسم الغساني: عن كتابه (حديقة الأزهار في وهبة العشب والعقار) بيروت: 1985.

4. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب).

5. شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة: 1977.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:34 AM
الكَباث - الأراك



عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرِّ الظهران نجني الكباث وهو ثمر الأراك ويقول: " عليكم بالأسود منه فإنه أطيب " فقلت: أكنت ترعى الغنم؟ قال: وهل من نبي إلا ورعاها؟ [أخرجه البخاري ومسلم].

قال ابن القيم: الكباث _ بفتح الكاف _ ثمر الأراك وهو بأرض الحجاز. يقوي المعدة ويجيد الهضم ويجلو البلغم وينفع من أوجاع الظهر وكثير من الأدواء، وقال ابن جلجل: إذا شرب طبيخه أدرّ البول ونقى المثانة. وقال البغدادي: الكباث هو النضيج من ثمر الأراك حارٌ يابس يقوي المعدة ومنافعه كمنافع الأراك، الذي قال عنه أبو حنيفة الدينوري: هو أفضل ماستيك به لأنه يفصح الكلام ويطلق اللسان ويطيب النكهة ويشهي الطعام وينقّي الدماغ. والأراك نبات شجري صحراوي دائم الخضرة يزرع للزينة ولاستعمالاته الطبية خاصة وأن فروع أغصانه تستعمل للاستياك _ المسواك _. وهو من الفصيلة الأراكية Salvacloraceae وثمره الناضج _ الكباث _ لذيذ الطعم، يأكله الناس وترعاه الأغنام، ,هو مرٌّ ما دام أخضر لكنه يحلو متى نضج واسودَّ. وهو قاطع للبلغم والرطوبات اللزجة، طارد للغازات، مشه ومقبل يفيد المصابين بآفات الصدر، ممدر للبول، مضاد للرثية _ الروماتيزم _ يشرب مغلي أوراقه كمسهل جيد ولمعالجة البواسير ووقف نزف الدم.

و يمتاز السواك كيماوياً بوجود ألياف السللوز وبعض الزيوت الطيارة وفيه راتنج عطري وز قلورين وحمض العفص وغيره من الأملاح المعدنية من كلس وسيليس وحماضات، فالسواك فرشاة طبيعية زودت بمسحوق مطهر وتبين الدراسات الحديثة أن الطبقة من الأسنان والمسماة Dental Black والتي لا تصلها شعيرات الفرشاة فإن ألياف السواك تصل إلى هذه الطبقة وتزيل رائحة الفم. كما أن السواك يفيد في أوجاع الأسنان وأمراض اللثة وداء الحفر

هذا وسنفصل حول معجزة الأمر النبوي بالاستياك وتوافقها مع الطب الحديث في الجزء التالي من بحوثنا في الطب الإسلامي.



مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).

3. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) دمشق: 1988.

4. أبو الخير الاشبيلي: عن كتابه (عمدة الطبيب في معرفة النبات) الرباط.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:34 AM
الكتم



عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلنا على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت لنا شعراً من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مخضوب بالحناء والكتم، [رواه البخاري].

و عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم " [رواه الترمذي وصححه وأصحاب السنن، وقال الأرناؤوط: حديث حسن (جامع الأصول)]،

و عن أنس رضي الله عنه: أن أبا بكر اختضب بالحناء والكتم، [رواه البخاري ومسلم].

و قال ابن القيم: لقد ثبت في الصحيح عن أنس قال: لم يختضب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أجاب الإمام أحمد بن حنبل فقال: قد شهد به غير أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خضب وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد. فإن قيل: قد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قحافة لما أتى به ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً فقال: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد، والكتم يسود الشعر. فالجواب من وجهين: أحدهما أن النهي عن التسويد البحت فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به فإن الحناء والكتم يجعل الشيب بين الأحمر والأسود وهذا أصح الجوابين، والثاني أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس كخضاب المرأة الكبيرة تغرُّ الزوج، وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يضمن تدليساً وخداعاً، فقد صح عن الحسن والحسين أنهما كانا يخضبان بالسواد، كما نقل ذلك أيضاً عن عدد من الصحابة منهم عثمان بن عفان وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص وغيرهم.

و يرى النووي [عن شرحه لصحيح الإمام مسلم] حرمة الخضاب بالسواد.

و قال الغافقي [عن ابن قيم الجوزية في الطب النبوي]: الكتم نبات ينبت بالسهول، ورقه قريب من وزرق الزيتون، يعلو فوق الهامة وله ثمر قدر حب الفلفل، في داخله نوى: إذا رضخ اسود، وإذا استخرجت عصارة ورقه وشرب منها قدر أوقية: قيأ قيئاً شديداً، وإذا طبخ بالماء كان منه مداد يكتب به.

و قال الكندي: بزر الكتم إذا اكتحل به: حلل الماء النازل من العين وأبرأها.

و قال أبو القاسم الغساني [أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري) طبع في بيروت: 1985]: إن الكتم Buxus dioica من فصيلة البقسيات Buxaccae من جنس الشجر العظام، نبات جبلي يكثر في اليمن، دائم الخضرة، منه ما يشبه ورق الزيتون، له ثمر كالفلفل، إذا نضج اسود ويعصر منه زيت يستضاء به، ومنه شكل آخر لا ثمر ينعقد له.

و الكتم نافع من القلاع ومن قروح الفم إذا مضغت أوراقه. وهو صابغ إذا مزج مع الأدوية المخصوصة بذلك ويصنع من لحاء أصوله مداد بخبث الحديد.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:35 AM
ماء الكمأة شفاءٌ للعين



روى البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين ". والكمأة جمع كمء، وقيل الكمأة تطلق على الواحد وعلى الجمع، كما جمعوها على أكمؤ. وسميت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها.

و روى الترمذي عن أبي هريرة أنَّ ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السمّ " وهو حديث حسن.

و قد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح أنّ أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمساً أو سبعاً فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة فكحلت بها جارية لي فبرئت.

قال ابن حجر: قوله " من المنّ " على ثلاثة أقوال: أحدها أن المراد أنها من المنّ الذي أنزل على بني إسرائيل، ,شبه به الكمأة بجامع ما بينها من وجود كل منهما بغير علاج، والثاني أنها من المنّ الذي أمتن الله به على عباده من غير تعب. ويؤكد الخطابي هذا المعنى أي لأنها شيء تنبت من غير تكلف ببذر أو سقي، ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعاً منها ما يسقط على الشجر ومنها ما ينبت في الأرض فتكون الكمأة منه وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق البغدادي.

قال ابن الجوزي: والمراد بكون مائها شفاء للعين قولان أصحّهما أنه ماؤها حقيقة. إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنه لا يستعمل صرفاً في العين بل يخلط في الأدوية التي يكتحل بها، أو أنها تؤخذ فتشقُّ وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ الميل فيُجعل في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل بمائها.

و بعد أن يورد ابن حجر قول ابن الجوزي يردُّ عليه فيقول: وفيما ادّعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفاً نظر. فقد حكى عيّاض تفصيلاً وهو إن كان لتبريد العين كم حرارة بها فتستعمل مفردة وإن كان لغير ذلك فتستعمل مركبة وبهذا جزم ابن العربي.

و قال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به فإنه يقوّي الجفن ويزيد الروح الباصر حدّة ويدفع عنها النوازل. وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: إنّ ماءها شفاءٌ للعين مطلقاً فيعصر ماؤها فيجعل في العين منه، وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عَمِيَ وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردة فشفي وعاد إليه بصره. قال ابن حجر تعليقاً على قول النووي: وينبغي تقييد ذلك بمن عرف من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث النبوي والعمل بما جاء فيه.

و ذكر الزرقاني أن المتوكل أمير المؤمنين رمد، ولم يزدد باستعمال الأدوية إلا رمدا فطلب من أحمد بن حنبل إن كان يعرف حديثاً في ذلك فذكر له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين " فأرسل المتوكل إلى طبيبه يوحنا بن ماسويه وطلب منه أن يستخرج له ماء الكمأة فأخذ الكمأة فقشرها ثم سلقها فأنضجت أدنى النضج ثم شقها وأخرج ماءها بالميل فكحل به عين المتوكل فبرأت في الدفعة الثانية فعجب ابن ماسويه وقال: أشهد أنّ صاحبكم كان حكيماً، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

و الكمأة نبات فطري وتشبه البطاطا مع اختلاف في اللون إذ تميل إلى اللون البني الغامق، , هي لا ورق لها ولا جذع، تنمو في الصحارى وتحت أشجار البلّوط وليس في تركيبها مادة اليخضور Chlorophyl وتكثر في السنوات الماطرة وخاصة إذا كان المطر غزيراً أول الشتاء فتنمو في باطن الأرض وعلى عمق 15 - 20 سم وحجمها يختلف ما بين الحمصة وحتى البرتقالة ولها رائحة عطرية. وهي غنية بالبروتين إذ تبلغ نسبته فيها 9 % وعلى النشويات والسكريات بنسبة 13 % وعلى كمية قليلة من الدسم تبلغ 1 % كما يتضمن بروتينها بعض الحموض الأمينية الضرورية لنمو الخلايا.

وتحتوي الكمأة على الفوسفور والبوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم. كما أنها غنية

بالفيتامين " ب1 " أو الريبوفلافين الذي يفيد في هشاشة الأظافر وسرعة تقصفها وتشقق الشفتين واضطراب الرؤية. وتعتبر الكمأة وغيرها من الفطور مواد رئيسية في موائد الغرب يصنعون منها الحساء ويزينون بها موائدهم، والكمأة مع ذلك تفوق جميع أنواع الفطور الأخرى في قيمتها الغذائية وذات خواصّ مقوية.

و لعل الأمطار المبكرة في شهري تشرين أول والثاني مصحوبة مع الرعد ثم أمطار آذار الربيعية الرعدية ضرورية لتأمين موسم جيد للكمأة على أن يرافق هذه الأمطار ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة في طبقات الجو العليا ينجم عنها تمدد في الغيوم يؤدي إلى احتكاك شديد ينتج عن البرق والرعد وأمطار عاصفية. والرعد الذي هو شرارات كهربائية عنيفة ترفع درجة الحرارة حولها إلى ما يقرب من 3000 درجة مما يتحول الآزوت الحر إلى حمض الآزوت، يتحول في التربة التي يصلها مع الأمطار إلى نترات تستفيد منه الكمأة لأنها تحتاج إلى نوعية خاصة من الأسمدة الآزوتية.

و لعل هذه النترات الضرورية لنمو الكمأة هي هبة السماء إلى الأرض. ولقد حاول الأوربيون زرع الكمأة فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً. ونظراً لأنها تكثر مع الرعد فقد كانت العرب تسمّيها ببنات رعد وهي كثيرة بأرض العرب وخاصة في مصر وبلاد الشام.

الكمأة لمعالجة الحثر أو الرمد الحبيبي Trachoma:

و في المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي [المنعقد في الكويت في شهر ربيع الأول 1401 هـ الموافق لكانون الثاني 1981 م] ألقى الدكتور المعتز بالله المرزوقي محاضرة عن نتائج معالجته لآفات عينية مختلفة بتقطير ماء الكمأة في العين. ولقد تم استخلاص العصارة المائية منها في مختبر فيلانوف بأوديسا، ثم تمَّ تجفيف السائل حتى يتمكن من الاحتفاظ به لفترة طويلة، وعند الاستعمال تمَّ حَلُّ المسحوق في ماءٍ مقطر لنصل إلى نفس تركيز ماء الكمأة الطبيعي وهو ماء بني اللون له رائحة نفاذة.

و لقد أضيف ماء الكمأة إلى مستعمرات جرثومية فلم يكن له أي تأثير. كما جُرِّب معالجة حالات من السدّ Cataract لفترة طويلة فلم تحدث أية استجابة. إلا أنّ النتائج الجيدة سجلت في معالجة الحالات متطورة من الحثر _ التراخوما _ حيث تم تشخيصها عند 86 طفلاً تم تقسيمهم إلى مجموعتين: مجموعة عولجت بالأدوية المعتادة _ قطرات ومراهم مضادة للحيوية أو كورتيزينية _ ومجموعة ثانية أضيف ماء الكمأة إلى تلك العلاجات حيث تم تقطير ماء الكمأة في العين المصابة 3 مرات يومياً ولمدة شهر كامل، وكان الفرق واضحاً جداً بين المجموعتين وذلك بالنسبة لسير الآفة ونتائج المعالجة.

ففي معظم الحالات المعالجة بقطرات ومراهم المضادات الحيوية والكورتيزونية فإن الشفاء يحصل ولكنه يترافق غالباً مع تليف في ملتحمة الجفون، الأمر الذي يندر حصوله عند المعالجة المعالجة بماء الكمأة حيث عادت الملتحمة عندهم إلى وضعها السويّ وعادت فيها التروية الدموية إلى طبيعتها. وهذا تطور كبير في معالجة هذا المرض العنيد. فتقطير ماء الكمأة يمنع حدوث التليف في ملتحمة الجفن المصاب بالتراخوما، وذلك بالتدخل إلى حدٍّ كبير في تكوين الخلايا المكونة للألياف. وقد يكون ذلك نتيجة لمعادلة التأثير الكيماوي للسموم الفيروسية المسببة للآفة والتقليل من زيادة التجمع الخلوي. في نفس الوقت يؤدي إلى منع النمو غير الطبيعي للخلايا الباطنة للملتحمة حيث يزيد من تغذيتها عن طريق توسيع الشعيرات الدموية فيها. ولما كانت معظم مضاعفات الحثر Trachoma نتيجة التليف فإن ماء الكمأة يمنع بدون شك حدوث هذه المضاعفات.

و إن هذه الحقائق العلمية الواضحة تبين لنا إعجاز الطب النبوي الذي ألهمه الله سبحانه وتعالى نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم قبل ظهورها بأربعة عشر قرناً.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

3. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

4. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).

5. تيسير أمارة الدعبول وظافر العطار: عن مقالتهما (العسل والكمأة وأمراض العيون) مجلة طبيبك، أيلول: 1978.

6. المعتز بالله المرزوقي: عن محاضرة له بعنوان (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) من مواد المؤتمر العالمي الأول عن الطب افسلامي، الكويت: 1981.

7. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).

8. عبد الله المصري: عن مقالة (هل يمكن زراعة الكمأة في سوريا) مجلة الإرشاد الزراعي - مدشق، العدد 56 لعام 1964.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:36 AM
وأنهى أمتي عن الكيّ



عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية نار وأنهى أمتي عن الكي " [رواه البخاري].

و عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن كان في شيء من أدويتكم من خير ففي شراطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء. وما أحب أن أكتوي " [رواه البخاري].

عن عقبة بن عامر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي وكان يكره شرب الحميم، يعني الماء الحار، [رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا ابن لهيعة فحديثه حسن (مجمع الزوائد)].

عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي، قال: فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، [رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح]. وفي رواية: نهينا عن الكي، [رواه الترمذي وصححه]. وروى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]. وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب " قال: من هم يا رسول الله؟ قال: " هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " [رواه مسلم].

و عن جابر بن عبد الله قال: رمى سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص ثم ورمت فحسمه الثانية، [رواه مسلم، المشقص سهم له فصل طويل وقيل هو الفصل نفسه، وحسمت الجرح إذا قطعت الدم عنه بالكي]. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي ابن كعب فقطع منه عرقاً ثم كواه، [رواه مسلم]. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة [رواه الترمذي، الشوكة حمرة تظهر في الوجه]. وعن أنس رضي الله عنه قال: كويت من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ، , شهدني وأبو طلحة وأنس بن النضير وزيد بن ثابت وأبو طلحة كواني، [رواه البخاري]. عن ابن الزبير المكي قال: رأيت عبد الله بن عم وقد اكتوى في وجهه من اللقوة، [عن الأحكام النبوية في الصناعة الطبية]. وعن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة اكتوى وكوى أناساً من اللقوة [رواه ابن سعد في الطبقان الكبرى بإسناد صحيح].

و في تعليقه على حديث " الشفاء في ثلاثة " يقول ابن حجر: ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الحصر في الثلاثة فإن الشفاء قد يكون في غيرها، إنما نبه بها على أصول العلاج.... ويؤخذ من الجمع بين كراهته صلى الله عليه وسلم للكي وبين استعماله له أنه لا يترك مطلقاً ولا يستعمل مطلقاً، بل يستعمل عند تعيينه طريقاً للشفاء مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى.

و قال الشيخ محمد أبو جمرة: عُلم من مجموع كلامه صلى الله عليه وسلم في الكي أن فيه نفعاً وأن فيه مضرّة، فلما نهى عنه عُلم أن جانب المضرّة فيه أغلب.

قال ابن حجر: في قوله " توافق الداء " فيه إشارة إلى أن الكي يشرع عندما يتعين طريقاً إلى إزالة الداء وأنه لا ينبغي التجربة لذلك ولا استعماله إلا بعد التحقق، وكأنه أراد إلى أن الكي جائز عندما يتعين للحاجة وأن الأولى تركه إذا لم يتعين.

و قال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه " لم يتوكل من اكتوى " لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه والقدر لا يُدفع. والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد والعضو إذا قطع، ففي هذا الشفاء وهو الذي يشرع التداوي به. وأما إذا كان الكي لأمر محتمل يجوز أن ينجح ويجوز أن لا ينجح فإنه إلى الكراهة أقرب.

وقال المازري: وقوله صلى الله عليه وسلم " وأنهى أمتي عن الكي، وما أحب أن أكتوي " إشارة إلى أن يؤخر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه ولا يوجد الشفاء إلا به، لما فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي.

و يفهم من حديث " من اكتوى فقد برئ من التوكل " وحديث " سبعون ألفاً من أمتي ... " أن الاكتواء من دون استطباب يعد تعلقاً بالأوهام وهذا مناف للتوكل. وقال النسيمي: لدى مطالعتي لهذا الحديث قلت في نفسي إن رسولنا الكريم لم يقل: هم الذين لا يتداوون وعلى ربهم يتوكلون، وإنما قال: " هم الذين لا يكتوون " وقال: " نعم يا عباد الله تداووا " وبما أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى في الإسلام مع مفهوم التوكل، وبما أن الأعراب تجاوزوا في استعمالهم الكي حدود الطب والعلم فقد تبادر إلى ذهني أن الأخذ بالأسباب الوهمية كما تفعل العامة هو الذي يتنافى مع التوكل.

و في بحثه المستفيض عن التوكل يقوا الإمام الغزالي: اعلم أن الأسباب المزيلة للمرض تنقسم إلى: مقطوع به ومظنون وموهوم، والموهوم الكي، أما المقطوع به فليس من التوكل تركه، بل تركه حرام عند خوف الموت، وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوكلين. والكي الذي جعله الغزالي مثالاً للأسباب الموهمة هو الكي المغالى به والذي يطبق دون استطباب جازم وهو الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا الكي المنفذ بناء على وصفة طبيب حاذق واستطباب علمي.

لمحة تاريخية:

تحرق الكاويات الأنسجة حيث تفقد ماءها وتفكك الخلايا المركبة لها مما يؤدي إلى تلفها. وقد كان الأقدمون والمتطببون الشعبيون يجرونها بقضبان حديدية منتهية بأشكال مختلفة تحمع على النار وتكوى بها النواحي المختلفة. ولقد غالى العرب قبل الإسلام من استعمال الكي للعلاج ولا سيما في البوادي حيث تندر الأطباء، وما يزال العمة في بلادنا يتوسعون في تطبيقه متجاوزين حدود المعقولية، كما أنه للأسف يجري بأيدٍ غير خبيرة أو على أيدي متطببين جهلاء مما زاد في اختلاطاته وعقابيله الوخيمة.

و لعل أسوأ الطرق التي يستعملونها هي حرق قطع قماشية ملوثة قابلة للاشتعال، تلف على شكل فتيلة بحجم وقدر وسعة الحرق المراد، ثم يشعل طرف الفتيلة حتى تكون جمرة، ثم تطبق على الموضع المحدد مكان الألم من الجلد، ويسمونها بالعُطبة. وبعد تطبيقها تكبس على الجلد ويصبح مكان الحرق قشرة سوداء،و يعتقدون أنه كلما طالت فترة تقيح العطبة اعتبرت الفائدة المرجوة أكبر، ولذا فكثيراً ما يعمدون إلى تلويثها بشكل خطر.

و ما زلنا نرى ممن قد اكنوى فلم يشف ولم يخف ألمه بل ضَمَّ إليه ألماً جديداً وشوّه بالكي جماله الخلقي، وإن منهم من أصيب بالكزاز نتيجة التلوث المحدث بآلة أو قماش الكي _ العطبة _ وقد تهدد الحياة وخاصة عند تطبيقها عند الولدان المصابون بترفع حروري أو عندما تطبق عند مصاب بألم صدري قد يكون احتشاءً، أو بألم بطني حاد قد يكون التهاب زائدة دودية حاد أو غير ذلك.

إن ما يجري من استعمال الناس للكي بالنار أو بالعطب في معظمه مخالف لمبادئ الطب والمراد النبوي _ ومن ذلك كله _ واجب علينا بيان هذه الأضرار لمكافحة هذه العادة، موضحين نصيحة النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم " وأنهى أمتي عن الكي ".

الموقف الإسلامي:

و جاء الإسلام وكان من مهام حكومته نشر مناهج الطب الوقائي ومكافحة الشعوذة فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته أن يعذبوا أنفسهم بأوهام لا تنفع أو بمعالجة أكبر ضررها من نفعها فنهاهم عن الكي ووضح لهم أن استعماله مشروط بوجود استطباب له. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اعترف بفوائد الكي " الشفاء في ثلاث " لكنه نبه إلى أن استعماله يجب أن يكون موافقاً للداء " ولذعة بنار توافق الداء "، أي لابد من تشخيص طبيب حاذق يشخص الداء ويحدّ> الطريقة التي يطبق بها هذا الكي. وهكذا فإن النهي الوارد عن الكي " وأنهى أمتي عن الكي " وكراهيته عليه الصلاة والسلام " وما أحب أن اكتوي " ليس على عمومه وإطلاقه، إذ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه سمح بالكي لبعض أصحابه، فالنهي منصب على المغالاة في الكي ودون وجود استطباب.

و يمكن تلخيص استطبابات الكي الواردة في الأحاديث النبوية التي سقناها في مطلع بحثنا بأمور ثلاثة:

1. لقطع النزف: كما ورد في حديث " ورمى سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص " وحديث " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه " وقال الخطابي: إنما كوى النبي صلى الله عليه وسلم سعداً ليرقأ الدم عن جرحه وخاف عليه أن ينزف فيهلك. وأما الكي في موضع الفصادة إنما هو لإيقاف النزيف بعد سيلان مقدار كافٍ من الدم. وإن استعمال الكي لقطع النزيف ما يزال يطبق على نطاق واسع في الطب الحديث وخاصة بعد تطور أداة الكي حيث تستعمل اليوم المكواة الكهربائية وخاصة أثناء العمليات الجراحية، وهذا لا شك من الإعجاز النبوي الكريم.

2. معالجة الألم الجنبي بالكي: كما ورد في حديث أنس: كويت من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ، وهي رواية تفيد الإذن بالأمر. ولا ندري مفهوم ذات الجنب في ذلك العصر إذ يغلب حسب مفهومنا الحديث أن يكون الألم الجنبي عند ذلك الصحابي مجرد ألم عصبي وربي. وإن الطب الحديث كان حتى أواسط القرن العشرين يلجأ إلى الكي النقطي في تسكين هذا الألم. كما برهن العلماء الصينيون عن فائدة الوخز بالإبر المسخنة في تسكين الآلام.

3. معالجة اللقوة بالكي: وما ورد فيها من أحاديث: " رأيت عبد الله بن عمر وقد اكتوى وجهه من اللقوة "، " أن أبا طلحة اكتوى وكوى أناساً من اللقوة " فهي أحاديث موقوفة على فعل صحابيين جليلين وليست مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. واللقوة هي شلل العصب الوجهي، ويغلب أن البرد هو السبب في إحداثها. والمعالجات الحديثة مبنية على أساس أن سبب اللقوة هو تشنج الأوعية المغذية للعصب، لذا فهم يعطون الأدوية الموسعة للأوعية، وما الأدوية المحمرة سوى ضرباً من ضروب الأدوية الموسعة للأوعية.

و قد علل الدكتور سلمان قطاية فائدة الكي في معالجة اللقوة فقال: هذا ويشير ابن سينا إلى ضرورة كي العرق خلف الأذن، تلك المنطقة التي يخرج منها العصب الوجهي من الثقب الإبري الخشابي، وربما كان للكي تأثير موسع للأوعية عن طريق المنعكسات. ومن يستغرب ذلك بعد أن برهن الصينيون على فائدة الوخز بالإبر المسخنة.

و في كتابه (التصريف عن عجز التأليف) يشير الزهراوي في معالجة اللقوة إلى إجراء الكي في ثلاث فقط توافق غصون شعب العصب الوجهي المعصبة لعضلات القحف والعضلة المدارية الجفنية ولعضلات الشفتين.

تطور الكي وأدواته في الطب الحديث:

لقد تطورت أدوات الكي تطوراً كبيراً في العصر الحديث حيث استخدمت المكواة الحرورية Themocautere ثم المكواة الكهربائية وهي أدوات سهلة الاستخدام ويمكن التحكم بها بشكل جيد، كما تم استخدام البرودة الشديدة في الكي لأثرها المتلف للخلايا كالكي بالثلج الفحمي الذي تنقص درجة حرارته عن - 80 درجة مئوية. كما أن هناك كاويات كيميائية كحمض الخل ثلاثي الكلور وحمض الآزوت وحمض الكروم وقلم نترات الفضة وغيرها.

و مع تطور الطب وتطور أدوات الكي أصبح له استطبابات كثيرة نوجزها بما يلي:

1. نستعمل المكواة الكهربائية بكثرة في الوقت الحاضر أثناء العمليات الجراحية لرقء النزف الوعائي أثناء شق النسج بالمشرط. فاستخدام الكي الكهربي أصبح من الطرق الحديثة في تخثير الأوعية وإيقاف النزيف وهو نفس الإستطباب الذي طبقه الرسول الكريم.

2. تستخدم الأشعة وهي من نوع من الكي أيضاً لمعالجة الأورام السرطانية على اختلاف أنواعها.

3. يستخدم كي عروق الأنف في منطقة كسلباج لقطع الرعاف بالكاوي الكهربائي أو الحروري وقد يطبق الكي الكيماوي.

4. يستخدم الكي الكهربي أو بالبرودة لمعالجة حبة الشرق والثآليل والأثفان والأورام الجلدية على اختلاف أنواعها.

هذا ولا يجوز تطبيق الكي عند المصابين باستحالة العضلة القلبية وتصلب الشرايين المترقي لأن الكي يرفع الضغط الدموي، ولا عند المستعدين للإصابة بالغشي. كما أنه لا يجوز تطبيق هذه المعالجات في غير موضعها وبغير موضعها وبغير استطباب جازم من قبل طبيب حاذق وبشرط عدم وجود أدوية بديلة، أي عندما تكون الحل الوحيد لمشكلة المريض وذلك استجابة للتوجيه النبوي الكريم في النهي عن استخدامها بما لا يوافق الداء، هذا التوجيه الذي يطابق تماماً ما يوصي به أساطين الطب الحديث والذي يمكن اعتباره من معجزات النبوة، وسبحان من قال فيه: {و ما تنطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. صدق الله العظيم.



مراجع البحث

1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

3. حجة الإسلام الإمام الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).

4. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث).

5. دكتور ضياء الدين الجماس: عن مقالة له بعنوان (و أنهى أمتي عن الكي) مجلة نهج الإسلام، شباط: 1988.

6. علاء الدين الكحال: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).

7. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:38 AM
لبناً خالصاً سائغاً للشاربين



قال تعالى واصفاً ما في جنة الخلد: {مثلُ الجنةِ التي وُعِدَ المتقون. فيها أنهارٌ من ماءٍ آسن وأنهار من لبنٍ لم يتغير طعمه ...} [سورة محمد: الآية 15].

و قال تعالى: {و إن لكم في الأنعام لعبرة تسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودمٍ خالصاً سائغاً للشاربين} [سورة النحل: الآية 66].

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن " وفي رواية " فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن " [رواه أبو داود ز ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض وقال: إن له دسماً، [رواه البخاري ومسلم].

و في رواية مسلم لحديث الإسراء والمعراج عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ... فجاءني جبريل بإناء من الخمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة ... ".

قال ابن القيم: وأجود ما يكون اللبن حين يحلب، وأجوده ما اشتد بياضه ولذ طعمه وكان فيه حلاوة يسيرة ودسومة معتدلة، وهو محمود يولد دماً جيداً ويرطب البدن اليابس ويغذو غذاءً حسناً، وينفع من الوسواس والغم. وإذا شرب مع العسل نقى القروح الباطنة من الأخلاط العفنة. والحليب يتدارك ضرر الجماع، ويوافق الصدر والرئة وهو جيد لأصحاب السل. وهو أنفع المشروبات للبدن لما اجتمع فيه من التغذية والدموية وموافقته للفطرة الأصلية.

و يتابع ابن القيم فيصف لبن الضأن بأنه أغلظ الألبان وأرطبها وفيه من الدسومة والزهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر وينبغي أن يشرب مع الماء، ولبن الماعز لطيف معتدل مطلق للبطن نافع من قروح الحلق والسعال اليابس ونفث الدم، أما لبن البقر فيغذو البدن ويخصبه ويطلق البطن باعتدال وهو من أعدل الألبان وأفضلها، بين لبن الضأن والماعز في الرقة والغلظ والدسم.

أما لبن اللقاح أو الإبل فيصفه الإسرائيلي بأنه: أرق الألبان وأكثرها مائية وأقلها غذاءً فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول وإطلاق البطن وتفتيح السدد. كما وصفه ابن سينا بأنه: دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق. ووصفه الرازي بأنه: يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج.

فاللبن _ الحليب _ هو الغذاء الأول للإنسان منذ ولادته والذي به وحده يترعرع البدن وينمو الجسم، ويؤكد علماء التغذية اليوم أن اللبن هو الغذاء الوحيد الكامل الذي يمكن للإنسان أن يعتمد عليه وحده في التغذية إذ يحتوي على جميع المركبات الأساسية الضرورية للجسم، فهو يشتمل على البروتين اللازم لتركيب خلايا البدن وتكاثرها وعلى الفيتامينات الهامة وخاصة " ج " وب 1 " وب 2 " وب ب " ز " أ " و" د "،و على عناصر الحرارة والطاقة اللازمة للحياة والموجودة في سكرياته والمواد الدهنية _ الدسم _ التي يحويها والأملاح المعدنية وأهمها الكالسيوم والبوتاسيوم والصوديوم والكبريت والمنغنيز والفوسفور والحديد والتي توجد بمقادير متوازنة ومعتدلة مع الفيتامينات اللازمة. ودسم اللبن توجد فيه على هيئة حبيبات صغيرة في شكل مستحلب، وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم " إن له دسماً " في وقت لم يكن الطب قد عرف محتويات اللبن ولا قدر نفعه ومزاياه كما أن توكيد الطب الحديث أن اللبن غذاء كامل وحيد من نوعه، يعرفنا بالمعجزة النبوية الصارخة " فإني لا أعلم ما يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن ".

و يؤكد الدكتور حامد غزالي ملاحظات العلماء على أن الذين يتعاطون اللبن بمقادير كبيرة تميزوا بقوة أجسامهم وأنهم يعمرون أكثر من غيرهم، وهم على تحصيل العلم كانوا أقدر من الذين حرموا أنفسهم من اللبن. ويؤكد مشاهدته لبعض المعمرين في الحجاز ممن بلغوا من العمر فوق المائة من السنين، وكان غذائهم اللبن صرفاً، ولا يأكلون اللحم في الشهر مرة، وهم يتمتعون بصحة ونشاط يغبطهم عليها أمثالنا، وينصح الأطباء كل إنسان بتناول نصف ليتر من اللبن يومياً. كما نقل الدكتور الغوابي أبحاثاً حديثة عن استخراج مركب جديد لعلاج الحروق يحتوي على كازين اللبن مضافاً إليه بعض المواد الأخرى. التي تكون قشرة على سطح الحروق والجروح تؤدي إلى سرعة التئامها. كما ينقل بحثاً طريفاً وجد فيه أن شرب اللبن يمنع الإصابة بداء الملاريا. ويقوم البحث على حقن الفئران بطفيلي الملاريا فوجد أن هذا الطفيلي لا ينمو ولا يتطور إذا كان غذاء الفئران مقتصراً على اللبن. وتبين بنتيجة البحث أن اللبن تنقصه مادة ضرورية لنمو الطفيلي هي حمض بارا أمينوبنزوئيك، فإذا أضيفت هذه المادة إلى الحليب وغذيت بها الفئران بعد حقنها بالطفيلي نما وتطور وأصيبت الفئران بالمرض. وهذا يجعلنا _ والكلام للغوابي _ نعيد النظر في مسألة عدم عدوى الأطفال الرضع بالملاريا حيث كنا نظن أن سبب ذلك وراثتهم مناعة من أمهاتهم، لكن البحث أوضح أن السبب هو اقتصارهم في تغذيتهم على اللبن الذي أخرجه الله بقدرته لبناً خالصاً سائغاً للشاربين.

و يعتبر حليب البقر أكثر أنواع الحليب وفرة واستعمالاً وأشدها ملاءمة للإنسان بعد حليب الأم. وحليب الغنم _ الضأن _ أغنى بالبوتينات والدسم من حليب البقر وأكثر غنى بمركيات الكالسيوم والحديد فهو أكثر تغذية، لكنه ثقيل الهضم. ولبن الماعز بينهما من حيث القيمة الغذائية.

هذا عن اللبن _ الحليب _ فماذا عن اللبن الرائب؟ الحقيقة أن القيمة الغذائية لا تقل عن اللبن فاللبن الرائب هو لبن _ حليب _ قد تخمر بأحد أنواع الجراثيم التي تحول سكر الحليب إلى حمض اللبن والذي تعزى إليه حموضة اللبن الرائب وتكسبه نكهته السائغة، كما أنها تسهل الهضم، بما في لبن الرائب من خمائر وغاز الفحم، والتي تنبه إفراز العصارة المعدية ويسهل امتصاص الدهون من الأمعاء.

فاللبن الرائب مفيد للصحيح والمريض على السواء وخاصة معتلّ المعدة لسهولة هضمه وذلك أن التخمر المكون له يؤثر على بروتين الحليب _ الكازين _ فيرسبه على شكل حبيبات رقيقة سهلة الهضم، كما أنه مطهر للمعدة والأمعاء من كثير من الجراثيم والتفسخات.

و يرجع علماء التغذية سبب طول عمر الشعب الدانمركي والبلغاري إلى إكثاره من تناول اللبن الرائب ضمن وجباته الغذائية. ويستعمل اللبن الرائب في معالجة كثير من الأمراض وخاصة التي تصيب الكلى والكبد والحميات واضطربات المعدة والأمعاء وخاصة الاسهالات على اختلاف منشئها، وفي تصلب الشرايين وفي كل مرض يستلزم عشاءً خفيفاً كما عند المصابين بارتفاع الضغط والذبحة الصدرية. كما يعتبر غذاء الشيوخ المفضل، وللحليب مشتقات كثيرة لا تقل عنه أهمية منها الزبد والجبن والسمن وغيرها.

عن عبد الله وعطية ابنا بسر السلميان رضي الله عنهما قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمنا إليه زبداً وتمراً، وكان يحب الزبد والتمر، [رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح (الأرناؤوط)].

و الزبد من أجود الأغذية الدسمة وأسهلها هضماً، ودسمه غنية بالفيتامينات الذوابة في الدسم وبالأملاح المعدنية اللازمة للبدن، ويختلف لونه وطعمه حسب مصدره الحيواني وهو يسّمن تسميناً عظيماً لذا فهو لا يصح للبدينين. وقال عنه ابن القيم: فيه منافع كثيرة منها الإنضاج والتحليل ويبرئ الأورام التي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين وأورام الفم وهو ملين للطبيعة والعصب وإذا طلي على منابت أسنان الطفل كان معيناً على نباتها وطلوعها.

أما الجبن فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبنة من تبوك من عمل النصارى فدعا بسكين وقطع وأكل، [رواه أبو داود وإسناده صحيح]. وينتج الجبن عن تخثر المواد البروتينية الموجودة في الحليب بعد تسخينه وإضافة الأنفحة الطبيعية إليه أو بعض المواد الصناعية. والجبن من الأغذية البروتينية الجيدة السهلة الهضم إذ يحتوي على مقادير متوازنة من مختلف المواد والعناصر المعدنية وخاصة الكلس والحديد والفيتامينات.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

3. الدكتور حامد الغوابي: عن كتابه (بين الطب والإسلام) القاهرة: 1967.

4. الدكتور محمد شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.

5. السيد الجميلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) دمشق: 1982.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:39 AM
التداوي بألبان الإبل وأبوالها



عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رهط من عرينة على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من ألبانها وأبوالها. ففعلوا. فلما صحّوا، عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وحاربوا الله ورسوله. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأخذوا، فقطع أيدهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا، [رواه مسلم]. وفي رواية له أيضاً: وإنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة، [قال ابن الأثير: الاجتواء مثل الاستيخام، واستوخم أرض كذا إذا لأم توافق مزاجه، وهو افتعلت من الجوى: الألم في الجوف. وسملت عينه إذا فقئت بحديدة محمّاة. وقيل سمل: بمعنى سمّر].

و روى البخاري عن أنس: أن رهطاً من عرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا اجتوينا المدينة فعظمت بطوننا وارتهشت أعضادنا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا براعي الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها، حتى صلحت بطونهم وألوانهم قال: فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل... _ وارتهشت: اضطربت _.

و عن أنس رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة، فلم يمكثوا بالمدينة إلا يسيراً حتى أصابهم وعكٌ شديد فاصفرت ألوانهم ونحلت أجسامهم وعظمت بطونهم. فلما رأى ذلك النبي بعث بهم إلى إبل من إبله فلما أصابوا اللبن وانقطعت عنهم الحمى حسنت ألوانهم وخمصت بطونهم وربت أجسامهم، [أخرجه ابن السني وأبو نعيم وذكره الحافظ السيوطي في الطب النبوي].

و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في

ألبان الإبل وأبوالها شفاء للذربة بطونهم " [رواه الإمام أحمد والطبراني وفي سنده ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد)].

ز يرى الكحال ابن طرخان أن المرض الذي أصيب به رهط عرينة هو الاستسقاء ورجح أن سببه آفة في الكبد استناداً إلى رواية فيها " وعظمت بطوننا ". وتبعه في ذلك ابن القيم في الطب النبوي، ويرى الكحال أيضاً: أن في لبن اللقاح جلاءً وتلينناً وإدراراً وتلطيفاً وتفتيحاً للسدد. وأورد ابن سينا في قانونه: أنفع الأبوال بول الجمل الأعرابي، وهو النجيب وبول الجمل ينفع في الاستسقاء وصلابة الطحال لا سيما مع لبن اللقاح. وروي: لو شربتم من ألبانها وأبوالها لصححتم، فشربوا فصحّوا.

وذكر ابن سينا فائدة لبن اللقاح في الربو وإدرار الطمث وتليين الباطنة [النجيب من الإبل القوي البنية واللقاح جمع لقحة وهي ذوات اللبن من الإبل]. وذكر الرازي أن لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج.

أما الدكتور محمود ناظم النسيمي فيقول: إننا إذا جمعنا الأعراض من الأحاديث السابقة _ توعك، ضخامة بطن، نحول، ضعف قوة، اصفرار لون _ دلت على أن مرضهم كان حمى المدينة كما نصت على ذلك رواية الإمام أحمد. وحمى المدينة سببها أحد مرضين محتملين: الأول حميات الانتانات المعوية والثاني حمى البرداء. وبيئة المدينة المنورة مساعدة على ظهورها، فحول المدينة نخل وزراعة وفي وادي بطحان مياه آسنة، والبعوض الخبيث الناقل لعامل البرداء يفضل هذه البيئة إذ يضع بيوضه في المياه الراكدة. كما تكثر جراثيم الانتانات المعوية في المياه الملوثة. وفي الحديث الذي رواه ابن عباس: إن في ألبان الإبل وأبوالها شفاء للذربة بطونهم " ما يرجح احتمال الإصابة بالانتانات المعوية لأن الذرب يدل على فساد الأمعاء.

هذا ولم نصادف أي بحث علمي أو تجارب حديثة حول الفوائد العلاجية لألبان الإبل وأبوالها، وحبذا لو يدأب باحثونا المسلمون على إجراء أبحاث من هذا النوع تؤكد صدق الدعوة النبوية للتداوي بأبوال الإبل وألبانها.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث) ج 3، 1991.

3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

4. الكحال ابن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:39 AM
وَلَحمٍ ممّا يَشتهون



في معرض ذكره لما أعده لعباده المتقين قال تعالى: {و أمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون} [الطور: الآية 22]. وقال تعالى: {و لحم طير مما يشتهون} [الواقعة: الآية 21]

عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " والثريد الخبز واللحم. [رواه البخاري ومسلم]

و في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعت إليه الذراع وكانت تعجبه.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فدفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح].

و في رواية لمسلم عن أبي هريرة عن ابن عباس قال: كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع ونحوه.

و عن أسماء رضي الله عنها قالت: نحرنا فرساً فأكلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، [رواه البخاري ومسلم].

و عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل ونهى عن لحوم الحمر، [رواه البخاري ومسلم].

و عن أنس بن مالك قال: أنفجنا أرنباً فسعوا في طلبها فأخذوها بعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، [رواه البخاري ومسلم]. وعن جابر رضي الله عنه قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، [رواه ابن ماجة بإسناد قوي].

و عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].

و عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم الدجاج، [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن القيم: لحم الضأن يولد الدم المحمود القوي لمن جاد هضمه، يقوي الذهن والحفظ، ولحم الهرم والعجيف ردئ وكذلك لحم النعاج. وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمها ولحم العنق جيد ولذيذ الطعم، سريع الهضم. ولحم الذراع أخف اللحم وألذه وأبعده من الأذى وأسرعه انهضاماً، وكان مما يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

و لحم المعز ليس بجيد ولا محمود الغذاء ولحم التَيس رديء مطلقاً شديد اليبس عسير الهضم، وقال بعض الأطباء أن المذموم منه المسن، ولا رداءة فيه لمن اعتاده.

و لحم الجدي قريب إلى الاعتدال ملين للطبع، موافق لأكثر الناس. ولحم البقر عسير الانهضام بطيء الانحدار ويورث إدمانه الأمراض السوداوية. ولحم العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذها وأحمدها وإذا انهضم غذى غذاءً قوياً.

و لحم الجمل طالما أكله الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولحم الفيصل منه من ألذ اللحوم وفيه قوة غير محمودة ولأجلها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أكله.

و لحم الأرنب أكله النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتدل، وأطيبها وركها وأحمده أكل لحمها مشوياً. وهو يعقل البطن ويدر البول ويفتت الحصى.

و لحموم الأجنة غير محمودة وليست بحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم أن ذكاة الجنين ذكاة أمه. أما لحوم الطير فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل الدجاج وهو خفيف على المعدة سريع الانهضام يزيد في المني وز الدماغ ويصفي الصوت ويحسن اللون.

و ينبغي أن لا يداوم على أكل اللحم فإنه يورث الأمراض الدموية والامتلائية وقد قال عمر رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر وإن الله يبغض أهل البيت اللحميين، [أخرجه مالك في موطئه وفي سنده انقطاع]. واللحم غذاء رئيسي للإنسان يوفر له ما يحتاجه من بروتينات لا يستغني عنها. ويعتبر من أفضل الأغذية التي تدر الإفرازات الهاضمة، فهو غذاءٌ مشه يوصى باستعماله للناقهين والضعفاء وفاقدي الشهية وهو أيضاً من الأغذية المقوية لما يحتوي عليه من بروتينات غنية بالفوسفور.

و يحسن الاعتدال في أكل اللحوم لأن الإكثار منه يؤدي إلى القبض وكثرة التفسخات والإصابة بارتفاع الضغط وذلك لوفرة المحاصيل السمية الناجمة عن هضمه بما فيها زيادة حمض البول في الدم. وكذلك لقلة ما يحتوي عليه من ألياف. وإن غذاء يحتوي على اللحم والخضراوات هو غذاء مثالي يحقق للإنسان التغذية الكاملة.

و اللحم غني بالبروتين فقير بالمواد النشوية. أما الدسم فيختلف مقدارها حسب نوع الحيوان وسمنه. ونوع تربيته. فالمربى في الحظائر أكثر دهناً من حيوانات المرعى،و لحم الحيوان المعلوف ألين وألطف وكلما كبر الحيوان كان لحم عضلاته ليفياً وقاسياً وأعسر انهضاماً. وفي اللحوم نسبة من الماء 75 % م نوزنها كما تحتوي على الأملاح المعدنية وخاصة فوسفات البوتاسيوم وأثر من أملاح الصود والكلس والمانيزا ومركبات الكلور الثنائي وخضاب الدم الحاوي على كمية جيدة من الحديد.

و تتكون البروتينات من سلاسل من حموض أمينية مختلفة، منها عشرة حموض تعتبر ضرورية للحياة لا تتوفر إلا في اللحوم. ومن هنا يتبين السبب الرئيسي في ضرورة كون غذاء الإنسان مزيجاً من الخضراوات واللحوم حيث يجد مزيجاً يتكون من البروتينات النباتية والحيوانية تمده بكل ما يحتاجه من حموض أمينية.

هذا وإن البدن الإنساني يتكون من سلاسل من هذه الحموض الأمينية وهو يطرح كل يوم كمية من هذه البروتينات المستهلكة ولا بد من أجل بقاء التوازن في الجسم من تكوين بروتينات جديدة يصنعها من هذه الحموض الأمينية، والتي يجب أن تكون مصنوعة خارج الجسم الإنساني، حيث تكون الحيوانات الأخرى قادرة على تركيبها، وهذه هي الحموض الأمينية التي لا غنى للإنسان عنها.

و يحتاج الإنسان في طور نموه _ وهو طفل _ إلى نسبة أعلى من البروتين في غذائه كيما ينمو _ 3.5 غ لكل كغ من وزنه _ وكلما كبر قلت حاجته إلى البروتين وهكذا فهو بعد سن العشرين يحتاج فقد إلى 1 غ / كغ من وزنه من البروتين عليه أن يؤمن ثلثها على الأقل من البروتين الحيواني. ويكفيه لذلك 100 غ من اللحم أو 80 غ كبد أو كلى أو 70 غ لحم + بيضة واحدة ... إلخ

و إن القدرة الحرورية التي يعطيها اللحم قليلة نسبياً إذ أن 1 غ من اللحم لا يعطي سوى 2 حريرة _ مقابل 9 حريرات يعطيها كل من 1 غ سكر أو 1 غ دهن _ لذا فليس من الاقتصاد الإكثار من اللحم من أجل الطاقة ويوصى بالإكثار من اللحم المصابون بالسمنة وعقب العمليات الجراحية التي تتطلب ترميماً لأجزاء من البدن والناقهون. ويوصى المصابون بفقر الدم الإكثار من تناول اللحم والدجاج والكبد لأنها تنقل لهم ما ينقصهم من الحديد والفيتامين " ب 12 ". ومن الخطأ إضافة الملح إلى اللحم قبل شيه لأنه يجذب الماء من اللحم والذي يتقاطر من اللحم أثناء شيه جاذباً معه كميات كبيرة من الحديد. لذا ينصح بإضافة الملح إلى الملح بعد شيه. أما القلي فيجب أن يكون بأقل كمية من الدهن _ السمن أو الزيت _ وأن لا يحتفظ ببقايا الدهون المستعملة لأنها خطرة.

أما الرضيع فلا يُعطى اللحم قبل الشهر السادس إذ يكتفي قبل ذلك بحليب أمه. أما المصابون باضطراب هضمي أو بعدم تحمل الحليب فإن عصير اللحم يشكل العوض المناسب ثم يبدأ بإعطائه اللحم المهروس جيداً في الأشهر اللاحقة.

و لحم الغنم أو الضأن أجود اللحوم إطلاقاً لخلوه من الطفيليات وأجوده السمين الذي لم يتجاوز عمره السنتين، وما جاوز الأربع فرديء. وتتكون كل 100 غ لحم من: 70 ماء، 17 بروتين، 11 دسم، 0.5 نشاء، , قيمتها الحرارية 169. ولحم الماعز أصعب هضماً من الغنم وأقل جودة، وأجوده لحم الجدي.

و لحم العجل جيد جداً إذا زاد عمره عن 3 شهور ولم يزد عن السنة، والصغير من العجول أفضل من لحم الضأن الكبير، وتعطي 100 غ منه: 69.5 ماء، 18 بروتين، 11 دسم، 0.5 نشويات، قيمتها الحرارية 173. ويفضل لحم العجل على الغنم بزيادة نسبة البروتين فيه وعظم قيمته الحرارية. أما حم البقر فيخشى من تناوله لكثرة الديدان فيه فيجب عدم تناوله نيئاً بل يجب طبخه أو شيه بشكل جيد، وتعطي 100 غ منه: 70 ماء، 18 بروتين، 10 دسم، 0.5 نشاء، وقيمته الحرارية 164.

و لحم الدجاج من أفخر أنواع اللحم الأبيض غير أنه قليل القيمة الحرارية. وهو من أفضل الطيور غذاء وأوفقها للأبدان وخصوصاً لأهل الدعة ومرقه يصلح المزاج ومرق الفراريج ينفع الأبدان السقيمة والمصابون بالتهاب في المعدة. وتعطي 100 غ منه: 70 ماء، 21 بروتين، 7 دسم، وقيمته الحرارية 147. ودجاج أو ديك الحبش يشبه لحم الدجاج غير أنه أشد قساوة وأعسر هضماً. أم البط فلحمه جيد لكنه ذو قيمة حرورية ضعيفة، وهو سيئ الهضم إذا كان سميناً وأردؤه ما جاوز السنتين وهو يسمن كثيراً ويزيد في الدم وتعطي 100 غ منه: 50 ماء، 16 بروتين، 33 دسم، 0.2 نشويات، وقيمته الحرورية 362. ولحم الحمام جيد ذو قيمة حرورية ضئيلة نسبة لباقي اللحوم لكثرة مائه وقلة الدسم فيه. ولحوم العصافير كلها مجففة قليلة الغذاء والأهلية منها تسخن البدن وتزيد في الانعاظ والباه.

و لحم الأرنب جاف قليل الدهن وقيمته الحرورية ضئيلة إذ تعطي 100 غ منه: 71 ماء، 22 بروتين، 5 دسم، وقيمته الحرورية 133. ويذكر داود الأنطاكي أن لحم الأرانب يفيد في معالجة البواسير ومرقه يفتت الحصى ولحمه يمنع التبول الليلي عند الأطفال.

و هكذا نجد أن اللحوم الحمراء _ الغنم والبقر _ تمد البدن بطاقة حرارية أكبر من التي يعطيها نفس الوزن من اللحوم البيضاء _ سمك أرنب دجاج _ كما أنها أكثر غنى بالحديد إلا أن اللحوم البيضاء أسرع انهضاماً وأكثر ملاءمة للمرضى والناقهين.

و الكبد أغنى من اللحم بالفيتامين " آ " الواقي من العشاوة وضعف الإبصار وفيها كمية جيدة من الفيتامين " د " الواقي من الكساح " ب 12 " الواقي من فقر الدم.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

3. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.

4. دكتور شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:41 AM
تبريد الحمى بالماء



عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء " [رواه الشيخان]. وعن فاطمة بنت المنذر أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما كانت إذا أتيت بالمرأة قد حُمَّت أخذت بالماء فصبته بينها وبين جبينها وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحمى من فور جهنم فأبردوها بالماء " [رواه البخاري ومسلم والترمذي].

وعن أبي جمرة نصر بن عمران قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى فقال أبردها بماء زمزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم، [أخرجه البخاري].

و عن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحمى قطعة من النار فأطفئوها عنكم بالماء البارد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حُمَّ دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل [رواه البخاري ومسلم والترمذي].

وعن أنس بن مالك رضي ا الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حُمَّ أحدكم فليشن، وفي رواية: " فليسُن عليه الماء ثلاث ليال من السحر، [أخرجه النسائي والحاكم وصححه، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات (مجمع الزوائد)] _ والشن الصب المنقطع _ والسن: المتصل.

قال ابن حجر: من فيح أو فوح جهنم بمعنى سطوع حرها ووهجه. واختلف في نسبتها إلى جهنم فقيل حقيقة، واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم وقد قدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع اللذة والفرح من نعيم الجنة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة. وقيل بل الخبر مورد التشبيه والمعنى أن حرّ الحمى شبيه بحر جهنم تنبيهاً للنفوس على شدة حرّ النار وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها.

و يرى ابن القيم: أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا خاص بأهل الحجاز ومن والاهم، إذ كان أكثر الحُمَّيات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة من شدة حرارة الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً. فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء المثلوج. ويجوز أن يراد بها جميع أنواع الحميات , وقد اعترف جالينوس بأن الماء البارد ينفع منها، وقوله " بالماء " فيه قولان أحدهما أنه كل ماء وهو الصحيح. والثاني أنه ماء زمزم. واحتجوا برواية البخاري عن أن أبي جمرة حين يروي قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس: فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم. وراوي هذا الحديث شك فيه ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة بماء زمزم إذ هو متيسر عندهم.

و يقول النسيمي: أما تعيين ماء زمزم فليس بشرط ولكن عند توفره يكون استعماله جامعاً للبركة به والاستشفاء به روحياً إلى جانب الاستشفاء العلاجي.

أما الكحال ابن طرخان فيقول: وأما قوله صلى الله عليه وسلم " إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " فالذي يظهر أنه لم يرد من أقسام الحميات سوى ما كان من حمى يوم عن حرّ شمس، فإن وقوعها بالحجاز كثير، ويجوز استعمال الماء البارد في سائر الحميات الأخر.

و يعلق الدكتور محمد علي البار على كلام الكحال فيقول: وهذا أمر صحيح إذ يعاني الحجاج من ضربة الشمس. وتعالج بأن يبعد المصاب عن المكان الحار ويغمس في الماء البارد والثلج، أو يستخدم إرذاذ الماء البارد لخفض درجة حرارة الجسم. وفي الحالات الأقل شدة يسقى المريض الماء البارد قليلاً قليلاً ويصب من فوق رأسه. ويفيد لف الكمادات الباردة أيضاً كما يستحسن إضافة قليل من الملح إلى الشراب المبرد.

و الحقيقة أن التبريد بالماء يفيد في معالجة كل الحميات الانتانية، وكما يؤكد النسيمي فليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم محصوراً في معالجة ضربة الشمس. ولقد نصح النبي صلى الله عليه وسلم باستعمال الماء البارد للحمى، ينقص من حرارتها ويقلل من تأثيرها وليس هناك بمخصص لنوع منها. وهذه النصيحة لا شك من اعجازات النبوة. ونحن اليوم في القرن العشرين: أليس أول ما ينصح به الطبيب اليوم عمل الكمادات بالماء البارد ووضع الثلج على رأس المحموم وغير ذلك؟ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لقي به ربه مصاباً بالحمى فكان يضع إلى جواره إناء من ماء بارد ويمسح بها وجهه صلى الله عليه وسلم!

و الحمى هي كل ارتفاع لحرارة الجسم. ومن المعروف أن في الجسم مركزاً لتنظيم الحرارة في منطقة بالدماغ تعرف بتحت المهاد Hypothalamus. وهي تستشعر حرارة الدم فإذا ارتفعت قليلاً زادت في إفراز العرق من الجلد ليتم خروج الحرارة من الجسم إلى الجو المحيط. ولكن إذا كانت حرارة الجو فوق الأربعين فلا يمكن لحرارة الجسم أن تخرج إلى الهواء المحيط ولا بد من استخدام الماء البارد والمثلج.

و رغم أن للحمى أسباباً كثيرة إلا أنها في النهاية تكون بسبب مواد رافعة للحرارة تؤثر على منطقة تحت المهاد وتحدث الرعشة وتقلص العضلات فتزيد من ارتفاع الحرارة، ومن أشهر أسبابها ضربة الشمس والبرداء أو الملاريا والأنفلونزا ونزلات البرد والحمى التيفية والمالطية وغيرها. والمعالجة بالكمادات الباردة والماء المثلج نوع هام من العلاج للأعراض ذاتها. وإذا كانت الأدوية النوعية المضادة للحميات الإنتانية لم تكتشف إلا في القرن التاسع عشر، وكذا مخفضات الحرارة كالأسبرين والكينين، فقد استعمل الماء البارد هو الواسطة العلاجية الأولى. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نبه إلى هذه الواسطة العلاجية الهامة فالإعجاز في دعوته تلك أن تبريد الحمى بالماء ما يزال العلاج العرضي الأمثل والذي يشرك حالياً مع الأدوية النوعية.

هذا وإن لتبريد الحمى بالماء طرقاً عديدة نذكر منها:

1. اللف بالكمادات الباردة: كالمناشف وقطع القماش المبللة بالماء البارد حيث تلف أجزاء من البدن كالجبهة والرأس والأطراف أو يلف كامل البدن. وتستعمل هذه الطريقة لخفض حرارة المحمومين المصابين بحمى ضربة الشمس أو الحمى التيفية وغيرها وخاصة عند ارتفاع الحرارة الشديد أو المترافقة بهذيانات. ويكرر اللف مرة كل 3 - 4 ساعات. ولا يجوز تطبيق اللف الكامل عند المصابين بآفة قلبية أو رئوية بل يكتفى بالكمادات الموضعية الباردة للتخفيف من شدة الحرارة.

2. الحمام البارد: اقترح براند حماماً بدرجة 15 - 20 درجة مئوية للممصابين بالحمى التيفية فهو يخفض الحرارة ويدر البول وينشط الجسم. أما الحمامات الباردة بدرجة 20 - 25 درجة مئوية فتفيد العصبيين وبعض المحمومين. وخيره ما كانت درجة حرارته من 25 - 32 درجة مئوية.

3. مغطس الماء البارد: وقد اقترحه Savil لتخفيض حرارة المحموم بوضعه في مغطس ثلثه ماء بدرجة 32 - 35 درجة مئوية، ثم يزاد ماء بارد كل 5 دقائق حتى تصل درجة حرارة الماء إلى 15.5 درجة مئوية، ولا يستعمل المغطس والحمام الباردين للمصابين بالبرداء والنزلة الوافدة ولا للمصابين بآفة قلبية أو رئوية.

المعالجة بالحمّى:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبّها رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبَّها، فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد " [رواه ابن ماجة]، , كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: ما من مرض يصيبني أحب إليّ من الحمى لأنها تدخل في كل عضو مني. وأن الله سبحانه وتعالى معطي كل عضو حظه من الأجر، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سائب فقال: مالك ترفرفين؟ _ وفي رواية تزفزفين _ قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد " [رواه مسلم].

قال ابن القيم: وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعاً عظيماً لا يبلغه الدواء، وكثيراً ما تكون حمى يوم سبباً لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها وسبباً لتفتح سدد لم تكن تصل إليه الأدوية المفتحة ... وأما تصفيتها للقلب من وسخه ودرنه وإخراجها خبائثه فأمر يعلمه أطباء القلوب ويجدونه كما أخبر نبيهم صلى الله عليه وسلم. فالحمى تنفع البدن والقلب وما كان بهذه المثابة فسبه ظلم وعدوان.

و قد استخدمت الحمى للتداوي من العديد من الأمراض إلى بداية القرن العشرين ومن ذلك معالجة الإفرنجي والرمد واللقوة والشلل بالحمى حيث يحقن المريض بمواد رافعة لدرة حرارة البدن مسببة للحمى. وما يزال لهذه الطريقة أنصار كثر يطبقونها لمعالجة العديد من الأمراض الجلدية كالدمامل الناكسة والجمرة الحميدة والتهاب الجلد العصبي وغيرها. والغريب حقاً أن يظهر العلاج بالحمى حديثاً لمعالجة الإيدز والذي أذاعته محطات التلفزة الأمريكية عام 1990. والحقيقة أن الحمى تؤدي إلى تفاعلات في الجسم بزيادة وسائل المقاومة واجتذاب الكريات البيضاء واشتداد المعركة بين العامل الممرض وجهاز المقاومة في البدن.

{و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى علمه شديد القوى}.



مراجع البحث

1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

2. الكحال ابن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).

3. ابن الاثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم)

4. عبد الملك بن حبيب الأندلسي: عن كتابه (الطب النبوي).

5. دكتور محمد علي البار: عن حاشيته على كتاب (الطب النبوي) لعبد الملك بن حبيب

6. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث) المجلد 3

7. حامد الغوابي: عن كتابه (بين الطب والإسلام) القاهرة: 1967.

8. عزة مريدن: عن كتابه (علم الأدوية).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:42 AM
ماءُ زمزم لما شُرب له



عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير الماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم " [رواه ابن حيان في صحيحه، ذكر الألباني أن الحديث صحيح (كتاب صحيح الجامع الصغير)].

و عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمل ماء زمزم في الأوادي والقرب وكان يصب على المرضى ويسقيهم، [رواه الترمذي وحسنه، رواه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة].

و عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له " [رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي، وصححه الأستاذ الألباني].

و في حديث إسلام أبي ذر الذي يرويه مسلم في صحيحه: يقول أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين يوم وليلة، قال: فمن كان يطعمك؟ قال: قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبيدي سخفة جوع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنها مباركة، إنها طعم الجنة "، وينقل الحافظ الذهبي الرواية بزيادة " هي طعام طعم وشفاء سقم " وقال النووي في شرحه للحديث: أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.

و قال ابن القيم الجوزية: إن ماء زمزم سيد المياه وأشرفها وأجلها قدراً وأحبها إلى النفوس وأنفسها عند الناس وهو هزمة جبريل [أي ضربها برجلة فنبع الماء] وسقيا إسماعيل [أي أظهره الله ليسقي إسماعيل أول الأمر] وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد ولا يجد جوعاً ويطوف مع الناس كأحدهم...

و يقول المناوي في فيض القدير: " ماء زمزم لما شرب له " لأنه سقيا الله وغياثه لولد خليله، فبقي غياثاً لمن بعده، فمن شربه بإخلاص وجد ذلك الغوث. وقال الحكيم: هذا جارٍ للعباد على مقاصدهم وصدقهم لأن الموحد إذا رابه أمر فشأنه الفزع إلى ربه فإذا نزع إليه استغاث به، ,إنما يناله العبد على قدر نيته.

و في كتاب (زمزم طعام طعم وشفاء سقم) يقول الدكتور المهندس يحيى كوشك: أن إنتاج بئر زمزم كما تبين اختبارات الضخ يتراوح بين 11 و18.5 ليتر في الثانية. كما يؤكد أنه قد تم إجراء عمليات تحليل لمياه زمزم مرات ومرات، وقد أكدت أن مياه زمزم تتميز بصفة عامة باحتوائها على تركيزات عالية من الأملاح المعدنية مثل الكالسيوم والمغنزيوم.و إن تركيزات الصوديوم والبوتاسيوم تتميز بثبات معدلها، كما أنها تحتوي على كميات قليلة من الحديد والمنغنيز والنحاس والفلور والكروم.

و قد قام المؤلف بالعديد من الدراسات لاختبار الوسيلة المثلى لتعقيم مياه زمزم، وتبين له أن استخدام الأشعة فوق البنفسجية هي أسلم الطرق، وذلك لعدم الحاجة إلى إضافة أي مواد كيماوية إلى الماء يمكن أن تغير طعمه، كما أن نتائجها ممتازة،و هي رخيصة الكلفة وسهلة التطبيق بالنسبة لظروف البئر وضرورات عمله. وقد تم تجهيز الأجهزة الخاصة بالتعقيم وحققت نجاحاً مؤكداً، حيث أثبتت التحاليل عدم وجود أي جراثيم مرضية في مياه البئر، كما أكدت عدم وجود أي جراثيم مرضية في مصادر مياه زمزم الرئيسية.

و إني أميل إلى أن الاستشفاء بماء زمزم موضوع إيماني غيبي أعلمنا به الصادق المصدوق وعلى البحاثة المسلمين أن يتابعوا دراساتهم التي قد تكشف حقائق طبية عن هذا النبع العظيم.



مراجع البحث

ابن قيم الجوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

دكتور حسان شمسي باشا: عن كتابه (الأسودان: التمر والماء) جدة: 1992.

الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).

الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:44 AM
المسك



قال تعالى: {يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك}. قال الطبري: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غش فيها. واختلف أهل التأويل في {ختامه مسك} فقال بعضهم: مزاجه وخلطه مسك. وقيل: طعمه وريحه. قال ابن عباس: بل معنى ذلك أن آخر شرابهم يختم بمسك يجعل فيه. وإن أولى الأقوال عندنا بالصواب قول من قال أن آخره وعاقبته مسك، أي هي طيبة الريح وإن ريحها في آخر مشربهم يختم بريح المسك.

و عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أطيب الطيب المسك " [رواه مسلم في صحيحه]. وعن عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر وقبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك، [رواه البخاري ومسلم. وروى ابن مسلم عن أبي شيبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطيب بالمسك.

يقول ابن القيم: المسك ملك أنواع الطيب وأشرفها وأطيبها، وهو كثبان الجنة يسر النفوس ويقويها، , يقوي الأعضاء الباطنة جميعها شرباً وشماً. جيد للغُشي والخفقان وضعف القوة بإنعاشه للحرارة الغريزية، يجلو بياض العين وينشف رطوبتها ويبطل عمل السموم وينفع من نهش الأفاعي وهو من أقوى المفرحات.

و يؤكد الموفق البغدادي أن المسك دواء يقوي المعدة ويقطع رائحة العرق. والمسك هو الإفراز المجفف من الجريبين القلفيين في غزال المسك Musk deer ويتكون في حويصلات خاصة توجد في الذكر وحده، موضعها خلف السرة تماماً، , تنشط بالعمل بعد النضج الجنسي للحيوان الذكر. وأجود أنواع المسك ما يؤتى به من التيبت. وهو مادة دهنية الملمس بنية اللون، رائحته قوية نفاذة وفي طعمه مرارة مقبولة.

و يحتوي المسك على زيت طيار ذي رائحة طيبة، كما يحتوي على مواد دهنية وراتنج وبروتينات ومواد غير عضوية. تؤكد الأبحاث الحديثة فائدة المسك لتنشيط القوى الحيوية والجنسية _ إذ يمزج عادة مع الشاي _ كما يفيد لمعالجة تشنجات الأطفال العصبية المنشأ ويمنع المغص وعسر الهضم.



مراجع البحث

1. تفسير الطبري.

2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

3. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).

4. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) 1986

5. السيد الجميلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) 1982.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:44 AM
الورس



عن زيد بن أرقم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب، قال قتادة: يلده، ويلَدّ به من الجانب الذي يشتكيه، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح] وعنه أيضاً قال: نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورساً وقسطاً وزيتاً: يلد به. [رواه ابن ماجة].

و عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً، , كانت إحدانا تطلى الورس على وجهها من الكلف، [رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وصحح الحاكم إسناده، , قال النووي: حديث حسن وقال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث]. وروى البخاري عن النبي مسلم أنه نهى عن أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بورس وزعفران، وعلق البغدادي عليه بأن الثوب المصبوغ بالورس يقوي الباه والمحرم يحرم عليه الباه.

و الروس شجيرة من الفصيلة الورسية Memecyclon Tinctarium، ينبت في الهند أو سيلان كما يزرع بأرض اليمن، وهي تعمر إلى عشر سنوات. جذوره صفراء صابغة ويستعمل طبياً مسحوق هذه الجذور.

و ذكر ابن القيم: أجوده الأحمر اللين، القليل النخالة. ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة على سطح الجلد إذا شرب نفع من الوضح ومقدار الشربة منه وزن درهم... وإذا لطخ به على البهاق والحكة والبثور والسعفة نفع منها، ,الثوب المصبوغ منه مقوٍ للباه.

و ذكر الدكتور الزيتوني فوائد تناوله عن طريق الفم بأنه طارد للغازات، مذيب للرمال منبه ومفرح للمعدة. أما الطلي به فينفع من الجرب، ,يضاف إلى المراهم لتأثيره المجفف للحروق والقروح. وأكد ابن سينا أن الورس ينفع من الكلف والنمش، وأنه إذا شرب نفع من الوضح _ يعني البرص _.



مراجع البحث

1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

2. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).

3. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) 1986.

4. ابن الاثير: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم)

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 03:45 AM
شجرة من يقطين



قال تعالى: {و أنبتنا عليه شجرة من يقطين} [الصافات: الآية 146].

عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء. [ذكره السيوطي في الجامع الصغير وحسنه من إخراج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة].

وعن أنس رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بمرقة فيها دباء وقديد فرأيته يتتبع الدباء يأكلها، [رواه البخاري].


و قد ثبت بالصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن خياطاً دعا رسول الله عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس: فرأيت رسول الله عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء حوالي الصحيفة، فلم أزل أحب الدباء من ذلك اليوم، وفي رواية للترمذي عن أبي طالوت قال: دخلت على أنس وهو يأكل قرعاً وهو يقول: يا لك من شجرة، ما أحبك إليّ، لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك.

و في الغيلانيات من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إذا طبختم قدراً فأكثروا فيه الدباء فإنها تشد قلب الحزين.

قال ابن الجوزي في تفسيره للآية: قال ابن عباس: اليقطين هو القرع. فإن قيل فما الفائدة من إنبات شجرة اليقطين دون غيرها؟ فالجواب أنه خرج كالفرخ وجلده قد ذاب فأدنى شيء يمر به يؤذيه، وفي ورق اليقطين خاصية أنه إذا تُرك على شيء لم يقربه الذباب فأنبته الله عليه ليقيه ورقها ويمنع الذباب ريحه أن يسقط عليه فيؤذيه.

و قال ابن كثير: وقد ذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمره وأنه يؤكل نيئاً ومطبوخاً.

قال ابن القيم: اليقطين وهو الدباء والقرع،, هو بارد رطب، ماؤه يقطع العطش ويذهب الصداع الحار.و هو ملين للبطن، وشديد النفع للمحمومين. وبالجملة فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالاً.

و لليقطين نوعان: قرع اليقطين الكبير المضلع، ,القرع الطويل أو قرع الكوسا.

القرع الكبير أو القرع العسلي وهو الدباء Cucurbita maximas أو The Gourd وهو نبات عشبي حولي مدّاد من الفصيلة القرعية Cucurbitacae أي فصيلة الكوستا نفسها لكنه يفوقها في القيمة الغذائية. وموطن زراعته حوض البحر الأبيض المتوسط. تطبخ ثماره كخضر مسلوقة أو مقلية ويمكن أن تصنع منها مربيات لذيذة. وهي غنية بالسكريات _ الكربوهيدرات _ [تبلغ نسبتها 6.5 %، ,يحتوي بروتينات 1.1 %، ودسم 0.02 % وماء 91 %] والفيتامين " آ " و" ب ". ويحتوي على الحديد والكلس. ويحتوي على عناصر فعالة كالقرعين Cucurbitin والبيبورزين وعلى حوامض أمينية مثل التيروزين واللوسين.

و من خواصه الغذائية أنه غير مهيج ومسكن ومرطب وملين ومدر للبول، لذا فهو يؤكل لطرد السوائل من الجسم في الوذمات والأنصبابات، كما أنه مطهر للصدر والمجاري البولية يفيد في معالجة التهابات المجاري البولية والبواسير والإمساك والأسر البولي والوهن وعسر الهضم والتهابات الأمعاء. كما يفيد المصابين بالعلل القلبية والأرق ومرضى السكري.

و يؤخذ من عصيره مقدار كأس على الريق كمسهل حسن كما يطبق العصير خارجياً ضد الحروق والالتهابات الجلدية والخراجات على شكل كمادة، أو تصنع الكمادة من مسحوق بذوره لنفس الغاية. وعلى هذا فالقرع سهل الهضم جيد الغذاء لا يجهد المعدة ولا الأمعاء في هضمه يصفه الأطباء في الحمية عندما يريدون تغذية المريض محافظين على جهازه الهضمي وإعطاءه الراحة الكافية لا سيما المصابون بآفات في القولونات.

أما بذور القرع فيستخرج منها زيت يصلح الطعام إذ هي غنية بالفيتامينات والدهون وهي تملح وتحمص وتؤكل كنقولات رائجة.

و في العلاج يستفاد منها:

1. لطرد الدودة الشريطية _ الوحيدة _: وغيرها من الديدان حيث تقشر 30 - 50 من البذور وتدق حتى تصبح كالعجين وتمزج بقليل من الحليب ثم تؤكل على الريق، وتكرر العملية 3 أيام يؤخذ بعدها مسهل قوي.

2. لمعالجة العجز الجنسي: حيث تؤخذ كمية متعادلة من بذور القرع والخيار والبطيخ الأصفر، تقشر ثم تدق وتمزج مع قليل من السكر ويؤخذ منها 3 ملاعق كبيرة يومياً. وهذه الطريقة تفيد لمعالجة تضخم الموثة والتهاباتها عند الشيوخ.

3. لمعالجة الأرق والتهاب المجاري البولية: حيث يطبخ مع الحليب أو الماء مقدار من البذور المقشرة والمهروسة وتؤكل.

أما القرع الطويل أو قرع الكوسا: فهو من الخضروات الهامة في عملية طهو الغذاء وله مكان بارز بين نباتات الفصيلة القرعية، لكنه أقل أهمية ونفعاً من القرع الكبير. وفيه مواد تعدل حموضة المعدة وهو ملين ومطهر، لكنه عسر الهضم، يفيد في الحمية عند البدينين ولمعالجة الزحار والبواسير وبذوره تفيد طاردة للديدان.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).

3. الحافظ ابن كثير: عن كتابه (تفسير القرآن العظيم).

4. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

5. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1982.

6. عبد اللطيف عاشور: عن كتابه (التداوي بالأعشاب والنبات) القاهرة: 1985.

7. دكتور أمين رويحة: عن كتابه (التداوي بالأعشاب) بيروت: 1973.

8. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.

9. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) دمشق: 1988.

10. محمد محمود عبد الله: عن كتابه (الطب القرآني بين الدواء والغذاء) حلب، بيروت: 1989.

د. عمر هزاع
07-12-2005, 04:10 AM
بورك فيك يا أخي





http://www.w6w.net/users/08-08-2005/w6w_20050808181628159958ebebccf.gif





الموضوع مثبت

أم سلمى
07-12-2005, 09:03 AM
جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل على هذه المعلومات القيمة
ولكن
ما شاء الله !
كل هذا فى القثاء

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:18 AM
في الطبّ الروحاني

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:18 AM
مقدمة



و هو ضرب من الطب النفسي ويعتمد الرقى الإسلامية والتداوي بالقرآن الكريم والدعاء المأثور بالصدقة.

و في الفصل تعاريف للرقية والتميمة، ومشروعية الرقى الإسلامية بل وسنتيها وتحريم الرقى الجاهلية وتعليق التمائم من خرز ونحوه. وتعليلٌ علمي لفائدة الرقى ومنفعتها لمن اعتقد بها. وهذه عناوين مباحث الفصل:

الأول: مشروعية الرقى والتمائم.

الثاني: الرقى العامة.

الثالث: الرقى الخاصة، وتتضمن:

رقية اللديغ من كل ذي حمة.

الرقية من العين.

الرقية الخاصة بالألم.

الرقية الخاصة بالأرق.

الرابع: السحر والرقية منه.

الخامس: الرقية والريقة والتراب.

السادس: داووا مرضاكم بالصدقة.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:20 AM
مشروعية الرقى والتمائم



الرقية: قراءة تعويذة على المريض. أما التميمة: فهي الرقية المكتوبة التي تعلق، إما بقصد الاستشفاء أو للحفظ من عين أو عدو أو جان. كما تطلق التميمة على كل ما يعلق على العنق أو الصدر من خرز أو ودع أو شبهها للغاية نفسها.

و قد عرفت الرقى والتمائم من قبل جميع الشعوب ومارسها الكهان من جميع الأديان. وأما النُشرة _ بضم النون _ فهي رقية كان يعالج بها المجنون والمريض، وقد نُشر عنه، ,التنشير: التعويذ بالنشر، لأنه ينشر عن المريض، أي يُحلُّ عنه ما خامره من الداء. وقد تطلق على ما يرقى به من ماء ثم يغسل به المريض، أو على الرقية المكتوبة التي تغمس بالماء ثم يمسح به المريض أو يشربه.

فأما الودع والخرز وشبهها إذا علقت بنية الاستشفاء من مرض أو للوقاية من الإصابة بعين أو حسد أو مرض فهي حرام قطعاً وبإجماع جمهور علماء المسلمين. وإذا اعتقد المعلق أنها تفعل بخاصية منها فقد أشرك والعياذ بالله تعالى.

عن عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تعلق شيئاً وكل إليه " [رواه الترمذي].

و عن عبد الله بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من يعلق تميمة فلا أتم الله له ومن يعلق ودعة فلا ودع الله له " [رواه الإمام أحمد، ورواه أبو يعلى والطبراني، وقال الهيثمي: رجالهم ثقات (مجمع الزوائد)].

و عن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يبالي من أتى من شرب ترياقاً أو تعلق بتميمة " [رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن (الأرناؤوط)].

و قال ابن الأثير: وليس شرب الترياق مكروهاً من أجل التداوي به حرام ولكن من أجل ما يقع فيه من لحوم الأفاعي وغيرها من النجاسات وهي محرمة. وما لم يكن فيه حرام ولا نجس فلا بأس.

أما التمائم فإن المجمع على حرمته منها ما كان معلقاً من غير كتابة، وكذا التمائم المكتوبة والحاوية على نص فيه شرك كالاستعانة بصنم أو بالشياطين، أو أن النص مكتوب بما لا يفهم معناه.

أما المرقى فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رقى الجاهلية كلها في مطلع الإسلام باعتبار أن معظمها يحتوي على عبارات فيها شرك أو تعلق بالأصنام أو من الكلام الذي لا يعرف له معنى، ولاعتقاد فاعليها أن تأثيرها حاصل بطبعها كما كان الجاهليون يعتقدون ويزعمون.

عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الرقى والتمائم والتولة شرك " [رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح الإسناد].

و في رواية أبي داود: قال الراوي لم تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فيرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كفّ عنها، إنما يكفيك أن تقول كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " [رواه أبو داود بإسناد حسن (الأرناؤوط)].

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشر فقال: " هو من عمل الشيطان " [رواه أبو داود بسند صحيح (الأرناؤوط)].

و عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].

و قد جاءت النصوص بعد ذلك لتدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن ببعض

الرقى التي كان العرب يرقون بها في جاهليتهم مما لم يجد فيه ما يتنافى مع عقيدة التوحيد وبعد أن اطمأن عليه الصلاة والسلام إلى رسوخ العقيدة الصحيحة في نفوس أصحابه.

فعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنه كانت عندنا رقى نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى. قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل [رواه مسلم].

و عن عائشة رضي الله عنها قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرقية من كل ذي الحمة [رواه البخاري].

و عن أنس رضي الله عنه قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لآل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة [رواه البخاري، من لدغ ذي حمة: أي من لدغ ذوات السموم].

و أن الترخيص أو الإذن بالشيء إنما يدل على إباحته بعد النهي عنه.

و عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، [رواه مسلم].

قال ابن حجر: وقد أجمع علماء الأمة على جواز الرقية عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله سبحانه وتعالى.

و عما يظن تعارضاً بين الأحاديث التي تفيد جواز الرقى وحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب: " هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " [رواه البخاري ومسلم] وحديث " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " [رواه الإمام مسلم] أجاب الإمام النووي: ولا مخالفة بل المدح في ترك الرقى، المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار والرقى المجهولة والتي بغير العربية وما لا يعرف معناه فهي مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه.

و أما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة. وأما قولهم: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى، فأجاب عنه العلماء بأجوبة: أحدها أنه كان نهياً ثم نسخ ذلك وأذن فيها وفعلها صلى الله عليه وسلم واستقر الشرع على الإذن. والثاني أن النهي كان لمنع الرقى المجهولة كما سبق، والثالث أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها.

و في نفس الموضوع يقول البغدادي: فيحتمل أن النهي كان ثابتاً ثم نسخ، أو لأنهم كانوا يعتقدون منفعتها بطبيعة الكلام، فلما جاء الإسلام واستقر الحق في أنفسهم أذن لهم فيه مع اعتقادهم بأن الله تعالى هو النافع الضار.

و قال النووي: وأما قوله " لا رقية إلا من عين أو حمة " فلم يرد به حصر الرقية الجائزة فيهما ومنعها فيما عداها، وإنما المراد لا رقية أحق وأولى من رقية العين والحمة لشدة الضرر فيهما. وقال ابن الأثير: تخصيص العين والحمة لا يمنع جواز الرقية في غيرهما من الأمراض لأنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام رقى أصحابه من غيرهما وإنما معناه: لا رقية أولى وأنفع من رقة العين والسم. ونقل ابن حجر عن الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله وبما يعرف من ذكر الله.

و قد اختلف في حكم التمائم إذا كانت مكونة من ذكر أو آية من كتاب الله أو دعاء مأثور، فقد ذكر الشيخ عبد الله بن صديق: وأما كتابة شيء من القرآن أو الأدعية المأثورة وتعليقه على عنق الصحيح أو المريض للاستشفاء فجائز على الأرجح. واستدل بكتابة عبد الله بن عمرو بن العاص دعاء الفزع في النوم وتعليقه على عنق من لم يبلغ من أولاده.

و قد سئل سعيد بن المسيب عن التعويذ، أيعلق؟ فقال: إذا كان في قصبة أو رقعة بحرز فلا بأس به، هذا على أن المكتوب قرآن.و عن الضحاك _ من التابعين _أنه لم ير بأساً أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله، ورخص أبو جعفر الباقر _ من سادات التابعين أيضاً _ في التعويذ يعلق على الصبيان. أما أحمد بن حنبل فقد نص على كراهية التعليق للتعاويذ من القرآن وغيره وقال: كان ابن مسعود يكرهه.

قال القرطبي: واختلف العلماء في النشرة وهي أن يكتب شيئاً من أسماء الله أو القرآن ثم يغسله بالماء ويمسح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيب، ولم ير مجاهداً بأساً أن تكتب آيات القرآن ثم تقرأ ثم يسقاه صاحب الفزع. أما الحسن وإبراهيم النخعي فقد منعاها. هذا ونقسم الرقى بحسب الغاية التي وضعت من أجلها إلى رقى عامة ورقى خاصة.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:21 AM
الرقى العامة



و هي الرقى التي لم يرد لها مناسبة خاصة ويمكن أن تشرك كمعالجة روحية _ نفسية _ في كل الأمراض إلى جانب الأدوية المتوفرة سواء أكانت ناجعة أم لا وهي إما أن تكون قرآناً أو تكون دعاءً أو ذكر ورد فيه نص صح نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم.



التداوي بالقرآن:

قال تعالى: {و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: الآية 82].

و قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} [فصلت: الآية 44].

و قال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} [يونس: الآية 57].

و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالشفاءين العسل والقرآن " [رواه ابن ماجة والحاكم وصححه وقال البويصري في الزوائد: إسناد ابن ماجة للحديث صحيح ورجاله ثقات].

فالرقى يمكن أن تكون بأي آية من القرآن العظيم، وتصلح لأن تكون معالجة روحية أو نفسية لأمراض الجسد والقلب. والشفاء هنا هو الدواء. وفي الحديث إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية مشاركة الدوائين: المادي العسل والروحي القرآن. فالقرآن شفاء من عدة وجوه: شفاء للقلوب والعقول من أمراض الكفر والجهل وشفاء للنفوس من انحرافاتها ومخاوفها كما هو دواء وعلاج نفسي لأمراض البدن.

و اكمل الرقى ما كانت بالنصوص القرآنية التي أتت بها السنة المطهرة ومنها الفاتحة والمعوذات

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرّوا بماء فيه لديغ _ أو سليم _ [السليم هو اللديغ أيضاً بلغة العرب، ويطلقون عليه هذا اللفظ تفاؤلاً بسلامته] فعرض لهم رجلٌ من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلاً لديغاً _ أو سليماً _. فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فبرأ، [رواه البخاري].

و عن أبي سعيد الخدري أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حيّ من أحياء فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد القوم فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً. فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء. فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ. فأتوا بالشاء فقالوا: لا تأخذه حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية! خذوها واضربوا لي معكم بسهم، [رواه البخاري].

عن عائشة رضي الله عنه قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه في المرض الذي فيه بالمعوذات [رواه البخاري ومسلم]. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسح بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي [رواه مسلم]

قال الرواي: فسألت الزهري: كيف ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه

و عن أبي سعيد الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذات فأخذ بها وترك ما سواها [رواه النسائي والترمذي وحسنه]

قال البغدادي: وأم القرآن أنفع الرقى لخما فيها من تعظيم الرب وإخلاص عبوديته والاستعانة به، ويقال: موضع الرقية منها {إياك نعبد وإياك نستعين}.

و قال ابن القيم: ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب العالمين، الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة والرحمة العامة. وبالجملة: فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله وتفويض الأمر كله إليه والاستعانة به والتوكل عليه وسؤاله مجامع النص كلها من أعظم الأدوية الشافية الكافية، وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن من الشرور قبل وقوعها عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده [رواه البخاري ومسلم] وقال: " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " [رواه البخاري ومسلم]



الرقى النبوية:

عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة، اشتكيت. فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: اللهم رب الناس مذهب البأس اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت شفاءً لا يغادر سقماً [رواه البخاري].

و عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: " أذهب البأس رب الناس. اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً [رواه البخاري ومسلم]. وعن عائشة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقى بهذه الرقية: " أذهب البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت " [رواه مسلم].

و عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتُكيت؟ قال: نعم. قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، [رواه مسلم] واشتُكيت: بضم التاء أي مرضت.

رقية اللديغ من كل ذي حمة:

[أي من لدغ ذوات السموم كالحية والعقرب وغيرها]

عن أنس رضي الله عنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقى من العين والحمة والنملة [رواه مسلم].

و عن عائشة رضي الله عنها قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة [رواه البخاري].

عن أبي سعيد الخدري قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، سيدنا لدغ وسعينا بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال: نعم إني والله لأرقي ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلاً. فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يتفل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي ما به قلبة. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم: اقتسموا واضربوا لي معكم سهماً [رواه البخاري ومسلم].

و عن علي رضي الله عنه قال: لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره. ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها ويقرأ: قل يا أيها الكافرون وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس [رواه الطبراني في الجامع الصغير، وقال الهيثمي: إسناده حسن].

و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعن الله العقرب ما تدع نبياً ولا غيره ثم دعا بماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة من الماء والملح ويقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين حتى سكنت [رواه الترمذي، والحاكم في المستدرك بإسناد صحيح، وقال الذهبي: صحيح على شرط الشيخين]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من الحية والعقرب [قال الأرناؤوط: في سنده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ].

قال الدكتور النسيمي: عندما لا يعرف للمرض الجسمي دواء شاف، كثيراً ما تنضم إلى أعراض المرض الجسدي مضاعفات نفسية تزيد من شكاية المريض فالمعالجة الروحية هنا ضرورية جداً حيث تتحقق فائدة الرقية. وبالنسبة للديغ لم يكن المصل المضاد للسموم مكتشفاً في ذلك الزمن، وقد رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من حوادث اللدغات.

و تعليقاً على الحديث الذي جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المعالجة بالماء والملح وبين الرقية، يقول المناوي في فيض القدير: فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدواء المركب من الطبيعي والإلهي، والملح نافع للسم وقال عنه ابن سينا: يضمد بالملح مع بزر الكتان للسع العقرب، وفيه قوة جاذبية محللة.

و عن إشراك الرقية مع الأدوية المادية يقول النسيمي: والغاية من الرقية حينئذ هي بعث الأمل والطمأنينة في المريض وتحريك إيمانه واتكاله على الله تعالى في نجاح الدواء المادي فتقوى معنوياته ويزداد أمله في بلوغ العافية وخاصة عندما يرقيه من يعتقد بصلاحه. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة للمؤمنين في الجمع بين الدواء المادي والروحي.

و لقد جمع رسول الله في سلوكه العملي في كل حياته وفي مرض وفاته بين الأدوية المادية التي كان ينصحه بها الأطباء كما تروي السيدة عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه وكان يقوم عليه أطباء العرب والعجم [رواه ابن ماجة ورجاله ثقات] وبين رقية نفسه بالمعوذات والاستعانة بالله عز وجل خالق المرض وخالق الشفاء.

فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، [رواه البخاري].

قال ابن القيم: واعلم أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه وإذا وقع، لم يقع وقوعاً مضراً وإن كان مؤذياً. فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة! فقال: أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك [رواه مسلم].

الرقية من العين:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا " [رواه مسلم]. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: " رخّص في الرقية من الحمة والعين والنملة " [رواه مسلم]. والنملة قروح تخرج من الجنب وغيره من الجسد، ,لا نعرف إذا كانت توافق المصطلح الحديث _ الأكزيمة _ أم لا.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق " [رواه البخاري ومسلم].

و عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العين حق ونهى عن الوشم " [رواه البخاري ومسلم]

و عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم " [رواه الترمذي وقال: حديث غريب].

و عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم _ أو أمر _ أن تسترقي من العين " [رواه البخاري ومسلم]. وعنها أيضاً قالت: " كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين " [رواه أبو داود، قال الأرناؤوط: حديث حسن الإسناد]. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما [رواه البخاري].

و عن عامر بن ربيعة قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فإن العين حق " [رواه الطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (الهيثمي)].

و عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سعفة فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة " [رواه البخاري ومسلم، السعفة: سواد في الوجه وقيل حمرة يعلوها سواد " وإن بها النظرة " أي أصيبت بالعين].

و عن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: " نعم، فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين " [رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة بسند جيد (الأرناؤوط)].

قال ابن حجر: " العين نظر استحسان مشوب بالحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر. أما كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ قد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن إلى بدن المعيون. وقد نقل بعض من كان معياناً قوله: إذا رأيت شيئاً يعجبني وجدت حرارة تخرج من عينيّ. وإن الذي يتمشى مع عقيدة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر ثمّ هل هناك جواهر خفية أم لا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته أو نفيه. وقال ابن العربي: والحق أن الله يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة أو يضرفها بعد وقوعه بالرقية أو الاغتسال أو غير ذلك.

و قال ابن حجر: وفي قوله " العين حق " أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وقد أنكره طائفة مبتدعة.. فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. " ونهى عن الوشم ". ظهرت لي مناسبة بالربط بين هاتين الجملتين، وهي أن من جملة الباعث على الوشم تغيير صفة الموشوم لئلا تصيبه العين. وفي قوله " لو كان شيء سابق للقدر " أي لو فرض أن شيئاً له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها. وقال النووي: وفي الحديث إثبات القدر وصحة أمر العين وأنها قوية الضرر.

وقال ابن القيم: ولا يمكن للعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام فإنه أمر مشاهد محسوس فأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحيي منه، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه. وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه ... فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذىً بيناً ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يستعيذ من شره.

و قال النسيمي: إن المعالجة النفسية لمن يبالغ في اعتقاده بالسحر أو بالإصابة بالعين يقرها العلمانيون من علماء النفس كما يقرها العلماء المسلمون. على أننا نعتقد استناداً إلى ما روينا من نصوص صحيحة بوجود أذى حقيقي لبعض أنواع السحر والإصابة بالعين. وما الرقى والتعاويذ والأدعية التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ ضرب من المعالجات النفسية، والتي تفيد المعيون وتصلح لوقاية الصحيح من الإصابة بالعين.

و من العلاج النبوي هذا قراءة المعوذتين وقد روينا الحديث عن البخاري في مطلع البحث. ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتُكيت؟ قال: نعن، فقال: باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفس وعين، باسم الله أرقيك والله يشفيك، [رواه مسلم].

و من العلاجات النبوية للإصابة بالعين أن يُصَب ماء غسل العائن بعض أعضائه أو وضوئه على المعين من خلفه. قال ابن حجر: وقوله صلى الله عليه وسلم " إذا استغسلتم فاغسلوا " فيه إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معروفاً بينهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم. وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك وظاهر الأمر الوجوب.

و قال المازري: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت به العادة بالشفاء به فإنه يتعين.

و حديث " إذا استغسلتم فاغسلوا " لم يبين صفة الاغتسال، لكن وقعت في حديث عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل وكان أبيض حسن الجسم فنظر إليه ربيعة بن عامر فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة. فلبط سهل. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ عليه فقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلاّ إذا رأيت ما يعجبك برّكت! ثم قال: اغتسل له. فغسل له وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه حتى رأسه وظهره. ففعل به ذلك فراح سهل مع الناس ما به بأس [رواه الإمام أحمد والنسائي وصححه ابن حيان، قوله " لبط " أي سقط من قيام وصرع: أي طرح على الأرض. وقوله " ألا برّكت " أي دعوت له بالبركة].

قال ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها ولا من فعلها مجرباً غير معتقد. هذا مع أن المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على الجسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة ...

و قال أيضاً: وإذا كان العائن يخشى ضرر عينيه وإصابتهما للمعين فليدفع شرهما بقوله: اللهم بارك عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر لما عان سهلاً " ألا برّكت " أي قلت له: بارك الله عليك. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن يرى ما يعجب من أخيه " فليدع له بالبركة ".

و مما يدفع به إصابة العين، أي إذا رأى شيئاً يعجبه من أخيه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله وذلك عملاً بقوله تعالى: {و لولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} [الكهف: الآية 39].

الرقية الخاصة بالألم:

عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم فقال له: ضع يدك على الذي يتألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاث مرات وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، [رواه مسلم]. وفي رواية الموطأ: " أعوذ بعزة الله وقدرته " قال: فقلت ذلك فأذهب الله ما بي.

و عن عائشة رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى يقول: " اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن القيم: ففي هذا العلاج من ذكر اسم الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزة الله وقدرته من شر الألم يذهب به، وتكراره ليكون أنجع وأبلغ، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها.

و هكذا ففي الممارسة الطبية اليومية فإن الطبيب لا يألو جهداً في تسكين الألم عند مريضه ريثما يتم فعل الدواء المعطى لشفائه من مرضه الذي يسبب له الألم. ومن الآلام ما يكون مجرد عصابات نفسية ناتجة عن الإرهاق والقلق، أو من تخوف المريض من دائه الذي يعاني منه. وفي كل هذه الحالات فإن العلاجات النفسية ومنها الرقى ناجعة بالشفاء منها.



الرقية الخاصة بالأرق والمخاوف الليلية:

إن المجال الأكبر الذي وردت فيه الرقى النبوية إنما كان في معالجة الحالات والأمراض النفسية كالأوهام والقلق والخوف من الأمراض والإصابة بالعين أو السحر وغيرها، وما ينجم عن ذلك أحياناً من كوابيس أو أحلام مزعجة وأرق. وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءً يجعلنا في طمأنينة نفسية بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى حين قال: " إذا فزع أحدكم من النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده. ومن همزات الشياطين وأن يحضرون " فكان عمرو بن العاص يلقنها من بلغ من ولده. ومن لم يبلغ منهم، كتبها في صك ثم علقها في عنقه [رواه الترمذي وحسنه].

ويذكر الأطباء اليوم أن الأرق ينجم عن انشغال الذهن بهموم الأعمال اليومية وانفعالاتها أو عن مخاوف حياتية مختلفة، أو أنه يرافق بعض الشواشات العصبية. وإن تحويل الذهن عما يشغل ساحته من التفكير بالمكدرات إلى التفكير بعظمة الخالق والاستعانة والاستجارة به، إن ذلك يكسب المصاب بالأرق اطمئناناً وهدوءاً نفسياً يساعده على النوم ودفع الأرق.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:27 AM
السحر والرقية منه



قال تعالى: {و ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: الآية 102].

و عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني ذريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله. حتى إذا كان يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيت فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهم: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجُفِّ طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله في ناس من أصحابه فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءه نقاعة الحناء وكأن رؤوس الشياطين. قلت: يا رسول الله أفلا نستخرجه؟ قال: قد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس شراً. فأمر بها _ أي البئر _ فدفنت، [رواه الشيخان].

و عن عائشة رضي الله عنها قالت: سُحِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنه كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتيهن، [رواه البخاري ومسلم] وقال سفيان [هو سفيان بن عينية أحد رواة الحديث]: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات. وقال يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر ... " [رواه البخاري].

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: سَحَر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياماً، فأتاه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجها فحلها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما أنشط من عقال، [رواه النسائي،, قال الأرناؤوط: إسناده صحيح].

قال الدكتور سعيد رمضان البوطي: ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة ودليلهم حديث عائشة المتقدم، وذكر الله تعالى له في كتابه وأنه مما يتعلم وذلك لا يكون إلا فيما له حقيقة ما، وقوله سبحانه عنه: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به من بين المرء وزوجته} والتفريق بين المرء وزوجه شيء حقيقي كما هو معروف.

و ذكر القرطبي أن السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجود تركيبها وأوقاته، والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيراً في القلوب كالحب والبغض، وفي الأبدان كالسقم والألم. ويعد ابن حجر للسحر أنواعاً فمنها ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعوذون من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، ومنها ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب التقرب إليها ومنها ما يحصل بمخاطبة الكواكب ز استنزال روحانيتهم بزعمهم.

و قال النووي: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات ومنه ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا. وأما تعليمه وتعلمه فحرام. وعن مالك: الساحر كافر يقتل به حداً ولا يُستتاب.

و قال البوطي: ويستشكل على البعض كون السحر بحدّ ذاته حقيقة ثابتة، إذ هو فيما يتوهونه منافٍ لحقيقة التوحيد وانحصار التأثير لله وحده، والجواب على هذا الوهم هو أن اعتبار السحر حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثراً بذاته، بل كقولنا: السم له مفعول حقيقي ثابت. فهذا كلام صحيح لا ينكر، غير أن التأثير في كل هذه الأمور الثابتة إنما هو الله تعالى.

و في قوله تعالى عن السحر: {و ما هم بضاّرين به من أحد إلا بإذن الله} نفي التأثير الذاتي عن السحر، لكنه سبحانه أثبت في نفس الوقت مفعولاً للسحر ونتيجة منوطة بإذنه تعالى ويستشكل على البعض أيضاً أن يقال: إن رسول اله صلى الله عليه وسلم قد سُحر، وأن هذا كما يتوهمون يحط من قدر النبوة. والجواب أن السحر الذي أصيب به النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان متسلطاً على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده. فمعاناه صلى الله عليه وسلم من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي كان. ومعلوم أن عصمة الأنبياء تستلزم سلامته من الأمراض البشرية.

و قال ابن حجر: سلك النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب. ففي أول الأمر فوض وسلّم لأمر ربه فاحتسب الأجر في صبره على بلائه. ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوي ثم إلى الدعاء، وكل من المقامين في غاية الكمال.

و ذكر ابن القيم: أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاج السّحر استخراجه وتبطيله. فقد صح في حديث البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه في ذلك، فدُلَّ عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطة وجف طلع ذكر. فلما استخرجه ذهب ما به كأنما نشط من عقال، فهذان أبلغ ما يعالج به المطبوب. وقد أخرج الطبري عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأساً إذ كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، وكان الحسن يكره ذلك.

و قال ابن القيم: ومن أنفع علاجات السحر _ الأدوية الإلهية _ بل هي أدويته النافعة بالذات. فإن من تأثيرات الأرواح السفلية الخبيثة ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها. فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله مغموراً بذكره وله من التوجهات والأذكار والتعوذات وردَّ لا يخل به _ كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات بعدما يصيبه.

و لقد كان أهم ما رقى به رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من السحر المعوذتان. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن حادثة سحر لبيد بن الأعصم للنبي صلى الله عليه وسلم هي سبب نزول المعوذتين: نزلت ليحل بقرائتها والاستعاذة بها العقد من سحره.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:27 AM
الرقية والريقة والتراب



عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: " باسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا " [رواه البخاري].

و عن سفيان قال: كان إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بإصبعه هكذا _ وضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها _ باسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا " [رواه مسلم]. وقوله " بريقة بعضنا " يدل على أنه كان يتفل عند الرقية.

و قال النووي: معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم وضعها على التراب فعلق به شيء منه ثم مسح به الموضع العليل أو الجرح قائلاً الكلام المذكور في حالة المسح، وقال القرطبي: ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته بالأرض ووضعه عليه يدل على استحباب ذلك عند الرقية، ولعله فعله لخاصية في ذلك أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.

و نقل ابن حجر عن البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلاً في النضج وتعديل المزاج. وعن النوربشتي قوله: كأن المراد بالتربة الإشارة إلى فطرة آدم والريقة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحال، أنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهيَّن عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته.

و الريق أو اللعاب هو ذلك السائل الموجود في الفم الذي تفرزه الغدد اللعابية المختلفة، وقد كتب الدكتور ظافر العطار [المقالة بعنوان " خواص اللعاب الشفائية " _ مجلة طب الفم السورية، العدد الأول لعام 1987] مقالة طريفة عن خواصّ اللعاب الشافية نقل فيها مشاهدات لعديد من علماء الغرب حول قدرات اللعاب الشفائية منها ما أثبته كل من Osdich وBarnes من أن للعاب خواص قاتلة وحالّة لكثير من الجراثيم. وأن اللعاب الطازج يصدُّ المكورات العقدية الحالة للدم من نوع بيتا ويمنع تكاثر جراثيم الكزاز. وأن فلمنغ أثبت وجود مادة حالة للجراثيم في المخاط الأنفي واللعاب الإنساني تدعى بالليسوزيم وهي فعالة ضد المكورات السحائية والدقيقة Micrococcus وضد المكورات العقدية والعنقودية المسؤولة عن تقيحات الجلد. وأثبتت بحوث أخرى أن الجراثيم الهوائية الموجودة في اللعاب تعمل على توليد الماء الأوكسجيني ذو الخواص المطهرة.

و قد أثبت دوجون [Dogon L. , Amjur B.." Archiv Oral Biology " London , 987 , 1970] وزملاءه وجود نمطين قاتلين للجراثيم في اللعاب النكفي يتألف الأول من سيانات الكبريت مع عنصر بروتيني ويتكون الثاني من الماء الأوكسجيني مع سيانات الكبريت. أما العالم ماركهيل وتوتو [Mark Hill and Toto: Effects of Human Saliva on Oral ch. Carcinomas " j. of Dental Reseach , june 1973] فقد أكدا أن اللعاب الإنساني يخفف بصورة كبيرة من تطور السرطان التجريبي عند الفئران. كما أثبت فولكر [Shamsud Dowla: " Saliva: It,s anti Infectious Propootie " , Tropical Dental j. March , 1982] أن اللعاب الإنساني يسرّع من تخثر الدم، يدل على هذا عملياً أن الأعمال الجراحية المجراة في الفم تلتئم بأسرع مما لو كانت خارجه.

و هكذا يرى الدكتور العطار أن اللعاب أو الريقة تختلف من فم لفم. وبصورة عامة

فاللعاب يساعد على شفاء الجروح ويخفف من تأثير المواد المسرطنة ويقضي على الكثير من الجراثيم الممرضة.

الرقى معالجات نفسية يقرها الطب الحديث

إن فهم العلاقات المتبادلة والراسخة بين الجسم والنفس يجعلنا ندرك أهمية العلاج النفسي أو ما يسمى بالطب الروحاني. والطب النفسي البدني هو الذي يبحث في العلاقات المتبادلة بين الجسم والنفس وفي تطبيق الانفعالات وغيرها من العوامل النفسية على مشاكل المرضى. وإن الدوافع الابتدائية يمكن أن تتظاهر بالتساوي في العقل وفي الأعضاء. وإن القلق يمكن أن يصيب العضوية بآليات مختلفة. وهكذا فالتآثرات بين العضوية والنفس من الأمور البديهية.

فالانفعال والنشاط الروحي وحتى درجة الذكاء يمكن أن تتبدل في سياق الأمراض العضوية المختلفة، يدل على ذلك ما نشاهده من همود وكآبة عند المصابين بعلل معدية _ معوية أو تناسلية _ بولية، وكذا الهذيان عند المصابين بالحمى الشديدة. وعلى العكس فالحالة النفسية تؤثر في العضوية من غير شك، فالانفعال قد يؤدي إلى البوالة أو الإسهال أو توقف الهضم، وحتى أنه يكفي عند بعض الناس إمعان الفكر في بعض الأمور حتى تحدث عندهم حركات تدل على مجرى الحركة النفسية عندهم. وكثيراً ما يتبدل المشهد السريري بتأثير الانفعال النفسي ومن هنا شاعت طريقة المعالجة النفسية المبينة على الإقناع لشفاء كثير من العلل الوظيفية والعصبية.

و قد تبين أن للعوامل النفسية أثر عظيم في إحداث العلل العصبية والوظيفية وفي الشفاء منها أيضاً، وفي طليعة هذه العوامل الانفعال وما يحدث من أثر سيئ في سير الوظائف الفيزيولوجية في أنحاء البدن كافة والذي يفضي أحياناً إلى اضطراب في أحد أجهزة البدن قد يستمر ويكون باعثاً حقيقياً لإحداث علة عضوية ثابتة _ قرحة المعدة، فرط التوتر الشرياني _ فالقلق مثلاً قادر على الإخلال بالوظائف الفيزيولوجية وعلى إحداث أعراض بدنية - نفسية إذ يمكن للقلق الحاد أن ينبه مثلاً الجملة النباتية الودية Sympathic مؤدياً إلى تشنج البواب أو الفؤاد أو المعي، كما يمكن أن يحدث زيادة في الحموضة المعدية أو إسهالاً أو إمساكاً أو خفقاناً في القلب أو خوارج انقباض أو ضيقاً تنفسياً أو تعرقاً في الوجه واليدين ....

و يقصد بالمعالجة الروحية أو النفسانية تطمين المريض ورفع معنوياته والإيحاء إليه بأن مرضه سيسير عاجلاً نحو الشفاء. وقد أكد الدكتور القوصي [الدكتور عبد العزيز القوصي عن كتابه (أسس الصحة النفسية)] أن أثر الإيحاء في الحالات الجسمية أمر معلوم. ففكرة الصحة أو المرض يمكن أن تؤدي إلى الصحة أو المرض. ويرجع قسط كبير من نجاح العلاج الدوائي إلى ما يصاحبه من إيحاء بالشفاء. وإذا توفر الاعتقاد أمكن الوصول إلى الشفاء دون أخذ الدواء. وقد أثبت الأطباء أن للإيحاء فوائد علاجية في كل من الأمراض العضوية والوظيفية والنفسية.

ففي الأمراض العضوية يفيد الإيحاء في عزل العنصر النفسي الذي يزيد في المظاهر المرضية ويشوش على الطبيب الصفحة السريرية ما قد يضلله في التشخيص. كما ثبت أن الإيحاء قد يشفي أمراضاً عضوية بحتة كما هو معروف عند أطباء الجلد من شفاء الثآليل بالإيحاء.

أما في الاضطرابات الوظيفية فإن فائدة الإيحاء تكون أقوى، ومن أمثلتها معالجة بعض أنواع الخفقان والصداع وسوء الهضم والإمساك وفي معالجة أقياء الحمل المعندة _ كما هو ثابت عند الأطباء المولِّدين _ يقول الدكتور شوكت القنواتي: ومما تجدر الإشارة إليه العلاقة الوثيقة بين الجهازين الوّدي والعصبي الدماغي مما يعلل دور الإيحاء في شفاء أقياء الحمل المعندة والخطرة. وتقوم المعالجة النفسية بالإيحاء على عزل المريضة تماماً ثم بالتظاهر مثلاً بوجود انحراف في الرحم سيعمد المولد إلى ردّه أو إقناعها بأن لدى المولد طريقة لا تخيب سيطبقها لها، وكثيراً ما تكفي المعالجة النفسية هذه في شفاء تلك الأقياء.

أما فائدة الإيحاء في الأمراض النفسية فهي أعظم وأجل، إذ يعتبر في عداد أدويتها القيمة والناجعة وخاصة تلك الحالات الناجمة عن القلق. وحديثاً تعتبر طريقة التحليل النفسي من العلاجات المهمة للآفات النفسية. وفي هذا المجال يقول الدكتور النسيمي: وإن المعالجة الروحية في الطب الإسلامي إنما تعتمد على الرقى والأدعية المأثورة. وتشترك الرقى مع الإيحاء ببعض الشروط والظروف، ويعتبرها المسلمون استغاثة بالله تبارك وتعالى واستمداداً للعون منه.

إن فعل الرقى كعلاج يختلف بحسب درجات الإيمان واليقين وصفاء النفس وخاصة عند الراقي، وحسب درجة الالتجاء والتذلل والرجاء من الله تعالى حين الرقية، وعلى حسب اعتقاد المرقي بالرقية وثقته بأهلية الراقي وإخلاصه. هذا ويعلل الدكتور النسيمي النتائج الحسنة للرقى الإسلامية بأحد أمرين: الإيحاء والمعونة الإلهية أو بكلا الأمرين.

1. الإيحاء:

و به ترتفع معنويات المريض وتخف الأعراض ويشعر بالتحسن أو يشفى، والطب الحديث يقر أثر الإيحاء في الشفاء بدون شك. يقول ابن القيم: وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء ولكل شيء ضداً، ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء فتقوى نفس المرقي وقوته بالرقية على ذلك الداء فيدفعه بإذن الله ... وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى كانت الرقية أتم. وقال: إن الأذكار والأدعية التي يستشفى بها، وإن كانت نافعة شافية لكنها تستدعي قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره

2. المعونة الإلهية:

يعتقد المسلمون بمعونة الله القادر على كل شيء والتي يقدمها سبحانه استجابة لدعوة المضطر، الصادرة من أعماق نفسه، أو معونة لعبده الصالح الذي رجاه، يقول تعالى: {أمّن يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}. وبقدر ما يكون الراقي كامل الإيمان قوي العزيمة صادق اللجوء إلى الله، بقدر ما تكون رقيته ناجعة بإذن الله. ولقد نقل ابن حجر عن الإمام ابن التين قوله: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى.

و يعتقد المسلمون أن الرقية قد تنفع لوحدها بدون دواء مادي، وذلك عند عدم تيسر الدواء المادي أو فقدانه أو فشله. وإن يقين الراقي بالله تعالى وصدق رجائه منه حين الرقية وثقة المرقي بالله ثم بالراقي يزيد من إمكانية الشفاء. ويستحسن تكرار الرقية لعدة أيام. هذا وإن شفاء اللديغ بالرقية لأكبر دليل على وجود أمر زائد عن الإيحاء وحده، لأن الإيحاء لا يكفي في شفائها فهو يزيل المخاوف والقلق حول نتائج اللدغة.

و يرى النسيمي أن من أسباب فشل المعالجة بالرقى _ حين فشلها _ أن يتقصد المريض إهمال الدواء المادي المتيسر له، والمعروف فائدته لمرضه. ففي ذلك الفشل تأديب من الله تعالى للمهمل. ولأنه في إهماله هذا ترك للأخذ بالأسباب، وكأنه بذلك يعترض على الحكمة الإلهية في خلق الأدوية المادية التي هي سبب الشفاء، فتؤدبه القدرة الإلهية بخيبة رقيته. وما أجاز الإسلام الرقي _ بحال من الأحوال _ لتحل محل الدواء المادي كما ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلوكه في صحته ومرضه، ولكن لتكون تذكيراً بالله ودعماً نفسياً لروحه لبلوغ أفضل النتائج العلاجية.

و لقد تكلم علماء المسلمين منذ القديم على أهمية الأدوية الروحية الداعمة للأدوية المادية فقال ابن القيم: نبه الإسلام المريض على أدوية روحانية يضمها إلى الأدوية المادية المتوفرة، وتشمل اعتماد القلب على الله والتوكل عليه والالتجاء إليه والتذلل والصدقة والدعاء والاستغفار والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف. وهذا جاء على قانون الحكمة الإلهية وليس خارجاً عنها. ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين وخالق الداء والدواء ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء، كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعاينها القلب البعيد منه، غير المرضي عنه، وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره.

و هذا الذي تكلم عنه ابن القيم، تحدث عنه الدكتور بول آرنست في كتابه (الله يتجلى) حيث يقول: دلت الإحصائيات أن 80 % من المرضى في جميع المدن الأمريكية ترجع أمراضهم إلى حدٍّ كبير إلى مسببات نفسية وعصبية. ومما يؤسف له أن كثيراً ممن يشتغلون بالعلاج النفسي يفشلون لأنهم لا يلجؤون إلى بث الإيمان بالله في نفوس المرضى مع أن الأديان جاءت لتحريرنا من هذه الاضطرابات. وإن تسليمي بالنواحي الروحية إلى جانب إلمامي بالمادة العلمية يمكنني من علاج الأمراض علاجاً يتسّم بالبركة الحقيقية.

و قد يعترض قائل فيقول: إن القرآن نزل هداية للبشر ودستوراً وتشريعاً لحياتهم فما بالكم تجعلونه طباً وعلاجاً؟ _ يجيب الشيخ عبد الله صديق على هذا فيقول: إن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه لحكم عدة، ومنها إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومنها بيان الشرائع والأحكام التي كلف الله بها عباده، ومنها قراءته في الصلاة، والتعبد بتلاوته، ومنها التبرك به. قال تعالى: {و هذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} ومنها التداوي به. قال تعالى: {و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} وقوله: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}. فهذه الحكم لا تنافر بينها ولا تناقض، وهي متداخلة متوافقة يمكن الأخذ بها جميعاً.

و قال الصديق: إن التداوي بالقرآن يتضمن الالتجاء إلى الله في كشف الضُّر عن المصاب بكلامه الذي فيه سره، وفيه ربوبيته، وفي لفت الناس إلى هذا الجانب الروحي حكم أهمها أن يكون بين العبد وربه صلة دائمة تقوي يقينه وتملأ قلبه طمأنينة فلا يعتريه قنوط ولا تضجره المصائب والأمراض على كثرتها وشدتها لاعتماده في دفعها على من وسعت رحمته وعمّت نعمته سبحانه وتعالى.

و ختاماً نقول أن الإسلام كما أمر بالتداوي بالأدوية الحسية المادية والأخذ بالأسباب العلمية فإنه رغب بمشاركتها بالأدوية الروحانية من رقى بكلام الله العزيز وأدعية مأثورة بل وجعل نبي الله الدعاء ضرب من العبادة فقال: " الدعاء مخ العبادة " حتى يتذكر المريض خالق الداء والدواء، وتبقى عقيدة التوحيد خالصة له سبحانه وتعالى في الصحة والمرض مما يجعل روح المريض هادئة مطمئنة متفائلة بالتجائه إلى رب الأرباب، فيقوى صبره، ,تغيب الوساوس والمخاوف والأوهام , ترتفع معنوياته وينمو أمله بالشفاء. مما يؤدي إلى ازدياد مقاومته فعلاً وتختفي أعراض الاضطراب النفسي ويبدو التحسن بالطبع حتى في أعراض مرضه العضوي أو الوظيفي. ويتم الشفاء أحياناً فيهما معونة من الله وفضلاً. كل ذلك بمقدار ثقة المريض بالرقية والراقي وبمقدار قوة إيمان الراقي ويقينه بالله سبحانه وتعالى. ذلكم مبتغى المعالجة الروحية في الإسلام.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:30 AM
داووا مرضاكم بالصدقة



عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى اله عليه وسلم قال:" داووا مرضاكم بالصدقة " [رواه الطبراني والبيهقي، ورمز السيوطي لحسنه وقال في الجامع الصغير: فإنها أنفع من الدواء الحسي].

و قال مصطفى عمارة في شرحه للترغيب والترهيب: أعطوا الفقراء صدقات الله، يجب الله دعاءكم فيشف مرضاكم ويزل آلامكم.

و هكذا ترى أن الصدقة بهذا المفهوم نوع من التذلل والتضرع إلى الله ودعاء خفي من صاحب الحاجة، ورجاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يلبي حاجته، مما يجعلها رقية لمريضه يمكن أن نفهمها من قبيل الطب الروحاني أيضاً، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.



مراجع البحث

1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).

2. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).

3. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).

4. الإمام الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).

5. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة) تحقيق عبد المعطي القلعجي.

6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).

7. الدكتور سعيد رمضان البوطي: عن كتابه (فقه السيرة النبوية) دار الفكر. دمشق: 1991.

8. الدكتور ظافر العطار: عن كتابه (خواص اللعاب الشفائية) مجلة طب الفم السورية، العدد 1 لعام 1987.

9. الدكتور حسني سبح: عن كتابه (موجز امراض الجملة العصبية).

10. الدكتور فيصل الصباغ: عن كتابه (علم الأمراض العقلية).

دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث).

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:33 AM
الإيمان وأثره في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:34 AM
التآثر بين الجهاز العصبي والعوامل النفسية



إن الإنسان بجهازه العصبي، فهو الذي يهيمن على وظائف الأجهزة الأخرى كلها في البدن. وكلما ازدادت قوة هذا الجهاز، وتمت سلامته، قوي إشرافه على تسيير وعمل تلك الأجهزة، وقامت بعملها ووظائفها خير قيام، ومن ثم تكون العضوية بكامل صحتها وعافيتها. وإن ضعف هذا الجهاز القائد لمرض أو صدمة، اختل نظامه، ونظام العضوية كلها ومن ثمّ، بقدر يتناسب مع هذا الضعف. وإن الراحة الفكرية والطمأنينة النفسية هي من أهم ما يقوي الجهاز العصبي، في حين أن القلق والاضطراب النفسي والمخدرات والرضوض وانحراف الصحة هي من العوامل المنهكة لهذا الجهاز

و الإنسان في هذه الحياة كسفينة في بحر ضخم ربانها الجهاز العصبي. فإن كان الربان ثابت الجنان مطمئن النفس، قوي البصيرة، قاد السفينة في ظلمات البحر وفي أنوائه وعواصفه حتى يصل بها إلى برّ السلامة. وما الجهاز العصبي إلا مرآة تنعكس عليها المرئيات والمسموعات وتنشأ منه التنبيهات والتعليمات المناسبة.

فالإنسان لا يرى بعينه، فما هي إلا واسطة تتلقى المرئيات وتنقلها إلى المخ، حيث تفسر هناك هذه المرئيات وتفهم، ومن هناك تصدر التنبيهات المناسبة والأوامر التي ترسل لمن يلزم من الأجهزة لتنفيذها. والأذن أيضاً، فما هي إلا وسيلة تتلقى المسموعات ومن ثم تنقلها إلى المخ حيث تفسر وتفهم، ومن هناك أيضاً تصدر الأوامر والتعليمات التي تتناسب معها. وهكذا الحال مع باقي الحواس ومع كافة الأجهزة الداخلية والتي يربطها جميعها إلى المخ الأعصاب.

و ثبات الجهاز العصبي واستقراره وعدم اضطرابه بين عوامل الحزن والفرح واليأس والقنوط، يحفظ لهذا الجهاز قوته الحيوية وسلامة سيطرته على العضوية، في حين أن اهتزازه واضطرابه مع هذه المؤثرات وسواها يؤدي إلى اختلال وظائفه وهذا يؤدي إلى اختلال وظائف كافة الأجهزة الأخرى في البدن، وإلى تغيير مادي في خلايا هذا الجهاز إذا استمر ارتكاسه غير المتزن تجاه الأحداث.

فبعد أن يكون الخلل مقتصراً على وظائف الجهاز العصبي _ الخلل الوظيفي _ وهذا قابل للإصلاح والعلاج، يصبح الخلل عضوياً، يصعب علاجه، وقد يستحيل. وقد تتفاقم حالته فيتعذر عليه فهم المرئيات أو المسموعات على حقيقتها. كما أن التنبيهات والأوامر التي تصدر عنه لأنحاء الجسم لن تكون حينئذ متوافقة مع مناسباتها، ولا مع ما تقتضيه الظروف المحيطة بالشخص المصاب بهذا الخلل. وهذا هو السبيل إلى ما يسمى بالوهن العصبي أولاً ثم الوهن النفسي أو الجنون.

و لا شيء يزيد الجهاز العصبي متانة واستقراراً وصلابة وقوة مثل العقيدة الدينية الحقة وما تؤدي إليه في النفس البشرية من تحقيق الأمن والطمأنينة، ومكافحة اليأس والقنوط والقلق

و تؤكد الأبحاث الحديثة أن الإجهاد والتوتر النفسي هي من أهم أسباب الأمراض والاعتلالية في حياة البشر، بل يبدو أنهما من أهم مسببات داء القلب الإكليلي، العامل الأول في قتل البشر اليوم. ولا يمكن تجنب الإجهاد والقلق إذ هما من عوامل ودوافع التطور البشري، لكن زيادتها قد تؤدي بالجسم إلى التهلكة، لذا نجد أن اهتمامات العلاج النفسي والبدني الحديثة تطورت وتوجهت للتخفيف من تأثير القلق والإجهاد النفسي على الجسم. ومما لا شك فيه أن للتعاليم الإسلامية مساهمة كبيرة في حل المشاكل النفسية ومشاركتها في ضمان حياة أكثر صحية وإيجابية نفسية

و تؤكد أبحاث علماء النفس أن الحيرة والقلق هي من أهم ميزات المجتمع الغربي، وتسم بشكل خاص الإنسان غير المتدين. وهي دوافع سلبية في النفس الإنسانية كثيراً ما تفقدها مبرر وجودها وتدفع بها إلى اليأس فالانتحار. وهذا أمر لا يتعلق بكل ما يوجد من حضارة مادية ورقي وضمانات مادية. فهذا السويد البلد الأول في تحقيق الضمان الاجتماعي، تقع فيه أكبر نسبة في العالم من حوادث الانتحار. وهكذا فإن إشباع البطون والغرائز والشهوات الجسدية لا تغني النفوس عن حيرتها وتبقى الأرواح متعطشة ظامئة، وحينما لا تجد العلاج تلجأ إلى التخلص من الحياة إما بالانتحار أو بالإدمان على المخدرات

و سنرى في هذا الفصل أثر الإيمان، والعقيدة الإسلامية في المجتمع المسلم الملتزم بهذه العقيدة التي تنير له طريق السعادة في الدنيا والآخرة. وإليكم جوانب من التربية الروحية في الإسلام والتي مصدرها الأوحد الإيمان بالله الواحد، إلهاً خالقاً مدبراً رازقاً رحيماً منتقماً جباراً لا شريك له في خلقه. وعن التآثر بين هذا الإيمان وبين النفس البشرية وما يقدم لها من الأمن والطمأنينة والتي تدفع عنها عوامل الأمراض وخاصة النفسية – البدنية.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:34 AM
الاعتقاد بالخالق والإيمان بأنه قادر ومعين



هناك من الاضطرابات النفسية والذّهان ما يعود إلى ضعف الإيمان بالخالق وقدرته. فالإنسان معرض دائماً وفي استمرارية وثبات لظروف ضغط مختلفة تسبب الإجهاد النفسي. وليس من الممكن تجنب القلق، إلا أن المرء يحاول أن يضبط الضغوط أو يخففها. ونتيجة لهذا التفاعل بين الضغط والإنسان ينجم ما يسمى بـ " الانفعال للضغط ". وهذا بدوره يعتمد على شدة الضغوط وقوتها من جهة، وعلى قدرة الفرد على التكيُّف من جهة أخرى. فإذا كان الضغط معتدلاً أو كانت القدرة على التكيُّف جيدة فإن الانفعال الناجم في الانضباط يعود بالفائدة، أما إذا زاد الضغط، أو كان الانضباط فقيراً، نتج الذّهان أو المرض العقلي. ومن يؤمن بالله وقدرته ويوقن أنه معه، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، فإن ذلك الإيمان يقدم الدعم الروحي الذي يحفظ المرء في أقسى ظروف حياته

فالإيمان بالله يجلو بنوره الظلمات ويكشف الغم والحزن فيقدم بذلك الدعامة الروحية التي تتطلبها الحياة كما تمنح رضا القلب وتغدق عليه قناعته فالمؤمن مسرور برضا ربه. فلا حزن ولا خوف يبقى بعد الإيمان واليقين بالله. ألم تسمع قوله سبحانه حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم حين قال لصاحبه في الغار:

{ لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه } [ التوبة: الآية 9 ].

و كيف يجد الحزن سبيلاً إلى قلب أيقن بالله القادر فأنزل السكينة عليه:

{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم } [ الفتح: الآية 9 ]

و المؤمن إن أصابته نائبة استعان بالله على دفعها، فإن ذهب عنه همها كان بها وإلا فهو يرجع لإيمانه الذي يؤكد له أنه قدر الله وأنه ما شاء فعل، فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. وإن كانت مصيبة في الرزق فهو موقن بما يردد من قوله تعالى:

{ وفي السماء رزقكم وما توعدون } [ سورة الذاريات: الآية 22 ].

فترى المؤمن الحق في مأمن من الخوف والجزع هادئ الأعصاب. فبالإيمان تقوى روحه المعنوية فيصمد أمام أي مرض، وينجو من المعاصي فيصون نفسه من غضب ربه ويحفظ بدنه فلا يقع فريسة للأمراض الجنسية وغوائل شرب الخمر وغيرها من الموبقات فينام قرير العين برضا ربه ورضاه عن ربه

و إن معظم الأمراض، تحتاج من أجل شفائها، إلى تقوية الروح المعنوية للمريض، وهذا ما تؤكده أبحاث الطب النفسي الحديثة ، كما تبين أن الإيمان بالله هو من أعظم ما يفيد في تقوية الروح المعنوية للمريض

أما غير المؤمن فإنه يقع فريسة للأمراض النفسية والعصبية وما ينتج عنها من علل جسمانية وإن نزلت به المصائب ضاقت عليه الأرض برحبها وطال أرقه وتأججت نفسه بالانفعالات فأثر ذلك في إفراز هرموناته _ الأدرينالين والنورأدينالين _ وما يتبع ذلك من أمراض وآفات. والشواهد من الممارسة الطبية كثيرة لأناس كان الحزن المفرط عندهم سبباً للوفاة أو لحدوث مرض مقعد بسبب الصدمة النفسية التي تعرض لها، فهي تحدث اضطراباً في عمل القلب والدورة الدموية ويزداد النبض، وتحدث التشنجات والصرع والاضطراب العقلي نتيجة لتأثر الجهاز العصبي

فإلى هؤلاء الذين طال تطوافهم على الأطباء، يلتمسون عندهم الدواء لأمراضهم النفسية والعصبية، عليكم بالإيمان بالله والوقوف عند حدوده والرضا بقضائه، تسكن نفوسكم وتطمئن قلوبكم ويذهب عنكم الكثير الكثير من آلامكم وأحزانكم.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:35 AM
الأمن والإيمان



الأمن نعمة كبرى لا يعرف فضلها إلا من حرمها. وهي ثمرة من ثمرات الإيمان ينعم المؤمن في ظلالها بالهدوء والسكينة والاطمئنان. قال تعالى:

{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف

الذين من قبلهم وليمكنَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمناً } [ سورة النور: الآية 55 ].

{ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } [ سورة الأنعام: الآية 82 ]

إن النفس المطمئنة لا توجد إلا حيث يكون الإيمان، يجلو بنوره ظلمتها ويسكن قلقها. والمؤمن يجد راحته وأمنه في طاعته لربه وقناعته برزقه ورضاه بقضائه وبهذا الأمن تستقر حياته ويتحصن من غوائل الفوضى وبه ينتصر على صعوبات الحياة وشدائدها. وهو أول دعامة من دعائم الاستقرار في الحياة

و السلف الصالح عندما جعلوا كتاب الله منهجاً لهم في حياتهم، شعروا بأن العناية الإلهية ترعاهم فامتلأت قلوبهم بالرضا والاطمئنان. في حين أن الخوف يساور الإنسان عندما يبتعد عن الإيمان بربه ويكفر بنعمائه.قال تعالى:

{ وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون } [ سورة النحل: الآية 112 ]

و الخوف يزيد ضربات القلب فيسرع ويضعف، لكن المؤمن، عندما ينتابه ضيق، يهرع إلى ربه فيأتيه الأمن ويزول عنه الجزع فيهدأ خفقان قلبه واضطرابه. أما غير المؤمن فهو أكثر استجابة للخوف وتأثراً بالهزات والاضطرابات وما ينجم عنها من اضطراب وظيفة القلب وارتفاع ضغط الدم وازدياد إفرازات المعدة المقرحة كما يظهر عنده العديد من الاضطرابات النفسية والعصبية.

و الخوف نوع من أنواع الاضطراب الوظيفي النفسي. فترى الخائف قد جمع هموم المستقبل إلى مشاكل الحاضر فيسلبه بذلك راحة البال وصحة البدن ويقع فريسة للأمراض النفسانية والجسمانية على حد سواء. أما صاحب النفس المطمئنة فإنه يجد العزاء بإيمانه بمولاه وبثقته بالقوة العليا المهيمنة على الكون، فتقوى روحه المعنوية ويستقر في حياته صامداً أمام الملمّات وينام قرير العين آمناً برضى ربه ومولاه

و صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " [ رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:36 AM
الدعاء وذكر الله وشفاء النفوس من الهم والغم والحزن



و ذكر الله سبحانه وتعالى وسيلة فعّالة إلى بث الطمأنينة في النفس ونبذ الهمّ والقلق اللذين هما ألدّ أعدائهما. إذ تؤكد الأبحاث الطبية الحديثة أن الاسترسال في الهمّ والقلق تضعف البدن وتجعله مهيئاً للإصابة بكثير من الأمراض النفسية وحتى العضوية أيضاً. لكن الإيمان بالله القوي، القادر، مالك هذا الكون ومدبر أموره والاعتماد عليه يلقي في النفس الطمأنينة والقوة التي تتضاءل معها هموم الحياة.

و ذكر الله تعالى يقوي هذه المعاني بصفاته جلّ وعلا وهو غذاء روحي يمد النفس بما تحتاجه من سكينة وطمأنينة . قال تعالى:

{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [ سورة الرعد: الآية 28 ].

قال الموفق البغدادي: والهمّ والغمّ يجذبان الحميّات اليومية وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الهمّ والغمّ وفي رواية: " من كثر همه سقم بدنه " [ رواه أبو نعيم ]. فالهمّ لأمر ينتظر وقوعه أو ذهابه والغمّ لأمر واقع أو لخير فات. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الهمّ والغمّ دبر كل صلاة. وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله " وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة ؟ أو قال: على كنز من كنوز الجنة ؟ فقلت: بلى، فقال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ".

فالحوقلة كلمة تفويض وتسليم والحزن مقترن بالحال وينبغي لمن كثر همه أن يتشاغل يما ينسيه ذلك ويرى ابن القيم أن تأثير " لا حول ولا قوة إلا بالله " في دفع الداء فلما فيها من كمال التفويض والتبرئ من الحول والقوة

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داءً أيسرها الهم " [ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ونسبه الطبراني في الأوسط وقال: فيه بشر بن رافع الحارثي وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح ].

و عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش العظيم " [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قال: " يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث " [ أخرجه الترمذي في جامعه وفي سنده يزيد بن أبان وهو ضعيف ( الأرناؤوط ) وصححه النووي والحاكم ].

و عن أبي بكر الصديّق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت " [ صححه ابن حبان وأخرجه أبو داود بإسناد حسن ].

و عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أصاب عبداً همّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ,في قبضتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك... أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي، ما قالها عبدٌ إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله به فرحاً " [ سنده صحيح أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه ابن حبان، الأرناؤوط ]

و عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئاً " [ أخرجه أبو داود وابن ماجة وسنده حسن ( الأرناؤوط ) ].

و عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم في الفزع: " أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأعوذ بك ربي أن يحضرون " [ أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي ورجالهم ثقات ( الأرناؤوط ) ].

و عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة جالساً فقال: يا أبا أمامة، مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت صلاة ؟ فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله. فقال: ألا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله عزّ وجل همك وقضى دينك ؟ فقال: قلت بلى يا رسول الله، فقال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال: فقلت ذلك فأذهب الله همّي وقضى ديني [ أخرجه أبو داود وهو حديث حسن ( جامع الأصول ) ].

فالدعاء سلاح المؤمن يلجأ إليه في ساحة الخوف فيرد إليه اطمئنانه، وفي وقت المحن فيملؤه بالثبات والأمل وفي ظلمة اليأس فيمده بنور الرجاء، ولقد أجمع الأطباء النفسانيون اليوم على أن علاج التوتر العصبي والضيق النفسي هو أن يفضي بسبب هذا التوتر إلى طبيبه الذي يثق به أو إلى صديق مخلص، فإن كتمانه في صدره يجعله يختلج بين جوانحه مما يجعله يتفاقم ليحدث المرض ويقود إلى الخطر.

و المؤمن عندما يفضي بكربته إلى ربه فإنه يشعر أنه يبوح به إلى ركن ركين عزيز قادر ،

فتزول مخاوفه، وتهدأ نفسه، ويذهب قلقه. وهذا الهدي النبوي علاج رائع للهمّ والغمّ والحزن

و الطب الحديث يرى أن تقوية الروح المعنوية للمريض هي من أهم وسائل علاجه، والدعاء بلا شك يقوم بهذه المهمة إذ هو إيحاء نفس يجد فيه الداعي غذاء لروحه وعلاجاً لنفسه يدعم كيانها ويقوي بنيانها فلا يتسرب إليها اليأس والقنوط، وهو يزيل من النفوس القلق الذي إن استحوذ عليها سبب الأمراض. فالنفوس القلقة التي لا تولي وجهها شطر خالقها، إذا حزبها أمر تحوط بها المخاوف وتتعرض للانفعالات النفسية والصدمات وتقع فريسة للأمراض.

فالهمّ والحزن، قد أكد الطب النفسي أنهما يؤديا إلى أمراض خطرة كالسوداوية، التي لا يرى المصاب بها من الدنيا إلا ظلاماً ولا يسمع إلا أوهاماً وترتبك قوى عقله ولا يستطيع تركيز فكره، كما أنه يؤدي إلى زيادة إفراز الأدرينالين بسبب شدة الانفعال ويكون سبباً في ارتفاع الضغط أو الإصابة بالذبحة الصدرية أو الداء السكري. كما أنه قد يسبب ضعف البصر أو فقدانه بارتفاع الضغط داخل العين وهو ما يسمى بالزرق Glucoma وهي بياض في العين يصحبه فقد البصر.

و قد سبق القرآن الكريم بإعجازه الإلهي الإخبار عن هذا المرض وأنه ينجم عن شدة الحزن عندما قرر أن الحزن كان سبباً لفقد البصر عند نبي الله يعقوب حزناً على فراقه لولده:

{ وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } [ سورة يوسف: الآية 84 ].

و الحزن كالخوف قد يؤدي إلى الشيب المبكر، كما قد يسبب الإجهاض عند الحامل. وقد رأينا كيف علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاج الفعال عند نزول المصيبة بالاستعاذة بالله العلي الكبير.

عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يناجي ربه فيقول: " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به من جنبك ومن اليقين ما يهون علينا مصائب الدنيا... " [ رواه الترمذي والحاكم وحسنه السيوطي ].

و في علاج المصيبة ما ترويه أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها " [ رواه مسلم في صحيحه والإمام أحمد ].

يقول ابن القيم: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه فإنها تتضمن أصلين اثنين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته: أحدهما أنَّ العبد وأهله وماله ملك لله عزّ وجلّ، وقد جعله عند العبد عارية، والثاني أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه ولابدَّ أن يخلف الدنيا وراء ظهره. فإذا كانت هذه بداية العبد ونهايته فكيف يفرح بموجود أو يأسى بمفقود. ففكرة العبد من مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء. ويقول أيضاً: ومن علاجها أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحثه له، فإذا أحدثت له سخطاً وكفراً كتب في ديوان الهالكين، وإن أحدثت له رضاً كتب في ديوان الراضين

يؤكد هذا ما يرويه محمود بن لبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط " وفي رواية: " من جزع فله الجزع " [ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح ( الأرناؤوط ) ].



و في الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الصبر عند الصدمة الأولى ".

و يقول ابن القيم: ومن علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأنه سبحانه لم يرسل البلاء ليهلكه أو ليعذبه به. وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحاً ببابه ولائذاً بجناحه

و المظلوم حينما يرفع ظلامته في دعائه لربه، وهو موقن بما يقوله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بما يرويه عنه عبد الله بن عباس رضي الله عنه: " واتَّق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " [ رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث طويل في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ]، تقر عينه وتهدأ نفسه وهي ممتلئة بالثقة والأمل، فتقوى بذلك روحه المعنوية وقد علم أنَّ ربه ناصره ولو بعد حين.

هذه هي النتيجة العاجلة للدعاء، وهي أن يعمر قلبه بالاطمئنان والسكينة. أما النتيجة الآجلة فقد لا يعلمها، أو قد لا يرتضيها في نفسه لو علمها، مع أن فيها كل الخير له. ألم تسمع مصداق ذلك في قوله تعالى:

{ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } [ سورة النساء: الآية 19 ].

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فليقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة " _ يعتلجان: أي يتصارعان ويتدافعان _ [ رواه البزار والطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فضعّف أحد رواته ].

و ليس المقصود بالدعاء مجرد كلمات يرددها الداعي وينتظر أن تجاب دون أن يكلف نفسه مشقة السعي والعمل أو الأخذ بالأسباب فذلك هو العجز الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه شداد بن أوس رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني " [ رواه ابن ماجة والترمذي، وقال حديث حسن ].

فالرسول صلى الله عليه وسلم حين وقف يدعو ربه في غزوة بدر طالباً منه العون والنصر، لم يكن واقفاً مكتوف الأيدي، إنما وقف يدعو بعد أن أعدَّ العدَّة ورتب الجند وسوّى الصفوف.

فالدعاء استمداد إلهي يجب أن يكون مصحوباً باستعداد مادي، وهو وسيلة من وسائل السعي. والعلاج النفسي، مثله مثل الرزق، كتب وقُدِّر، وعلى المسلم أن يسعى وأن يدعو

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:38 AM
الاستغفار وتأثيره على النفس



المؤمن المراقب لله تعالى في كافة أفعاله، تقل أخطاؤه، وإذا حدث أن زلّت قدمه فأخطأ

يذكر الله، ويرى عظم خطيئته فيقلع نادماً، ويستغفر، قال تعالى:

{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } [ سورة الأعراف: الآية 201 ].

و الله سبحانه وتعالى يذكر صفات المؤمنين الذين يستحقون مغفرته بقوله:

{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يُصرِّوا على ما فعلوا وهم يعلمون، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم } [ سورة آل عمران: الآية 135 ].

و هذا الأسلوب التربوي الرباني يتطابق مع أحدث مبتكرات الطب النفسي بالمعالجة بالتحليل النفسي لكثير من الأمراض النفسية التي ترجع إلى عقد نفسية ناجمة عن الكبت المرضي. وخلاصة هذه المعالجة أن يعترف المريض أمام طبيبه بأخطائه، فيراها ويشعر بها وتحدث مهادنة بين النفس والضمير وإذا ما تسامح الضمير وحصل الصفاء بينه وبين النفس زالت العقد النفسية وشفي المريض. والعقد النفسية ليست وهماً فهي تسبب مظاهر مرضية حقيقية مزعجة

و الاستغفار ما هو إلا اعتراف بالذنب أمام خالق الإنسان ومبدعه، فالمؤمن يستغفر وهو موقن بعفو الله ومغفرته ،و هذا أدعى لتخلصه وشفائه مما يعانيه من اضطراب. والقرآن الكريم يحدثنا عن مرض سيدنا أيوب عليه السلام واستشفائه بالاستغفار:

{ وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين } [ سورة الأنبياء: الآية 87 ].

عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: " لا إله إلا أنت سبحانك إتي كنت من الظالمين " لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له " [ رواه الترمذي والإمام أحمد وصححه ووافقه الذهبي ].

و الاستغفار بلا شك مدعاة لنيل رحمة الله تعالى وما عنده من خير. قال تعالى:

{ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً } [ سورة نوح: الآية 10 ].

قال ابن القيم: وأما تأثير الاستغفار في دفع الهمّ والغمّ والضيق فلما اشترك في العلم يه أهل الملل وعقلاء كل أمة: أنّ المعاصي والفساد توجب الهمّ والغمّ والخوف والحزن وأمراض القلب، حتى إنَّ أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسهم: ارتكبوها دفعاً لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهمّ والغمّ

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:38 AM
أثر سماع القرآن وتلاوته على النفس



قال تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } [ سورة الأعراف: الآية 132 ].

و قال: { إن قرآن الفجر كان مشهوداً } [ سورة الإسراء: الآية 78 ].

و قال: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } [ سورة الإسراء: الآية 82 ].

و قال: { وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن } [ سورة النمل: الآيات 91-92 ].

و قال: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } [ سورة الحشر: 31 ].

و قال: { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } [ سورة المزمل: الآية 23 ].

و قال: { أأعجمي وعربي، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } [ سورة فصلت: الآية 44 ].

و قال: { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور } [ سورة يونس: الآية 57 ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده " [ رواه مسلم ].

القرآن ذكرٌ، بل هو أعظم الذكر، وهو ترديد لصفات الخالق سبحانه وشرح لمعاني أسمائه الحسنى. والمؤمن حين سماعه للقرآن أو تلاوته له، وهو موقن أنه هو المخاطب به من قبل رب العالمين، لا شك أن نفسه ستصفو وتسمو، وتهدأ وتطمئن ويزول ما بها من انفعال. ولن نكرر هنا، فلتلاوة القرآن أو سماعه والإصغاء إليه نفس الآثار على النفس التي ذكرناها في بحث الذكر.

و الإعجاز الإلهي في القرآن أنه مؤثر في كل نفس، سواء أكانت مؤمنة أو كافرة وسواء كان صاحبها عربياً يفقه ما يسمع، أو أعجمياً لا يفهم أي معنى لما يتلى عليه، وفي كتب السيرة النبوية شواهد كثيرة عن رجال من كفار قريش، كان سحر القرآن وتأثرهم به يخرجهم من بيوتهم في أعماق الليل، ليتسللوا إلى جوار بيت محمد صلى الله عليه وسلم، ليجلسوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في جوف الليل.

و جاءت الدراسات الحديثة الطبية، التي تستخدم أجهزة الكومبيوتر العجماء لتؤكد الأثر البين لسماع القرآن على النفس البشرية. فلقد قامت مؤسسة العلوم الطبية الإسلامية في مدينة " بنما سيتي " في أمريكا بدراسة الأثر الشفائي لسماع وتلاوة القرآن. وأكد الدكتور أحمد القاضي _ رئيس القسم الإعلامي في المؤسسة _ بأن هذا البحث التجريبي حاول إثبات ما للقرآن من تأثيرات على وظائف الأعضاء وقياس هذه التأثيرات بواسطة أجهزة إلكترونية، تراقب وتسجل أية تغيرات غريزية _ فيزيولوجية _ عند عدد من المتطوعين الأصحاء أثناء استماعهم لتلاوة القرآن أو قراءتهم له

و تبين الدراسة أن للقرآن أثر مهدئ بنسبة 97 % على شكل تغيرات فيزيولوجية تدل على تخفيف درجة توتر الجهاز العصبي. وتهدف المرحلة الثانية من الدراسة معرفة ما إذا كان أثر القرآن المهدئ للتوتر وما يصاحبه من تغيرات غريزية عائداً فعلاً إلى التلاوة القرآنية وليس لعوامل أخرى مثل الصوت أو النبرة العربية أو لمعرفة السامع لمعنى ما يتلى _ وبكلمة أخرى _ التحقق من أن كلمات القرآن في حد ذاتها لها تأثيرها الخاص ولو كانت غير مفهومة لدى السامع ( السامع غير العربي ة غير المسلم ).

أجريت 210 جلسات تجريبية عند خمسة متطوعين أصحاء، غير مسلمين، ولا يعرفون العربية وقد تليت على المتطوعين قراءات مجودة للقرآن، وأخرى عربية غير قرآنية، مجودة ومطابقة للقراءات القرآنية من حيث الوقع على الأذن، كما أجريت على المتطوعين جلسات مريحة فيها لأي قراءة ( 40 جلسة ).

و قد ظهر بوضوح أن الجلسات الصامتة لم يكن لها أي تأثير مهدئ وسجلت الأجهزة نتائج إيجابية بنسبة 56 % خلال جلسات القراءة القرآنية. وهذا يدل على أن الجهد الكهربي للعضلات كان أكثر انخفاضاً وهو دليل مؤكد على حدوث تأثير مهدئ لحالات التوتر العصبي والنفسي، بينما ظهر هذا الأثر بنسبة 30 % في جلسات القراءة غير القرآنية. وإذا كانت الأبحاث الطبية الحديثة قد أكدت أن حالات التوتر والقلق تؤدي إلى نقص المناعة الطبيعية في الجسم ضدّ أي مرض، فإن من المنطقي أن نفترض أنّ التأثير القرآني المهدئ لحالات التوتر والقلق يمكن أن تؤدي إلى تنشيط وظائف المناعة في الجسم والتي ستحسن بدورها من قابلية الجسم لمقاومة الأمراض. وإن لصلاة الإنسان المسلم فاعلية كبيرة، وبما فيها من تلاوة للقرآن، لحماية جهازه العصبي عند التعرض للضغوط النفسية والتوترات العصبية وإكسابه حالة من الهدوء النفسي والصفاء الذهني والاستقرار البدني.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:39 AM
التوكل والإيمان باليوم الآخر وأثرها على النفس



إن من يؤمن بحياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا، وأن الدنيا فانية وأنها لا تساوي شيئاً أمام ما ينتظر المؤمن في الآخرة، سيرضى بما آتاه الله في دنياه ويقبل بالأمر الواقع. والقضاء والقدر أمر هام وضروري في الحماية النفسية ضد الطيش والتهور. والذي لا يؤمن باليوم الآخر محروم من هذه المزية. أما الذين يتوقعون مكافأة لأعمالهم في هذه الدنيا فقط فمن المتوقع أن يكون لديهم بدل الراحة قلق وعوض الطمأنينة خوف.

و إن الإيمان بالمصير الذي بشر به الإسلام مع الاعتقاد بالحياة الآخرة يقوم بالتأكيد بحماية المرء من الانفعالات

+و رغم كل الخدمات التي تقدمها التأمينات الاجتماعية مع تطور الحياة الحديثة للبشر فإن الخوف والقلق بشتى أشكاله لا يزال يفعل فعله في النفس البشرية. وقد رأينا أن كثيراً من الأمراض يمكن أن تعزى إلى متاعب نفسية. وفي عقيدة المسلم ما يعصمه من التأثر بالخوف والقلق. فمظلة التوكل على الله تجعله في مأمن من الخوف، وقد شرحنا ذلك مفصلاً في مبحث " الأمن ". فالذي يوقن بأن مقاليد السماوات والأرض بيد الله وأن النفع والضر بيد الله، يفوض أمره إليه ويرضى بمشيئته، فيستبدل بخوفه السكينة والاطمئنان، وإن حسن توكل المؤمن على الله ينجيه منن الإصابة بكثير من الأمراض.

قال تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [ سورة الطلاق: الآية 3 ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:40 AM
لا تشاؤم ولا يأس مع الإيمان الحق



اليأس والتشاؤم من أخطر الأمراض التي تصيب النفس البشرية وتعصف بها وكثيراً ما

تجرها إلى الهلاك والانتحار. فالنظرة التشاؤمية إلى الحياة تجعل الإنسان مفعم بالتعاسة والشقاء والمرض. كما أن اليأس مهدم للآمال. وصاحبه لا يرى من الحديقة الخضراء المزهرة ذات المياه المتدفقة إلا زهرة ذبلت في أحد أركانها ولا ينظر في الحياة إلا إلى الجانب القاتم منها. وهو من الناحية الطبية يسبب الانقباض في النفس والذي يقود إلى مرض السوداء، ويتظاهر بالكآبة، فاقداً لشهيته ويضطرب القلب ويتكاسل الكبد ويصاب بالإمساك، ويقل الانتباه وتعتريه الهواجس ويغلب عليه الحزن

و الحزن يؤثر بشكل كبير على الأعصاب وإن طول فترة اليأس والحزن تؤدي للإصابة بأمراض جسمانية كبيرة كالوهن العصبي والداء السكري وارتفاع الضغط. ولها تأثيرات على المعدة التي تتوتر ويزداد إفرازها الحامض وقد تتقرح كما تؤكد الأبحاث الحديثة.

صحيح أن هناك مصائب وكوارث يبتلى بها الإنسان فيجعله ينظر إلى الحياة نظرة تشاؤمية وقد ييأس ويقنط. لكن التوجيه القرآني العظيم والعظات النبوية التي استقت الحكمة من لدن حكيم خبير، توجه المؤمن وتمسك بزمام قلبه وعواطفه وتعطيه الترياق الشافي إذ كيف يقنط من رحمة ربه ومعونته وهو يقرأ قوله سبحانه:

{ قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون } [ سورة الحجر: الآية 56 ].

و قوله تعالى: { ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } [ سورة يوسف: الآية 87 ]

و المؤمن لا يقنط في حيلته. فهو يعلم منذ أن سلك طريق الإيمان أن المصائب في الحياة ما هي إلا ابتلاء من الله يعرف به المؤمن من الكافر، المؤمن الصابر، والكافر الجاحد القانط.

قال تعالى: { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون } [ سورة البقرة: الآيات 155- 156 ].

كيف يقنط المؤمن والله سبحانه يدعوه إلى كنفه وإلى أن يستعين به ويطلب رحمته:

{ قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون } [ سورة يونس: الآية 58 ].

و في الحديث القدسي: " أنا عند حسن ظن عبدي، وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلى ذراعاً اقتربت إليه باعاً وإذا أتاني يمشي أتيته أهرول " [ رواه الشيخان عن أبي هريرة ].

فتربية القرآن تدعو المسلم إلى عدم اليأس، والنصوص الإلهية تذكر أن العسر مع اليسر وأن عليه أن يصبر، ويسوق القصة تلو القصة عن أنبيائه عليهم الصلاة والسلام وكيف ابتلوا بالمصائب وكيف خرجوا منها بالصبر والرجاء، وكيف اطمأنت قلوبهم بذكر الله والتضرع إليه وتسبيحه. فهذا نبي الله يونس وقد أوصله القدر إلى بطن الحوت في قاع البحر، فاهتدى وهو في ظلماته بالرجاء وتوجه إلى ربه بالدعاء ولم ييأس من رحمة الله:

{ فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } [ سورة الأنبياء: الآية 87 ].

فأمر الله الحوت فطرحه في العراء بعد أن أنبت عليه شجرة من يقطين، تظله وتدفع عنه الهوام، وأنقذه الله من البلاء. فذكر الله وتسبيحه كان سلاحه الوحيد وهو في بطن الحوت وكان فيه نجاته:

{ فلولا أن كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } [ سورة الصافات: الآيات 143 – 144 ].

و قد رأينا كيف علمنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه لأبي أمامة أن يستعيذ بالله من الهم والحزن، كما أن التربية النبوية تدعو المسلم إلى التأسي بالأنبياء والصالحين وأن في قصصهم شفاء لقلوب المحرومين من متاع الدنيا. وأن عليه ألا تتطلع نفسه إلى من يفوقه ثراءً وجاهاً لأن مقصده في حياته يسمو على هذه المظاهر الزائفة وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا تنظروا إلى من هم فوقكم فهو الأجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ".

و إن دراسات الطب النفسي اليوم جاءت مؤيدة لهذا التوجه القرآني وأكدت أن التمسك بالدين والإيمان بالله ينزع عن النفس قلقها ويزيل عنها توترها، فما أسهل هزيمة الرجل إذا ضعف وما أعظم انتصاره إذا كان مؤمناً بالله مرتبطاً بمصدر القوة الأعظم في الوجود، مطمئناً برحمته. وكلما ازداد إيمان الإنسان، كلما ابتعد عن هواجس اليأس والقلق وما تسببه من أمراض نفسية وجسمانية.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:41 AM
ضيق الصدر يتنافى مع الإيمان



قال تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصَّعد إلى السماء } [ سورة الأنعام: الآية 135 ].

إنّ من ضلّ وغوى وكفر بالله الخالق المدبر فهو في ضنك من حياته، إذ يجعل الله صدره ضيقاً، وكم جرّ هذا الضيق صاحبه إلى مصائب توهن العزائم، إن ضيق الصدر الذي يلازم كثيراً من البشر في حياتهم مردّه إلى أنهم يعيشون في حجاب عن الله. نعم !...

هناك الكثير ممن يكسب المال الوفير لكنهم لا يجدون فيه سعادتهم، وبعضهم في منصب وجاه لكنه لا يجد في ذلك راحته واطمئنانه.

و الإنسان الذي لا يؤمن بربه، ولا يرضى بقدره تراه إذا أصابته نائبة من الدهر استسلم لضيق الصدر، واستولى عليه اليأس، واستعصى عليه الدواء، وقد ينتحر.

فاطمئن أخي المؤمن بما شرح الله صدرك بنعمة الإيمان لتصل به إلى شاطئ الأمن والأمان.

فاجعل دعائك ما كان يدعو به رسولك العظيم صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أسألك الرضا بالقضاء " [ رواه الطبراني عن فضالة بن عبيد، ورواه النسائي والترمذي والطبراني بأسانيد مختلفة عن عمار بن ياسر وزيد بن ثابت كجزء من حديث طويل وفيه: " وأسألك اللهم الرضا بالقضاء " وأحد الأسانيد رجاله ثقات ( الهيثمي ) ].

فتسلم بذلك من الإصابة بكثير من الأمراض النفسية والذهان والاضطرابات العقلية. وفي هذه الآية أيضاً إعجاز علمي قرآني بليغ. فقد أثبت البحث العلمي أن الإنسان كلما ارتفع في الجو، ونقص الأوكسجين الذي يستنشقه، ضاق صدره تبعاً لذلك، حتى أنه في الطبقات الأعلى من الجو، لا يستطيع لقلة الأوكسجين أن يتنفس أو يعيش. فشبه الله سبحانه الصدر الضيق بمن يصعد في السماء. فمن أين للنبي الأمي أن يعلم هذه الظاهرة لولا أنه وحي يوحى، علماً بأنها لم تكتشف إلا في العقود الأولى للقرن العشرين !...

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:42 AM
الوسطية في الإسلام ركن أساسي لحفظ صحة الفرد والمجتمع



قال تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس } [ سورة البقرة: الآية 143 ].

قال ابن الجوزي: الوسط العدل، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال ابن قتيبة: الوسط: العدل، الخيار. ومنه قوله تعالى: { قال أوسطهم } [ سورة القلم: الآية 28 ] أي أعدلهم وخيرهم. وأصل الأشياء أوسطها، والغلو والتقصير مذمومان. وذكر ابن جرير أنه من التوسط في الفعل

و في التفسير المنير: وسطاً، الوسط منتصف الشيء أو مركز الدائرة، ثم استعير للخصال المحمودة، إذ كلُّ صفة محمودة هي وسط بين الطرفين: الإفراط والتفريط، والفضيلة في الوسط، والمراد الخيار العدول الذي يجمعون بين العلم والعمل. أي جعلنا المسلمين خياراً عدولاً، فهم خيار الأمم والوسط في الأمور كلها بلا إفراط ولا تفريط في شأن الدين والدنيا وبلا غلو لديهم في دينهم، ولا تقصير منهم في واجباتهم. وجمعوا بين الحقين: حق الروح وحق الجسد، ولم يهملوا أي جانب منهما تمشياً مع الفطرة الإنسانية القائمة على أن الإنسان جسد وروح، وكانوا سباقين للأمم جميعاً بالاعتدال والتوسط في جميع الشؤون، والتوسط منتهى الكمال الإنساني الذي يعطي كل ذي حق حقه

قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ سورة البقرة: الآية 185 ]

و قال: { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } [ سورة طه: الآيات 1 – 2 ].

فالإسلام دين السماحة والاعتدال، فهو يذم الإفراط وينكر التفريط فكلاهما يذهب نعمة السلام ويُركب لجة الندامة، وقد أوصى كل إنسان بنفسه رفقاً وأمره ألا يفرط في حقها حتى ولو كان الأمر في زيادة الطاعات:

عن أنس رضي الله عنه أن النبي والمراد صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق " [ رواه الإمام أحمد والسيوطي في الجامع الصغير، وأشار إليه بالصحة ]

و عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن هذا الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا " [ رواه البخاري ].

و عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هلك المتنطعون " [ رواه مسلم ] _ والمتنطعون المشددون في غير موضع التشديد.

أريت إلى الذي يضق عليه القيام في الصلاة كيف سمح له المشرع أن يصلي قاعداً، وإلى من يشق عليه الصيام أن يفطر لمرض أو سفر، وإلى من يؤذه الماء أن يتيمم. كل هذا رفق من الشارع بالإنسان، فمن أهمل أو أفرط وناله المرض والسقم فما ذلك إلا من جهله وغُلُّوه في دينه بما لا يرضاه مولاه. ثم ألم تسمع عن ذلك الحاوي الذي حدا للإبل حتى نسيت نفسها فأسرعت في مشيها فما بلغت مستقرها حتى قضت نحبها !...

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة فقال: من هذه ؟ قال: فلانة، تذكر من صلاتها. فقال: مه، عليكم بما تطيقون فو الله لا يملّ الله حتى تملّوا [ رواه البخاري ومسلم ] _ ومه كلمة زجر ونهي.

و عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل ؟ قالوا هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلّوه ليصَلّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد [ رواه البخاري ومسلم ]

و عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال مرة: والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أنت الذي تقول ذلك ؟ قال: نعم، لا أريد إلا الخير، فقال: إنك لا تستطيع، فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر. قال: فإني أطيق أكثر من ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود عليه السلام وهو أعدل الصيام فإنك لا تدري لعلك يطول بك العمر. قال عبد الله تشددت على نفسي فشدد علي فصرت إلى الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت لو أني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم [ رواه البخاري ومسلم ].

عليك الصلاة والسلام يا نبي الرحمة فقد علمت بنور الوحي طاقة هذا الإنسان، علمك من خلقه وصوره فكانت التعاليم التي أتيت بها لحفظ صحته وصون نفسه عما يتسعها ويسيء إليها. فمن جاوز الاعتدال ركب الخطأ، وكل شيء في الوجود له طاقة، إن حمل أكثر منها ضاق ذرعه وأصابه التلف. فهذا بناءٌ صمم أساسه ليحمل ثلاثة طوابق فإن حمل أكثر كان عرضة لأن يدك بنيانه وتنهدم جدرانه.

و الطب يؤيد الاعتدال، بل من كلف نفسه فوق طاقته أصيب بالإرهاق الجسمي أو النفسي وأصيب بالعلل والأمراض، فتزداد ضربات قلبه ويرتفع ضغطه ويكثر عرقه وتجهد منه الكبد والكلى ثم إن التعب يفتك بالأعصاب فيصاب بالوهن العصبي وتقل القدرة على العمل

فالطالب الذي يصل الليل بالنهار إذا قرب امتحانه، يتحمل ذلك الإرهاق أياماً ثم لا يلبث أن تضعف أعصابه وينهك بدنه وقد يقعده المرض. والذي يفرط في تناول الطعام حتى يكتنز من اللحم والشحم، يلقي على جسمه أثقالاً تنوء بها أعضاؤه فتضطرب أجهزته ويصاب بأدواء الاستقلاب. وإذا كان الإسراف في العبادة إفراطاً _ كما عده رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم _ فكيف بمن يسرف في الشهوات ؟ وحتى في الإنفاق فإن الشارع الرحيم يعلمنا أدره وكيفيته. قال تعالى:

{ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً } [ سورة الإسراء: الآية 29 ].

فقف أخي المؤمن عند أوامر ربك بالامتثال والانقياد، وعند نواهيه بالاجتناب تكن من العابدين وأضف إليها من النوافل قدر طاقتك تكن من القانتين، وأعط كل ذي حق حقه تكن ملتزماً بسنة سيد المرسلين ،, تفوز في النتيجة بحفظ نفسك وصحة جسدك التي أمر الله بالحفاظ عليها

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:44 AM
الطهارة وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:45 AM
الطهور شطر الإيمان



قدَّم الفقهاء بحث الطهارة على الصلاة لأن الطهارة مفتاح الصلاة وشرط لصحتها والشرط مقدم على المشروط

عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " [ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح ].

و عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الطهور شطر الإيمان " [ رواه مسلم ].

و الصلاة أحد أركان الإسلام وقد ربط الشارع القيام بها وصحتها بالطهارة. فقبل أن يؤدي المسلم صلاته عليه أن يطهر جسمه من الخبث ثم من الحدث فيكون مغتسلاً متوضئاً، كما يلبس لها الثوب الطاهر، ويتحرز في حياته اليومية من النجاسة أن تصيب جسمه أو ثوبه أو مكان صلاته حتى يستطيع أداء صلواته. كما أن تأديته للنوافل المسنونة، يتسع معها التزامه بالطهارة، وما يتبعها من نظافة شاملة في البدن والثوب والمسكن. وإذا انحرف الكثيرون من المنتسبين للإسلام عن تعاليمه في " الطهارة " فالعيب فيهم ويبقى الإسلام بتعاليمه الرائعة التي تعطي المردود الحسن الجميل والصحة الموفورة في كل العصور

و لا شك أن النظافة هي من أهم الأسباب المحافظة على صحة الجسم، فهي تقي من الإصابة بكثير من الأمراض، ثم إنها تبعث في النفس انشراحها ونشاطها وتذهب فتورها وكسلها وبهذا طهر الإسلام الدنيا حساً ومعنىً، جسداً وروحاً

و المتأمل لآيات القرآن يرى أن أول سورة نزلت في القرآن { اقرأ بسم ربك الذي خلق } [ سورة العلق: الآية 1 ] تدعو إلى العلم، وأن ثاني سورة نزلت بعدها " المدثر " تدعو إلى النظافة { يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر } [ سورة المدثر: الآيات 1 _ 4 ]. بل إن الإسلام جعل هنا من النظافة عقيدة وسلوكاً ملزماً للإنسان، وليس لمجرد الخوف من المرض، فالطهارة جزء لا يتجزأ من عبادة المسلم، لا بل إنه جعلها من الإيمان " الطهور شطر الإيمان " والإيمان أعلى درجة من الإسلام في مصطلح الشرع

و يرى الدكتور الفنجري أن الإسلام أول مبدأ عقائدي وأول نظام علمي يأمر بالتعقيم ويدعو المواطن لمحاربة الجراثيم والتلوث الجرثومي والطفيلي. فقد أطلق الإسلام مصطلح الطهارة مقابل ما ندعوه اليوم بالتعقيم وأطلق اسم " النجاسة " على ما يتلوث بها أو على المواد الحاملة لها. فالإسلام بفقهائه أول من عرفوا الدنيا إلى أن تغير اللون والرائحة والطعم دليل على وجود تلوث جرثومي أي على النجاسة.

و يتابع الفنجري قوله: والإسلام عندما يتحدث عن الخبث والخطايا والشيطان والرجس، إنما يكني بهذه التسميات عن الطفيليات والجراثيم. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: " قلّم أظافرك فإن الشيطان يقعد ما طال تحتها " إشارة واضحة إلى الجراثيم وبيوض الديدان وغيرها من طفيليات كالزحار، تعيش تحت الأظافر وتؤدي إلى التلوث الجرثومي وانتقال الأمراض.

و يرى الفنجري: أن الإسلام إنما جاء بهذه المصطلحات ليجعل من النظافة أمراً عقائدياً، وأن هذه التعابير التي جاءت مع الإسلام منذ 14 قرناً كانت الأنسب لمخاطبة معاصريه الذين لم يكونوا على علم بما ظهر للعلماء اليوم من وجود تلك الكائنات الدقيقة المسماة بالجراثيم أو الطفيليات والتي لم يكن بالإمكان مشاهدتها بالعين المجردة. فالإسلام خاطب الناس بقدر معرفتهم ومدى ما تسعه عقولهم.

و نحن لسنا مع الفنجري في أن المقصود من هذه المصطلحات _ الشيطان، الرجس، الخطايا، الخبث _ أنها مرادفات لما يقصده العلم اليوم بمصطلح الجراثيم والطفيليات. فهي مصطلحات لها تعريفها ومعناها الشرعي الذي لا يجوز أن نخرجها عنه بغير دليل، ولكن وبدون أي شك، فإن التعقيم والنظافة ومنع التلوث الجرثومي وانتقال الأمراض هي نواتج طبيعية لإصرار الشارع الحكيم على الطهارة وإلزام المسلم بها وجعلها جزءاً من عبادته كما سبق وأسلفنا.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:46 AM
معنى الطهارة وأهميتها



الطهارة في القرآن والسنة:

وردت ألفاظ الطهارة في القرآن في مواضع شتى بمعنى الطهارة من الحدث. قال تعالى:

{ وإن كنتم جنباً فاطّهروا } [ سورة المائدة: الآية 6 ]. أي فاغتسلوا.

و قال تعالى: { وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به } [ سورة الأنفال: الآية 11 ] أي من الحدث أو الجنابة. وقال تعالى:

{ ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن } [ سورة البقرة: الآية 222 ]. أي حتى يطهرن من الحيض، فإذا اغتسلن بعد انقطاعه فأتوهن.

و ذهب الأكثرون إلى نفس المعنى من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله: " الطهور شطر الإيمان " [ رواه مسلم ]. يؤكد ذلك رواية الترمذي: " الوضوء شطر الإيمان "

قال ابن رجب الحنبلي: والصحيح الذي عليه الأكثرون أن المراد بالطهور هنا التطهير بالماء من الحدث، لا المعنى المجازي الذي هو ترك الذنوب.

و ذهب الإمام الغزالي إلى أن المراد من لفظة " الطهور " في الحديث النبوي هو طهارة الظاهر والباطن معاً وإنّ أهم الأمور تطهير السرائر، إذ يبعد أن يكون المراد عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه وتخريب الباطن وإبقائه مشحوناً بالأخباث والأقذار، هيهات.. هيهات...

و قد ورد لفظ " الطهارة " في القرآن مجازاً بمعنى البراءة من الذنوب والمعاصي كما في قوله تعالى: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } [ سورة الأحزاب: الآية 33 ].

و قوله: { إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين } [ سورة آل عمران: الآية 42 ].

و قوله: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [ سورة التوبة: الآية 103 ]

و قوله: { ذلكم أزكى لكم وأطهر } [ سورة البقرة: الآية 232 ].

و قوله: { هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم } [ سورة هود: الآية 78 ].

و قوله: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } [ سورة الأحزاب: الآية 53 ] أي من الخواطر المريبة.

أما قوله تعالى: { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } [ سورة البقرة: الآية 125 ] فقد عُنى بها المعنى الحقيقي والمجازي معاً، إذ تشمل التطهير من الأنجاس والأقذار ومن مظاهر الشرك والآثام. ففي هذه الآية يقول الإمام الرازي: فيجب أن يراد به تطهير كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلّى وجب تطهيره من الشرك، وكل ذلك داخل تحت الكلام.



الطهارة عند الفقهاء.. تعريفها وأنواعها:

الطهارة لغة النظافة والخلوص من الأوساخ أو الأدناس الحسية كالأنجاس من بول وغيره، والمعنوية كالعيوب والمعاصي، والتطهير إثبات النظافة في المحل. والطهارة شرعاً النظافة عن النجاسة: حقيقية كانت وهي الخبث أو حكمية وهي الحدث. والخبث في الحقيقة عين مستقذرة شرعاً والحدث وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة

و عرّف الشافعية الطهارة بأنها رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما، وأراد بهذه الزيادة على تعريف الحنفية السابق، شمول التيمم والأغسال المسنونة وتجديد الوضوء والغسلة الثانية والثالثة في الحدث والنجس ومسح الأذن والمضمضة وغيرها من نوافل الطهارة

و الطهارة نوعان: طهارة حكمية وهي الطهارة من الحدث وتختص بالبدن. وطهارة حسية وهي الطهارة من الخبث وتكون في البدن والثوب والمكان.

و طهارة الحدث ثلاث: كبرى وهي الغسل وصغرى وهي الوضوء، وبدل منهما في حال تعذرهما وهو التيمم. وطهارة الخبث ثلاث: غسل ومسح ونضح.

فالطهارة تشكل الوضوء والاغتسال وإزالة النجاسة والتيمم. ولا تجوز الطهارة إلا بماء طهور أي غير نجس ولا مستعمل ولا متغير في الطعم واللون والرائحة. ولا تتم إلا بإسباغ الماء على جميع الجلد الذي يجب غسله، ولا يحول دون وصوله إلى الجلد حائل من وسخ أو دهن ونحوه أما الطهارة من الخبث فهي الإزالة الكاملة للأعيان النجسة.

و للطهارة أمية كبيرة في الإسلام ، سواء تضمنت إزالة النجس عن الثوب والمكان والبدن، أو إزالة لحدث أصغر في الوضوء أو أكبر في الغسل. فهي شرط لصحة الصلاة كما ذكرنا. وبما أن الصلاة قيام بين يدي الله تعالى فأداؤها بالطهارة تعظيم لله. وقد اهتم الإسلام بجعل المسلم دائماً طاهراً من الناحية المادية والمعنوية وهو دليل على حرصه الشديد على النقاء والصفاء وعلى أن الإسلام مثل أعلى للزينة والنظافة والحفاظ على الصحة العامة، وبناء الجسم في أصح قوام وأجمل مظهر وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار الأمراض. فالنظافة هي أنجع علاج وقائي للأمراض الوبائية والطفيلية والوقاية خير من العلاج وقد امتدح الله تعالى المتطهرين فقال:

{ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ سورة البقرة: الآية 222 ].

و أثنى سبحانه على رجال أول مسجد أسس في الإسلام بقوله:

{ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين } [ سورة البقرة: الآية 222 ].

فعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالاً بارزاً في نظافته، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا شامة بين الناس " [ رواه أحمد في مسنده، وأبو داود والبيهقي عن سهل بن الحنظلية بسند صحيح ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:47 AM
المقاصد الصحية في أحكام المياه



الماء هو الوسيلة الفعالة القّيمة في نظافة وطهارة بدن الإنسان ولباسه ومكانه، وخاصة موضع صلاته، من الأقذار والنجاسات. ويقسم الفقهاء المياه من حيث صلاحيتها للطهارة إلى ثلاثة أقسام:

ماء طهور _ ماء طاهر _ وماء طاهر غير مطهر وماء متنجس.

و لنعلم أن حكم الشرع هذا له صفة الشمول والعموم فهذا يصلح لكل زمان ومكان ولكل الأقوام والبيئات، وقد أدى غرضه المطلوب منه في وقت لم تكتشف بعد فيه وسائل التحقُّق م نعدم تلوث المياه التي عرفها العلم اليوم، ونستطيع أن نؤكد _ وبكل يقين _ أنه ما يزال المقياس الصالح لابن المدينة اليوم كما كان صالحاً للبدوي في صحرائه في مطلع الإسلام. وإن الناس حينما ينقادون لتعاليم الدين الحنيف، ويطبقون تشريعاته بدقة في هذا المجال فإن الماء الطهور قلما يتلوث ويبقى صالحاً للشرب على الأغلب



الماء الطهور أو المطلق:

هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء أو نبع من الأرض ما دام باقياً على أصل الخلقة فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة _ اللون والطعم والرائحة _، أو تغير

بشيء لم يسلبه طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي، ولم يكن مستعملاً

هذا الماء المطلق طاهر مطهر بالإجماع يزال به النجس ويستخدم للوضوء والغسل لقوله تعالى: { وأنزلنا من السماء ماءً ليطهركم به } [ سورة الفرقان: الآية 48 ].

و قوله: { وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به } [ سورة الأنفال: الآية 11 ].

و الماء الطهور الذي نزل من السماء هو الذي تتشكل منه الأنهار والبحيرات، أو يغوص في أعماق الأرض ليشكل الآبار والينابيع. قال تعالى:

{ أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها } [ سورة الرعد: الآية 19 ].

{ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض } [ سورة الزمر: الآية 21 ]

أما ماء البحر فقد خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات فقال: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " [ رواه الإمام مالك في الموطأ، وأبو داود والترمذي والنسائي، وقد روي بطرق عن سبعة من الصحابة، وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

وقد اتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً: أنه لا يسلبه طهوريته، فلا يضر تغير أوصاف الماء بطول المكث لتعذر الاحتراز عنه ولا بتراب طهور وطحلب، وما في مقره وممره، ولا بمخالط مجاور كعود ودهن ولا ببعض الأملاح المعدنية كالملح والكبريت التي تختلط بالماء أثناء سلوكه في الأرض، فكلا هذه لا تسلبه طهوريته ويصلح لإزالة الحدث به

و لا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بماء خالطه طاهر لم يغيره، وكان يسيراً، فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة كثيرة، جاز التوضؤ به لأنه صلى الله عليه وسلم " اغتسل وزوجته من جفنة فيها أثر العجين "



الماء المشروب:

ليس كل ماء طهور صالحاً للشرب من الناحية الصحية، لكن الماء الشروب هو ماء طهور حتماً، ويمتاز بصفات إضافية قيدها فيه علماء الصحة: فماء البحر طهور لكن غير صالح للشرب لشدة ملوحته. وماء السيول طهور لكنه لا يصلح للشرب لما يحمله من طين. فقد اشترط علماء الصحة لماء الشرب أن يكون رائقاً شفافاً لا رائحة له، وألا يطرأ عليه فساد بعد المكث، معتدل البرودة، مستطاب الطعم، وأن يكون ما فيه من أملاح منحلة، قليل. وألا تحوي على جراثيم ممرضة، وإن الفحوص المخبرية ضرورية للتأكد من هذه الصفات

و إن اختيار الماء الصالح للشرب، إذا كان من الأسس الوقائية لحفظ الصحة، فهو في نفس الوقت، سنة نبوية. فقد صحّ أنه كان يستعذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء ويؤتى به من الآبار ذات الماء العذب.

عن عائشة رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقى له الماء من بئر السقيا " [ أخرجه أبو داود بسند حسن، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي ( الأرناؤوط ) ]

و عنها أيضاً: " كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد " [ أخرجه الإمام أحمد والترمذي، وإسناده صحيح، صححه الحاكم، وأقره الذهبي ( الأرناؤوط ) ].

و روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مرة حائط أبي الهيثم بن التيهان فقال له: إن كان عندك ماء بات في شن وإلا كرعنا.

قال ابن القيم: والماء الذي في القرب والشنان ألذُّ من الماء الذي يكون في آنية الفخار والأحجار، ولا سيما أسقية الأدم. ولهذا التمس النبي صلى الله عليه وسلم ماءً بات في شنن صلوات الله وسلامه على أكمل الخلق، لقد دلّ أمته على أفضل الأمور وأنفعها لهم

و هناك أدلَّة شرعية على أن الإنسان إذا توفرت له مياه عديدة، فعليه أن يختار أعلاها نقاءً وأطيبها مذاقاً من أجل شربه، ثم لطهوره من الحدثين ونظافة جسمه، ثم لطهارة ثوبه، ثم لطهارة مكانه. كما عليه أن يتبع الترتيب نفسه في التفضيل إذا قلّ الماء لديه، فإنَّ سدّ حاجة الماء للشرب مقدمة في استعمال المياه.

فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: جاء رجل غلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنّا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإذا توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " [ أخرجه الترمذي، وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

و إذا كان الماء الطهور لا يحوز شروط الشروب وليس هناك غيره، فإنه من الواجب الصحي إصلاحه، إما بتصفيته من خلال مراشح خاصة، أو بإضافة بعض المواد الكيماوية المظهرة إليه كماء جافيل أو صبغة اليود أو فوق برمنغنات البوتاسيوم، أو أن يغلي لمدة 20 دقيقة ثم يبرد



الماء الطاهر غير المطهر:

و هو ماء طاهر فقد طهوريته _ أي قدرته على التطهير _ بمخالطته لطاهر غيّر أحد أوصافه الثلاثة وكان مما يسلب طهوريته _ وفي هذا تفصيل في المذاهب _، أو هو ماء طاهر استعمل في رفع حدث من وضوء أو غسل أو جنابة وكان قليلاً، أو هو ماء استخلص من نبات الأرض كماء الورد وماء البطيخ. وكلها مياه لا تحقق النظافة التامة التي يؤمنها الماء الطهور _ المطلق _ أو أنها تؤدي إلى التلويث بدلاً من التنظيف. كما أن الماء القليل المستعمل في رفع الحدث يحمل من وسخ ودنس الأعضاء المغسولة وبقايا العرق مما تعافه النفس البشرية، وقد يكون سبباً لانتقال الأمراض. ولذا فإن استعمال الماء القليل يرفع عنه صفة الطهورية عند الحنفية والشافعية والحنابلة ويؤيدهم في ذلك _ كما يرى الدكتور النسيمي _ فنُّ الصحة والطب الحديث





الهدي النبوي في الوقاية من تلوث المياه:

إن معرفتنا لمصادر تلوث المياه، وفعل المياه الملوثة في نقل الأمراض يجعلنا ندرك الحكمة الرائعة من الهدي النبوي المعجز في وقاية المياه من التلوث. وغالباً ما تتلوث مصادر المياه بوجودها قرب المراحيض أو المجاري العامة إذا تسرب لهذا المصدر _ من نبع أو بئر _ شيء من هذه النجاسات، ويخف تأثير التلوث على المياه الجارية بتأثير عوامل طبيعية متعددة أثناء جريان تلك المياه من تعرضها للهواء والشمس والتكسر على الصخور أو الرشح من خلال طبقات سميكة من التربة

و يمون الماء الملوث ببراز الإنسان مصدراً للعدوى في كثير من الأمراض الانتانية عن طريق شربه أو الانغماس فيه لاحتوائه على جراثيم تلك الأمراض أو بيوض الطفيليات المسببة لها _ الانتانات المعدية والكوليرا والحمى التيفية والزحار والديدان المعوية والتي تنتقل بشرب المياه الملوثة _ أو _ البلهارسيا الحشوية والملقوات العفجية التي تنتقل أجنّتها باختراقها لجلد الإنسان إذا ما انغمس في تلك المياه

هذا وإن معرفتنا بخطر التلوث ببراز الإنسان تجعلنا ندرك أهمية الأمر الشرعي بوجوب إزالة النجاسة وتطهير مكانها، والتي تدرأ خطر انتقال العدوى بذلك التلوث. كما أن التلوث ببول الإنسان قد يكون واسطة للعدوى بداء البلهارسيا المثانية أو بأي من انتانات الجهاز البولي. أما تلوث الماء بالصديد الناتج من الآفات الجلدية فقد يكون سبباً في انتقال جراثيمه ودخولها إلى الجلد المخدوش أو المتلين بالماء

أما تلوث الماء ببول الحيوانات وبرازها ورجيعها فيمكن أن يكون سبباً في نقل عدد من الأمراض الخطرة وخاصة داء الكيسات المائية التي تنتقل عن التلوث بمفرغات الكلاب. وإنه لمن الإعجاز النبوي الرائع أن نسمع من نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم توصيات نطق بها قبل اكتشاف الجراثيم وطرق العدوى بالطفيليات بأكثر من أربعة عشر قرناً. وأن يسجل لمؤسس الدولة الإسلامية محمد صلى الله عليه وسلم السبق الصحي في وقاية المياه من التلوث في تلك الدولة. وهاكم بعض هذه التوصيات النبوية:

1. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " [ رواه مسلم، وفي جامع الأصول روايات مختلفة للحديث منها ما رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي ].

2. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى [ رواه أبو داود بإسناد حسن ( الأرناؤوط ) ].

نظم المشرع الحكيم استعمال اليدين فأبعد اليد اليمنى عن مجالات الأقذار والتلوث بالنجاسات وخصصها للأكل والشرب والمصافحة، وخصص اليد اليسرى للاستنجاء وحمل الأقذار أو إزالتها، وفي هذا من التدبير المحكم لإبعاد أي إمكانية لتلوث الطعام والشراب بما تحتويه من جراثيم وبيوض للديدان وغيرها من الطفيليات.

3. عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأكوا الأسقية وخمّروا الطعام والشراب ولو بعود تعرض عليه " [ رواه البخاري ] وخمروا بمعنى غطوا.

و في الحديث أمر بتغطية الآنية وربط أسقية الماء حتى لا تصل إليها الجراثيم عن طريق الغبار والحشرات الضارة.

4. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " قالوا: كيف نفعل ؟ قال: " يتناوله تناولاً " [ رواه الإمام مسلم والنسائي ].

و في رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة " [ رواه أبو داود ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه " [ رواه الشيخان ].

و في رواية: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه أو يتوضأ " [ رواه أبو داود ]

ففي هذه الأحاديث نهي صريح عن الاغتسال أو التبول في الماء الراكد الذي لا يجري حتى لا يتلوث بماء الغسل أو البول وما فيها من جراثيم أو طفيليات. وفيها من روعة الإعجاز الطبي ومن حماية للمجتمع من انتقال الأمراض عن طريق التلوث الجرثومي، وقبل أن تكتشف تلك الجراثيم.

و إذا لم يرد النص في النهي عن التبرز في الماء الراكد، فهو بالقياس أشد شناعة من التبول فيه والذي ورد النهي عنه في كثير من النصوص. لكن ورد النص الصحيح بالنهي عن التبرز قرب موارد المياه وفي أماكن تواجد الناس في الظل وهو نص رائع في وقاية مياه الينابيع والآبار من التلوث الجرثومي.

5. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل " [ رواه أبو داود، رواه ابن ماجة أيضاً، وفي سنده انقطاع وجهالة لكن له شواهد يتقوى بها ( الأرناؤوط ) ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا اللاعنين " قيل: وما اللاعنان ؟ قال: " الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم " [ رواه مسلم ] ويتخلى أي يتبرز.

قال ابن الأثير: " اللاعنين والملاعن " جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يلعن فاعلها كأنها مظنة اللعن

و إن معظم مصادر تلوث المياه ونشر الجراثيم والطفيليات محكوم عليها بالشرع بالنجاسة. فقد اتفقت المذاهب الأربعة على نجاسة الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وبول الإنسان وبرازه ورجيعه، وكلها مفعمة بالجراثيم والطفيليات وبيوض الديدان الناقلة للأمراض.

و البول وإن كان عقيماً _ لا يحوي على جراثيم في العادة عند الأصحاء _ إلا أنه مستقذر، سريع التخمر، تتفكك فيه ذرات البولة إلى نشادر فتزداد رائحته كراهة وتصبح وسطاً صالحاً لتكاثر الجراثيم فيه. وإن إزالة النجاسة واجبه عند أبي حنيفة والشافعي وذلك من الأبدان فالثياب فأماكن الصلاة والمساجد، يؤيدهم في ذلك الدليل الشرعي والاعتبار الصحي

و إننا نؤكد مع الدكتور النسيمي، بأن ما لاحظه وأوجبه علم الصحة يجب مراعاته وإن اختلف الفقهاء في نجاسته، لأن الكثير مما اختلف فيه مستقذر أو أنه مستنبت صالح لنمو وتكاثر الجراثيم، أو انه سريع التخمر والتفسخ فيزداد أذىً وخبثاً.

و إن الله تعالى يحب المتطهرين المتنزهين عن الأقذار والخبث. كما أننا نشير إلى أنّ ما عفا عنه الشارع من نجاسة قليلة إنما هي لدفع الحرج عن الأمة في العبادات التي يشترط لها الطهارة، إلا أنه من التقوى لله، ودفع الأذى طُبِّياً، عليه أن يطهرها في أقرب وقت ممكن، ولا يعني العفو عنها طهارتها، فهي مثلاً تنجس الماء القليل إذا حلت فيه، وصحياً يمكنها أن تنقل بسبب ذلك ما تحمله من جراثيم، فلينتبه إلى ذلك.



الماء المتنجس:

إنّ الماء الطهور إذا حلت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصافه من لون أو طعم أو ريح فإنه يتنجس قليلاً كان أو كثيراً بإجماع المذاهب الأربعة لحديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن كان الماء قلتين لم يحمل الخبث "، وفي رواية لأبي داود: " فإنه لا ينجس " [ رواه الترمذي وأبو داود بإسناد صحيح، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ].

و إن تغير أحد الأوصاف دليل حسي على حدوث تلوث جرثومي للماء من الناحية الطبية

أما الماء الكثير ومياه الأنهار _ الماء الجاري _ فإنه لا ينجس إذا وقعت فيه نجاسة إذا لم تغير أحد أوصافه المذكورة. واختلف في الماء القليل _ دون القلتين _ إذا حلت فيه نجاسة لم تغير أيّاً من أوصافه، فقد نص المالكية على طهوريته، ويرى جمهور الشافعية والحنفية والحنابلة أنه نجس
و يرى الدكتور النسيمي أن الدليل الشرعي والاعتبار الصحي يؤيد المذاهب الثلاثة فيما ذهبت إليه لأن الماء القليل أسرع تلوثاً بالجراثيم، وعندما يتلوث يصبح أكثر نقلاً للأمراض. ويرى أنّ أحاديث النهي عن إدخال المستيقظ من النوم يده في الإناء قبل أن يغسلها، وعن التبول في الماء الراكد وعن الوضوء والغسل من ذلك الماء تؤيد نجاسة قليل الماء بقليل النجاسة ولو لم تغير أحد أوصافه. وعلى هذا يجب أن يؤول حديث بئر بضاعة من أن _ الماء لا ينجسه شيء _ بما يتلاءم وأحاديث النهي المذكورة، وحديث القلتين، لا أن نؤولها كلها من أجل الأخذ بظاهر حديث بئر بضاعة. وفي هذا كلام جميل وطويل للإمام النووي في كتابه المجموع.



أسآر الحيوانات:

الأسآر جمع سؤر وهو البقية والفضلة. واصطلاحاً هو بقية الماء في الإناء أو الحوض بعد شرب الشارب منه. ثم استعير لبقية الطعام. وقد اتفق العلماء على طهارة أسآر الأنعام _ كل ما يؤكل لحمه _ واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافاً كبيراً.

فسؤر الكلب والخنزير وما تولد منها نجس عند الجمهور وهو المذهب الراجح _ كما يقول الدكتور الزحيلي _ أم قول المالكية بالغسل تعبداً _ على أنه طاهر _ فلا يفهم لأن الأصل وجوب الغسل من النجاسة بدليل سائر أنواع الغسل، ولو كان الأمر تعبداً بالغسل لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة الماء ولما اختص الغسل بموضوع الولوغ لعموم اللفظ في الإناء كله

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات " [ رواه مسلم ].

و في رواية أخرى: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ".

و في رواية للترمذي: " يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب ".

أما الخنزير فهو حيوان قذر شره يلتهم الأقذار والنجاسات وقد وصفه المولى سبحانه بقوله: { أو لحم خنزير فإنه رجس } [ سورة الأنعام: الآية 145 ].

و ما هو رجس في عينه فهو نجس عينه ويزداد فمه ولعابه نجاسة بالتهامه للنجاسات فسؤره كسؤر الكلب أحق بحكم النجاسة من الأسآر الأخرى. وسنفصل في بحث الأطعمة المحرمة ما ينقله الخنزير من أوبئة وأمراض خطيرة.

و هكذا فإن الأدلّة الشرعية، تدعمها النظرة الطبية، تدل بقوة على نجاسة سؤرة الخنزير والتشديد في تطهير مل يلغ فيه الكلب

قال الإمام النووي: وقد روى البيهقي كل هذه الروايات _ روايات غسل الإناء من ولوغ الكلب _ وفيها دليل على أن التقيد بالأولى وغيرها ليس على الاشتراط بل المراد إحداهُنَّ. فإذا ولغ الكلب في إناء أو أدخل عضواً منه فيه وهو رطب لم يطهر حتى يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب. والأفضل أن يجعل التراب في غير السابعة ليرد عليه ما ينظفه وفي أيهما جعل جاز لعموم الخبر

و الكلاب هي السبب الغالب في إصابة الإنسان بداء الكيسات المائية، وإنّ الذئاب وبنات آوى من السباع يمكن أن تكون سبباً للإصابة بهذا الداء الخطير. ففي أمعاء هذه الحيوانات وخاصة الكلاب تعيش ديدان تعرف باسم _ الشريطة المكورة المشوكة _ والتي تطرح بيوضها في أمعاء تلك الحيوانات لتخرج مع برازها والذي يكون مفعماً بتلك البيوض. وبما أن هذه الحيوانات تنظف شرجها بلسانها فإن فمها _ ولعابها _ يكون أيضاً مفعماً بتلك البيوض. _ وكذا التلوث ببراز هذه الحيوانات _ ويصبح الطعام أو الشراب الملوث بتلك البيوض خطراً على الإنسان إذا تناوله. فهو يلتهم معه ما فيه من بيوض، , تفقس في أمعائه ليخرج منها ما يدعى بالجنين المسدس الشصوص، الذي يثقب جدار الأمعاء مخترقاً إياها ليصل إلى دم ضحيته.

و الجنين مسدس الشصوص يجول في دم الإنسان حتى يستقر في أحد أعضائه _ الرئتين، الكبد، الدماغ، وغيرها _ وينمو هناك بالتدريج حتى يشكل ما يسمى بالكيسة المائية _ الكلبية _ والتي تشكل خطراً على العضو الممروض أو على حياة المصاب حسب مكان توضعها

و كما يصاب الإنسان بالكيسات المائية، فقد تصاب بها الحيوانات اللبونة إذا أكلت من العشب الملوث بالبيوض _ أي ببراز الكلاب المصابة _ وعندما يأكل الكلب السليم من لحوم تلك الحيوانات المؤوفة فإن الأجنة المختبئة في الكيسة تظهر بعد انحلال غلافها وتصير بعد شهر دودة كاملة في معي الكلب ويصبح برازه مفعماً ببيوضها.

و لا شك أن الوقاية من الإصابة بهذا الداء الوبيل هي اجتناب التعرض للتلوث بهذا الحيوان النجس مطلقاً، كما جاءت تعاليم ديننا الحنيف، والتي تحدد اختلاط الكلاب ب البشر ما أمكن، وقتل الكلاب الضّالة والمسعورة، , العناية بالكلاب الضرورية للقيام بأعمال الحراسة أو الصيد أو كلاب الشرطة، ومراقبة طعامها وإتلاف الحيوانات اللبونة المصابة وحرقها.

أما الحكمة من تنظيف وتطهير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالماء والتراب، فهو أن بويضات ومفرغات هذه الدودة مع البراز صغيرة جداً بحيث لا تُرى بالعين المجردة، وهي تعلق في ثنايا الإناء وقد لا يجرفها الماء لصغرها، والتراب يجمع بين ثنايا ما بالإناء من بويضات ودسم وأقذار ثم يغسل بعد ذلك بالماء سبع مرات حتى يضمن أن لا يعلق شيء منها في ثنايا الإناء. فالتراب إذن عامل كبير في إزالة هذه البويضات لأن ذرات التراب تختلط معها كما يندمج سائل الصابون مع المواد الدهنية ويزيلها

يقول الدكتور النسيمي: وبما أن شرعة الإسلام هي لكل زمان ومكان والتراب متيسر في كل مكان فاقتضت الحكمة النبوية التطهير بالتراب في إحدى الغسلات وقد يأتي زمان تكتشف فيه الحكمة من وراء هذا الأمر النبوي

و هكذا يتبين لنا سبق الإسلام بأحكامه المتعلقة بالكلاب، ما توصل إليه الطب الحديث بقرون عديدة فحذر من اقتناء الكلاب لغير ضرورة وفي تطهير ما تنجس بها. لقد أعطى تلك الأحكام في زمان لم يكن يعرف فيه أنها السبب في إصابة الإنسان بداء الكيسات المائية Taenia Granulosum. فسجل التاريخ معجزة جديدة لخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه وأنه رسول من عند الله.

و إن التقيد بأحكام الإسلام بتجنب الكلاب وتطهير ما تنجسه يقي الإنسان من هذا الداء الوبيل الذي قد يودي بحياته إذا استقر في أماكن نبيلة كالدماغ، أو يعرض المصاب لخطر العمليات الجراحية الكبيرة اللازمة لاستئصاله.

و يرى الدكتور النسيمي أن بقية الأسآر التي فيها حكم بالنجاسة في أحد المذاهب الأربعة، فلا نعدم ملحظاً صحياً أقل ما يقال فيه أنه لا يصلح لشرب لعدم التأكد من تجافي فمها الأقذار والنجاسات، أو بالمعنى الطبي: التلوث الجرثومي.

و بما أن سباع البهائم كالأسد والذئب وابن آوى والضبع والفهد كلها تأكل الجيف، فإن فمها يتلوث من جراثيم تلك الجيف، كما يتلوث من تنظيف أستها بلسانها، وأن بعضها يمكن أن يتسبب بالإصابة بالكيسة الكلبية، فإن النظرة الطبية تدعم رأي الحنفية باعتبار سؤر السباع نجس.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدوابّ والسباع، فقال: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " [ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

قال الخطابي : وقد استدلّ بهذا الحديث من يرى سؤر السباع نجساً لقوله: " وما ينوبه من السباع " _ أي يطرقه ويرده _ إذ لولا أن شرب السباع منه ينجسه لما كان لسؤالهم عنه ولا بجوابه إياهم بتقدير القلتين معنىً.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:52 AM
الطهارة من الخبث



الطهارة من الخبث



قال تعالى: { يا أيها المدثر، قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهّر } [ سورة المدثر: الآيات 1 - 4 ].

و قال: { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } [ سورة البقرة: الآية 125 ].

و قال: { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [ سورة البقرة: الآية 222 ]

عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أعرابياً يبول في المسجد فقال: " دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه " [ رواه البخاري ومسلم ].

عن أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة غلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب الدم ثوبها من الحيضة، كيف تصنع به ؟ فقال: " تحته ثم تقرصن بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه " [ رواه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي ].

و عن أم قيس بنت محصن قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب، قال: " حكّيه بِضِلَعٍ واغسليه بماء وسدر " [ أخرجه أبو داود والنسائي، وإسناده حسن ( الأرناؤوط ) ].

التعريف: الخبث هو النجاسة وهي ضد الطهارة، والنَّجَسُ ضد الطاهر، والأنجاس جمع نَجِس، وهو لغة اسم لكل مستقذر، وشرعاً هو اسم لقذر مخصوص يمنع جنسه من صحة الصلاة كالبول والغائط، أو هي اسم لما يجب أن يتنزه عنه المسلم ويغسل ما أصابه منه والنَجَس _ بفتح الجيم _ اسم يخصص لما كان نجساً في ذاته وأما النَجِس _ بكسر الجيم _ فهي صفة وتخصص لما كانت نجاسته عارضة.

الأعيان النجسة: أجمع فقهاء الأمة على نجاسة الأعيان التالية:

بول الأدمي وقيئه وغائطه _ عدا بول الصبي الرضيع _ , كذا بول الحيوان غير المأكول اللحم وغائطه وقيئه _ واستثنى الحنفية خرء الطيور _ ولحم الخنزير وجميع أجزاءه من شعر وعظم وجلد، ودم الآدمي _ غير الشهيد _ والحيوان غير المائي إذا كان مسفوحاً _ جارياً _ كثيراً والقيح والمذي والودي، وميتة الحيوان الذي ليس له دم سائل، ولحوم الحيوان غير المأكول وألبانه، وكل ما نفصل من الحي في حال حياته كاليد والإلية. والخمر _ كل مسكر مائع _ نجس عند معظم الفقهاء ومذهب الظاهرية وابن حزم على طهارته وبها قال بعض المحدثين [ يسألنا كثير من الأطباء عن حكم نجاسة الغول _ الكحول _ لضرورة استعماله في المزاولة الطبية فوجهنا السؤال إلى الأستاذ الشيخ عبد الغني الدقر فأفتانا خطياً بما يلي:

قال بطهارة الخمر ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك وداود الظاهري قالا: هي طاهرة، وإن كانت محرمة كالسم الذي هو نبات وكالحشيش ونقلت طهارتها عن الحسن والليث. وقال النووي في شرح المهذب: ولا يظهر في الآية دلالة ظاهرة _ أي على نجاستها _ لأن الرجس عند أهل اللغة القذر، ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة. وقول المصنف _ وهو الشيرازي _ ولأنه يحرم تناوله من غير ضرر فكان نصاً كالدم لا دلالة فيه لوجهين:

أحدهما أنه منتقض بالمني والمخاط وغيرهما كما ذكرنا.

و الثاني: أن العلة في منع تناولهما مختلفة فلا يصح القياس، لأن المنع عن الدم لكونه مستخبثاً، والمنع عن الخمر لكونها سبباً للعداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت الآية الكريمة.

أقول: لقد جمع القرآن بالواو العاطفة وهي للجمع بين أربعة أصناف فقال: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [ سورة المائدة: الآية 90 ] فإذا اعتبرنا كلمة رجس بمعنى نجس _ ولا يصح هذا لغة _ فإما أن نحكم على الأربعة بالنجاسة أو بالطهارة، والإجماع أن الثلاثة وأدواتها بعد الخمر طاهرة بالاتفاق، فكيف نقرن الخمر بالنجاسة دون الباقي ].

و الكلب عند الجمهور _ الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية _ وسؤره وعرقه، وما تولد منه نجس لأنه إذا ثبتت نجاسة فمه بنص الحديث الصحيح " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب " والفم أطيب أجزائه فبقيته أولى. ففي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار قوم فأجاب ثم دعي إلى دار أخرى فلم يجب فقيل له في ذلك فقال: إن في دار فلان كلباً. فقيل له: وإن في دار فلان هرّة، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الهرة ليست بنجسة " [ رواه الدراقطني ] فأفهم أن الكلب نجس.

أما مني الآدمي فقال بطهارته الشافعية والحنابلة _ إذا لم ينجسه مذي خرج قبله _ وقال بنجاسته الحنفية والمالكية.



المقاصد الصحية لأحكام الطهارة من الخبث:

إذا كانت الاستجابة لأحكام الطهارة من الخبث أمرٌ تعبدي في الأصل، يستسلم بها المسلم لحكم الشارع عبودية الله سبحانه، واعتقاداً منه بأن الشارع أعرف بما ينفعه وبما يضره ويؤذيه، فإن الحكم بنجاسة عين ما، ومن ثم وجوب تطهيرها أو غسلها، فهو لا يخلو من أحد المقاصد الصحية التالية:

المقصد الأول: النظافة بإزالة النجس عن البدن والثوب وأماكن الصلاة والعبادة وتطهير مكانها وهذا المقصد عامٌ في كل تطهير.

المقصد الثاني: الوقاية من الجراثيم وطفيليات الأمراض المعدية وبيوض الديدان الممرضة، كإزالة البراز والبعد عن الكلب والخنزير وتطهير ما أصابه.

القصد الثالث: التنزه عن الأوساط الملائمة لتكاثر الجراثيم كالدم والبول.

فالبول يحتوي في تركيبه على مواد عضوية وفضلات سامة كالبولة _ Urea _ وهو وسط صالح لتكاثر الجراثيم والفطور والخمائر، لذا فإن عضوياته سرعان ما تتفكك وخصوصاً في الفصل الحار ناشراً رائحة النشادر الضارة والكريهة. ويكون بول المريض المصاب بآفات التهابية في المجرى البولي مجرثماً بشدة، كما أن المصاب بالتيفوئيد يطرح جراثيمه مع البول. كما أن بول المصاب بالبلهارسيا يحتوي بشدة على بيوضها والتي تفقس في الماء الجاري عن أجنة، إذا ما صادفت جلد إنسان يسبح في ذلك الماء أو يخوض فيه اخترقه حيث يصل إلى دمه وتتطور هناك إلى ديدان كهلة تسبب إصابته بهذا الداء الوبيل.

و حكم الإسلام بنجاسة البول وتطهير ما أصابه من ثوب أو بدن والالتزام بالتنزه عنه ينقذ البشر من الإصابة بعدد من الأمراض التي ينقلها. ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التهاون في ذلك.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على قبرين فقال: " إنهما ليعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشي بين الناس بالنميمة " [ رواه الشيخان الشيخان ] ويستتر بمعنى أنه لا يجعل بينه وبين بوله ستراً يمنعه من الإصابة برذاذه، وفي رواية " يستنزه " أي يبتعد.

و يروي النووي عن شرحه لصحيح مسلم عن الخطابي قال: معناها أنهما لم يعذبا في أمر كان يشق عليهما فعله لو أرادا أن يفعلاه.

أما براز الإنسان فإنه ولو كان صاحبه معافىً، فهو مفعم بالجراثيم، منها العاطل ومنها الممرض، ومن الجراثيم العاطلة ما يصبح فجأة ممرضاً. أما إذا كان الإنسان مريضاً فإن برازه يحتوي على جراثيم ذلك المرض كجراثيم التيفوئيد والسالمونيلات والعصيات الكولونية والزحارية والزحار الأميبي _ الزنطارية _ والأميبيا، وحمات الهيضة _ الكوليرا _ وبيوض الديدان المعوية على أنواعها.

و هكذا فإن مفرغات الإنسان المعوية، إضافة لاستقذارها، فإنها واسطة لنقل العديد من الأمراض الجرثومية والطفيلية. وقد حكم الشرع بنجاستها وطالب كل مسلم أن يتطهر منها وأن يطهر ما لوثته، وأن تغسل الأيدي بالماء عقب كل تغوط _ ويستعان على تمام نظافتهما بالصابون أو بغيره من المنظفات _ وأن تقلم الأظافر لأنها كلما طالت خبأت تحتها تلك الجراثيم والطفيليات وبيوض الديدان وأثناء الاستنجاء وتكون سبباً في تقل العدوى الذاتية والغيرية.

و إن الطب الوقائي اليوم ليوصي بعدم استعمال ماء الكهاريز في ري المزروعات وخاصة الخضار الأرضية والتي تؤكل نيئة خوفاً من انتقال العدوى، بأكل تلك الخضار الملوثة، وانتشار الأمراض المعدية بسببها.

و فضلة مالا يؤكل لحمه من الحيوان من روث وبول، نجس عند الشافعي وأبي حنيفة وهو الرأي الموافق للنظرة الطبية بدون شك. فروث هذه الحيوانات مفعم بالجراثيم، وكثيراً ما تحتوي على طفيليات وبيوض ديدان ممرضة. وبراز الكلب يحتوي بيوض الدودة المكورة والتي تؤدي إلى إصابة الإنسان بداء الكيسات المائية _ الكلبية _ وبراز الهررة يحتوي على الديدان الكلبية. أما براز الخنزير فيحتوي على الزقيات الكولونية، وهي لا تؤذي الخنزير بوجودها في أمعائه لكن تلوث طعام الإنسان بها ودخولها إلى أمعائه تسبب له ما يسمى بالزحار الزقي الذي قد يكون مميتاً، كما يحتوي بول الخنزير على البريمبات اليرقانية النزلية التي تسبب للإنسان الإصابة بالداء البريمي اليرقاني النزلي.

أما فضلة ما يؤكل لحمه من بهيمة الأنعام فالشافعية على نجاسته بلا تفصيل، وقال الحنفية بنجاسته المخففة _ عدا الطير الذي يذرق في الهواء ففضلاته طاهرة عندهم _ وقال المالكية بطهارة فضلات ما يؤكل لحمه من بقر وغنم وغيرها إذا لم يعتد أكل النجاسة، أما إذا اعتاد ذلك ففضلاته نجسة، وقال الحنابلة بطهارة فضلات ما يؤكل لحمه من روث وبول ولو أكل نجاسة ما لم تكن أغلب طعامه.

و قد استدّل المالكية والحنابلة بحديث وصف وصف النبي صلى الله عليه وسلم فيه للعرنيين التداوي بأبوال الإبل على طهارتها ،و بحديث إباحة الصلاة في مرابض على طهارة أرواثها وأبوالها وقاسوا عليها بقية ما يؤكل لحمه من الحيوان:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رهطاً من عرينة وعكل قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشريتم من ألبانها وأبوالها.... [ رواه البخاري ومسلم ]، وفي رواية للإمام أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن ألبان الإبل وأبوالها شفاء للذربة بطونهم ".

و عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: " لا تصلّوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين ". وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: " صلّوا في مرابض الغنم فإنها بركة " [ أخرجه أبو داود بإسناد حسن ( الأرناؤوط ) ].

أما الشافعية والحنفية فقد قاسوا فضلات غير الإنسان على فضلات الإنسان والحكم بنجاستهما لاستقذارها جميعاً. هذا وإن وصف النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين التداوي بأبوال الإبل لا يدل قطعاً على طهارتها، لأنه صلى الله عليه وسلم قد يكون وصفه لهم لعدم توفر الدواء المباح الطاهر في علتهم، والضرورة تجيز التداوي بمحرم إذا انحصر الشفاء فيه. كما أن حديث إباحة الصلاة في مرابض الغنم لا يدل على طهارة أبوالها وأوراثها فقد نهى عن الصلاة في مرابض الإبل وهي من النّعم. فلعله الجواز هو سكينة الغنم ونفرة الإبل وما تسببه تلك النفرة من الأذى للمصلي.

و لاشك أن الرأي العلمي الطبي يدعم ما يذهب إليه الشافعية والحنفية من الحكم بنجاسة فضلات الحيوان مأكول اللحم من روث وبول، باعتبارها نظيرة فضلات الإنسان في شدة تجرثمها ونقلها للأمراض، فهو رأي أكثر تلاؤماً مع أصول الفقه والطهارة والبعد عن النجس والتلوث الجرثومي.

يقول النسيمي: صحيح أن مذهب المالكية والحنابلة بطهارة فضلات ما يؤكل لحمه من بهيمة الأنعام أيسر على العاملين بتربية المواشي من أجل قيامهم بفروض تلك الصلاة وهم ضمن عملهم، ولو أنهما قالا بنجاسة تلك الفضلات مع العفو عنها من أجل صلاة العاملين فيها للتيسير ورفع الحرج لكان الرأي أقرب إلى الصواب.

و هكذا فإن الانتانات بالسالمونيلات تنتقل من هذه الحيوانات إلى الإنسان بتلوث طعامه أو شرابه بمفرغاتها، كما أن أبواغ جراثيم الكزاز توجد في روث الحيوانات آكلة الكلأ ولا سيما الخيل والبغال. وكان بذلك للشارع الإسلامي فضل السبق في دعوة المسلمين إلى تطهير ما يتلوث بفضلاتها وفي حماية المجتمع المسلم من خطر انتشار تلك الأمراض عند التقيد بتلك الأحكام.

القيح والصديد وماء القروح والنفاطات: لا توجد نصوص نبوية ثابتة فيما يتعلق بهذه المفرزات المرضية من قيح وصديد _ وهو عند الفقهاء أرق من القيح ويخالطه دم _ من حيث الطهارة والنجاسة، لذا جاءت أحكام الفقهاء فيها اجتهادية، هذا ويختلف الحكم الشرعي في هذه المفرزات فيما إذا كانت تخرج من أحد السبيلين _ مجرى البول والغائط _ أو كانت تخرج من غيرها.

فالخارج من السبيلين ناقض للوضوء باتفاق الأئمة، غير أن المالكية اشترطوا أن يكون الخارج معتاداً وأن يكون خروجه في حال الصحة فعندهم خروج القيح والدم والصديد والدود المتولد في الجوف لا ينقض الوضوء بخروجه من أحد السبيلين.

أما مفرزات الجروح والقروح من غير السبيلين فهي نجسة عند الشافعية لكنها لا تنقض الوضوء. يقول الإمام النووي : مذهبنا أنه لا ينتقض الوضوء بخروج شيء من غير السبيلين كدم الفصد والحجامة والرعاف سواء قل ذلك أو كَثر.

و في هذا تيسير على المرضى خاصة وأنه قد يتمّ السيلان أثناء الصلاة فلا ينتقض وضوءهم ولا يعيدون صلاتهم.

و عند الحنفية: فإن المفرزات المرضية إن جاوزت موضعها وسالت إلى ما يجب تطهيره من الجنابة نقضت الوضوء، أم إذا لم تسل وكانت مجرّد رشح أو نداوة بحيث لو تركت لم تسل عن موضع خروجها لا تنقض الوضوء.

و قال الحنابلة: بنقض الوضوء لكل خارج نجس من سائر البدن بشرط أن يكون كثيراً.

و القيح والصديد نجس باتفاق المذاهب، أما المفرزات المرضية الأخرى، كالمصل الذي ينز من فقاعات الحروق والحروق والأكزيمة وماء السرّة فهي نجسة أيضاً، , لكن هناك بعض القيود على هذا الحكم في أكثر المذاهب:

فالحنفية يقولون بنجاسة ما يسيل من البدن، غير أن القيح والصديد إن خرج لعلّة ولو بلا ألم فهو طاهر. أما ما ينز من سطح القروح والأكزيمة دون أن يسيل فليس بنجس عند أبي يوسف وعليه الأكثرون من الحنفية، , هو عند الإمام محمد نجس _ احتياطاً _ [ عن كتاب ( فتح باب العناية ) ]..

و قدّر الشافعية نجاسة سائل القروح _ غير القيح والصديد _ بتغير لونه أو ريحه، أما إذا كان مصلاً رائقاً لا لون له فهو طاهر عندهم كالعرق [ عن كتاب ( شرح الروض ) ]. ولدفع الحرج عن المبتلين بتلك الإفرازات نصّ الشافعية عما يعفى عنه من المفرزات المرضية النجسة، إعفاءاً من أجل أداء الصلاة.

يقول العلامة الترمانيني [ في كتابه ( المعفوات ) عن النسيمي ] دم الدمامل وقيحها من الدماء التي يعفى عن قليلها، حتى وعن كثيرها، وكذا الدم الذي ترك الشخص إزالته عن موضع العضة أو على القروح، فكلها عند ابن عماد، مما يعفى عن قليله لا عن كثيره، ونص غيره بالعفو عنها مهما كثرت بشرط ألا تكون بفعله _ كأن تكون خرجت بعد عصره للدمل فهذه غير معفو عنها _.

و الحكم الشرعي بنجاسة القيح والصديد يتوافق مع الرأي الطبي وعلم الصحة على اعتبار أنهما مفعمان بالجراثيم _ إذ يندر أن يكون القيح عقيماً _ وأن التطهير منهما واجب لمكافحة انتشار مسببات الأمراض عن طريق التلوث بهما. أما النز المصلي من الآفات الأكزيمية وفقاعات الحروق وما شابهها فيغلب أن تكون عقيمة إذا كانت رائقة غير متغيرة اللون أو الريح، وأن تغير اللون أو الريح يكون دليلاً على التجرثم الثانوي الذي أضيف إلى الآفة، وهذا يتوافق مع الميزان الذي وضعه الشافعي رحمه الله للحكم بنجاسة المفرزات هذه عند تبدل لونها أو ريحها، ويعطى الطبيب والمريض إشارة إلى وجوب التطهير بمعناه الشرعي والطبي.

أما ما يراه الدكتور النسيمي من أن المفرزات المرضية ول وكانت غير متغيرة اللون والريح، يمكن أن تكون مفعمة بالجراثيم، وإن عدم تبدل اللون والريح لا يدل دائماً على أن المفرز عقيم، فهو على صحته أمر نادر الحدوث. ومع ذلك فهو يرى أن الجمع بين الفقه والطب يكون بالأخذ بالأحوط والجمع بين ما ييسر على المسلم أداء عباداته ضمن روح الإسلام وبين مراعاة الشروط الصحية، لذا فهو يرى _ على خلافنا _ الأخذ برأي الحنفية واعتماد الحكم بنجاسة كل مفرز مرضي ليتقي تلويث جسمه وثيابه مما يمكن أن يكون مجرثماً، ويتحرز بذلك من إمكانية تلويث غيره بنجاسة صادرة عنه يمكن أن تكون مصدراً للعدوى، لكن الحكم بنجاسة المفرزات المرضية كلها فيه حرج على المريض في أداء صلواته.

و يرى أن التخلص من الحرج بالحكم بنجاسة تلك المفرزات، أن تعتبر من ثمّ من المعفوِّ عنها بالنسبة لصاحبها. فيزول الحرج ويبقى الاحتراز من انتشار النجاسة أو إصابتها لغيره قائماً، ويبقى عليه واجب التطهير في الوقت المناسب



التطهير الشرعي:

تجب إزالة النجاسة عن بدن المصلي وثوبه ومكانه إلا ما عفي عنه لتعذر إزالته أو الاحتراز عنه دفعاً للحرج. أما الدليل على وجوب إزالة النجاسة عن ثوب المصلي فلقوله تعالى: { وثيابك فطهر } [ سورة المدثر: الآية 4 ]. وأما عن البدن فلأنه أولى بالطهارة من الثوب المنصوص على طهارته في الآية الكريمة. وأما عن مكان الصلاة فلقوله تعالى: { وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود } [ سورة البقرة: الآية 125 ] ولأن إزالة النجاسة يقصد بها تحسين حال المصلي حالَ مناجاته لربه، , المكان كالثوب في ذلك.

و الدليل من السنة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الثوب من دم الحيض، وأمره بصب ذنوب من الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد. كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم أمر بغسل المذي من الثوب والبدن والاستنجاء من النجاسة للسبيلين، وتشدده في ضرورة التنزه من البول وأن أكثر عذاب القبر من البول، وما يعذب الله أحداً إلا بتركه لواجب. وقد سردنا الأحاديث المذكورة في مقدمة هذا الفصل.

و إن الأدلة العلمية في الطب الوقائي الحديث لتدعم رأي الجمهور من الشافعية والحنفية والحنابلة إلى وجوب إزالة النجاسة من البدن ثم من الثياب ثم من أماكن العبادة والمساجد، وليعلم أيضاً، أن النجاسات المعفو عنها، إنما عُفي عنها لدفع الحرج عن الأمة وخاصة مما يكثر التعرض له في الحياة اليومية في المهنة أو يشق الاحتراز عنه، لكن الأفضل _ باتفاق أهل العلم والدين _ التطهير منها في أقرب فرصة ممكنة، وليس معنى العفو عنها أنها طاهرة، فهي مثلاً تنجس الماء القليل إذا حلت فيه وتنقل إليه الجراثيم.

و نود أن نؤكد هنا ما قاله الدكتور النسيمي: من أن الأشياء ولو حكم الشارع بعدم نجاستها، فإنها إن دلّ الفحص الطبي على احتوائها على أمراض ممرضة خطيرة، فإنّ طهارتها الشرعية ليست بمجيزة لإبقائها أو التعرض لخطر التلوث بها، فإن رأي الطب وما يلاحظه من درء الخطر مقدم على التمسك برأي فقهي مبني على الاجتهاد. وهذا والحق يقال يندر جداً أن يحصل فيما اتفق عليه الفقهاء المشرعون، كما رأينا، إنما يمكن مشاهدته في الأمور الخلافية ويكون الرأي الفقهي المدعوم بالرأي الطبي اليقيني أولى بالاتباع، والله أعلم.

وسائل التطهير الشرعي: اتفق علماء المذاهب الأربعة ( 15 ) أنّ ما يزيل النجاسة في هذه المحال الثلاث _ البدن والثوب والمكان _ الماء الطهور. واتفقوا أيضاً أن الحجارة تزيلها عن المخرجين. واختلفوا فيما سوى ذلك من المائعات والجامدات التي تزيلها.

فالماء الطهور هو طاهر بذاته مطهر لغيره مزيل للنجاسة بالإجماع، ولا يكفي لإزالتها _ عند الجمهور _ الماء الطاهر من مستعمل في إزالة حدث وسواه، غير أن الحنفية قالوا أن الماء الطاهر غير المطهر، لا يرفع الحدث، لكنه مثل الطهور في إزالته للنجاسة، وكذا كل مائع طاهر، الذي إذا انعصر عصر كالخل وماء الورد وسواه فهذه الثلاثة _ عند الحنفية _ يطهر بها كل متنجس سواء كان ثوباً أو بدناً أو مكاناً

و يرى الدكتور النسيمي أن التطهير الشرعي المفروض هو الحدّ الأدنى للتطهير الذي شرع للناس كافة لتيسر تطبيقه لكل الناس وفي كل الظروف والأحوال وعلى اختلاف الأزمنة والأمكنة. ويمكن جمعه مع التطهير الطبي إذا وجدت موجبات لذلك، كأن يغسل المسلم يديه بالماء _ التطهير الشرعي _ ثم يغسلها بالصابون وغيره _ التطهير الطبي _ وخاصة بعد التغوط، وعلى الخصوص فيما إذا كان مصاباً بمرض سارٍ، ,أ لدى ملامسته لشيء نجس يخشى منه أن يكون سبباً لانتشار مرض ما.

و مما يلتقي فيه التطهير الشرعي مع التطهير الطبي: الحرق بالنار فعند الحنفية أن الإحراق بالنار مطهر للنجاسة، والطب يؤكد أن الإحراق أو التلهيب بالنار هو خير وسيلة للتطهير، لكنها للأسف لا يمكن تطبيقها إلا في مجالات محدودة، كحرق الأوراق الملوثة أو الخرق البالية، أو تطهير الأدوات المعدنية أو الزجاجية بالتلهيب، مما لا يفسده حرارة اللهب.



الاستنجاء:

و هو لغة إزالة النجو وهو الغائط. واصطلاحاً إزالة نجس من غائط وبول ودم ومذي من أحد السبيلين: قبل أو دبر، وسمي بالاستطابة، وأعم ما يكون بالماء وأجيز بالحجارة ونحوها ويسمى حينئذٍ بالاستجمار، مأخوذ نمن الجمرات وهي الحجارة.

و اتفق جمهور الفقهاء _ عدا الحنفية _ على وجوب الاستنجاء من كل خارج معتاد من السبيلين لقوله تعالى: { والرجز فاهجر } [ سورة المدثر: الآية 5 ]. وهو يعم كل مكان ومحل من ثوب أو بدن. ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاث أحجار فإنها تجزئ عنه " [ رواه أبو داود ]. وفي رواية مسلم عن عبد الله بن جابر قال صلى الله عليه وسلم: " إذا استجمر أحدكم فليوتر "، أو قال: " لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار ". والأمر يقتضي الوجوب.

و الأصل في الاستنجاء أن يكون بالماء. عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته تبعته وأنا غلام منا معنا إدواة من ماء _ يعني يستنجي به. [ رواه الشيخان ].

و عن معاذة بنت الرحمن أن عائشة رضي الله عنها قالت: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله. [ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ].

عن أنس بن مالك أنه لما نزلت آية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطّهرين } [ سورة التوبة: الآية 108 ] أتى النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في مسجد قباء فقال: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهر الذي تطهرون به ؟ فقالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء. قال: " هو ذاكم فعليكموه " [ رواه ابن ماجة والحاكم وسنده حسن ].

و في رواية ابن عباس قالوا: إنّا نتبع الحجارة بالماء. وفي رواية قالوا: ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. [ رواه البزاز وابن خزيمة ].

و في رواية أنهم قالوا: نجمع في الاستنجاء بين الحجارة والماء. [ أخرجه رزين والبزاز وهو حديث حسن بشواهده ( الأرناؤوط ) ].

هذا ويمكن الاستنجاء بحجر أو نحوه من كل جامد، طاهر، قالع غير محترم كورق وخرق وغيرها، وعند الشافعية والحنفية وجوب الاستنجاء بثلاثة حجارة على الأقل ولو حصل الإنقاء _ زوال أثر النجاسة _ بأقل منها، أو بثلاث مسحات، وإن لم ينق بها وجب الإنقاء برابع أو أكثر. أما الاستنجاء بالماء فليس له عدد محدد إذ الصحيح أنه مفوض على الرأي حتى يطمئن القلب بالطهارة بيقين أو بغلبة الظن. ويجمع الفقهاء على أن الجمع بين الحجارة _ أو المحارم الورقية اليوم _ والماء هو الأفضل.

و يشترط لصحة الاستنجاء بالحجر أو الورق ألا يجف النجس الخارج فإن جف تعين الماء، , كذا ألا يجاوز صفحته وحشفته، فإن انتقل عنه تعين الماء أيضاً، كما يشترط ألا يطرأ عليه شيء رطب أجنبي عنه وأن يكون الخارج من فرجٍ معتاد فلا يجزئ في الخارج من غيره. ولا يجوز الاستنجاء بعظم أو روث:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمر أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرتين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها ركس. [ رواه البخاري ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج لحاجته وكان لا يلتفت، فدنوت منه فقال: " ابغني أحجاراً أستنفض بها أو نحوه ولا تأتني بعظم ولا روث " [ أخرجه البخاري ].

و لابد بعد الاستنجاء عمن غسل اليدين بالماء والصابون أو بأية وسيلة متوفرة تنظف ثنايا الجلد من بقايا الغائط:

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الخلاء فقضى حاجته ثم قال: يا جرير هات طهوراً، فأتيته بالماء فاستنجى وقال: فدلك بها الأرض، [ رواه النسائي وفي سنده انقطاع ولكن له شواهد تقويه ( الأرناؤوط ) ].

و يسن للمستنجي الاستنجاء بيساره وألا يستقبل القبلة أو يستدبرها في بوله وغائطه:

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قيل قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة ؟ فقال: أجل فقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. [ رواه مسلم والنسائي وأبو داود بألفاظ متقاربة، والرجيع الروث والعذرة ].

و عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى بيت الخلاء فلا يتمسح بيمينه " [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. [ رواه البخاري ].

و لا شك بأن الهدي النبوي بتعليم الأمة قواعد الاستنجاء بكل تفصيلاتها إنما هو إعجاز طبي، , سبق صحي في مجال الطب الوقائي، سبقت بها شريعتنا الغراء كافة الأنظمة الصحية في العالم، قديمها وحديثها، وتنسجم مع كافة متطلبات الصحة البدنية والوقائية من التلوث الجرثومي والحد من انتشار الأوبئة والأمراض المعدية.

فالسبيلان وما يخرج منها من غائط وبول هما من أخطر الأسباب لنقل العدوى بالأمراض الجرثومية والطفيلية المختلفة فيما إذا أهملت نظافتها.

و إذا تمعنا بدراسة هذه الأحكام لوجدناها مناسبة لكل زمان وفي كل بيئة. فلقد أوصى الشارع باستعمال الماء لتمام نظافة السبيلين، ولم يغفل إمكانية وجود بيئات تفتقر حتى لماء الشرب، فلفت النظر لإمكانية التطهر بالحجارة وسواها من ورق _ المحارم الورقية اليوم _ وخرق والتي يمكن أن تتوفر في البيئة الريفية والبدوية. وقد علم بنور الوحي أن بعض المفرغات قد ينفع في قلعها الحجر والورق أكثر من الماء _ وخاصةً الدهون وبيوض الديدان _ ولم يكن الصابون قد عرف بعد، فجعل من كمال الطهارة البدء بالاستنجاء بالحجر، وإتمامها بالماء. ويدخل تحت هذا المفهوم أيضاً دلك النبي صلى الله عليه وسلم ليده بالتراب بعد الاستنجاء من الغائط ثم غسلها بالماء، لأن المتوفر كان التراب، الذي يمكن أن يزيد من الفعل المنظف للماء في قلع النجاسة.

و إمعاناً في منع أي إمكانية للتلوث الجرثومي، خصص اليد اليسرى للاستنجاء واليمنى للطعام والشراب، ذلك أن بيوض الطفيليات المتوفرة في البراز، يمكن أن تبقى بين ثنايا الجلد رغم غسل اليدين، أو تحت الأظافر مخبأة هناك، وهكذا فإن تخصيص مهمة لكل يدٍ تُبقي اليد اليمنى في منجاة عن التلوث، فلا يمكن أن تنتقل بسببها العوامل الممرضة إلى الطعام أو إلى فم الآكل...

ألا ما أروع هذه التشريعات وما أدقها تنظيماً وأعظمها وقاية وحفظاً لصحة البشر لو طبقها المسلمون، وعقلها العالمون. ثم أليس من الإعجاز الطبي الرائع أن ينطق بها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم قبل أن يُكتشف المجهر ويتعرف العلماء مكن كوخ إلى باستور على تلك العوامل الممرضة من جراثيم وسواها !....

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 11:58 AM
الطهارة من الحدث



الطهارة عن الحدث



الحدث وصف شرعي يحل بالأعضاء يزيل الطهارة ويوجب الطهارة الحكمية وهو إما أصغر يوجب الوضوء أو حدث أكبر يوجب الغسل. والتيمم رخصة مؤقتة ترفع الحدث حال فقد الماء أو تعذر استعماله لمرض أو سواه.



الوضوء:

قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } [ سورة المائدة: الآية 6 ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أمتي يُدعَون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " [ متفق عليه ].

و عنه قال: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: " تبلغ الحلية من المؤمن حيث بلغ الوضوء " [ رواه مسلم ].

و عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظافره " [ رواه مسلم ].

و عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: " من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه " [ رواه مسلم ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأ العبد المسلم _ أو المؤمن _ فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب " [ رواه مسلم ].

و الوضوء لغةً _ بضم الواو _ هو اسم للفعل أي: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضؤ الرجل: أي صار وضيئاً. وأما _ بفتح الواو _ الوَضوء فيطلق على الماء الذي يتوضأ به. وتعريفه الشرعي هو استعمال الماء الطهور في أعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة في الشرع. وحكمه الأصلي _ أي المقصود أصالة للصلاة _ هو الفريضة، لأنه شرط لصحة الصلاة لقوله تعالى: { إذا قمتم للصلاة.... } [ سورة المائدة: الآية 6 ]. وللحديث الذي رواه الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ".

كما اتفق الفقهاء على فرضيته لمس المصحف ولو آية مكتوبة على جدار، واتفق الجمهور _ عدا الحنفية _ على فرضيته للطواف حول البيت. كما أن هناك أحوالاً كثيرة ندب فيها النبي المسلمين إلى تجديد الوضوء، كالوضوء لكل صلاة، , للنوم على طهارة وعند الغضب ولقراءة القرآن وبعد غسل الميت أو حمله:

عن أبي هريرة رضي اله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك " [ رواه الإمام أحمد بسند صحيح ( نيل الأوطار ) ].

عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم... " [ رواه البخاري ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ " [ رواه أبو داود وابن ماجة بإسناد صحيح ].

و هكذا نرى أن الإسلام جعل من الوضوء نظافة إجبارية لأكثر أعضاء البدن تعرضاً للأوساخ والتلوث أثناء ممارسة العمل اليومي، فالوضوء شرط لصحة الصلاة ومفتاح لها:

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " [ رواه الترمذي وهو حديث صحيح ].

و الصلوات المفروضة تلزم المسلم لأدائها الطهارة من الحدث وتستدعي الوضوء عند أدائها إذا طرأ من الأمور ما يوجب الحدث الأصغر والتي تدعى بنواقض الوضوء. وهي مناسبات حكمية _ تعبدية _ اتفق الفقهاء على بعضها كخروج شيء من السبيلين، والنوم غير المتمكن، , الإغماء، والغشي، واختلفوا في أمور كثيرة لسنا هنا في مجال ذكرها، غير أننا نقول أن تعدد نواقض الوضوء إن هي إلا مناسبات يلتزم معها المؤمن لرفع ذلك الحدث بتكرار الوضوء مرات ومرات في اليوم، وحتى يقف المسلم دوماً بين يدي مولاه وهو في تمام النظافة وكمالها، وقد تخلص جسده من الأدران والأقذار وحتى يصل إلى الحالة التي يستحق معها الوقوف لمناجاة ملك الملوك، وهذا يعني بالطبع إلزامه بمبادئ النظافة.



المقاصد الصحية لأفعال الوضوء:

الوضوء حجر الزاوية في بناء الطب الوقائي الإسلامي لحماية المجتمع من أخطار تلوث البيئة ،

فهو بتكراره يعتبر من أعظم أسس النظافة الشخصية فهو نظافة شاملة للأعضاء المعرضة للتلوث من البدن علاوة إلى اهتمامه بتنظيف الفتحات التي يتصل بها البدن مع الخارج، وعن طريقها يكثر تعرض صاحبه للإصابة بالمرض، كالفم والأذنين والعينين. فالوضوء يعمل على تنظيف تلك الفتحات بعناية لإزالة بقايا المفرزات وبقايا الطعام وحتى لا تتخمر تلك النفايات وتصبح مرتعاً لتكاثر الجراثيم والفطريات

و هكذا فإن الجلد الساتر للوجه واليدين والقدمين، تكثر مفرزاته الداخلية من عرق ودهن حيث تنتشر على مساحات منه، وبسبب تعرضها للغبار والأتربة والخامات المختلفة المستعملة في المهن والمصانع فإنها تمتزج معها وتشكل طبقة شديدة التلوث على سطح الجلد وقد تمنع تعرقه وتهويته، التي فيها صحته وسلامته. والوضوء يعمل على إزالة تلك المواد الضارة أولاً بأول ويمنع تراكمها على الجلد ويقلل بذلك من إمكانية دخولها إلى الجسم، وما يسببه ذلك الدخول من مضايقات مرضية.

و قد أكدت غالبية الدراسات الحديثة أنَّ الغالبية العظمى من سرطانات الجلد تكون بتعرضه للمواد الكيماوية المختلفة وخاصة عند العاملين في صناعة البترول. وبينت أن أفضل طريقة للوقاية من سرطان الجلد هي إزالة ما يتراكم على سطح الجلد من هذه الكيماويات أولاً بأول، والعمل على عدم تراكمها بالغسل المتكرر حتى يقلل من فعاليتها وتأثيرها على خلايا الجلد. ونفس الأمر يتحقق عند عمال المناجم والمصانع، , الوضوء يقي أولئك العاملين إلى حدّ كبير من الإصابة بالأورام السرطانية الجلدية

و أثناء الوضوء يقوم المتوضئ بتدليك أعضاء الوضوء أثناء غسلها مما يؤدي إلى تنبيه الدورة الدموية فيها وتنشيط تغذية تلك الأعضاء ومن ثم إلى نشاط في الجسم كله وهي بذلك تخفف كثيراً من احتقان الدماغ عند المشتغلين بالأعمال الفكرية والذهنية مما يؤدي إلى تنشيطه بشكل واضح، والماء البارد هنا أكثر فعالية من الماء الساخن، فهو ينبه الجملة العصبية وينشط الهضم ويزيد في الشهية كما ينشط عمل الكليتين، ويزيد من طرحهما للفضلات السامة ( 2، 17 ).

و سنستعرض فيما يلي أفعال الوضوء مرتبة كما جاء السنة لافتين النظر إلى المقصد الصحي لكل منها بشكل خاص:

الأعمال التحضيرية قبل الوضوء: على المسلم قبل أن يتوضأ أن يزيل الخبث عن بدنه وثوبه ويطهر مكانه، ومن ثم عليه أن يزيل الأوساخ من أعضاء الوضوء، وكذا كل ما يمنع وصول الماء إليها _ وخاصة تحت أظافره _ وبذا يكون قد أزال العوائق على إتمام عملية التطهير أثناء الوضوء.

و يندب للمسلم أن يستاك قبل وضوئه فينظف الفم وتزول بقايا الطعام من الأسنان ويزيل الرواسب من حول عنق الأسنان كما أنه يقوي اللثة ويطهرها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة " [ رواه البخاري ].

و في رواية لمسلم ".... عند كل صلاة ". وفي الموطأ عن أبي هريرة أنه قال: لولا أن يضق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء.

و عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب " [ أخرجه النسائي وأحمد في مسنده، وإسناده صحيح ( الأرناؤوط ) ].

و تحصل فضيلة السواك بالاستياك بعود الأراك [ بحثنا فوائد الأراك في الجزء الأول من كتابنا " روائع الطب الإسلامي " ]، أو أي عود مشابه، كما تحصل باستعمال فرشاة الأسنان المعروفة. وسنقدم بحثاً مفصلاً عن السواك في الجزء من كتابنا المتعلق بالآداب الإسلامية.

و يندب غسل اليدين قبل البدء بالوضوء وقبل إدخالها في إناء الماء عند الرغبة في الاغتراف منه للوضوء، وبذا نحافظ على طهورية الماء المراد استعماله، ونمنع تلوثه ونعلم بذلك دقة الأحكام الشرعية في الحصول على الطهارة الفائقة.





المضمضة والاستنشاق والاستنثار:

عن عبد الله الصنايجي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه " [ رواه النسائي وابن ماجة وأحمد والحاكم ورمز السيوطي لصحته ( زيادة الجامع الصغير ) ].

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه دعا بوَضوء فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ثم قال: هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم. [ أخرجه النسائي وإسناده صحيح ( الأرناؤوط ) ].

عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثاً. [ رواه الشيخان والترمذي ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر... وفي رواية ليستنثر " [ رواه مسلم والنسائي ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر فإن الشيطان يبيت على خياشيمه " [ رواه الشيخان، وزاد النسائي: " فليتوضأ وليستنثر " ].

عن أبي أيوب القضاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حبذا المتخللون في الوضوء والمتخللون في الطعام، أما تخليل الوضوء فالمضمضمة والاستنشاق وبين الأصابع، وأما تخليل الطعام فلأنه ليس شيء أصعب على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما طعاماً وهو قائم يصلي " [ رواه الإمام أحمد والطبراني، في سنده واصل الرفاشي ضعفه الهيثمي ( فيض القدير ) ].

و استنّ النبي صلى الله عليه وسلم المضمضة ثلاث مرات، وتتم بها نظافة الفم، والغرغرة مبالغة في المضمضة تنظف الحلق والبلعوم وتزيل بقايا الطعام، ويندب التخليل بين الأسنان لإزالة بقايا الطعام، والتي إذا تراكمت كانت عرضة للتخمر وتكاثر الجراثيم مما يؤدي إلى التهابات اللثة ونخر وتسوس الأسنان، ومن ثم يمكن أن تؤدي إلى التهابات السبيل الهضمي وما ينتج عنها من اضطربات هضمية ورائحة الفم الكريهة

و يقوم الأنف بتنظيف الهواء وتدفئته وترطيبه قبل دخوله إلى الرئتين، يقوم بهذه المهمة الحيوية غشاؤه المخاطي المبطن له بمفرزاته وأهدابه والتي تعمل على اجتذاب الغبار والجراثيم من الهواء، وإذا علمنا أن معظم الأمراض وأكثرها انتشاراً كالزكام المتكرر والأنفلونزا والسل الرئوي والتهابات القصبات إنما تنتقل عن طريق الرذاذ المنتشر من المرضى بواسطة الهواء والذي يدخل إلى الجسم عبر الأنف، أدركنا القيمة الصحية الهامة لنظافة الأنف والتي تتم عبر الوضوء.

فالاستنشاق والاستنثار يعملان على التخلص مما تراكم في الأنف من مواد مخاطية وما التصق بها من غبار وجراثيم مما يؤدي إلى تنظيف مجراه وتجديد طبقته المخاطية وتنشيطها لتقوم بوظيفتها الحيوية على أتم وجه. وقد قام فريق طبي من جامعة الإسكندرية بدراسة ميدانية اكتشفا فيها العلاقة بين الوضوء وصحة الإنسان، وقد وجدوا أن باطن الأنف عند المهملين للوضوء يكون شاحب اللون، دهني الملمس، تكثر فيه الترسبات الغريبة من الأتربة والجراثيم، أشعارها متلاصقة وتعلوها القشور وأثبتت نتائج الزرع الجرثومي نمو العديد من المستعمرات الجرثومية في حين كانت نتائج الزرع من أنوف الملتزمين بالوضوء عقيمة غالباً وكانت بطانة الأنف نظيفة لماعة خالية من الشوائب والأتربة

كل هذا يثبت أهمية الوضوء وما فيه من استنشاق ة استنثار في نظافة الأنف والوقاية أو الحدّ من الإصابة بعدد كبير من الأمراض التي تنتقل بواسطته، وفي تنشيط الوظائف الحيوية لهذا العضو الهام وما أجمل الهدي النبوي في تنظيم استعمال اليدين عندما جعل اليد اليمنى للاستنشاق وغرف الماء وجعل اليسرى للاستنثار ونبذ الفضلات... إنّ في هذا لذكرى لمن كان له قلب... ولعلّلكم تتفكرون !..

غسل الوجه: الوجه هو كالمرآة الحقيقية التي تنعكس عليها حالة الجسم الصحية والنفسية، إذ هو مجمع لمعظم الحواس وهو الذي يعطي الشخصية المتميزة لصاحبه ويمنحه القبول أو الرفض. لذا حرص الإسلام على جعله نظيفاً من خلال الوضوء بغسله ثلاث مرات من منبت الشعر إلى أسفل الذقن، وما بين شحمتي الأذنين. هذا الغسيل المتكرر مرات ومرات في اليوم يضمن نظافته من الغبار وما يتراكم عليه من دهون وجراثيم، كما يضمن نظافة العين ويقلل من إمكانية تعرضها للالتهابات الجرثومية والتراخوما

و في محاضرة عن تطور فن التجميل شرحت البروفيسورة إينا كالغونينكو [ مديرة معهد العلاج التجميلي في موسكو ( عام 1969 )، وقد سمع المؤلف المحاضرة شخصياً ] فضل الوضوء على الشعوب الإسلامية وأثره على بقاء الوجه في نضرة وحيوية وشباب عند الشيوخ منهم وحتى في سن متقدمة. إذ أن تكرار غسيل الوجه بالماء وخاصة البارد منه، وما يرافقه من تدليك _ مساج _ ينشط بشرة الوجه وما فيها من خلايا وعضلات ملس وألياف، ويجعل أنسجتها مرنة وقوية غير مترهلة مما يزيد في حيوية ونضارة البشرة ويؤخر أو يقلل من ظهور التجاعيد فيها.و إن نضارة وجه الشخص الملتزم بالوضوء أمرٌ ملاحظ لكل مبصر [ وإمعاناً في نظافة الوجه سنّ لنا النبي صلى الله عليه وسلم تخليل اللحية بالماء. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته ( رواه الترمذي ) وهو حديث حسن ].

غسل اليدين: عن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويده اليمنى ثلاثاً والأخرى ثلاثاً ومسح رأسه بماء غير فضل يديه وغسل رجليه حتى أنقاهما. وفي رواية: مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدمة رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. [ الحديث متفق عليه ]. إن المواظبة على مسح الرأس بماء نظيف يضمن إزالة ما علق عليه من غبار ويحافظ على رونقه ونظافته ويقلل من إمكانية إصابته بالالتهابات الجلدية المختلفة.

كما أن إمرار الماء البارد على الرأس بين فترة وأخرى له تأثيرات منعشة للتنفس تقلل الشعور بالتعب العقلي وتجدد النشاط الذهني.

مسح الأذنين: عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما. [ أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ].و لتنظيف الأذنين أهمية صحية كبرى، ذلك أن الأذن تفرز مادة شمعية هي الصملاخ تتراكم ببطء ضمن مجرى السمع وتختلط بما يدخل المجرى من غبار وأوساخ مما يؤدي إلى إمكانية انسداده بتشكل السدادة الصملاخية أو حدوث التهاب مجرى السمع. وإن مسح الأذنين المتكرر كل يوم ومع كل وضوء يعمل على نظافتهما وإزالة المفرزات والأوساخ ويقي الأذن من الإصابة من العديد من الأمراض.

غسل الرجلين إلى الكعبين: تتحمل القدمان العبء الأكبر من وزن البدن من كثرة احتكاكهما أثناء المشي. ويزيد المشكلة تعقيداً أن القدمين، , ضمن حياتنا المعاصرة محبوستان داخل الحذاء فترات طويلة، علاوة على كثرة المفرزات العرقية فيهما وما يتبعها من تعطين وتلوث بالغبار، حيث تصبح البيئة ملائمة لتكاثر الجراثيم والفطريات الممرضة وخاصة أثناء الفصل الحار، فتكثر الالتهابات الجلدية والآفات الفطرية وما يصدر عنها من روائح كريهة للقدمين والجوارب التي تحتويها.

و غسل القدمين في نهاية تأكيد من الشارع على نظافتهما ،و يغسل جزءاً من الساقين إسباغاً للوضوء. ونحن مع الدكتور النسيمي في أن فهم أهل السنة والجماعة لآية الوضوء وقولهم بفرضية غسل القدمين في الوضوء لا مسحهما هو الذي يتوافق مع تعاليم الطب الوقائي في النظافة، ومع ما ورد في السنة من أحاديث كثيرة منها ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال:

تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: " ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً. [ رواه البخاري ومسلم ]. وفي رواية لمسلم: رجعنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم العصر فتوضؤوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم تمسها الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويلٌ للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء ".

و من السنة تخليل الأصابع بالماء إمعاناً في النظافة وإن كان الماء يصل إلى ما بينهما، فإن لم يصل الماء إلا بالتخليل وجب. عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك " [ رواه الترمذي بإسناد حسن ( الأرناؤوط ) ].

و عن لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأت فخلل الأصابع " [ رواه أبو داود والترمذي وأحمد في مسنده والحاكم بأسانيد متعددة صحيحة ( الأرناؤوط ) ]

و قال عبد الله بن مسعود: تخللوا فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الإيمان والإيمان مع صاحبه في الجنة. [ رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن وضعفه الهيثمي ].

و هنا ندرك مدى التوافق بين التعاليم النبوية والطبية، إذ من المعلوم أن ما بين أصابع القدمين هو من أكثر المواضع في البدن تعرضاً للتخمر والتعطن.

و هناك ملاحظة لطيفة يذكرها الاختصاصي بالعلاج الفيزيائي مختار سالم وهي أن الوضعية التي يتخذها الإنسان أثناء غسله لقدميه تجعله مجبراً على تحريك عضلات جسمه جميعاً بما فيها عضلات الأطراف والجذع والحوض، كما أن الوقوف على قدم واحدة أثناء غسل الأخرى تمرين بدني جيد ينمي ويطور درجة الاتزان العصبي تدريجياً مع كل وضوء. وتعتبر الحركات التي نؤديها أثناء الوضوء بمثابة تمرينات تمهيدية _ تسخين _ لتنشيط وإحماء الجسم استعداداً للوقوف بين يدي الله لأداء الصلاة.

الترتيب: عن حمران مولى عثمان قال: إن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرارٍ فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاث مرارٍ، ثم مسح رأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرارٍ إلى الكعبين ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا... [ رواه الشيخان ].

و قد اختلف الفقهاء في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على نسق الآية الكريمة فاعتبره الحنفية والمالكية سنة، وقال الشافعي وابن حنبل بوجوبه. وإن المتأمل المنصف ليعجب من حسن ترتيب أفعال الوضوء الذي يجمع بين النظام وبين التسلسل المنطقي الصحي والذي يؤكد ما ذهب إليه من قال بوجوبه.

إسباغ الوضوء: عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إسباغ الوضوء شطر الإيمان " [ رواه أحمد في مسنده والنسائي وصححه السيوطي ].

عن نعيم بن عبد الله المجمر قال: قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى شرع في العضد ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ثم قال لي: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنتم الغرّ المحجّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله " وفي رواية: أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كادّ يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أمتي يأتون غراً محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " [ رواه الشيخان ].

و عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسبغوا الوضوء " [ رواه مسلم ].

و إسباغ الوضوء هو إتمامه وإفاضة الماء على الأعضاء تاماً كاملاً وهو من تمام النظافة. يقال ثوب سابغ أي واسع.

قال ابن الأثير: " غراً محجلين ": الغرة والتحجيل بياض في وجه الفرس وقوائمه مما يزيد في حسنه ويزينه فاستعاره للإنسان وجعل أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين كالبياض الذي هو للفرس ولذلك قال بإسباغ الوضوء فإنه يزيد التحجيل ويطيله

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:01 PM
الغسل



جعل الإسلام العظيم من الغسل وسيلة للطهارة وما يتبعها من نظافة كامل البدن وربطها بأداء كثير من عباداته التي فرضها على عباده وليجعل من النظافة أمراً لا ينفصل أبداً عن تدينه وعقيدته.

و الغسل هو فعل الاغتسال أو الماء الذي يغتسل به، ويعرف لغةً بأنه سيلان الماء على الشيء مطلقاً، وشرعاً إفاضة الماء على جميع البدن على وجه مخصوص والأصل في وجوبه قوله تعالى : { وإن كنتم جنباً فاطهروا } [ سورة المائدة: الآية 6 ].

و قوله: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } [ سورة النساء: الآية 43 ].

موجبات الغسل: وقد اصطلح الفقهاء على أن ما يوجب الغسل يسمى " حدثاً أكبر " وقد اتفق علماء الأمة على أن ما يوجب الحدث الأكبر أمور :

1. الجنابة بخروج المني من فرج رجل أو امرأة، سواء حال النوم أو اليقظة بنظر أو تفكر أو جماع، عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " في المذي الوضوء وفي المني الغسل " [ رواه االترمذي وصححه وأخرجه البخاري ومسلم مختصراً ].

عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، فقال: " يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد بللاً ؟ قال: " لا غسل عليه " [ رواه أبو داود والترمذي وهو حديث حسن بشواهده ( الأرناؤوط ) ].

و عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت. قال: نعم، إذا رأت الماء. [ متفق عليه ].

2. الجماع سواء أنزل أم لم ينزل. عن عبد الله بن عمرو وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل " [ رواه مسلم ].

و عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل " [ رواه مسلم ] وفي رواية الترمذي وصحيحه: " إذا جاوز الختان وجب الغسل ".

3. الطهارة من حيض أو نفاس. لقوله تعالى: { فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن } [ سورة البقرة: الآية 222 ].فقد منع الزوج من وطئها قبل الغسل فدلّ على وجوبه عليها.

عن فاطمة بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي " [ رواه البخاري ومسلم ].

4. الولادة إن حصلت بلا دم.

5. موت المسلم غير الشهيد.

الأغسال المسنونة: وعدا عن هذه الأغسال الواجبة على المسلم، فقد دعا نبي الرحمة المسلمين إلى الغسل في كل مناسبة يجتمع فيها المسلمون: إما لصلاة جمعة، أو عيدين، أو للوقوف بعرفة والطواف حول البيت وبذلك يلتقي المسلمون وهم في أتم نظافة فلا يُشتم من أحدهم روائح العرق والثياب وهذا وأيم الله قمة الحضارة الإنسانية:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " [ رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن ].

و عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل " [ رواه الجماعة وإسناده جيد ( جامع الأصول ) ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده " [ متفق عليه ].

كما ندب عليه الصلاة والسلام المسلمين للاغتسال في المناسك تعظيماً لحرماتها فقد اغتسل للإحرام بالحج والعمرة ولدخل مكة المكرمة. واستُنَّ الاغتسال من غسل الميت ولمن أفاق من جنون أو إغماء:

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ " [ رواه الترمذي وصححه ].

قال أبو المنذر عن عائشة: اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم من الإغماء. [ متفق عليه ].

ما يحرم على الجنب: وتوكيداً من الشارع على التزام المسلم بالاغتسال فقد حرم على الجنب والحائض والنفساء الصلاة وسجدة التلاوة والطواف بالبيت ومس المصحف ودخول المسجد وتلاوة القرآن حتى يرفع جنابته بالغسل.

فرائض الغسل: واتفق الفقهاء على وجوب تعميم الشعر والبشرة لكامل الجسم بالماء ولو لمرة واحدة حتى بقيت شعرة لم يصبها الماء وجب غسلها ، كما يجب تعهد مواطن تجاعيد البدن والأثلام والطيات كالسُّرَة وتحت الإبطين وكل ما غار من البدن بصب الماء عليه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر " [ رواه أبو داود والترمذي وضعفاه ( سبل السَّلام ) ] عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار " [ رواه أبو داود وإسناده صحيح ( الآرناؤوط ) ].

و أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق في الغسل _ وعند الشافعية سنة _ كما جعل المالكية دلك الجسد بالماء واجباً أيضاً. وقد أجمع العلماء على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول شعره، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ، حفن على رأسه ثلاث حفنات ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه. [ رواه الشيخان ].

و يسّن أن تتبع المرأة أثر دم الحيض مسكاً أو طيباً فتجعله في قطعة قطن أو خرقة أو غيرها وتدخله في فرجها بعد غسلها ليقطع رائحة الحيض أو النفاس.

عن عائشة أيضاً: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل من الحيض فقال: " خذي فِرصة _ القطعة من صوف أو قطن _ من مِسك فتطهري بها. فقالت: كيف أتطهر بها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: سبحان الله واستتر بثوبه، تطهري بها. فاجتذبتها عائشة فعرفتها أن تتبع بها أثر الدم. [ رواه الشيخان ].



المقاصد الصحية للغسل



يقوم الجلد بوظائف هامة في العضوية، فهو وما يفرزه من طلاء دهني يقي البدن ويحفظه من المخرشات الآلية والجرثومية، وهو حصن الدفاع الأول ضد الجراثيم. وفيه غدد عرقية تفرغ العرق وخاصة أيام الحر مما يعمل على التوازن الحروري في البدن ويطرح عدداً من السموم الداخلية عن طريق التعرق فيساعد بذلك عمل جهاز البول من أعبائه. والجلد هو عضو حاسة اللمس والتي تجعل البدن على اتصال بما يحيط به.

هذه الوظائف التي يؤديها الجلد تجعل من نظافته والحرص على سلامته من الأمور الهامة جداً لصحة البدن. وإن تراكم المفرزات العرقية والدهنية وما ينضم إليها من الغبار والأوساخ والملوثات المهنية يؤدي إلى سد المسام الجلدية مما يعيق وظائفه ويضر بالبدن ضرراً بالغاً، علاوة على تعرض الجلد نفسه للالتهابات الجرثومية والفطرية وانبعاث الروائح الكريهة منه، تلك الرائحة التي لا يمكن إخفاؤها بالتأنق والزينة وإنما بالنظافة التامة التي يحفظها الاغتسال المتكرر والتي تضمن رونق الجلد وصحته ورائحته الطبيعية

ومن هنا نرى عظمة الإسلام في تعدد المناسبات التي أوجب فيها على المسلم أن يغتسل أو التي ندب فيها الغسل. محافظة منه على صحة الفرد والمجتمع، ثم إن فروض الغسل وسننه توضح عظمة معلم الإنسانية ونبي الرحمة في دعوته ليعمل المسلم على إتقان نظافة البدن بشكل لا مثيل له.

فعليه أولاً أن يغسل يديه فيزيل عنهما الأوساخ ويقي بذلك جسمه والماء المراد استعماله من التلوث، وعليه بعد ذلك أن يزيل النجاسة عن جسمه وأن يطهر مكانهما مبعداً خطر حدوث أي تلوث جرثومي بسببها ويقي البدن من آثارها الممرضة. وعليه بعد ذلك أن يتمضمض ثم يستنشق ويستنثر فينظف فمه وأنفه، وقد شرحنا آثارها الصحية في مبحث الوضوء. ثم يفيض الماء على كامل جسده ويخص شعره ومطاويه بالتنظيف لأنها مواضع تكمن فيها الجراثيم والطفيليات. والتدليك مطلوب لإبلاغ الماء وللإزالة ما علق على الجلد من وسخ ومتراكمات دهنية وطفيلية، كما أنه وسيلة لتنشيط الدورة الدموية فيه. وما عليه أخيراً إلا أن يغسل قدميه المبللتين بالماء المستعمل من غسله والحامل لأقذاره فيتمم بذلك نقاءه وطهارته وقد افترض الشارع عند وجود ما يمنع وصول الماء إلى موضع من مواضع الجلد من دهن أو وسخ إزالتهما بالوسيلة الممكنة من أشنان وصابون وسواها وحسب إمكانية البيئة التي يعيش فيها الإنسان.

و في وجوب الاغتسال من الجنابة حكم صحية رائعة يمكن أن نلخصها في النقاط التالية :

1. تبين الدراسات الحديثة حول العلاقة الجنسية أن الجماع، وقذف المني بأي سبب، كان يؤدي إلى فتور وارتخاء يعلل طبياً بوهن شديد في الجملة العصبية عند وصول شريكي الجماع إلى اللذة والقذف، وبحصول توسع في الأوعية الدموية المحيطة، مما يؤدي بصاحبه إلى فقدان قسط كبير من نشاطه العضلي والفكري. وإن الاغتسال عندها ينبه الشبكات العصبية الحسية لتوقظ الجهاز العصبي من سباته وليسترجع بذلك حيويته ونشاطه، كما ينشط الدوران الدموي، ويعيد إليه توازنه.

2. يتسبب عن اللقاء الجنسي وهن نفسي ورغبة في النوم، وعملية الغسل تفيد بتنشيط الجسم والروح ويحس بالبهجة والانشراح.

3. ينقل الدكتور إبراهيم الراوي عن مصادر علمية حديثة أن الجلد أثناء عملية القذف يفرز من خلال مساماته عرقاً ذو تركيز عالٍ بسمومه. ويمكن أن يعود فيمتصها ويتأذى بذلك. والاغتسال إجراء طبيٌّ حاسم لتطهير الجلد ومساماته من هذه السموم، وقد حثّ الشارع على سرعة التطهر من الحدث الأكبر.

4. إن وجوب الغسل بعد الجماع يقي المسلم من خطر الإفراط الجنسي والذي يؤدي بصاحبه إلى الإنهاك والمرض. فإن التفكير في الغسل والإعداد له يجبر المرء على الاعتدال في طلب اللقاء الجنسي ويحفظ بذلك قدراته وحيويته لعمر مديد. فقد قدر ما يصرفه الإنسان من عناصر حيوية في كل لقاء جنسي بما يحتويه نصف ليتر من الدم.

5. تدعو التوجيهات الصحية إلى الاغتسال عقب كل مجهود عضلي كبير وبعد التدريبات الرياضية الشاقة، فالاغتسال يزيل آثار الجهد العضلي ويخفف عقابيله، والجماع من هذه الناحية جهد عضلي.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:02 PM
غسل الميت



يجب تعبداً باتفاق المذاهب الأربعة وجوب كفاية غسل الميت المسلم غير الشهيد لقوله صلى الله عليه وسلم في الذي سقط عن راحلته فمات: " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين " [ متفق عليه وقد رواه عبد الله بن عباس ].

و عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك _ إن رأيتن ذلك _ بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور. فإذا فرغنتن فآذّنني. فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه فقال: أشعرنها إياه _ يعني: إزاره _ [ رواه البخاري ومسلم، وفي رواية " الففنها به " ]

و يرى الدكتور إبراهيم الراوي أن القواعد التي وضعها الإسلام والتي تجرى للميت قبل الدفن، تعتبر من أهم الإجراءات الطبية الحاسمة للتفريق بين الموت الحقيقي والكاذب. وهي ظاهرة خطيرة يتوقف فيها القلب والتنفس بضع دقائق على الأغلب، إلا أنها قد تستغرق ساعات حيث يعود القلب بعدها ليباشر ضرباته الطبيعية ويعود صاحبه إلى تنفسه وإلى شعوره وإدراكه. هذا وتروي الصحف العالمية بين حين وآخر قصصاً مثيرة عن أناس توفوا ثم سمع صراخهم من قبورهم وأخرجوا أحياء.

و إن ما شرعه الإسلام من غسل للميت وتدليكه، ثم حمله على الأكتاف ليبقى في حالة اهتزاز وحركة دائبة قبل أن يدفن، تعتبر من الوسائل الناجعة لتنبيه عضلة القلب وعودة الحياة إلى المصاب إن كانت قد أتته نوبة النوب الكاذب. وقد أوجبت جميع الدول اليوم إجراء فحص طبي على المتوفى قبل دفنه لتشخيص سبب الوفاة والتفريق بين الموت الحقيقي وهذه الظاهرة الخطرة

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:03 PM
الصلاة وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:04 PM
مكانة الصلاة في الإسلام



الصلاة لغة: الدعاء، أو الدعاء بخير، وشرعاً هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم وسميت الصلاة بهذا الاسم لأنها الصلة المباشرة بين العبد وربه بغرض التعظيم والشكر لله والدعاء بالرحمة والاستغفار محققاً لنفسه منافع عظيمة في آخرته ودنياه قال تعالى:

{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمّة } [ سورة البينة: الآية 5 ].

و قد فرض الله سبحانه الصلاة على جميع الأمم السابقة حيث ورد ذكرها على لسان جميع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم:

{ رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي } [ سورة إبراهيم: الآية 40 ]. وقال:

{ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا } [ سورة مريم: الآيات: 54 _ 55 ].

و قال تعالى: { فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } [ سورة طه: الآيات 11 – 14 ].

و قال على لسان عيسى عليه السلام: { وجعلني مباركا أين ما كنت ‎وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } [ سورة مريم: الآية 31 ].

و للصلاة في الإسلام مكانة كبيرة، فهي أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً " [ متفق عليه ].

و هي قمة الهرم العليا بين العبادات الأخرى ذلك أن كل العبادات والأوامر الشرعية إنما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام إلا الصلاة، فقد خاطب بها المولى سبحانه نبيه محمداً حين أسرى به واجتاز السماء السابعة إلى سدرة المنتهى، أمره بالصلاة بخطاب مباشر ليس بينه وبينه ترجمان، ليدلل بذلك على المكانة العظمى لهذه العبادة _ الصلاة _ وليرشد الخلق إلى أهميتها في حياتهم وفي التقرب إليه سبحانه وتعالى.

عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثمّ ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله عز وجل ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إليّ ما أوحى ففرض عليّ خمسين صلاة في كلِّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت إلى ربي فحطّ عني خمساً.... قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة " [ رواه الشيخان والنص لمسلم من حديث الإسراء الطويل ].

و قد أجمع علماء الأمة على أن الصلاة أعظم فروض الإسلام بعد الشهادتين. عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " [ رواه مسلم ].

و عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد " [ أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ].

و ندرك أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام من خلال الوعيد القرآني لتاركها وتهديده بإنزال العقوبة الشديدة به.

قال تعالى: { ما سلككم في سقر ؟ قالوا لم نك من المصلين } [ سورة المدثر: الآيات 42_43 ].

و قال تعالى: { فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } [ سورة الماعون: الآيات 4 – 5 ].

و قال تعالى: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً } [ سورة مريم: الآية 59 ].

عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله " [ رواه الإمام أحمد ].

عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر " [ رواه الخمسة وابن حبان والحاكم وصححه النسائي والعراقي ].



الطهارة شرط لصحة الصلاة:

قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا } [ سورة المائدة: الآية 6 ].

إذا كان الإسلام قد جعل من الصلاة عموده وأهم أركانه فقد اشترط لصحتها طهارة البدن والثوب من الخبث والطهارة من الحدث الأكبر بالاغتسال ،, الأصغر بالوضوء، , قد رأينا في بحث الطهارة المقاصد الصحية لها، وهكذا نرى أن الحقيقة الثابتة التي يجب عدم المكابرة فيها، أنه لم يحدث في تاريخ البشرية أن اهتم أي دين أو قانون بالصحة البدنية والنظافة الشخصية، وجعلها جزءاً من أركانه مثل الدين الإسلامي. وهذا علاوة على ما سنجده في هذا الفصل مما يجنيه المسلم من صلاته من ثمرات يجنبيها في جسمه وروحه وفي دنياه وآخرته.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:05 PM
حكمة تشريع الصلاة



الصلاة عبادة روحية وبدنية يؤديها المسلم طاعة لله سبحانه وامتثالاً لأوامره وسبباً في رقيه في معارج الإيمان والإحسان بمقدار خضوعه وخشوعه وحضور قلبه. وليس لأحد أن يقول أنه يصلي لأداء رياضة بدنية، فإن مثل هذه النية تفسد عبادته. لكن الشارع الحكيم نص على حكم متعددة يمكن أن يجنيها المصلي إلى جانب تلك الثمرة التعبدية الخالصة، كما أن هناك ثمرات يانعة واضحة لكل مبصر، سواء كانت فوائد اجتماعية أو صحية، يمكن أن يجنيها المسلم من صلاته، ويمكن أن تكون مقاصد للمشرع في أصل التشريع _ لا نجزم بذلك _ فالله هو الذي خلق الإنسان وهو أعلم بما يصلح له، لكننا نذكر القارئ هنا بأن حفظ النفس والعقل هي من مقاصد الشريعة _ كما قرر ذلك علماء العقيدة وأجمعوا عليه _ ويمكن أن نلحظ هذا المقصد في كل تشريع.

فمن فوائد الصلاة عقد الصلة بين العبد وربه، بما فيها من لذة المناجاة للخالق وإظهار العبودية لله وتفويض الأمر له. وهي سبب لتكفير السيئات ومحو الخطايا

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا " [ رواه البخاري ومسلم ]

و عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تُغشَ الكبائر " [ رواه مسلم ].

و المسلم عندما يخشع في صلاته ويمتن الصلة بخالقه، ويعرف حقيقة وجوده في الحياة الدنيا ومهمته في هذا الوجود فإنه يبدأ بالإقلاع عن ذنوبه رويداً.. رويداً وينتهي عن سيئات أعماله.

قال تعالى: { وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ سورة العنكبوت: الآية 45 ].

فالصلاة مدرسة خلقية وعملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والأمانة والاستقامة وتجعل المسلم قوياً، أقوى من عواطفه، غير جزع ولا هياب، شجاعاً مقداماً كريماً.

قال تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسّه الشر جزوعاً وإذا مسّه الخير منوعاً إلا المصلين } [ سورة المعارج: الآيات 19-22 ].



الصلاة رياضة روحية ونفسية:

لقد أثبتت الدراسات الحديثة في الطب النفسي أن جميع الانفعالات والمشاعر البشرية تقترن بتبدلات المادة الدماغية ونحن لا نستطيع أن ننفعل _ أو حتى أن نفكر _ دون حدوث تغيرات كيماوية في مادة دماغنا السنجابية. وعندما يتعرض الإنسان لصدمة نفسية أو حالة من الخوف والقلق، فإن التفاعل البيولوجي فيه لموجهة تلك المواقف هي إفراز الأدرينالين. هذا هو الهرمون الذي يتناسب إفرازه مع شدة الانفعال أو التوتر حالة الغضب أو الخوف أو القلق والذي يؤثر بالتالي على العضوية كلها فتزداد ضربات القلب والتنفس ويرتفع الضغط. ويندفع الدم بسرعة نحو القلب والجملة العصبية مبتعداً عن الجهاز الهضمي فتتوقف عملية الهضم وينطلق السكر المخزون في الكبد وتزداد نسبته في الدم.

و إن استمرار تعرض الجسم لحالات الانفعال هذه تعني زيادة مستمرة في نسبة هذه الهرمونات في الدم، وهذا يؤدي إلى تحولها إلى مشتقات لها تأثيراتها الضارة على المخ ينتج عنها اضطراب في التفكير واختلال في سلوكيات الإنسان والذي ربما سبب انفصام الشخصية. كما ثبت أن المبالغة في حالات الغضب والحزن يمكن أن تعجل بظهور الداء السكري أو الذبحة الصدرية أو العديد من الاضطرابات العقلية.

و الصلاة هي الوسيلة الناجعة الوحيدة التي يتمكن بها الإنسان من مقاومة حالات الخوف والقلق ولحمايته، وللمحافظة على سلامة حالته العصبية والنفسية، لأن تفويض الأمر لله القادر والالتجاء إليه حين أداء الصلاة بحضور الفكر وخشوع اللب يمكن أن تجلب لصاحبها اطمئنان القلب وسكينة النفس

و الطمأنينة النفسية التي هي أهم ثمار الصلاة تساعد في الوقاية من الاضطربات والأمراض النفسية. فالمسلم حين يلجأ إلى ربه في صلاته محاولاً تركيز انتباهه إلى تدبر معاني ما يتلو من آي وذكر ودعاء، إنه يبتعد عن المشاغل والهموم الدنيوية، مقللاً من الانفعال وخطر الرضوض النفسية في خضم الحياة اليومية ، والنبي صلى الله عليه وسلم بهديه المعجز قد سبق العلم إلى هذه النتائج، فكان يهرع إلى الصلاة كلما حزبه أمر _ أي نزل به همٌ أو غمٌ _ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " [ رواه النسائي وأحمد في المسند وإسناده حسن ( الحافظ العراقي ) ].

و قوله صلى الله عليه وسلم: " قم يا بلال أرحنا بالصلاة " [ رواه أبو داود ].

و إن ما يرافق الصلاة من اطمئنان نفسي وصفاء ذهني تقدم للدماغ فرصة ثمينة يستطيع كلما تكررت أن يعمل بشكل أفضل وبفعالية ممتازة ويغدو تفكيره أكثر حيوية. كما أن ما يتم في الصلاة من شكوى العبد لربه، يبثه همومه ويطلب منه العون والمغفرة. ومن خلال تلك المصارحة التي تقع بين العبد وربه، فهي تؤدي إلى راحة مؤكدة لكل من العقل والجهاز العصبي المشحونين بالانفعالات، فتتولد عناصر الراحة وهي أفضل طريقة للاسترخاء والذي تنعكس آثاره على أجهزة الجسم المختلفة وتجنب صاحبها اللجوء إلى تلك الطرق المعقدة في التحليل النفسي المتبعة حديثاً

و إذا كانت الصلاة من الوجهة الحركية رياضة غريزية خاصة، فإنها بعد التعب الذهني أو الجسمي تعتبر نوعاً من الراحة الفكرية أو النفسية. فالصلاة وما يسبقها من وضوء وما يتخللها من حركات، وما يجب فيها من الصفاء الذهني والحضور والوعي لما يقوله في صلاته هي خير أنواع الراحة الإلزامية. فمن كان له من طبيعة عمله وتدينه هذا التناوب بين العمل والصلاة كان بعيداً عن الإعياء

كما أن الانتقال من الإجهاد البدني في العمل إلى الصلاة يفيد صاحبه، فالوضوء ينظف الأعضاء والتدليك فيه ثم الحركات البطيئة الغريزية في الصلاة بعده، تكون بمثابة _ مسّاج _ عام للعضلات يساعد على تنشيط الدورة الدموية مما يساعد على تغذية أنسجة البدن بشكل جيد وسرعة طرح الفضلات منه

الصلاة رياضة فكرية:

تنمي الصلاة ملكة التركيز عند الإنسان ذلك أن الخشوع هو المطلب الهام الذي يطلب من المصلي وأن يحصر اهتمامه بصلاته، ومحاولة الخشوع المستمرة تشكل أفضل تدريب لتعويد النفس على حصر اهتمامها في شيء واحد أو بمعنى آخر لتركيز تفكيرها في جانب واحد.

و إن الذاكرة تتحسن دائماً بالتدريب المتواصل ويصبح التركيز فعالاً كلما تُمرن عليه. وإن التركيز وحصر الاهتمام بموضوع ما، له فوائد جمة في إنجاز العمل المتعلق به

و هكذا فإن الاختصاصي في علم النفس " وليم مولتون مارسن " يؤكد: أن القدرة على تركيز الخواطر تجري مجرى العادة عند كل رجل بارز في باب من أبواب الحياة. ففي أي لحظة يركز فيها الرجل الناجح خواطره في أمر معين فإن اهتمامه ينصب بكليته على الأمر الذي يفكر فيه. وإن أكثرنا تنقصه القدرة على التركيز من جراء الشواغل والأهواء المتعارضة التي تتقاسم اهتمامه وتنازعه.

و إن العقل ليصبح أداة مدهشة إذا هو اتسم بالتركيز القوي والمثابرة. فإذا استطعت أن ترد عقلك مرة بعد مرة إلى الموضوع الذي عزمت معالجته فإن الخواطر التي تتنازعك لا تلبث أن تخلي مكانها مجبرة للموضوع الذي آثرته بالعناية والاختيار. وبتكرار المحاولة الناجحة ستجد نفسك قادراً على حصر ذهنك بإرادتك فيما تشاء وتختار.

و تنعكس فوائد الصلاة على مجمل شخصية الإنسان بكافة أبعادها

وتؤكد الدراسات الحديثة، كما يؤكد " هنري لنك " _ أحد علماء النفس التجريبي _ أثر العبادة والتدين في تقوية شخصية الإنسان المتدِّين وبنائها المتكامل بالنسبة للإنسان غير المتدين

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:06 PM
فوائد الصلاة الاجتماعية:

إن في إقامة الصلاة تقوية للعقيدة الجامعة لأفراد المجتمع وفي تنمية روابط الانتماء للأمة وتحقيق التضامن الاجتماعي. وفي صلاة الجماعة إعلان مظهر المساواة بين أفراد الأمة ووحدة الكلمة والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع الإمام فيما يرضي الله تعالى. وفي صلاة الجماعة تعارف المسلمين وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتغذية الاهتمام بأحوال المسلمين العامة، ومساندة المريض والضعيف والمحتاج، مما يقوي بنيان الأمة ويدعم أركانها

هذا ولا يمكن لأي مفكر أن يحصي منافع الصلاة، فالخالق العليم الخبير الذي شرعها وفق ما يتطلبه تكوين هذا المخلوق الذي صوره سبحانه، وهو جلّ شأنه طلب منا أن نلجأ إلى الصلاة مستعينين بها في كل أمورنا وبدون تخصيص.

قال تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [ سورة البقرة: الآية 45 ].

و من أجل ذلك لم يتسامح الشارع مع أي إنسان مهما كانت حالته بترك الصلاة، ولكن على قدر طاقته. وذلك حتى لا تفوته منافعها:

عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: " صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تسطع فعلى جنب " [ رواه البخاري والترمذي وأحمد وأبو داود ].



الأهمية الحيوية لمواقيت الصلاة:

إن ما يميز أداء الصلاة هو توزعها بشكل متناسق مع ساعات الليل والنهار. فقد أثبت العلماء أن أحسن أنواع الرياضة هي الرياضة اليومية المتكررة غير المجهدة والتي يمكن لكل إنسان أن يؤديها، وكل هذه الصفات متوفرة في الصلاة

قال تعالى: { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } [ سورة النساء: الآية 103 ]

و قال تعالى: { أقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل } [ سورة هود: الآية 115 ].

و قال تعالى: { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر } [ سورة الإسراء: الآية 78 ].

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى، فقال: " الصلاة لميقاتها " وفي رواية " الصلاة على وقتها " [ رواه البخاري ومسلم ].

عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " خمس صلوات افترضهن الله عزّ وجل، من أحسن وضوءهن وصلاّهن لوقتهن وأتمّ ركوعهن وسجودهن كان له على الله عهد أن يغفر له " [ رواه أبو داود والنسائي ومالك في موطئه وابن حبان في صحيحه ].

و تؤكد النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة على ضرورة أداء الصلوات الخمس في أوقاتها المحددة من قبل الوحي، علمها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلم أن يلتزم بها لكل صلاة. ولعل الحكمة الطبية أن يبقى المسلم في حالة نشاط بدني وفكري ونفسي من طلوع الشمس بل قبل طلوعها إلى ما بعد صلاة العشاء.

لقد درس أخصائي العلاج الفيزيائي " مختار سالم " ما يسمى بخط الحيوية البيولوجية للإنسان ومدى التوافق التام بينه وبين مواقيت الصلاة. لقد اكتشف العلماء الصينيون قديماً، وأكدّ علماء الغرب والأمريكيون اليوم، وجود علاقة وثيقة بين دورة الكون الخارجي ودرجة الطاقة الحيوية للجسم، وأن هناك علاقة تبادلية بينهما وبين دورة الليل والنهار وتنظيم الإيقاع الحيوي للإنسان خلال ساعات الليل والنهار. وقد أطلق عليها العلماء اسم الإيقاع الحيوي Bio Rythm ولقد تبين لعلماء الصين أن الفترات التي يصل فيه الجسم إلى أقل معدلاته الحيوية هي اللحظات المناسبة لإصابته بمرض ما.

لقد أجمعت الدراسات الأكاديمية على أن دورة الطاقة الحيوية للجسم تصل إلى ذروتها مرتين خلال 24 ساعة، تفصل بينهما 12 ساعة، وأن درجة الحيوية في الجسم تصل إلى أعلى معدلاتها متدرجة في الإيقاع بدءاً من الساعة الرابعة صباحاً _ متوافقة مع صلاة الفجر _ لتعادل نفس الدرجة من الحيوية في الساعة الرابعة بعد الظهر _ متوافقة تقريباً مع صلاة العصر _ كما لوحظ أن مقدار الطاقة الحيوية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل يساوي مقدارها في الساعة الثانية بعد الظهر، لكن أقل بكثير من المعدل السابق للطاقة، وبمعنى آخر فإن ذروة الطاقة تكون في الجسم في الفترة الزمنية بين الرابعة صباحاً إلى الحادية عشرة ظهراً، وهي تماثل إلى حدٍ ما درجة الحيوية البيولوجية للفترة ما بين الرابعة بعد الظهر وحتى الثامنة مساءً _ وإن كانت هنا أدنى نسبياً _ وإن أدنى مستويات الطاقة الحيوية هي حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل والساعة الثانية ظهراً.

و ليس معنى هذا أن درجة الحيوية هذه تصل فجأة إلى أعلى معدلاتها ثم تهبط هكذا، إنما يحدث التبادل في الارتفاع والهبوط بشكل تدريجي تكون بدايته في الرابعة صباحاً ليتدرج صعوداً ليصل أعلى درجات الحيوية في الساعة 10 أو 11 على أكبر تقدير _ فترة تفريغ الطاقة _ والتي يستمر فيها بذل أعلى المجهودات على مدى 6 – 7 ساعات، ثم تهبط درجة الحيوية تدريجياً لتصل أدنى درجاتها في الساعة 2 بعد الظهر _ فترة التعبئة والتجديد _ بحيث يكون الجسم بحاجة إلى الغذاء والحصول على الراحة، وهنا نفهم سنة الإعجاز النبوي بالقيلولة في فترة الظهيرة.

بعد ذلك يبدأ خط الطاقة الحيوية بالارتفاع التدريجي لعمل دورة جديدة تستمر من 3 – 4 ساعات، لكن درجة الحيوية هذه المرة لا تعادل تماماً ما كانت عليه ذروة الطاقة خلال الدورة الصباحية. ثم يعود خط الطاقة الحيوية للهبوط مرة أخرى _ حوالي الساعة 8 أو 9 مساءً عقب صلاة العشاء لتظهر بوضوح في الساعة 11 – 12 مساءً بحيث يكون الجسم في أشد الحاجة إلى النوم والراحة حيث يصل خط الطاقة الحيوية إلى أدنى معدلاته في الساعة الثانية ليلاً _ فترة تعبئة الطاقة والتجديد _ حيث تبدأ دورة جديدة للطاقة وهكذا....

و مع أداء المسلم لصلاة الفجر يكون قد بدأ يومه بتنشيط ذاتي لجميع أجهزة الجسم وحيث تظهر آثاره بوضوح بعد ساعة ونصف أو ساعتين وهو الموعد المحدد لبداية العمل اليومي حيث يصبح البدن في أفضل حالات الأداء البدني والنفسي وينعكس ذلك على درجة أدائه أعماله وجودة الإنتاج.

و قد رأينا أن أعلى معدلات الطاقة تكون في الساعة 10 – 11 حيث يكون الجسم قد أدى وأنجز أصعب مهماته. والنتيجة الطبيعية هي ظهور احتياجه إلى فترة راحة نوعية ليستكمل بعدها أعماله بكفاءة. هنا يحين وقت أداء صلاة الظهر وحيث تحقق تلك الفريضة تلك المهمة العاجلة فتقوم بنوع من التعبئة الوقتية للطاقة وتجديد النشاط.

بعد ذلك، يكون خط الطاقة في تدنٍّ متدرج ليصل إلى أدنى مستوياته في حوالي الساعة 2 – 3 بعد الظهر حيث يحتاج الجسم لفترة من الراحة لتعبئة الطاقة وتجديد النشاط، وتأتي صلاة العصر لتشكل تمهيداً مثالياً لتنشيط الطاقة الحيوية للجسم متناسبة ومشجعة للارتفاع الحيوي لخط الطاقة من أجل إنجاز الأعمال اليومية بكفاءة ونشاط.

و في القمة الثانية لارتفاع خط الطاقة الحيوية، والتي دوماً أقل نسبياً من القمة الصباحية تأتي صلاة المغرب لإضفاء راحة إيجابية رائعة للجسم من أجل تنشيطه وتعبئة طاقاته لضمان استمرار نشاطه بحيوية.

أما موعد صلاة العشاء فيتوافق غالباً مع نهاية الأعمال اليومية الطبيعية والذي يأتي مع بداية الانخفاض التدريجي لخط الطاقة الحيوية والتي تعتبر بمثابة غسيل لمتاعب العمل اليومي وللتخلص من حالات الإرهاق البدني والذهني والانفعالات النفسية، لتصبح أجهزة الجسم مستعدة لتناول طعام العشاء بهدوء وطمأنينة، وليستفيد منها الجسم بشكل أعظمي، إلى أن يحين موعد النوم.

و يختم " مختار سالم " بحثه بقوله: وهكذا نرى أن مسألة العلاقة بين إيقاع التواتر للطاقة الحيوية للجسم ومواعيد أداء الصلاة الإسلامية أصبحت وثيقة واضحة. وأن رحمة الله سبحانه وتقديره لدورة الطاقة الحيوية للإنسان مع أهمية تشديده على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها فاقت بإعجازاتها العلمية جميع حدود التصورات والمعرفة للخبراء المعاصرين.... ثم إن المواظبة على تأدية الصلاة في أوقاتها المحددة تدرب المسلم على حب النظام والالتزام والتنظيم في كافة أعماله وشؤون حياته وفي مواعيد النوم والاستيقاظ وبذلك تكسبه راحة الجسم والعقل وقوة العزيمة، وتعتبر بذلك أفضل أسلوب لمعالجة تعديل السلوك الإنساني وحتى يستطيع التغلب على متاعب الحياة.



قيام الليل _ التهجد _ وأثره في الوقاية من أمراض القلب:

أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن الإنسان الذي ينام ساعات طويلة على وتيرة واحدة يتعرض للإصابة بأمراض القلب بنسبة عالية. وتعليل هذه الظاهرة أن شحوم الدم تترسب على جدران الشرايين الإكليلية للقلب بنسبة أكبر إذا طالت ساعات النوم، مما يؤدي إلى تعطيل عمل تلك الشرايين وفقدها لمرونتها فلا تصلح لضخ الكميات المناسبة من الدم لتغذية العضلة القلبية، يزيد في ذلك إحداث تلك الترسبات الترسبات الدهنية لتضيق في لمعة الوعاء الدموي وزيادة نقص الإرواء نتيجة ذلك.

و ينصح الباحثون أن يقوم الإنسان من نومه بعد 4 – 5 ساعات لإجراء بعض الحركات الرياضية أو المشي لمدة ربع ساعة للحفاظ على مرونة الشرايين القلبية ووقايتها من الترسبات الدهنية وبالتالي لتجنب الإصابة بأمراض القلب.

و الإسلام العظيم _ كما يقول الدكتور إبراهيم الراوي سبق الطب الحديث في الوقاية من هذه الظاهرة حيث وضع التدابير اللازمة بتوصيته للمسلمين منذ نشأة الدعوة الإسلامية بالقيام لصلاة التهجد في الثلث الأخير من الليل ثم انتظار صلاة الفجر. حتى أن الرعيل الأول من المسلمين كانوا يزِنون إيمان المرء بمقدار التزامه بحضور صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد.

و قد منع شرعنا الحنيف المسلم وحذره من أن يستمر في نومه إلى ما بعد طلوع الشمس، حين أمره بالنهوض الإجباري لأداء صلاة الفجر:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقيل ما زال نائماً حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة، فقال: " ذلك رجل بال الشيطان في أذنه " [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل صلاة بعد المكتوبة صلاة الليل " [ رواه مسلم ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً " [ رواه الشيخان ].

و إن المسلم المعاصر اليوم ليستشعر روعة إسلامه حين يسمع نداء الفجر الرائع " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " يكررها المؤذن مرتين، حين وعى أهمية هذا النهوض لأداء صلاة الصبح في الوقاية من خطر الإصابة بالأمراض القلبية. لقد كان الكثيرون، وقبل ظهور هذه الحقائق، ليستثقلون هذا القيام وكيف أنه يعكر عليهم نومهم الرغيد الهادئ.

نعم ! قد لاحظ المرء في أيامه الأولى صعوبة النهوض لصلاة الفجر وثقلها على النفس، إلا أنه بعد نجاحه في بضع محاولات، وانتصار الإرادة على النفس، فإنه ليشعر بنشوة وهناء منقطع النظير عندما يتمتع بروعة الفجر في أبهى لحظات العمر والتي يحرم منها من استسلم لنفسه الأمارة بالسوء !.....

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:07 PM
أفعال الصلاة وتأثيراتها الغريزية على البدن



صفة صلاة النبي:

أخرج البخاري عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم _ منهم أبا قتادة _ قال أبو حميد الساعدي: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فلم ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة. فقال: بلى، قالوا: فاعرض. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام للصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى يقرّ كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا ينصِبُ رأسه ولا يُقنع [ يقنع: أي لا يرفع حتى يكون أعلى من ظهره ]، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الآخر مثل ذلك.... ثم إذا قام من الركعتين، كبّر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبّر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته. حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله وقعد متوركاً [ التورك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى ] على شقه الأيسر. قالوا: صدقت هكذا كان يصلي صلى الله عليه وسلم.

قضت حكمة الخالق سبحانه أن يمارس الملتزم بالصلاة حركات خاصة في الوقت الذي يستجيب فيه لنداء ربه متعبداً طائعاً. وتعتبر الحركات في الصلاة من الرياضة الغريزية التي يجني ثمرتها المصلي. وإذا كان الشاعر السويدي لينغ قد نشر الرياضة الغريزية في أوائل القرن التاسع عشر ونسبها إلى وطنه السويد " الرياضة السويدية " فإن الإسلام قد سبقه في نشرها وتطبيقها على مستوى الأمة جميعها حين أدرجها في صلب أكثر فرائضه تكراراً " الصلاة ".



الصلاة ضرورة حيوية:

إن توفر وسائل الراحة في المدنَّية الحديثة من سيارات ومصاعد وغسالات كهربائية قللت إلى حد كبير من حركات الإنسان، علاوة على أن كثيراً من المهن من يضطر صاحبها للجلوس الساعات الطوال دون حركة، وراء حاسوبه أو عمله المكتبي، مما يقلل من الكفاءة البدنية والقوة العضلية في أجسام هؤلاء.

و يرى خبراء العلاج الفيزيائي أن الرقود الطويل في الفراش مع الامتناع عن تحريك أعضاء البدن لمدة أسبوع تخفض درجة كفاءة وعمل أعضائه إلى حدٍ كبير، كما يتوقف النخاع في العظام عن توليد الكريات الحمر خلال فترة الرقود هذه. وأظهرت الأبحاث التي أجريت على رواد الفضاء الأوائل، أنهم فقدوا خلال رحلاتهم الفضائية التي لم تكن تستغرق أكثر من أسبوع واحد، أكثر من 10 % من وزن عظامهم نتيجة لقلة الحركة. وبلغ نقص العظام حوالي 15 % خلال الرحلات التي استمرت أسبوعين. مما أفزع الهيئات المشرفة على رحلات الفضاء وجعلهم يجهزون المركبات الفضائية بأجهزة خاصة للتدريبات الرياضية يستعملها الرواد أثناء رحلاتهم.

و قد حدد العلماء لرواد الفضاء مدة 90 دقيقة على الأقل في اليوم لأداء التدريبات المذكورة وحتى يستطيع الرواد إنجاز المهمات المكلفين بها بنجاح. لقد تبين أيضاً أن قلة الحركة تؤدي إلى ضمور في العضلات وربما إلى اختفاء بعض العضلات مثل العضلة المتسعة الداخلية Vastas Internas وهي عضلة على شكل الكمثرى توجد داخل الركبة. والعضلات الضامرة لا تستطيع ضخ الدم الكافي لتنشيط عضلة القلب مما يؤدي إلى ظهور متاعب مرضية فيه. كما أن العضلات والأربطة المفصلية تقصر عند قلة تحريكها لتجعل من حركة المفاصل محدودة أيضاً.

و من هنا نفهم أثر الصلاة على الإنسان وخاصة ذلك الذي تمنعه ظروف عمله من أداء الحركات الضرورية لعضلاته ومفاصله، فتأتي الصلاة لتقوم بأكبر عمل وقائي لجهازه الحركي، فهي دواء وقائي لا تعرفه الصيدليات. وهي أكثر أهمية للشيوخ والذين ينصحون اليوم بالمشي وأداء التمرينات البدنية الرياضية.

و الحركات في الصلاة من نوع فريد من التدريبات البدنية تتخذ أسلوب السهل الممتنع. فالصلاة بين وقوف وتكبير وركوع وسجود هي في مجموعها تمرينات شاملة من نوع يعجز أي خبير رياضي أن يجمع لنا في وقت واحد وفي دقائق معدودات ما فيها من حركات بدنية شاملة لجميع مفاصل الجسم وعضلاته، تناسب كل الأعمار ولكلا الجنسين ولجميع أنماط الأجسام البشرية. وهي سهلة جداً لمن اعتادها منذ صغره. لكنها، ونظراً لطبيعة تكوين وحداتها الحركية وعدد مرات تكرارها صعبة الأداء لمن لم يعتدها ويجدها " لأول مرة " ثقيلة عليه.

و يكتب الدكتور إبراهيم الراوي عن خطر آخر تهدد إنسان العصر نتيجة قلة حركته والخمول الذي يصف طبيعة حياته. ذلك أن الخمول العضلي يعتبر من أهم أسباب ترسب الشحوم الدموية في جدران الأوعية المغذية للقلب مما يؤدي إلى فقدانها لمرونتها وإلى سماكة في جدرانها يؤدي إلى تضيق لمعتها وإلى قلة الدم الذي يمكن أن تنقله إلى القلب، فيصاب القلب بالوهن والضعف. وإذا تمادى الأمر بزيادة تلك الترسبات الشحمية فيمكن أن يؤدي إلى انسداد أحد الشرايين المغذية للقلب _ الجلطة _ وإلى توت قسم من أنسجة القلب يسبب لصاحبه الإصابة بالسكتة القلبية التي تهدد حياته.

و يتابع الدكتور إبراهيم الراوي بحثه قائلاً: لقد انتبه الإسلام العظيم إلى خطر الخمول العضلي على الجسم وما يمكن أن يتعرض له من آفات قاتلة، ووضع أسس الصحة الجسمية كإجراء وقائي هام للفرد والمجتمع المسلم ففرض الصلاة عبادة حركية تتجدد خلالها الحيوية والنشاط لكافة عضلات البدن ويمنع تعرضها للخمول العضلي، تلك العضلات التي قد لا تسمح لها طبيعة حياة الإنسان وعمله بالحركة اللازمة.

و نظراً لأهمية أفعال الصلاة _ الحركية _ كتدريب حيوي للجسم يتم على مراحل فسوف نستعرض كل حركة منها وما ينتج عن ذلك من تأثيرات غريزية على أجهزة البدن مسترشدين بصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوب أداء كل حركة.

القيام والتكبير: تبدأ الصلاة بوضعية الوقوف باعتدال مع تباعد القدمين قليلاً. ثم يكبر العبد في خشوع بادئاً صلاته برفع الذراعين أماماًًًًً وإلى الأعلى مع ثني المرفقين واضعاًً إبهاميه حذاء شحمتي أذنيه رافعاً صوته بالتكبير. ثم يخفض ذراعيه أماماً وإلى أسفل مسنداً إياهما تحت الصدر، أعلى منطقة البطن واضعاً اليد اليمنى فوق اليد اليسرى.

إن تكرار حركة الذراعين يتكرر في الصلاة الرباعية 10 مرات، وهذا كافٍ لتحريك وتنشيط مجموعة العضلات والأربطة والمفاصل للذراعين والكتفين، كما أن المحافظة على سلامة الاعتدال طيلة الوقوف للقراءة ينشط مجموعة العضلات المضادة لعمل الجاذبية الأرضية. هذه الحركات تساعد على الاحتفاظ بمرونة مفاصل الكتفين والمرفقين واليدين، وتقي من الإصابة من التصلب المفصلي. كما أن وضع اليدين أعلى البطن وما ينتج عنها من ضغط خفيف لتلك المنطقة له تأثيراته التي تشبه التدليك الذاتي لأعصاب الضفيرة الشمسية والحجاب الحاجز الخاصة بانتظام وعمق حركات التنفس

الركوع: عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تجزئ صلاة أحدكم حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود " [ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وإسناده صحيح ( الأرناؤوط ) ].

و عن سالم البراد قال: أتينا أبا مسعود فقلنا له حدّثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بين أيدينا فكبر فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفل من ذلك وجافى بين مرفقيه حتى استوى كل شيء منه. [ رواه أبو داود والنسائي وإسناده حسن ( الأرناؤوط ) ].

عن أبي حميد قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما ووتر بيده فنحّاهما عن جنبه " [ رواه البخاري والترمذي ].

و في رواية: قال أبو حميد في أصحابه: " ركع النبي صلى الله عليه وسلم ثمّ هصر ظهره " [ رواه البخاري ] _ وهصر ظهره بمعنى استوائه في الركوع من غير ميل في الرأس عن البدن ولا عكسه [ عن العسقلاني في فتح الباري ].

و الركوع هو الحركة الثانية في الصلاة وتأتي بعد انتهاء التلاوة في القيام برفع اليدين للتكبير استعداداً للركوع ثم ينحني الجذع في انسيابية لطيفة إلى الأمام ليشكل زاوية قائمة مع الطرفين السفليين. ويحدث انثناء لمفصلي الفخذين، بينما يكون مفصلا الركبتين ممتدين. ولزيادة التأكد من امتدادهما وعدم ثنيهما توضع اليدان عليهما لتثبيتهما في وضع الامتداد.

و تعمل في الركوع مجموعة كبيرة من العضلات، وهي في انقباضها ومقاومتها لقوة الجاذبية الأرضية تساعد على تنمية وتحسين النغمة العضلية. ومع ثبات وإطالة فترة الركوع تحدث استطالة لألياف العضلات خلف الساقين. وتعمل على اتزان درجة انقباض عضلات الفخذ الأمامية والخلفية وتعمل على تقويتها وبذلك تقي من تمزقها أثناء الأعمال الحياتية اليومية. كما يساعد الركوع على زيادة مرونة ومقوية الأربطة والعضلات على امتداد العمود الفقري مما يخفف أو يقي من الإصابة بأوجاع الظهر والانزلاق الغضروفي كما يزيد من معدل التهوية الرئوية.

و احتفاظ عضلات العنق بوضعية ثابتة أثناء الركوع تزيد العود الوريدي إلى القلب وينشط المضخة الوريدية في البطن لتدفع بالدم نحو القلب مستفيدة من انقباض جدار البطن ومن تقليل عمل الجاذبية الأرضية المعوقة لحركة الدم من أسفل إلى أعلى مما يجعل للقلب قدرة عجيبة على سحب الدماء

الاعتدال من الركوع: عن أبي أحمد الساعدي في وصفه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: " ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه معتدلاً " [ رواه البخاري والترمذي ]. وفي رواية عنه: " رفع النبي صلى الله عليه وسلم واستوى حتى يعود كل فقار مكانه " [ رواه البخاري ].

تبدأ حركة الرفع من الركوع بانقباض عضلات العنق لرفع الرأس أولاً، ثم عضلات الظهر لمدّ الجذع عالياً ليعتدل واقفاً مع استرخاء الذراعين بعد الرفع. عندها تصبح عضلات البطن في وضع بين الانقباض والاسترخاء. ويخف الضغط داخل تجويف البطن بدرجة ملحوظة فتهبط عضلة الحجاب الحاجز إلى أسفل مؤدية إلى حدوث شهيق عميق لا إرادي، يعقبه زفير لا يقل عنه شدة. وهذا يؤدي إلى اندفاع الدم من تجويف البطن والأطراف نحو القلب. وهذا يتيح الفرصة للدماء المحتقنة في الطرفين السفليين للاندفاع إلى أوردة البطن ومنها إلى القلب

السجود: عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه " [ رواه مسلم ].

و عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهتين، وأشار بيده إلى أنفه، واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر " [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك " [ رواه مسلم ].

و عن عبد الله بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلّى فرّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه " وفي رواية " كان إذا سجد يجنح في سجوده حتى يُرى وضح إبطيه " [ رواه الشيخان ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء " [ رواه مسلم ].

ينتقل المصلي من الوقوف إلى السجود بحركة هُوي مفاجئة تشمل كامل الجسم مرة واحدة على الأرض، ثانياً جميع مفاصله، واضعاً يديه على الأرض قبل ركبتيه، موزعاً ثقل جسمه على سبعة أعظم، مستنداً على باطن كفيه مع رفع المرفقين ملاحظاً عدم التصاق الساعدين بالأرض. وتتحرك أثناء هذه العملية أكبر مجموعة من العضلات والأربطة، وحتى يتمكن الجسم من اتخاذ وضعية السجود.

و مع تكرار هذه العملية في الصلوات الخمس: تزداد مرونة العمود الفقري، وجميع مفاصل البدن، كما تعتبر عملية وقائية، وعلاجية لحالات تصلب المفاصل والانزلاق الغضروفي

و قد أثبتت الدراسات الطبية أن لحركة السجود تأثيرات بالغة على الدورة الدموية كانت مثار إعجاب لكل الأطباء غير المسلمين الذين درسوا أفعال الصلاة فلقد تبين أن قابليات الإنسانية الذكائية والفكرية تزداد عند قدوم كميات كبيرة من الدماء لتروية الحجر الدماغية، وإنّ انخفاض الرأس في حركات الركوع والسجود يؤدي إلى زيادة التروية الدموية داخل القحف. أما تكرار هذه الحركات بشكل متواتر فهو يدرب الشرايين الدماغية على التقلص والانبساط ويزيد من قدرتها على تنشيط الدورة الدموية في الدماغ.

و تسجل كتب الطب _ كما يؤكد الدكتور إبراهيم الراوي _ حوادث غريبة تدل على اكتساب المخ قابليات مذهلة من التركيز الذهني في وضعية الرأس المتدلي إلى الأسفل، يعجز عنها في وضعه الاعتيادي.

فالإسلام عندما فرض الصلاة، فإن ما فيها من ركوع وسجود، يعتبره العلماء اليوم من أروع الإجراءات الطبية الحاسمة لتأمين نشاط عالٍ للشرايين الدماغية والتي يمكن أن تعمر طويلاً وتكون وقاية من التراجع العقلي بفقدان قابليات المخ مع تقدم السن. كما أن المرونة التي تحصل عليها الشرايين الدماغية عند المصلي تقيه من حوادث الإغماء وفقد الوعي الفجائي عند تغير الوضعية أو النهوض الفجائي رافعاً رأسه بسرعة، والتي تحصل عند الأشخاص العاديين لنقص كتلة الدم في التلافيف الدماغية.

و هكذا فإن حركة السجود تعتبر بتكرارها اليومي من أروع الرياضات لجهاز الدوران في الدماغ، والذي تزوده بكميات إضافية من الدم فتضاعف قدراته الذهنية والفكرية وصدق الله في خطابه للمؤمنين:

{ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } [ سورة الحج: الآية ].

و ينقل مختار سالم أن وضعية السجود تجعل الدورة الدموية تعمل في اتجاه الجاذبية الأرضية والذي حرمت منه غالباً حياة الإنسان في وضعية الانتصاب. وفي ذلك تيسير على تدفق الدم نحو الرأس والقلب، ويزيد في ذلك تقبض وانشداد العضلات الظهرية مما يؤدي إلى عصر الدماء داخل أنسجتها متدفقة بغزارة إلى الأوعية الكبيرة. كما يحدث انقباض نسبي في عضلات جدار البطن تزيد معه درجة الضغط داخل تجويفه مؤدياً إلى سرعة سحب الدماء ودفعها إلى القلب.

و السجود ينشط المضخة الوريدية في البطن إلى أقصى درجة ممكنة، كما يزيد من قدرة مضخات الأوردة في الساقين على تفريغ الأوردة السطحية ودفع الدم إلى الأوردة العميقة. وبهذا يلعب دوراً مهماًَ في مكافحة الدوالي والوقاية من التهاب الأوردة في الساقين أو التقليل من شدتها، كما سنرى في البحث التالي

كما أن وضعية السجود تساعد على تفريغ هواء الزفير، كما تؤدي إلى انحدار ما تجمع من مفرزات مخاطية من التفرعات الرئوية إلى القصبة الهوائية ومنها إلى الخارج مما يتيح للرئتين النظافة من المفرزات المرضية والطبيعية والقدرة على الامتلاء بالهواء النقي. كما أن خبراء الطب الطبيعي يرون أن وضعية السجود هي الأفضل للتخلص من المفرزات القيحية عند المصابين بخراج في الرئة.

و أخيراً فإن السجود يزيد من نشاط الجهاز الهضمي وفعاليته نتيجة تلامس وضغط الفخذين على جدار البطن فتكون بمثابة تدليك _ مسّاج _ يقوي جدار البطن ويساعد على زيادة الحركة الحيوية للمعدة والأمعاء، فينشط الهضم وتقل الإصابة بالإمساك. وبذلك يعتبر السجود من أروع الأوضاع في التدريبات البدنية فائدة للإنسان ومنه استمدت " اليوجا " أحد أوضاع تدريباتها.

القعود بين السجدتين: قال أبو حميد يصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: " فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى " [ رواه البخاري ].

و في رواية ".. ثم كبر فجلس ونصب قدمه الأخرى ثم كبر فسجد ". وفي رواية عن أبي هريرة: ".... ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً ثم يقول الله أكبر ثم يسجد " [ رواه أبو داود ]. وفي رواية مسلم عن عائشة: " وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالساً ".

حتى ينتقل المصلي من وضعية السجود يدفع الأرض بيديه مع رفع الرأس والجذع عالياً حتى ينتصب الجذع ويشكل زاوية قائمة مع الفخذين، وبهذا يحدث انثناء كامل لمفصلي الركبتين، مع وضع اليدين على الفخذين ملصقاً براحتيه عليهما ومحدثاً استرخاء لعضلات اليدين. وتتحرك أثناء هذه الحركة عضلات كثيرة وخاصة المستقيمة الظهرية، كما يحدث ضغط كبير على عضلات الساقين وخلف الفخذ مما يسبب التصاق الأوردة السطحية وتتخلص من دمائها مندفعة إلى العمق، كما يحصل المصلي أثناء اتخاذ الوضعية على حركة شهيق عميقة مما يساعد على زيادة التهوية الرئوية، وينشط عمل المضخة الرئوية الصدرية والبطنية لتعملا بأقصى طاقة ممكنة.

و تؤكد عملية السجود الثانية ثم الرفع منه على التخلص من بقية الدماء المحتقنة في أوردة الساقين مما يساعد على الوقاية من الإصابة بالدوالي.

النهوض من السجود إلى الوقوف: يقوم المصلي من سجوده ليقف دافعاً الأرض بكلتا يديه حتى يتم اعتداله واقفاً بشكل كامل. ويشارك لإتمام هذه الحركة من عضلات اليدين والفخذين وعضلات الظهر الكبيرة وبهذا تعتبر هذه الحركة من أفضل أنواع التدريبات البدنية وأيسرها من أجل تنمية وتقوية هذه العضلات، والأربطة المفصلية العاملة، وإكساب معظم المفاصل مرونة ورشاقة مما يساعد في المحافظة على سلامة القوام واعتداله

جلوس التشهد: عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد للصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه " [ رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

عن عباس بن سهل الساعدي قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس _ يعني للتشهد _ فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر االيمنى على قبلته ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بإصبعه _ يعني السبابة _ [ رواه البخاري والترمذي ]. وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً ثمّ سلّم.

و عن عبد الله بن عمر قال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى. [ رواه البخاري ]. والجلوس هنا شبيه بما يحدث في القعود بين السجدتين، إلا أن طول مدته يؤدي إلى زيادة الضغط على عضلات الساقين والفخذين، وضغط المقعدة على الكعبين، مما يؤدي إلى انفراغ كامل لما بقي من دم محتقن في أوردة الساقين.

مما يعتبر في عرف المعالج الفيزيائي من أفضل التمرينات للوقاية والعلاج من الدوالي وجلطة الساقين.

السلام: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده. [ رواه مسلم ].

و عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره: " السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله " [ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وهو حديث صحيح ( الأرناؤوط ) ].

ينهي المسلم صلاته بعد التشهد الأخير بالسلام فيلف رقبته يميناً ثم يساراً لإلقاء السلام إعلاناً بانتهاء الصلاة. وحركتي التسليم تمرين واضح لعضلات الرقبة والعنق، وللمحافظة على مرونة المفاصل والأربطة فيهما وهي عملية وقائية من آلام الرقبة.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:12 PM
معجزة الصلاة في الوقاية من الدوالي:

[ بحث علمي تقدم به الدكتور توفيق علوان للحصول على درجة الدكتوراه في الجراحة ] إن الوظيفة التي يمارسها المرء لها تأثير جذري على مدى إصابته بدوالي الساقين حيث تبين أن الذين اعتادوا الوقوف لفترات زمنية طويلة مع انعدام الحركة المنتظمة للساقين، يعانون في مدد زمنية، طالت أو قصرت من الإصابة بدوالي الساقين. كما أن للوراثة دوراً لا ينكر في تعدد الإصابة في العائلة الواحدة.

كما أن التدخين يخرب بسمومه كولاجين جدر الأوعية ويعتبر عاملاً مؤثراً في إحداث الدوالي وكانت نسبة المدخنين بين المصابين في هذه الدراسة 65 %.

و إن كلّ أمر جاء به شرعنا العظيم، وإن كان أمراً تعبدياً محضاً، لابد وأن يؤدي بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، كما يؤكد الدكتور توفيق علوان ، إلى منفعة ما، وإلى قدر من الأهمية لجسم الإنسان أو في حياته.

و قد اتفق الفقهاء على ذلك حتى أوردها الإمام الشاطبي في " الموافقات " كقاعدة من قواعد الشريعة، حيث تتيه بها فخراً على كل الشرائع، في نفس الوقت الذي أكدت فيه المكتشفات الطبية الحديثة هذه القاعدة الجلية.

لقد شملت الدراسة 20 شخصاً مصابين بالدوالي و15 سليماً. وقد بلغت نسبة المصلين بين المصابين بالدوالي 10 %، بينما كان 90 % منهم غير مصلين. وقد أثبتت نتائج التجارب المخبرية أن هناك فرقاً بالغاً في قوة جدار الوريد الصافن بين الحالات المصابة والسليمة والتي قيست بعيار نسبة الهدروكسي برولين فيه والتي تعتبر حالياً المؤشر الأمثل لتحديد نسبة الكولاجين في جدار الوريد. فقد وجد أن نسبة الهيدروكسي برولين في السليم 68.68 % وفي المريض 17.75 % وهذا يؤكد وجود آفة ما في التمثيل الغذائي للكولاجين في جدران الوريد المصاب والذي يؤدي إلى ضعفه ثم انهياره تحت تأثير ضغط الدم الوريدي.

و قد درس متوسط قوة جدار الوريد الصافن عند المرضى. فكانت نسبة هدروكسي برولين عند المصلين منهم 26.3 في ارتفاع مذهل عن قوة جدار نفس الأوردة عند المهملين للصلاة، حيث كانت نسبة هدروكسي برولين عندهم 16.43 فقط.

و لكن النتيجة الأكثر إثارة ثبتت بمقارنة قوة جدران الأوردة عند أولئك الذين لم يشكوا قط من الدوالي حيث انقسموا إلى مجموعتين: المثابرين على الصلاة وكانت نسبة هدروكسي برولين في جدار الصافن عندهم 80.93، والمهملين للصلاة وكان المتوسط عندهم 63.4 فقط في نقص مدهش عن المجموعة الأولى مما يثير تساؤلاً كبيراً حول الدور السحري لأداء هذه الفريضة في تقوية جدران الأوردة عند مؤديها

و أعجب ما في الأمر أنه بالقياس الدقيق للضغط الواقع على جدار الوريد الصافن عند مفصل الكعب، وجد انخفاض هائل لهذا الضغط مثير للدهشة أثناء إقامة الصلاة. فقد كان متوسط الضغط الواقع على ظاهر القدم حال الوقوف 93.07 سم / ماء، أما حال الركوع فكان 49.13، وعند السجود الأول 3 سم / ماء فقط، في حين وصل أثناء السجود الثاني إلى 1.33 سم / ماء.

و هذه الأرقام ناطقة تغني عن البيان حيث تتحقق أثناء الصلاة أكمل درجات الاستقرار لهذه الجدران المنهكة تحت الآثار المؤلمة للضغوط عليها. وهي بحركتها المتميزة تؤدي إلى أقصى تخفيض لضغط الدم على جدران أوردة الساق علاوة على أنها تؤدي إلى تنشيط القدرات البنائية في الجسم لمادة الكولاجين ومن ثم لتقوية جدران الأوردة عموماً.

و على الجملة، فإن الصلاة تقوم بكفاءة عجيبة بتنشيط كافة العمليات الحيوية داخل الجسم الإنساني بما فيها عملية التمثيل الغذائي وكعامل نفسي وعضوي فعتال ومؤثر، وفي هذا تبرير كافٍ لهذا الارتفاع الملحوظ عند المصلين في معدلات بناء الكولاجين _ النسيج الرابط المقوي لجدران أوردة الساق _ ثم إن النشاط العضلي للساقين وخاصة تلك الانقباضات المؤثرة لعضلات مؤخر الساق، والتي تعرف بمضخة السمانة له دور كبير في اندفاع الدماء بقوة داخل الأوردة العميقة من أسفل إلى أعلى، ومن ثم من أجل عودتها إلى القلب. ففي حركات الصلاة البالغة المرونة، معونة لتلك المضخة، لا لتؤدي وظيفتها التي خلقت من أجلها فحسب، بل لتضيف إليها من العوامل المقوية والمعضدة لتعزيز عملها على أكمل صورة.

و المتأمل لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن في كل صلاة _ تقريباً _ فترتان زمنيتان في وضعية الوقوف، يقابلها أربع فترات زمنية مساوية في شتى الأوضاع المنشطة للعود الدموي نحو القلب، يعضدهم ويؤازرهم، الهوي المفاجئ من الوقوف إلى السجود والذي يؤدي إلى أقصى استفزاز للمضخة الوريدية الجانبية، علاوة على الجلسة المطمئنة بين السجدتين ثم جلسة التشهد وسط الصلاة التي تدعم الارتياح العام للجسم عموماً وللطرفين السفليين على الأخص، ثم يأتي التشهد الأخير الذي يجعلنا ندرك كيف أن الصلاة إذ تبدأ بالقيام وتنتهي بالجلوس لتضم بينهما تلك الحركات المتضافرة بشكل محكم لتؤدي أقصى تنشيط للسحب الدموي نحو القلب.

و هي تسدي أجل خدمة لأولئك المجبرين على الوقوف ضمن طبيعة عملهم وخلال فترة زمنية تكاد تكون مدمّرة لأوردة سيقانهم، أو لأولئك المضطرين للجلوس وسيقانهم مدلاة في مقاعد وظائفهم، يدعم ذلك الأمر الإلهي بتوزيع الصلوات الخمس بشكل منظم يقسم اليوم الطويل إلى فترات زمنية متقاربة تقدم لهؤلاء قدراً مُرضياً من الراحة.

و خلاصة البحث تؤكد أن الصلاة تعد عاملاً وقائياً من الإصابة بدوالي الساقين بسبب تضافر عوامل ثلاثة:

1. أوضاعها المتميزة المؤدية إلى أقل ضغط واقع على جدران الأوردة الضعيفة في الساقين.

2. تنشيطها لعمل المضخة الوريدية الجانبية وعملها على خفض الضغط على تلك الأوردة

3. تقويتها لجدران الأوردة عن طريق رفع كفاءة البناء الغذائي فيها ضمن رفعها لكفاءة التمثيل الغذائي في الجسم بشكل عام.







خاتمة



بعد أن استعرضنا بشكل مسهب أفعال الصلاة وما يرافقها من تغيرات غريزية هامة، يحق لنا أن نقرر، أن الصلاة، رغم أننا نؤديها عبادة لله وتذللاً له، فإنها تنتج ثماراً طيبة يستفيد منها المصلي لصلاح روحه وجسده:

فالصلاة أفضل تدريب وظيفي لجميع مفاصل البدن بحيث أن المسلم إن التزم بها منذ صغره، وصل إلى شيخوخة مريحة خالية من تصلب المفاصل وتشوهات العمود الفقري والانزلاق الغضروفي. وهي تدريب معتدل لكافة العضلات ينشطها ويزيد مقويتها كما أنها تنشط الدورة الدموية، وتزيد في مرونة الأوعية الدموية، لذا فهي تقي إلى حد كبير من الإصابة بنزوف الدماغ وجلطة الساقين والدوالي ،و تنشط التنفس وأعمال الهضم، وتكافح الإمساك، وتكسب الجسم قوامه الرشيق، عدا عن أثرها النفسي الذي يؤدي إلى صفاء وراحة الفكر وتجنب القلق والتوتر النفسي.

و لابد أن نشير إلى أنّ الأداء الحركي الصحيح لأفعال الصلاة هو الذي يعطي تلك الثمار. من هنا ندرك أهمية التوجهات النبوية في الالتزام بصفة صلاة النبي كما أداها عليه الصلاة والسلام، يقيم صلبه في ركوعه وسجوده ،و يطمئن في اعتداله واستقرار عظامه حتى تأخذ كل حركة مجراها. وانظر إلى عبقرية المربي الرائعة في توجهه بالنصح للمسلمين ليتمّوا أداء حركات الصلاة بشكل كامل. عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته ؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها " [ أخرجه الطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، كما أخرجه مالك عن النعمان بن مرة بنص قريب من هنا في حديث طويل. والطبراني في معاجمه الثلاثة عن عبد الله بن المغفل ].

و عن أبي هريرة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا غرار في صلاة ولا تسليم " [ رواه أبو داود وأحمد في مسنده والحاكم والبيهقي وهو حديث حسن ( الأرناؤوط ) ].

قال ابن الأثير: الغرار النقصان، من غرت الناقة إذا نقص لبنها، , هو في الصلاة أن لا يتم أركانها كاملة

و عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع _ ما خلا القيام والقعود _ قريباً من السواء. [ رواه الشيخان ].

و ملاحظة أخرى هامة وهي أن الإسلام اشترط في أداء العبادات كلها، ومنها الصلاة عدم الإجهاد والمبالغة حتى لا تخرج عن معناها الحقيقي، وتؤدي إلى الضرر بدل النفع. قال تعالى: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ سورة البقرة: الآية 286 ].

و قد روى البخاري في صحيحه أن عمران بن حصين رضي الله عنه أصيب بمرض فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن موقفه من أداء الصلاة فقال: " صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً وإن لم تستطع فعلى جنب " [ رواه البخاري والترمذي ].

و عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل ؟ فقالوا: هذا حبل زينب فإذا أفترت تعلقت به. فقال صلى الله عليه وسلم: " لا، حلّوه ليصلّ أحدكم نشاطه فإذا أفتر _ تعب _ فليقعد " [ رواه الشيخان ].

و عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة، سمع أنها لا تنام الليل من كثرة صلاتها: " مه عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملّوا " _ أي لا يترك الثواب حتى تتركوا العمل بالملل _ [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن عائشة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم " [ رواه البخاري ومسلم ].

و إذا كان مقصد الشريعة حفظ النفس والعمل على أن يكون المؤمن قوياً صحيحاً، فلكل أن يصلي قدر طاقته، فيخفف من صلاته أو يطيلها، بشرط المحافظة على الحد الأدنى من الطمأنينة وقوة الحركة. هذا عندما يصلي منفرداً.

أما الذي يصلي إماماً فعليه أن يلحظ طاقة الجماعة التي يصلي بها، وأن يخفف من صلاته إن علم فيهم وجود المسن والضعيف والمريض.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف فإنّ فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء " [ رواه مسلم ]

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:13 PM
الصيام وأثره في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:14 PM
مكانة الصيام في الإسلام



تمهيد: الصيام عبادة يؤديها المسلم امتثالاً لأمر الله تعالى لا رقيب عليه في تنفيذها إلا الله سبحانه، ونفسه المزكاة بالإيمان تاركاً ما اعتاد عليه في حياته مقبلاً عليه سبحانه في عبادته وما في ذلك من تهذيب للنفس وإشراق للقلب

و للصوم مكانته الخاصة بين كل العبادات التي يؤديها المسلم فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه في الحديث القدسي: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " وهو ركن من أركان الإسلام ثبتت فرضيته بالقرآن والسنة.

يقول تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، شهر رمضان هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } [ سورة البقرة: الآيات 183 _ 185 ].

و أما السنة فمنها ما أخرجه البخاري عن طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أخبرني ما فرض الله عليّ من الصلاة ؟ فقال ل: الصلوات الخمسة إلا أن تطوع شيئاً. فقال: أخبرني ما فرض الله عليّ من الصيام ؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً. فقال أخبرني ما فرض الله عليّ من الزكاة ؟ قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام. فقال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً وأنقص مما فرض الله عليّ شيئاً، فقال رسول الله: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق.

و أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بنيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ".

و أجمع علماء الأمة على وجوب صيام شهر رمضان. وفي الخازن أن فريضة الصيام نزلت في السنة الثانية للهجرة وذلك قبل غزوة بدر بشهر وأيام. وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رماضانات في تسع سنين.

و قال في روح البيان: اعلم أن الله تعالى أمرنا بصيام شهر كامل ليوافق عدد السنة في الأجر الموعود.

لقوله تعالى: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثاله } [ سورة الأنعام: الآية 160 ] فالشهر الكامل ثلاثمائة، وستة أيام من شوال ستون يوماً فإذا نقص يوم من عدد الشهر لم ينقص من الثواب

أما قوله تعالى: { كُتبَ } أي فُرض، لكنه أبلغ في توكيد الوجوب من قوله صوموا. وقوله { كما كُتبَ } أي كما فرض على من قبلنا من الأمم والأنبياء حيث لم تخل منه شريعة إلهية منذ آدم عليه السلام. والتشبيه عائد إلى أصل الإيجاب لا إلى عدده ووقته وشروطه لعدم الدليل القوي المحيط بالتفاصيل والتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه كقوله تعالى:

{ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } [ سورة النور: الآية 35 ].

و قوله تعالى: { لعلكم تتقون } وقد حذف مفعوله، أي الله تعالى، ويعني لعلكم تتقون المعاصي لأن الصيام وجاءٌ للصائم أو { لعلكم تتقون } أي تنتظمون في سلك المتقين لأن الصوم من شعارهم. وقوله: { أياماً معدودات } أي موقتات بعدد معلوم قلائل وهي المبينة في قوله تعالى: { شهر رمضان } وقوله: { فمن كان منكم مريضاً أو على سفر } أي أو راكب سفر، فيه إيماء إلى أنه من لم يكن راكب سفر بل عرض له السفر أثناء السفر لا يفطر

و قوله: { فعدة من أيامٍ آخر } أي فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أُخر إن أفطر، فحذف الشرط للعلم به. وقوله: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } أي هو مخير بين الصوم والفدية ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه }. وقيل المعنى: { وعلى الذين يطيقونه } أي لا يطيقونه، أو أنه يستطيعونه مع المشقة البالغة، لأن همزة أفعل تأتي للنفي، يقول: أشكيته، أي: أزلت شكواه. وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة حيث يقول ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.

و قوله: { فدية طعام مسكين } أي جزاء الإفطار _ طعام مسكين، فمن تطوع خيراً فزاد في الفدية فهو خير له، وأن تصوموا أيها المرخصون بالإفطار خير لكم من الفدية أو تطوع الخير أو منهما ومن التأخير للقضاء.

و قوله: { إن كنتم تعلمون } أي ما في الصوم من الخير والفضيلة، والجواب محذوف أي: اخترتموه. ويعني: إن كنتم من أهل العلم والتدبر علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك

و قوله: { شهر رمضان } خبر لمبتدأ محذوف وتقديره تلك الأيام شهر رمضان _ ورمض احترق والرمضاء الحجارة المحماة بالشمس، وقيل سمي رمضان لارتماضهم من حر الجوع أو لارتماض الذنوب فيه. وقوله: { الذي أنزل فيه القرآن } أي ابتداء نزوله في شهر رمضان، أو أنه أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل به جبريل منجماً في ثلاث وعشرين سنة، وقيل أن نزول القرآن في شهر رمضان هو سبب اختصاصه بالصوم.

و قوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } يوجب الصوم على كل من شهد الشهر، وعليه تكون ناسخة للآية المرخصة لإفطار المطيق لقاء الفدية. وفائدة أخرى أنه إذا جعل الشهر مفعولاً به، أي فمن شهد منكم هلال الشهر، كما تقول: شهدت الجمعة، أي صلاتها، فإنه يعم المقيم والمسافر ويكون قوله تعالى: { ومن كان مريضاً أو على سفر } مخصصاً لهذا العموم.

و قوله: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } دليل على عدم إيجاب الفطر لأنه معلل بوجوب العسر، فحيث لا يوجد العسر لا يجب الفطر، وحجة الجمهور في ذلك ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. [ رواه الشيخان ].

و قوله: { ولتكملوا العدة } علة لقوله تعالى: { فعدة من أيام آُخر }. وقوله: { ولتكبروا الله على ما هداكم } أي لتعظموه على هدايته لكم لما ضلّ عنه غيركم، أو لتكبروه عند تمام عدة الصوم تكبير العيد. وقوله: { لعلكم تشكرون } تشكرون نعمة الله برخصة الإفطار بالأعذار المذكورة ونعمة الهداية من الضلال

و قوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } [ سورة البقرة: الآية 186 ]، وفي ذكره تعالى للآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد للصائم إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر. عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " للصائم عند فطره دعوة مستجابة " [ رواه أبو داود ].

و عن عبد الله بن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى " [ رواه أبو داود ].

و قوله: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } [ سورة البقرة: الآية 187 ] شروع في بيان أحكام الصوم، وهو ما تقدم أن المسلمين كانوا إذا أمسوا أحل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء أو يرقدوا.

و أن عمر رضي الله عنه باشر مرة بعد الصلاة فندم وأتى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه، فقام رجال واعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزلت [ أخرجه أحمد عن كعب بن مالك وأبو داود من حديث معاذ بن جبل ].

و ليلة الصيام الليلة التي يصبح منها صائماً، والرفث كناية عن الجماع، وعدّي بإلى لتضمين معنى الإفضاء، وكني عن الإفضاء لتقبيح ما ارتكبوه. { هن لباس لكم وأنتم لباسٌ لهن، علم الله أنكم تختانون أنفسكم } ولذا سماه اختياناً من الخيانة.

و اللباس السكن، وقيل: لا يسكن شيء لشيء كسكون الزوجين أحدهما للآخر، سميّ كل منهما لباساً لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد. وقيل اللباس اسم لما يواري فيكون كل واحد منهما ستراً لصاحبه عما لا يحل له

و قوله: { فتاب عليكم وعفا عنكم } إشارة إلى قبول المولى سبحانه عذر من اعتذر من الصحابة عن ذلك الفعل ونزول عفوه عنهم: { فالآن باشروهن } نسخ وتحليل لما كان محرماً بالنسبة إليهم والأمر للتخيير لأنه جاء بعد التحريم، والمباشرة إلزاق البشرة بالبشرة وكني به عن الجماع. وقوله تعالى: { وابتغوا ما كتب الله لكم } أي ما قدره في اللوح المحفوظ من الولد }.

و قوله: { كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } [ سورة البقرة: الآية 187 ]، أورد البخاري عن عدي بن حاتم أنه عمد لعقالين أسود وأبيض فجعل ينظر إليهما حتى يتبينا، لأن الخيطين لا يطلقان في لغته على الليل والنهار فاستشكلهما حتى نزل قوله تعالى: { من الفجر }. وقيل لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إنك لعريض القفا. أي سليم القلب.

و الصوم ليس مجرد الانقطاع عن الطعام والشراب والجماع فقط بل القصد منه صوم العبد ظاهراً وباطناً، فقوله: { كُتب عليكم الصيام } أي على كل عضو في الظاهر وكل صفة في الباطن، فصوم اللسان عن الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين عن النظر وصوم السمع عن استماع المناهي وعلى هذا فقس الباقي.

و في نسبته إليه سبحانه في الحديث القدسي: " والصوم لي " إشارة إلى أن الصوم من الصفات الصمدانية لاستغناء الرب جل وعلا عن مقومات الأجسام من الطعام والشراب والنكاح، فإذا تحقق الإنسان بمثل تلك الصفة برهة من الزمان فيكون قد تخلق بشيء من صفات الرحمن فيكون جزاؤه له تعالى لا بمقدار ولا بحسبان.

و من ارتاض بهذه الرياضات فإن الله قريب منه يجيبه إذا دعاه بشرط استجابة الداعي لما دعاه إليه مولاه، فمن استكمل الإجابة كان من أهل الإجابة، ومن أخلَّ بها كان من أهل القطيعة والعياذ بالله

و بهذه المكانة للصيام عند الله وبين جميع العبادات التي افترضها على عباده فقد تعين علينا نحن الأطباء أن ندقق كل التدقيق حين نفتي لمريض بالفطر، أو ضرر الصيام له ة إلا لزمنا ذلك وهو وزر لو تعلمون عظيم.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:16 PM
أحكام الصيام بين الفقه والطب



الصيام لغة الإمساك عن الطعام والشراب والكلام والنكاح والسّير، والصائم العطشان ويعرفه الفقهاء بأنه الإمساك نهاراً عن المفطرات بنية من أهله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وهو أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام.

و معظم أحكام الصيام لها علاقة وثيقة بالصحة والمرض ،و سلامة المكلف والحفاظ على نفسه هو أحد مقاصد الشريعة الغراء الخمسة التي أنزلها سبحانه من أجلها، لذا كان للطب والأطباء الرأي الأول في الفتوى وفي بيان الإعجاز العظيم فيما تضمنته شريعتنا السمحاء من أحكام فيها كل الخير وكل السعادة لهذا الإنسان عندما يلتزم بتلك الأحكام.

و بحثنا هذا محاولة لفهم تلك الأحكام ومدى التطابق بين التشريع الإسلامي الرائع فيها وبين التشريعات الطبية الحديثة.



الأمراض المبيحة للفطر:

و الأصل فيها قوله تعالى: { ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر }. وهكذا فإن علماء الأمة قد اتفقوا أن المريض الذي يخاف بالصوم زيادة مرضه أو تأخر برئه أو حصول مشقة لا تحتمل، وذلك بإخبار طبيب مسلم عدل حاذق، أو نتيجة تجربة سابقة للمريض، جاز له الفطر وعليه القضاء بعد الشفاء التام وقدرته على الصيام

و يرى الحنابلة كراهية الصوم لأمثاله، أما إذا غلب على الظن الهلاك أو الضرر الشديد بسبب الصيام وجب عليه الفطر. كما أن الفطر يكون ضرورة إذا تحتم تناول العلاج عن طريق الفم إذا كان عدم تناوله يؤدي إلى تفاقم المرض أو تأخر شفائه.

إما إذا كان المرض مزمناً لا يرجى شفائه، فإنه يفطر ولا يقضي وعليه الفدية، وإذا كان معسراً لم تجب الفدية حتى تتوفر لديه.

و ينطبق الحكم ذاته على الشيخ الفاني. وإذا صدف أن شفي ذلك المريض الذي لا يرجى برؤه وجب عليه قضاء ما قدر عليه إلا أن يكون الصيام سبباً للنكس فلا يقضي. والفدية إطعام مسكين عن كل يوم أفطره

و يرى الدكتور النسيمي أن الصحيح الناقه من مرض وخاف النكس إذا صام عليه أن يسأل طبيباً مسلماً حاذقاً، ويفطر برأي طبيبه إذا أكد له ظنه. أما غلبة ظن الصحيح المبنية على وهم وقلة عزيمة بأن جسمه لا يحتمل الصوم فلا عبرة بظنه بل عليه الصوم كما ذهب إلى ذلك الشافعية. ولا يفطر إلا إذا أكدت التجربة أن الصيام قد أدى فعلاً إلى انهيار قوته وخشي الهلاك.

و الشيخ الهرم الفاني هو الذي كل يوم في نقص إلى أن يموت، أو هو الذي فنيت قوته ويئس من رجوع قدرته على الصوم. وقد أجمعت المذاهب الأربعة على أنّ له أن يُفطر وعليه فدية طعام مسكين عن كل يوم، أما إذا عجز الهرم عن الصيام في رمضان وقدر عليه في أيام أخر، وجب عليه القضاء ولا فدية عليه. وإذا أفطر الشيخ لعدم الاستطاعة ثُمَّ قدر على الصوم فلا قضاء عليه سواء أخرج الفدية أو لا عند الجمهور

و هنا نذكر زملاءنا الأطباء أن يتقوا الله في فتواهم بإباحة الفطر للمريض، لحرمة الصيام ومكانته العظمى بين العبادات حتى جعله الله له وهو يجزي به.

و ليتذكر الطبيب الذي يفتي، والمريض الذي يستفتي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر وإن صامه " [ رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ].



الرخصة بالفطر للمسافر والحبلى والمرضع:

يقول تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ سورة الحج: الآية 78 ].

و قال جلا وعلا: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ سورة البقرة: الآية 286 ].

و بقول رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم: " فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم "

و يقول صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل وضع عن المسلم الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم " [ رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي ].

من رحمة الإسلام أنه دين يُسر وسماحة. وقد رخص للمسافر الفطر بما جاء في القرآن في آية الصوم: { ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ سورة البقرة: الآية 185 ] وذلك حتى لا يجتمع على المكلف مشقة الصوم ومشقة السفر.

و لا يقال إن وسائل الركوب الحديثة قد رفعت المشقة فإن من الناس من يصاب بدوار وانزعاج من ركوب السيارة أو الباخرة أو الطائرة، ولأن المسافر قد يكون بحاجة إلى الجهد والوقت لينجز أعماله ومهماته التي سافر من أجلها. والسفر المبيح للفطر هو نفسه المبيح لقصر الصلاة ومسافته عند أبي حنيفة ما تجاوز 81 كم وعند الثلاثة 89 كم واشترط الشافعية للفطر في يوم السفر أن يكون مُسافراً قبل الفجر

أنَّ الحامل والمرضع كلتاهما تحتاجان إلى مزيد من الغذاء لتقدمه إلى جنينها أو وليدها وقد يعرضها الصوم أو يعرض الجنين أو الرضيع إلى انحراف في الصحة، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على إباحة الفطر للمرأة في هذه الحالة سواء أخشيت على نفسها أو على وليدها وجنينها. كما اتفقوا على وجوب القضاء، ولكن اختلفوا في وجوب الفدية، فلم ير الأحناف وجوبها، وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوبها إذا خافت الحامل أو المرضع على وليدها فقط دون الخوف على نفسيهما، أما إذا خافتا على أنفسهما فقط أو على أنفسهما ووليدهما فعليهما القضاء فقط.

كما أن من يعمل في مهنة شاقة كعمال المحاجر والمناجم ولا يجد له متسعاً من الرزق غير ذلك العمل، يرخص له في الفطر إذا كان الصوم يشق عليه مشقة كبيرة بحيث يمنعه من مزاولة عمله الذي يحتاج إليه في كسبه، لكن عليه أن ينوي الصيام كل ليلة ويشرع فيه إلا إذا أدركته المشقة بالفعل، ويقضي إذا أمكن الصيام في فصل مناسب، وإلا أفطر ولا قضاء عليه، بل يدفع الفدية إذا توفرت لديه



تحريم الصيام على الحائض والنفساء:

عن عائشة رضي الله عنها: " كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة " [ رواه الشيخان ].

إن الحيض عند المرأة وإن كان مرحلة فزيولوجية اعتيادية، لكنها تعتبر من الوجهة الطبية حالة مرضية تحتاج إلى رعاية خاصة، فكثيراً ما تشكو الحائض من توعك في جسمها أو من آلام يرافقها دعثٌ وإرهاق وقد يضطرب الهضم، كما تكون قدرتها على المقاومة منخفضة وتنقص حيوية جسمها ومهارته وتضعف حركته.

لذا اقتضت حكمة العليم الرحيم أن يمنع الحائض من الصيام رحمة بها، وأمرها بالقضاء كيلا تفوتها خيرات شهر الصيام وأنواره.

أما النفساء التي أثقلها الحمل وأرهقتها أحداث الولادة، وها هي ترضع وليدها من غذائها مع ما هي عليه من مشقة وجهد، فهي بذلك مشابهة للحائض بل هي أكثر ضعفاً وأشد حاجة للفطر، وتقضي بالطبع في أيام أخر

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:16 PM
المداواة وما يفطر الصائم منها وما لا يفطر:

قد يضطر الطبيب إلى إدخال آلة ما أو وصف دواء يُدخل إلى أحد تجاويف البدن، وذلك لفحص مريض أو لمعالجته فما الذي يفطر الصائم من ذلك ؟

تجويف الدماغ: لا يمكن أن يصل إليه شيء ما لم يكن هناك كسر مفتوح في الجمجمة رافقه تمزق في الأغشية المحيطة بالدماغ، وإن وصول أي دواء أو فتيل في ذلك الجرح يكون سبباً في الفطر ويوجب القضاء.

الأذن: اختلف أئمة المذاهب في حكم قطرة الأذن فاعتبر الشافعية مجرى السمع طريقاً إلى الجوف فأي شيء يدخل فيه عمداً _ من آلة فحص أو قطرة ماء _ دون إكراه يفطر ويوجب القضاء. أما عند الحنفية فاعتبروا ما بعد غشاء الطبل من جوف الدماغ وأفتوا بأن صب الماء في الأذن لا يفطر أما تقطير الدهن فإنه يفطر باعتبار أن له سرياناً بخلاف الماء. أما المالكية والحنابلة فإن قطرة الأذن عندهم لا تفطر إلا إذا شعر المريض بطعمها في حلقه

العين: تتصل العين بواسطة مجرى الدمع إلى الحفرة الأنفية ومنها إلى البلعوم لذا فإن قطرة العين يمكن أن تصل تشريحياً إلى الجوف ويشعر بطعمها. واحتج جمهور الفقهاء بحديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل وهو صائم [ قال ابن حجر: إسناده لا بأس به ] وعلى هذا فمذهب الشافعي وأبا حنيفة أن قطرة العين والكحل لا تُفطر الصائم ولو شعر بطعمها في حلقه

الأنف: إنَّ شم الروائح لا يفسد الصوم بالاتفاق وكره الشافعية تقصده. أما الغبار المثار بالتكنيس وغبار الطحين المنتشر وبخار القدر فلا تفطر الصائم إذا دخلت حلقه دون قصد، إلا أن على الصائم التحرز من تلك الأشياء ما أمكنه لأنه إذا تقصد شمها _ ومنها التبخيرة _ واستنشاقها ذاكراً لصومه فإنه يفطر وعليه القضاء، كأن يضع وجهه فوق التبخيرة الدوائية قاصداً بخارها أو أن يستعمل المصاب بالربو البخاخة الخاصة.

كما أجمع الفقهاء على أن الصائم يفطر إذا تقصد تدخين السجائر وعليه القضاء، وزاد الحنفية بوجوب الكفارة، واستعمال السعوط واستنشاق مسحوق الأدوية مفطر للصائم بالإجماع. وإدخال منظار الفحص أو أي أداة إلى الأنف، أو أي قطرة، مفطرة للصائم متى تجاوزت ما لان منه _ جناحي الأنف _، وصل الجوف أم لا، إذا أدخله عامداً غير مكره. وكذا صب الدواء إلى داخل جوف الصدر عن طريق جرح نافذ فيه، وأما بزل الجنب والتامور وإدخال الدواء عن طريق المبزل فهو فطر عند غير المالكية

الفم: المضمضة بالماء جائزة للصائم بالاتفاق سواء كانت لوضوء أو لشدة عطش، إلا أنه يكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً " [ ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي وقال أبو الحسين بن القطان: وهذا صحيح ( نيل الأوطار ) ].

و ابتلاع الصائم خطأ ماء المضمضة مفسد للصوم عند الحنفية والمالكية والشافعي، وذهب الحنابلة وأصحاب الشافعي إلى عدم الفطر. والسواك والفرشاة لا تفسد الصوم وكرهها الشافعي بعد الزوال للصائم، ونبه المالكية إلى فساد الصوم بالاستياك بعود يتحلل منه شيء كقشر الجوز إذا ما وصل طعمه إلى حلقه.

و خلع الأسنان ومداواتها لا تفسد الصوم عند الشافعية والحنفية بشرط ألا يبتلع الصائم شيئاً من الدم أو الدواء وإلا أفطر. وذوق الطعام دون بلعه لا يفسد الصوم بالاتفاق ويكره لغير حاجة. أما مضغ التبغ فهو مفطر بالاتفاق. أما الغرغرة أو المضمضة بمحاليل دوائية فلا تفسد الصوم إلا إذا ابتلع منها الصائم شيئاً، وكرهها المالكية أصلاً

و يقول الدكتور النسيمي: أما الأدوية التي يمتص جوهرها المؤثر من بطانة الفم فهي طريقة حديثة لم ينص عليها الفقهاء، وهي إذا ما قيست على ذوق الطعام وأدوية الأسنان، فهي لا تفطر إذا لم يبلع الصائم ريقه أثناء وضعها في فمه، أما إذا ما قيست على مضغ التبغ فهي مفسدة للصوم بالاتفاق، وعلى مضغ العلك عند الحنفية والحنابلة إذا كان يتحلل منه شيء يشعر بطعمه، فيحكم حينئذ بفساد صومه. ويرى النسيمي أن المريض المضطر إليها يمكن أن يفعلها ويمسك بقية يومه ثم يقضي احتياطاً

و القيء عمداً مفسد للصوم بالاتفاق وموجب للقضاء، ابتلع منه الصائم شيئاً أم لا، أما إذا كان الصائم قد غلبه القيء، فلا يفسد صومه إذا لم يبتلع منه شيئاً. أما إذا ابتلع من ذرعه القيء شيئاً دون عمدٍ فلا يفسد صومه عند غير المالكية. وإلا فسد صومه بالاتفاق واشترط الحنفية أن يكون القيء ملء الفم وأن يكون الصائم ذاكراً لصومه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من ذرعه القيء فليس عليه القضاء، ومن استقاء عمداً فليقضِ " [ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الحاكم على شرط الشيخين ]. وحكم القلس والتجشؤ مع خروج شيء من المعدة كحكم القيء.

و النخامة التي تتجمع في الفم فيبتلعها الصائم لا تفطر عند المالكية، أما عند الحنفية فهي مفطرة إذا ملأت الفم. وعند الشافعية والحنابلة تفطر إذا أمكنه مجها فلم يفعل بل ابتلعها.

أما إدخال منظار المعدة من قبل طبيب لفحص مريضه فهو مفطر له وعليه القضاء دون الكفارة بالاتفاق غير أن الشافعية اشترطوا العمد دون إكراه ولا جهل بالحكم لقرب عهد الإسلام.

و الصائم المريض، إذا كان مرضه لا يبيح الفطر، فتناول الدواء عمداً فعليه القضاء والكفارة، أما إذا كان مرضه يبيح له الفطر فعليه القضاء فقط. وإكراه الصائم المريض على تناول العلاج موجب للفطر عند الحنفية والمالكية، أما عند الشافعية والحنابلة فلا يفطر ولو وصل إلى جوفه

الدبر: الحقن الشرجية مفطرة للصائم باتفاق المذاهب الأربعة، أما التحاميل الشرجية فهي تفطر عند الجمهور وقال مالك: أما السبار _ الفتيلة _ فإني أرجو ألا يكون بها بأس _ المدونة الكبرى _. وإدخال الإصبع أو منظار المستقيم مفطر عند الشافعية والحنابلة، وذهب الحنفية والمالكية بعدم الفطر إلا أن يغيب المدخل كله أو أن يكون مطلياً بماء أو دهن. أما دخول شيء أو دواء إلى جوف البطن من فتحة صنعية مفسد للصوم بالاتفاق، واشترط المالكية لفساد الصوم أن تكون الفتحة نافذة إلى مجرى الطعام

الإحليل: إن قطرة الإحليل وحفنه وفتائله لا تفسد الصوم إلا عند الشافعية.

الفرج: إن ظاهر الفرج ليس جوفاً، ولا يفسد الصوم ما يوضع عليه من أدوية، ما لم تتجاوز مكان غشاء البكارة. أما الحقن والبيوض المهبلية فإنها تفسد الصوم عند الجمهور، أما عند المالكية فلا تفطر إذ يعتبرون مهبل المرأة كالإحليل. أما إدخال الإصبع ومنظار المهبل وغيره من الأدوات إلى المهبل فهو مفسد للصوم عند الشافعية والحنفية، ولا يفسده عند المالكية والحنابلة ولو كان مبتلاً.

و الجماع مفسد للصوم ويوجب القضاء، وإذا جامع في رمضان، متعمداً، ذاكراً لصومه، من غير إكراه وجب عليه الكفارة أيضاً

حقن الدواء بالإبر: غير مفسد للصوم باتفاق المذاهب سواءً كان حقنة دوائية بواسطة الإبر العضلية أو تحت الجلد أو في الوريد، والحقن فوق الأم الجافية أو داخل العظم أو في المفصل، وذلك قياساً على صب الدواء في الجروح غير النافذة إلى جوف الدماغ أو البطن أو الصدر والتي نص الفقهاء على عدم إفطارها للصائم.

أما عدم إفطار الصائم بأخذ الحقن الوريدية فعلته هي أن الدواء وإن وصل أخيراً إلى الجوف فإنه يدخل من منفذ غير طبيعي ولا يصل مباشرة إلى الجوف

و يرى بعض فقهاء عصرنا أن الأحوط أن نؤخر الحقن الوريدية إلى الليل إن أمكن ذلك علاجياً نظراً لأن المادة المحقونة تسري مع الدم إلى الأوردة الكبيرة في تجاويف البطن

الحجامة المدماة والفصادة _ بزل الوريد والتبرع بالدم _: كلها لا تفسد الصوم عند الجمهور.

عن أنس رضي الله عنه قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذا. ثمَّ رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم. [ رواه الدارقطني وقال: لا أعلم له علة، رجاله كلهم ثقات وقال في الفتح: رجاله من رجال البخاري ].

و بما روي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم. [ رواه الشيخان ].

لكن الحجامة تكره للصائم إذا كانت تضعفه، أو إذا كان مريضاً وبدا أنها تؤخر شفاءه. وانفرد ابن حنبل بأن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم وحجته ما صح في البخاري عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " أفطر الحاجم والمحجوم ". وصحة هذا الحديث لا تنفي النسخ الذي أخذ به الجمهور.

و الحقيقة أن هناك عدداً من الأمراض تستفيد من الحجامة والصوم معاً كارتفاع التوتر الشديد والربو القلبي ووذمة الرئة الحادة، إلا أنه يحسن بكل مسلم ألا يقبل على الحجامة إلا بعد استشارة طبيبه حرصاً على صحته وكمال صومه

الإغماء: إذا أغمي على المكلف قبل أن ينوي الصوم، واستغرق إغماؤه حتى فوات وقت النية فإنه يتم صيامه بعد صحوه وعليه القضاء. أما إذا انعقدت النية في وقتها فإن إغماء الصائم أثناء صومه لفترة محدودة لا تضر بصحة صيامه، ولو استغرقت النهار كله فلا يفسد صومه عند الحنفية والشافعية، وأوجب الحنابلة والمالكية والقضاء.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:18 PM
الصوم ضرورة حيوية



لم يعد هناك أي شك لدى الباحثين المنصفين من أن الصوم هو ضرورة من ضرورات الحياة. وقد أثبتت الحقائق التاريخية والدينية والعلمية هذه المقولة. لقد عرف الإنسان الصوم ومارسه منذ فجر البشرية. وأقدم الوثائق التاريخية ما نقش في معابد الفراعنة وما كتب في أوراق البردي من أن المصريين القدماء مارسوا الصوم وخاصة أيام الفتن حسب ما تمليه شعائرهم الدينية. وللهنود والبراهمة والبوذيين تقاليدهم الخاصة في الصوم حددتها كتبهم المقدسة

و لعل أبوقراط _ القرن الخامس قبل الميلاد _ أول من قام بتدوين طرق الصيام وأهميته العلاجية. وفي عهد البطالسة كان أطباء الإسكندرية ينصحون مرضاهم بالصوم تعجيلاً للشفاء. كما أن كافة الأديان السماوية قد فرضت الصيام على أتباعها كما يتبين لنا من النص القرآني فيقوله تعالى:

{ يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } [ سورة البقرة: الآية 183 ].

و الحقيقة أن الإنسان لا يصوم بمفرده، فقد تبين لعلماء الطبيعة أن جميع المخلوقات الحية تمر بفترة صوم اختياري مهما توفر الغذاء من حولها، فالحيوانات تصوم وتحجز نفسها أياماً وربما شهوراً متوالية في جحورها تمتنع فيها عن الحركة والطعام، والطيور والأسماك والحشرات كلها تصوم.

إذ معروف تماماً أن كل حشرة تمر أثناء تطورها بمرحلة الشرنقة التي تصوم فيها تماماً معتزلة ضمن شرنقتها. وقد لاحظ العلماء أن هذه المخلوقات تخرج من فترة صيامها هذه وهي أكثر نشاطاً وحيوية. كما أن معظمها يزداد نمواً وصحة بعد فترة الصوم هذه

و يعتبر العلماء الصوم ظاهرة حيوية فطرية لا تستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونها. وإن أي مخلوق لابد وأن يصاب بالأمراض التي يعاف فيها الطعام إذا لم يصم من تلقاء نفسه، وهنا تتجلى المعجزة الإلهية بتشريع هذه العبادة. فالصيام يساعد العضوية على التكيف مع أقل ما يمكن من الغذاء مع مزاولة حياة طبيعية، كما أن العلوم الطبية العصرية أثبتت أن الصوم وقاية وشفاء لكثير من أخطر أمراض العصر

فمع قلة كمية الطعام الوارد إلى الأمعاء، يل ضغط البطن على الصدر، فينتظم التنفس ويعمل بصورة أكثر راحةً وانسجاماً، إذ تتمدد الرئتان دون عوائق، ويقل العبء الملقى على القلب فتقل ضرباته لعدم الحاجة إلى بذل ذلك الجهد الكبير لدفع الدم إلى الجهاز الهضمي للعمل على هضم تلك الكميات الهائلة من الطعام.

و قبل كل شيء فإن الجهاز الهضمي يحصل على الراحة اللازمة لتجديد أنسجته التالفة، وحيويته التامة، كما أن قلة نواتج التمثيل الغذائي وفضلاته تسمح بفترة راحة لجهاز الإفراغ _ الكلي _ تجدد بها نشاطها وتجبر ضعفها، وبذا يكون الصوم فرصة ذهبية للعضوية لاستعادة توازنها الحيوي وتجديد نفسها بنفسها. وقد أكد البروفيسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه " الجوع من أجل الصحة 1976 " أن على كل إنسان _ وخاصة سكان المدن الكبرى أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 – 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته

أما ماك فادون من علماء الصحة الأمريكيين فيقول: إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً لأن سموم الأغذية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض فتثقله ويقل نشاطه فإذا صام خف وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه وتذهب عنه حتى يصفو صفاءً تاماً ويستطيع أن يسترد وزنه ويجدد خلاياه في مدة لا تزيد عن 20 يوماً بعد الإفطار. لكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل. وقد كان ماك فادون يعالج مرضاه بالصوم وخاصة المصابين بأمراض المعدة وكان يقول: فالصوم لها مثل العصا السحرية، يسارع في شفائها، وتليها أمراض الدم والعروق فالروماتيزم.....

أما الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل في الطب فيقول في كتابه " الإنسان ذلك المجهول ": إن كثرة وجبات الطعام ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس الحيوانية وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يصومون على مر العصور، وإن الأديان كافة لا تفتأ تدعو الناس إلى وجوب الصيام والحرمان من الطعام لفترات محدودة، إذ يحدث في أول الأمر شعور بالجوع ويحدث أحياناً تهيج عصبي ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بيد انه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير، فإن سكر الكبد يتحرك ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد. وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة من أجل الإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب. وإن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا، والصوم الذي يقول به كاريل يطابق تماماً الصوم الإسلامي من حيث الإمساك فهو يغير من نظام الوجبات الغذائية ويقلل كميتها.

و قد سئل أحد المعمرين وهو ميشيل أنجلو عن سر صحته الجيدة وتمتعه بنشاط غير عادي بعد أن تجاوز الستين من عمره فقال: إن السبب في احتفاظي بالصحة والقوة والنشاط إلى اليوم هو أني كنت أمارس الصوم من حين لآخر

و يرى الدكتور محمد سعيد السيوطي أن الصيام الحق يمنع تراكم المواد السمّية الضارة كحمض البول والبولة وفوسفات الأمونياك والمنغنيزا في الدم وما تؤهب إليم من تراكمات مؤذية في المفاصل، , الكلى _ الحصى البولية _ ويقي من داء الملوك _ النقرس _ وينقل أبحاث الغرب أن الصيام ليوم واحد يطهر الجسم من فضلات عشرة أيام، وهكذا فإن شهر الصيام يطهر الجسم من فضلات وسموم عشرة أشهر على الأقل.

و من هنا نرى الحكمة من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيام ستة أيام من شوال، وحتى تكتمل عملية التنظيف، وأردفه بأيام معدودات من كل شهر لكمال الحيطة. يقول صلى الله عليه وسلم: " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصوم الدهر " [ رواه الإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري ].

و يكتب الدكتور إبراهيم الراوي عن أثر الصيام على القدرات الفكرية عند الإنسان : يؤثر الصيام في تنشيط الخلايا الدماغية التي تضاعف حيويتها لتوقف نشاط الجهاز الهضمي فيندفع الدم بغزارة إلى أنسجة المخ لتغذية تلافيفه، وتزويد الحجر الدماغية بالغذاء الأمثل لعملها.

نعم، إن المخ البشري يحتوي على 15 ألف مليون خلية ألهمتها القدرة الإلهية قابليات خارقة على التفكير والتعمق في المسائل المعقدة وحلها. وتزداد هذه القابليات مع زيادة ورود الدم إليها. وهكذا نرى أصحاب العقول المفكرة يصومون كل فترة لتجديد نشاط أدمغتهم.

و يتفق الباحثون على أهمية الصوم الحيوية من ناحية أن تخزين المواد الضرورية في البدن من فيتامينات وحوامض أمينية يجب ألا يستمر زمناً طويلاً، فهي مواد تفقد حيويتها مع طول مدة التخزين. لذا يجب إخراجها من " المخزن " ومن ثمَ استخدامها قبل أن تفسد. وهكذا فإن الجسم بحاجة من فترة لأخرى إلى فرصة لإخراج مخزونه من المواد الحيوية قبل تفككها وتلفها. وهذه الفرصة لا تتاح إلا في الصوم، وبالصوم وحده يتمكن الجسم من تحريك مخزونه الحيوي واستهلاكه قبل فوات أوانه، ومن ثم يقوم بتجديده بعد الإفطار

و قد بين ألن سوري Alain Saury قيمة الصوم في تجديد حيوية الجسم ونشاطه ولو كان في حالة المرض، وأورد حالات عدد من المسنين، تجاوزت أعمارهم السبعين، استطاعوا بفضل الصوم استرجاع نشاطهم وحيويتهم الجسمانية والنفسانية حتى أن عدداً منهم استطاع العودة غلى مزاولة عمله الصناعي أو الزراعي كما كان يفعل في السابق نسبياً.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:18 PM
لمحة غريزية عن الصيام:

الصيام هو حرمان البدن من المواد الغذائية ليوم أو أكثر. وقد دلت التجارب على أن حرمان الماء أشد تأثيراً من حرمان الغذاء فالإنسان يعيش حوالي 40 يوماً إذا أعطي الماء فقط. ويحصل الجسم على الطاقة أثناء الصيام من مدخراته السكرية أولاً والتي تكون على شكل غليكوجين مدخرة في الكبد والعضلات. وهذه تصرف خلال الأولى من الصيام. وبعد ذلك يلجأ البدن إلى مدخراته الشحمية، إلا أنه لا يستهلك الداخل منها في تركيب الخلايا الأساسية مطلقاً مهما طال أمد الصيام ، ثم يعمد الجسم بعد ذلك إلى تجميع المواد الناجمة عن هذه العملية ويعيد استعمالها لاستخراج الطاقة ولصيانة الأعضاء والأنسجة الحيوية أثناء الصوم.

و في الصيام المديد، وبعد أن يستهلك البدن مدخراته من الغليوكوجين والشحوم، عند ذلك يلجأ إلى أكسدة المواد البروتينية ويحولها إلى سكر لتأمين ما يلزمه من الطاقة، وهذا يعني تخريبه للنسج البروتينية المكونة للحم العضلات وما يلحق من جراء ذلك من أذى بيّن يلحق الأعضاء المعنية [ ويدعو العلماء عملية إذابة المدخرات الدهنية ومن ثم بوتينات الجسم بعملية الانحلال الذاتي Autolyze ويستخدم فيها البدن العديد من الخمائر ]. وإن الحرمان الشديد يؤدي إلى ظهور اضطربات غذائية عصبية في الدماغ المتوسط مما يؤثر على الغدد الصم وعلى السلوك والانفعال النفسي

و من هنا نرى أهمية كون الصيام الإسلامي مؤقتاً من الفجر إلى الغروب دون تحريم لنوع ما من الأغذية مع طلب الاعتدال وعدم الإسراف في الطعام في فترة الإفطار. وقد سجل درينيك Dreanik ومساعدوه _ 1964 _ عدداً من المضاعفات الخطيرة من جراء استمرار الصيام لأكثر من 31 – 40 يوماً وتتضح هنا المعجزة النبوية بالنهي عن الوصال في الصوم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إياكم والوصال " قالها ثلاث مرات. قالوا فإنك تواصل يا رسول الله ؟ قال: " إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " [ رواه الشيخان ].

و عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا صام من صام الدهر " [ رواه البخاري ].

و قد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بلغه أن بعض المسلمين قرروا اعتزال النساء وصوم الدهر فقال: " أما والله إني أخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل فلا تفعل فإن لجسدك عليك حقاً، صم وأفطر، صم من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صوم الدهر "، قلت: يا رسول الله إن لي قوة، قال: صم صوم داود عليه السلام، صم يوماً وأفطر يوماً، فكان يقول: يا ليتني أخذت بالرخصة. [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من صام الأبد صام ولا أفطر " [ رواه النسائي وهو حديث صحيح ].



صوموا تصحّوا:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا " [ رواه الإمام أحمد وأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: " اغزوا تغنموا، , صوموا تصحوا، , سافروا تستغنوا ". وأورده السيوطي مقتصراً على لفظ " صوموا تصحوا " ورمز له بالحسن. وقال المناوي في فيض القدير عن الزين العراقي: كلاهما سنده ضعيف ].

يقول صاحب الظلال في معرض تفسيره لآيات الصوم:... وذلك كله إلى جانب ما ينكشف على مدار الزمن من آثار نافعة للصيام في وظائف الأبدان، ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية بما يظهر للعين من فوائد حسية، إذ الحكمة الأصلية فيها هي إعداد الكائن البشري لدوره على الأرض، وتهيئته للكمال المقدر له في الحياة الآخرة..... مع هذا فإني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض، وذلك ارتكازاً إلى المفهوم من مراعاة التدبير الإلهي بهذا الذي ينكشف عنه العلم البشري. فمجال هذا العلم محدود لا يرتقي إلى اتساع حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري.....

فنحن حينما نصوم، إنما نتعبد بهذا الصوم خالقنا العظيم جل جلاله، الذي أمرنا بالصيام، امتثالاً لأمره سبحانه وخضوعاً لإرادته. وإن ما يكشفه العلم لنا من فوائد صحية لهذا الصوم فما هي إلا عظات، تزيد المؤمن إيماناً بصدق مبلغ الشريعة صلى الله عليه وسلم وحباً بالخالق البارئ منزل هذا التشريع.

لقد قام عدد من الباحثين الغربيين، ومنذ أواخر القرن الماضي، بدراسة آثار الصوم على البدن منهم هالبروك Holbrook الذي قال: ليس الصوم بلعبة سحرية عابرة، بل هو اليقين والضمان الوحيد من أجل صحة جيدة

و في أوائل هذا القرن قام الدكتور دووى Dewey بأبحاث موضوعية عن الصوم لخصها في كتابه " الصوم الذي يشفي ". كما قامت مناظرات عديدة تناقش هذا الموضوع لعل أهمها مناظرة Ecosse التي جمعت مشاهير الأطباء الريطانيين والمهتمين بتقويم الصحة وتدبير الطعام، كان على رأسهم طبيب الملك ويلكوكس Wilcox وقد أجمع الحاضرون على أهمية تأثير " الصوم الصحي " على عضوية الإنسان

و الصوم الصحي أو الصوم الطبي كما يسموه والذي قامت عليه دراسات الغرب يمكن أن تعرفه بأنه الإقلاع عن الطعام كلياً أثناء النهار ولا يسمح له إلا ببعض جرعات من الماء إذا ما أحس بعطش شديد ودعت الضرورة القصوى إليه.

و في المساء يعطى وجبة واحدة تتألف من كوب من الحليب أو شوربة خضر و100 غ من اللحم أو الدجاج أو السمك ثم بعض الفواكه وتكون هذه الوجبة الوحيدة خلال يوم وليلة. وكما رأينا فهو أقرب ما يكون إلى " صومنا الإسلامي " لذا رأينا أن نورد خلاصة لأهم الدراسات:

منها دراسة شلتون ++++ton في كتابه عن الصوم Le Jeune. ودراسة لوتزنر H. lutzner في كتابه " العودة إلى حياة سليمة بالصوم " _ ترجمة الدكتور طاهر إسماعيل _. وإليكم أهم هذه الفوائد للصيام:

1. الصوم راحة للجسم يمكنه من إصلاح أعطابه ومراجعة ذاته.

2. الصوم يوقف عملية امتصاص المواد المتبقية في الأمعاء ويعمل على طرحها والتي يمكن أن يؤدي طول مكثها إلى تحولها لنفايات سامة. كما أنه الوسيلة الوحيدة الفعالة التي يسمح بطرد السموم المتراكمة في البدن والآتية من المحيط الملوث.

3. بفضل الصوم تستعيد أجهزة الإطراح والإفراغ نشاطها وقوتها ويتحسن أداؤها الوظيفي في تنقية الجسم، مما يؤدي إلى ضبط الثوابت الحيوية في الدم وسوائل البدن. ولذا نرى الإجماع الطبي على ضرورة إجراء الفحوص الدموية على الريق، أي يكون المفحوص صائماً. فإذا حصل أن عاملاً من هذه الثوابت في غير مستواه فإنه يكون دليلاً على أن هناك خللاً ما.

4. بفضل الصوم يستطيع البدن تحليل المواد الزائدة والترسبات المختلفة داخل الأنسجة المريضة.

5. الصوم أداة يمكن أن تعيد الشباب والحيوية إلى الخلايا والأنسجة المختلفة في البدن. ولقد أكدت أبحاث مورغوليس Morgulis أن الصوم وحده قادر على إعادة شباب حقيقي للجسد.

6. الصوم يضمن الحفاظ على الطاقة الجسدية ويعمل على ترشيد توزيعها حسب حاجة الجسم.

7. و الصوم يحسن وظيفة الهضم، ويسهل الامتصاص ويسمح بتصحيح فرط التغذية

8. الصوم يفتح الذهن ويقوي الإدراك.

9. للصوم تأثيرات هامة على الجلد، تماماً كما يفعل مرهم التجميل، يُجَمل وينظف الجلد.

10. الصوم علاج شاف، هو الأكثر فعالية والأقل خطراً لكثير من أمراض العصر المتنامية. فهو يخفف العبء عن جهاز الدوران، وتهبط نسبة الدسم وحمض البول في الدم أثناء الصيام، فيقي البدين من الإصابة بتصلب الشرايين، وداء النقرس، وغيرها من أمراض التغذية والدوران وآفات القلب.

و هكذا وبعد أن ينظف الجسم من سمومه وتأخذ أجهزته الراحة الفيزيولوجية الكاملة بسبب الصوم، يتفرغ إلى لأم جروحه وإصلاح ما تلف من أنسجته وتنظيم الخلل الحاصل في وظائفها. إذ يسترجع الجسد أنفاسه ويستجمع قواه لمواجهة الطوارئ بفضل الراحة والاستجمام اللذان أتيحا له بفضل الصوم.

يقول الدكتور ليك Liek: يوفر الجسم بفضل الصوم الجهد، والطاقة المخصصة للهضم، ويدخرها لنشاطات أخرى، ذات أولوية وأهمية قصوى: كالتئام الجروح، ومحاربة الأمراض.

و ليعلم أن الصائم قد يشعر ببعض المضايقات في أيام صومه الأولى، كالصداع والوهن والنرفزة وانقلاب المزاج، وهذه تفسر بأن الجسم عندما يتخلص من رواسبه المتبقية داخل الأنسجة، ينتج عن تذويبها سموم تتدفق في الدم قبل أن يلقى بها خارج الجسم، وهي إذ تمر بالدم، تمر عبر الجسد وأجهزته كلها من قلب ودماغ وأعصاب مما يؤدي إلى تخريشها أول الأمر وظهور هذه الأعراض، والتي تزول بعد أيام من بدء الصيام

و أخيراً فإن للصوم آثاره الرائعة على النفس البشرية، ونظراً للعلاقة الوثيقة بين الاطمئنان النفسي وصحة الجسد عموماً، فإن الآثار والفوائد النفسية التي يجنيها الصائم لها مردودها الإيجابي في حسن سير الوظائف العضوية لكل أجهزة البدن.

و من وصايا لقمان لابنه قوله: " يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة ".

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: الصيام زكاة النفس ورياضة للجسم، فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة. في جوع الجسم صفاء القلب وإنقاذ البصيرة لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار فيتبلّد الذهن. أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفو وترق

فالصيام ينمي الإخلاص للخالق سبحانه وتعالى، فهو سرٌ بين العبد وربه لا رقيب على تنفيذه إلا ضميره ورغبته الصادقة في رضاء الله سبحانه، وعند الجوع يزول البطر وتنكسر حدة الشهوات. وإن البطر والأشر هما مبدأ الطغيان والغفلة عن الله، فلا تنكسر النفس ولا تذل كما تذل بالجوع، فعنده تسكن لربها وتخشع له.

و هذه أمور كلها تخفف من توتر الجهاز العصبي وتهدئه. والجوع يساعد الصائم على السيطرة على نفسه. ويدعم الجوع في كسر حدة الشهوات، مراقبة الصائم الله واستشعاره أنه في عبادة له، مما يصرفه عن التفكير بالمعاصي والفواحش.

و الصيام يؤدي إلى صفاء الذهن وتقوية الإرادة وترويض النفس على الصبر. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الصوم نصف الصبر " [ رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه ].

و أخيراً فإن الصوم يعمل على إيقاظ الشعور المشترك في صفوف الأمة حيث يذوق الجميع غنيهم وفقيرهم آلام الجوع ومرارة العطش

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:19 PM
التداوي بالصوم



استخدم الجوع كوسيلة علاجية منذ أقدم العصور ، ولجأ إليه أطباء اليونان أمثال أسكابياد وسيلوس لمعالجة كثير من الأمراض التي استعصيت على وسائل المداواة المتوفرة لديهم حينئذ. وفي القرن الخامس عشر قام لودفيفو كورنا باستعمال الصوم في معالجة مختلف الأمراض المعندة وطبق طريقته في الصوم على نفسه وعاش ما يقارب مائة سنة وهو بصحة جيدة بعد أن كان يعاني من داء عضال، وألف في أيامه الأخيرة رسائل في المعالجة بالصوم تحت شعار " من يأكل قليلاً يعمر طويلاً "

و لعل هذا نجده في ظلال الآية الكريمة: { كلوا واشربوا ولا تسرفوا } [ سورة الأعراف: الآية 31 ].

و نستشعره أبداً في توجيهات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ومنها قوله: " ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه " [ رواه الترمذي ].

و مع بداية عصر النهضة نشطت الدعوة من جديد إلى المعالجة بالصوم في كل أوربا منها ما كتبه الطبيب السويسري بارسيلوس : إن فائدة الصوم في العلاج تفوق مرات ومرات استخدام الأدوية المختلفة. أما فينيامين _ الأستاذ في جامعة موسكو _ فقد كتب يقول: لو راقبنا الإنسان عن كثب لوجدنا أن نفسه تعاف الطعام وترفضه في بعض الفترات، وكأنها بذلك تفرض على نفسها الصيام المؤقت الذي يؤمن لها التوازن الداخلي ويحفظها من المؤثرات الخارجية.

و من فرنسا عمد الدكتور هلبا Helba _ 1911 _ إلى طريقة المعالجة بالصوم على فترات متقطعة، فكان يمنع الطعام عن مرضاه خلال بضعة أيام، يقدم لهم بعدها وجبات خفيفة.

و في عام 1928 ألقى الدكتور دترمان في المؤتمر الثامن لاختصاصي الحمية الغذائية في أمستردام محاضرة، دعا فيها إلى استخدام الجوع على فترات متقطعة في الممارسة الطبية. وقد أقر المجتمعون فائدة الصيام لمعالجة الأمراض الناجمة عن فرط التغذية أو اضطراب الاستقلاب وفي حالات تصلب الشرايين وارتفاع الضغط الدموي وفي الاختلاجات العضلية

و في عام 1941 صدر كتاب بوخنجر "المعالجة بالصوم كطريقة بيولوجية "، شرح فيه المؤلف كيفية استخدام الصوم في معالجة كثير من الأمراض المستعصية، ويبين أن الجوع يغير من تركيب البنية العضوية للجسم ويؤدي إلى طرح السموم منه







معالجة البدانة بالصيام:

حظيت البدانة وما يرافقها من اضطراب استقلاب الدسم اهتماماً كبيراً، بل وإجماعاً لدى المؤلفين حول استفادتها من العلاج بالصوم. ذلك أن السمنة المفرطة وازدياد تراكم الشحوم في البدن تشكل خطراً حقيقياً على حياة الشخص من جراء تعرضه لآفات شديدة الخطورة: كتصلب الشرايين، وارتفاع الضغط الدموي، وتشمع الكبد، والعنانة، والداء السكري، وأمراض القلب العضوية، والنزيف الدماغي، وغيرها.

و للبدانة أسباب ولكن أهمها تضخم المدخول الغذائي نسبة للمجهود العملي الذي يقوم به الشخص وهي مرتبطة بعوائد التغذية التي تعود عليها الشخص منذ صباه

و يعتبر الصيام وسيلة غريزية مجدية في إذابة الشحوم في البدن واعتدال استقلاب الأغذية فيه. كما أن مشاركة الجوع بالعلاجات الفيزيائية كالمشي والتمارين الرياضية والتدليك والحمامات المائية تعطي أفضل النتائج، فضلاً عن أنها وسائل غير مؤذية ولا تقضي إلى النتائج الوخيمة المشاهدة عند استعمال الهرمونات والمدرات ومثبطات الشهية التي يهرع إليها البدينون بغية إنقاص وزنهم

و يرى بلوم W. Bloom أنه بفضل الصوم يستطيع الإنسان تحمل مسؤولياته على وعي كامل منه وحزم. وينتبه للعيب الذي أصابه جسدياً ونفسياً مما يقوي لديه العزيمة والصبر على تحمل الجوع، علماً بأن الصائم يفقد الإحساس بالجوع بعد اليوم الرابع من بدء العلاج. هذا وتوصي كتب الطب الإنسان البدين أن يصوم بضعة أيام كل أسبوع صياماً جزئياً يقتصر فيها على اللبن والفواكه والماء

و هناك مدارس توصي بالصيام المطلق عن الطعام لمدد مختلفة على أن تكون تحت إشراف طبي ويزود المعالج بالماء والشوارد اللازمة . ويرى فيدوتوف أن البدين يتحمل الجوع بشكل جيد ويوصي بالصوم لمدة 5 – 15 يوماً تعقبها فترات استراحة يتناول فيها المريض وجبات خفيفة. ولم يلاحظ عند المعالجين أي اضطراب في حالتهم الصحية أو بتغيرات مخبرية مرضية.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:34 PM
مكانة الصيام في الإسلام



الداء السكري والصوم:

إن مستوى السكر في الدم يهبط إلى أقل الحّد الطبيعي بعد تناول الطعام بخمس ساعات. وقد أصبح الصوم شائعاً لمعالجة الداء السكري المعتدل، وخاصة الذي يرافق البدانة، وكثيراً ما يكفي الصيام لشفائه، والذي يضمن هبوط الوزن مع اعتدال سكر الدم، دون أي علاج آخر. ذلك أن هبوط السكر أثناء الصيام يعطي المعثكلة _ البنكرياس _ فرصة للراحة واستعادة القوى

و لينتبه إلى أن الداء السكري النحيل يعتبر من الأمراض المبيحة للفطر، كما يرى الدكتور النسيمي، وخاصة إذا كان تحت المعالجة بالأنسولين لأن الصيام قد يعرضه لخطر نقص سكر الدم وعوارضه المزعجة.



الصوم وأمراض القلب:

إن معظم أمراض القلب ينجم عن عادات خاطئة في التغذية لذا كان أهم علاج لارتفاع الضغط هو تصحيح نوعية الطعام والإقلال من الملح ومن كمية الطعام والمواد المهيجة. وهذا ما حدا بالعالم الكبير كارينغتون Carrington إلى القول: إن الصوم هو _ بدون شك _ أكبر مقوٍ للقلوب المتعبة أو الضعيفة. فهو العلاج الطبيعي الوحيد الذي تجد فيه تلك القلوب نجاعة، فالقلب يتقوى تدريجياً بفعل الصوم، ويكتسب مزيداً من النشاط. ويفسر إيليس Eales تقوي القلب بالصوم فيقول: إن العمل الشاق الذي يتحمله القلب عادة ينقص بفضل الصوم، مما يجعله يسترجع قواه ساعة بعد أخرى أثناء الصوم، وينخفض ضغط الدم تدريجياً وينزل معدل النبض مما يخفف العبء المفروض على القلب بنسبة تزيد عن 25 % مما يحسن من حيويته ونشاطه.

و قد عالج شيلتون بالصوم عدداً من أمراض القلب المختلفة من عضوية ووظيفية وتحقق الشفاء في حالات اعتقد أنها مستعصية. ويرى أن الصيام يزيل أسباب التهيج التي تصيب القلب. وتعطيه فرصة للراحة عندما يخفف العبء المفروض عليه، كما أنه بتنقيته للدم يؤمن للقلب مورداً غذائياً أكثر نقاءً.

أما روداكوف فقد عالج بالصيام المرضى المصابين بارتفاع التوتر الشرياني، واختار الحالات المزمنة والمعندة على المعالجات الدوائية المعروفة، وأثبتت دراسته أن أرقام الضغط الشرياني بدأت بالانخفاض بصورة تدريجية منذ الأيام الأولى للصيام وبلغت الحد الطبيعي بعد 15 – 20 يوماً، كما زال الصداع المرافق، وتحسنت الذاكرة وقدرة المرضى على التركيز والتفكير. ورغم ارتفاع الضغط بعد عودة المرضى إلى الطعام إلا أن أرقامه لم تتجاوز الحدود العليا للضغط عند الأشخاص الأصحاء.

و يجمع الباحثون على أن حالات الوهط القلبي الدوراني وخاصة المترافقة بوذمات في الساقين تستفيد من الصيام، كما أنه يفيد في تخفيض نسبة الكولسترول في الدم والتي تؤدي زيادتها إلى ترسبها في جدران الأوعية الدموية وإمكانية حدوث _ الجلطة القلبية _ أو _ الجلطة الدماغية _



معالجة الربو بالصيام:

و قد عالج كل من موركوليس Morculis وشيلتون عدداً من الأمراض التنفسية وخاصةً الربو بالصيام، والذي أدى إلى تحسن بالغ في الوظيفة التنفسية. ويعلل شيلتون ذلك بأنه أثناء الصيام يقل نتاج البدن من الفضلات الغازية وخاصة غاز الفحم والذي ينطرح عن طريق الرئتين، مما يخفف العبء عنهما، وإلى تخلصها من عوامل الإثارة والتهيج، مما يجعل هذا الجهاز أكثر حيوية ونشاطاً في أداء مهمته.

و قد أشارت دراسة مينيا يلنكو إلى أنّ المصابين بالربو القصبي يستفيدون جداً من الصوم، وأن نوب الربو تختفي في اليوم 5 – 8 من الصوم المطلق " حمية مائية " وإلى أن معاودة النوب الربوية بعد العودة إلى الطعام تبقى نادرة ويسهل إيقافها حينئذٍ بمقادير منخفضة من العلاجات المدرسية المعروفة، كما سجلت بعد فترة من الصيام امتدت من 15 – 20 يوماً تحسن الأصوات التنفسية وقلة الخراخر القصبية وازدياد سعة الرئتين التنفسية.



معالجة فقر الدم الخبيث بالصوم :

سجل وين هي Win Hay معالجته لـِ 101 مريضاً مصابين بفقر الدم الخبيث بالصوم. وقد تبين أن الصيام يحمل المعدة على إفراز العامل الداخلي لكاسل، والذي يقوم على الاتحاد مع الفيتامين " ب 12 " في مركب واحد، وحيث تقوم الأمعاء بامتصاصه بهذا الشكل مما يؤدي إلى تحسن ملحوظ في عدد الكريات الحمر في دم الصائم.



الأمراض الجلدية والصوم:

يؤكد الدكتور محمد الظواهري أستاذ الأمراض الجلدية في جامعة القاهرة أن علاقة التغذية بالأمراض الجلدية متينة، وأن الصيام يقلل من كمية الماء في الدم والأنسجة وهذا يستدعي نقص سوائل الجلد، مما يقلل من نشاط وتكاثر الجراثيم فيه، وتزداد بذلك مقاومة الجلد للأمراض الجرثومية، ويخفف حدة الأمراض الجلدية الالتهابية والمنشرة، ويعتبر الصيام بذلك أفضل علاج لهذه الحلات كداء الدمامل، وتقيحات الجلد.

أما الدكتور حسن عبد العال _ عميد كلية طب الأزهر _ فيرى أن الصوم يؤدي إلى نقص المواد السكرية والدهنية في الجلد مما يساعد على شفاء مرضى حب الشباب والآفات الجلدية الناجمة عن زيادة افراز الحموض الدهنية كالتهابات فروة الرأس والسيلان الزهمي.

كما يستفيد مرضى الحساسية وخاصةً الشرى من الصيام. فهي تصاحب غالباً اضطرابات الجهاز الهضمي حيث تمتص بعض المواد البروتينية من الأمعاء مؤدية بدخولها إلى الدم تفاعلات تصادمية بين هذه الأجسام الغريبة ومضادات المناعة وتنجم العوارض التحسسية عن مثل تلك التفاعلات، والصوم يشفي معظم هذه الحالات.



الصيام يخلص البدن من التسممات وخاصة الانسمام الغولي:

منذ عام 1899 أكدّ دووي Dewey فضل الصوم في معالجة الانسمام الغولي. أما فادن فيؤكد في موسوعته أن الصوم هو الوسيلة الوحيدة التي تمكن ضحية التسمم الغولي من التخلص من مرضه وتمنحه فرصة لاسترجاع إرادته على نفسه، وتمكينه من مقاومة العوارض التي تنتج عن تأثيرات السم على البدن

فالصوم يمنح البدن الفرصة لإعادة توازن ثوابته ويسهل التخلص من السم المتبقي في الجسم، فضلاً عن أنَ إرادة المريض تقوى بالصوم وهذا يحمله على مقاومة نزعته بحزم.

و قد تبين جاكسون أنه من بين 100 حالة من المصابين بالانسمام الغولي المزمن عالجها بالصوم والحمامات المتكررة، كانت النتائج كلها إيجابية ولم تفشل المعالجة إلا في حالتين.

و بالنسبة للتسممات الأخرى فيؤكد ماك فادن أن الصوم هو العلاج الناجع لمقاومة الظروف المترتبة على تراكم السموم في البدن، أياً كانت تلك السموم. إلا أنه من البديهي أن الشفاء لن يحصل إلا إذا توقف الشخص عن شحن نفسه بالمزيد من تلك السموم، ومن ثم إخضاع نفسه لمحاولة التخلص من السموم الكامنة فيه، والصوم يحقق هذين الهدفين.



الصيام علاج نافع لمعالجة الأورام:

رأينا كيف أن الصائم يستهلك الطاقة اللازمة لحياته من حرقه للمواد الدهنية المختزنة لديه دون المساس بالبروتينات المكونة لعضلاته وأنسجته ما لم يستمر الجوع أشهراً عديدة. وقد لاحظ العلماء أن الدهون والبروتينات المكونة للأورام _ السليمة بالطبع _ كالأورام الشحمية والعضلية والظهارية وعدداً من أورام الثدي والرحم أقل تماسكاً من مثيلاتها في الأنسجة العادية، وهذا ما يعرضها للانحلال والتفكك بسهولة أكثر، علاوة إلى أنها لا تملك رابطة قوية تشدها إلى الجسم .

و لقد تبين لعدد من الباحثين، منهم غراهام وآرمسترونغ وشيلتون أن الصوم ولو كان لمدة طويلة، يبقي على الأنسجة والأعضاء الحيوية، بقدر ما يعمل على تحطيم وإتلاف الأنسجة المريضة الزائدة أو الأورام المتشكلة هنا وهناك، ومن ثم يقوم بإعادة استعمال هذه المواد لإنعاش الأعضاء الحيوية وصيانتها.

و هكذا يخلصون إلى القول بأن عملية الانحلال الذاتي التي تلاحظ أثناء الصوم يمكن أن تستعمل كعلاج لمقاومة الأورام غير السَّرطانية وإذابتها.

يقول شيلتون: يقوم الجسد خلال الصوم بجرد شمولي، يحلل ويقوِّم فيه مختلف أنسجته، ثم يقوم بتفكيك وتحويل الزائد منها وغير الضروري، وما ينتج عنه من مواد أولية لترميم وصيانة الأعضاء الأكثر حيوية، ثم يلقي ما تبقى منها من نفايات خارج الجسم.

و يورد شيلتون عدداً من نتائج معالجته لأورام في الثدي والرحم غير السرطانية والتي تراجع حجمها إلى حد كبير أو زالت نهائياً بعد فترات متقطعة من الصيام امتدت خلال 1 – 2 سنة .

و هكذا فإن الأورام الشحمية الكثيرة الانتشار تعنو جيداً للمعالجة بالصوم ، ويؤكد شيلتون أن الورم الذي يختفي بالصوم لا ينكس أبداً علاوة على أنه يخلص المريض من مخاطر العمل الجراحي.

كما يورد حالة امرأة في سن الأربعين مصابة بورم في الرحم بحجم بيضة الأوزة، وبعد صيام لمدة 21 يوماً تراجع الورم إلى حجم الجوزة حيث توقفت عن الصيام. وبعد أسابيع وعندما عادت إلى الصوم، فإن الورم اختفى تماماً خلال 17 يوماً

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:35 PM
الأمراض العصبية تستفيد من الصوم:

إن وظيفة الجهاز العصبي في السيطرة على أعضاء البدن تزداد صعوبة نتيجة تراكم الشحوم فيه، أو عند تفاقم نسبة السموم المختلفة في الدم، كما أن عمليات الهضم الكبيرة والمستمرة وامتصاص الأغذية يرهق الجهاز العصبي. وهكذا فإن الصوم يقدم راحة كبيرة لهذا الجهاز. فهو _ بالصوم وحده _ يستطيع أن يسترجع أنفاسه، ويتهيأ للعمل بعده بنشاط وحيوية.

كما أن العلل التي تصيب الجهاز العصبي نتيجة التراكم المفرط للسموم والدهنيات، ونتيجة لعمله المستمر، يمكن أن تشفى تماماً بفعل الصيام

و يؤكد الدكتور راباجلياتي Rabagliati نجاح معالجته لمرضى الصرع بالصوم إذ كان لا يسمح لمريضه بتناول أكثر من ليتر واحد من الحليب في اليوم ولفترة طويلة، ويعتقد نتيجة أبحاثه التي استمرت عشرات السنين: أن الصوم هو العلاج الأكثر نجاعة في معالجة هذا الداء المزعج.

أما البروفيسور موركوليس Morculis فقد لاحظ أن الصيام يحسن عمل الحواس بصفة ملحوظة. فحاسة اللمس تكتسب مزيداً من الدقة والنعومة ،و تصبح حاسّتا الذوق والشم أكثر رهافة وحدّة، وتختفي الافرازات غير العادية من الأنف.

أما شيلتون فيؤكد أن حاسة السمع هي الأكثر استفادة من الصوم ، وأنه عالج بنجاح عدداً من المصابين بضعف شديد في السمع بالصوم. ويؤكد لوفانزين Le Vanzin تحسن الرؤية بعد صيام طبي لمدة 30 يوماً.









الصيام والطب النفسي:

لقد حظيت الأمراض النفسية بالقسط الأكبر من اهتمام الباحثين في مختلف العصور واستخدمت في علاجها مختلف الوسائل ابتداء من السحر وجلسات التحليل النفسي والتنويم المغناطيسي وحتى أحدث العقاقير والأدوية. ولم تُجدِ معظم الوسائل في إعادة الطمأنينة للنفس المضطربة وبقيت معظم الأمراض النفسية والعقلية رغم كثرة انتشارها من الأمراض المستعصية.

و قد بين كيهارت بأن الصوم هو الوسيلة الناجعة التي تقوي الإرادة النفسية وتجعلها أكثر تحكماً في شهوات الجسد . وأكد شيلتون بأن وظائف العقل المختلفة للإنسان تتحسن الصيام، إذ ترتفع قدرته على الإدراك وتتحسن طاقته على التفكير المركز ويستوعب ذهنه أكثر، كما تنشط لديه النباهة Attention وتسلسل الأفكار، كما تقوى لديه حاسّة الحدس والبديهة

إن تحسن قدرة الإرادة والفكر بفضل الصوم قد لا يلاحظ في الأيام الأولى للصوم وخاصة لدى المعتادين على الإسراف في الطعام وتناول القهوة والشاي والمدخنين، فهؤلاء بمجرد إمساكهم عما اعتادوه، يصابون بالاكتئاب والصداع، هذا في الأيام الأولى للصيام وذلك إلى حين يتمكن فيه الجسد من التخلص من سمومه وإعادة استقرار الثوابت لديه.

و يلخص الدكتور إبراهيم الراوي نتائج تجارب عالمية في الطب النفسي أجريت على المصابين بالقلق والذين يعانون من المخاوف الوهمية أو من صدمات المخاوف الحقيقية أو أثناء تعرضهم لمحن قاسية حيث تظهر عندهم أعراض مرضية كاحتقان الوجه والرجفان في الأصابع والتلعثم وانحلال القوة العضلية. وسبب ذلك انطلاق بعض الهرمونات أو خلل في إفرازاتها _ الأدرينالين، الأنسولين _ إذ ينصح المختصون بالأمراض النفسية الأفراد الذين سيقبلون على مثل هذه المواقف أن يجابهوها وبطونهم خاوية.

فقد أكدت الدراسات الطبية الحديثة أن الصيام يملك تأثيرات عجيبة على النفس ويعمل على زيادة تحمل الأعصاب للصدمات النفسية بتنظيمه لإفراز الهرمونات وتهدئته للمشاعر النفسية.

و يؤكد الدكتور إبراهيم الراوي بأن صيامنا الإسلامي علاج شاف ضد التغيرات النفسية التي يولدها القلق والمخاوف، الوهمية أو الحقيقية، والأزمات العاطفية حيث ينصح العلماء أمثال هؤلاء أن يمتنعوا عن الطعام حتى زوال النوب النفسية القاسية.

و عالج نبقولايف ومساعدوه أكثر من 1500 مريضاً بالجوع، مصابين بالفصام وحالات من الانزواء والسوداوية، وكان بعضهم يعاني من اختلاطات عقلية تالية لرضوض الدماغ أو آفاته الالتهابية. وقد جرت مداواتهم في مشفى خاص تتوفر فيه الراحة الجسدية والفكرية ومنعوا من الطعام لفترة استمرت من 20 – 30 يوماً، وفي حالات نادرة حتى 40 يوماً.

كما منعوا عن التدخين والمشروبات الغولية بشكل مطلق، واكتفي بإعطائهم المياه المعدنية والسوائل المزودة بالشوارد والأملاح المعدنية اللازمة. كما أوقفت خلال فترات الصيام كافة العقاقير السابقة. وقد أكد نيقولايف أن نسبة الشفاء تجاوزت 80 % في الآفات الحديثة، التي لا يعود بدء الإصابة فيها لأكثر من سنة واحدة، وبلغت 50 % في الحالات المزمنة. وهي نتائج جيدة في مثل هذه الحالات، ومما يجدر ذكره أن التحسن لوحظ عند جميع المرضى تقريباً.



الصيام وآفات الكليتين:

مع قلة الوارد الغذائي أثناء الصيام تقل السموم الناجمة عن استقلاب الغذاء، ويحصل جهاز الإفراغ على فرصة للراحة لتجديد نشاطه وترميم ما تلف من أنسجته. ويرى الباحثون أن القصور الكلوي الحابس لكلور الصوديوم والمترافق بوذمات في الساقين يستفيد جداً من الصيام مع ضرورة الامتناع عن ملح الطعام



الجهاز الهضمي والصوم:

نظراً لارتباط الجوع مباشرة بجهاز الهضم، فإن لتناول الطعام والإمساك عنه علاقة وثيقة بأمراض المعدة والأمعاء. وقد لوحظ أن الصوم المديد يخفف من تهيج مركز الشهية للطعام في الدماغ، ويؤمن ظروفاً أفضل لراحة المعدة المريضة ولعملها بعد عودة المريض لتناول الطعام. وقد أجمع الباحثون على أن التهابات المعدة والأمعاء والقولون المزمنة كلها تستفيد من الصيام، وذلك لأن إبعاد غشائها المخاطي عن تماس الطعام لفترة طويلة يساعد على ترميم الخلايا الملتهبة ويقلل من إفرازاتها المرضية .

و قد انفردت المصادر الروسية بمعالجة القرحة الهضمية بالصيام وأكدت أبحاث مينيايلنكو إلى تراجع العش القرحي وزيادة ترمم الغشاء المخاطي عند المقروحين المعالجين بفترات من الصوم المتقطع، علاوة عن امتناعهم عن التدخين وتعاطي المشروبات الغولية. وقد عمد المؤلف إلى تحضير المقروحين نفسياً قبل البدء بالمعالجة وشارك الصوم مع حمامات مائية دافئة مع التدليك والحقن الشرجية المنظفة وقد أكدّ حصوله على نتائج جيدة.



أثر الصوم على النشاط الجنسي:

أكد شيلتون أن الصوم يضعف الرغبة والقدرة الجنسية بصفة مؤقتة لدى كل من الرجل والمرأة، لكنها تعود بقوة بعد انتهاء فترة الصيام. وذكر حالة رجل بقي عنيناً _ عاجزاً جنسياً _ لعدة سنوات وأنه عالجه بالصوم لمدة شهر واحد استرجع الرجل إثره كامل قواه الجنسية ، وأكد شيلتون أن الصوم يحسّن عند المرأة جهازها التوليدي _ التناسلي من الناحيتين الحيوية والعضوية، وهذا ما يحسن إمكانية الإخصاب الجيد عندها.

كما سجل كارنيغتون عند الصائمين الذين تابعهم أن الرغبة الجنسية تقل لديهم، وقال: بأنها حالة ظرفية إذ أن الرغبة الجنسية تعود بقوة بعد العودة إلى تناول الطعام بشكل سوي.

و بين أرتوكلاز Artuclaze تدني النشاط الجنسي عند الصائمين وأنه يعود إلى مستواه الطبيعي أو أكثر بعد 10 – 15 يوماً من انتهاء فترة الصيام المديد. وأكد أنه ليس للصوم أي أثر على الأعضاء الجنسية نفسها أو تلف أنسجتها، بل إن تأثيره ينحصر في تقوية الإرادة بقصد التحكم في النشاط الجنسي .

لقد أثبتت الأبحاث الطبية الحديثة _ كما يقول الدكتور إبراهيم الراوي _ أن الصيام يهدئ المشاعر الجنسية، وله تأثير هام على العقل الباطن نتيجة الانعكاسات العصبية والتفاعلات النفسية _ لدى المسلم _ والتي تحدث في الجسم أثناء الصوم.

فالصوم يخفض الهرمونات الجنسية في الدم إلى درجة تؤدي إلى هدوء سريع في المراكز الحسية العصبية الدماغية. ويزيد صيامنا الإسلامي بتأثيره على النفس البشرية حيث يجعلها حساسة فطنة، يجعلها تتحاشى الوقوع في مكائد المثيرات الجنسية ويحدث رد فعل شديد في باطن العقل يجعله يشعر بسمو الروح وينبذ الرزيلة.

و الإسلام أول من كشف تأثير الصيام على نسبة الهرمونات الجنسية المنطلقة في الدم، وأعلنها حقيقة علمية ثابتة في دنيا الطب عندما أصدر نبيُّ الإسلام صلى الله عليه وسلم هذا البلاغ الهام في دنيا الجنس والعلوم البشرية ليعلنها قاعدة طبية هامة ودستوراً خالداً يهدي به الأجيال. مبيناً كيف يؤثر الصيام كعلاج فعال لحل مشاكل العالم والتي تنجم عن الفوضى الجنسية والافتقار إلى تهذيب هذه الغرائز.

و ذلك عندما خاطب الشباب قائلاً: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "

فالصيام، كما يقرر طبيب الإسلام الأول، علاج ناجع، سبق به الإسلام العلوم الطبية الحديثة، يمنع طغيان الأمواج الغريزية الجنسية، ويحصن شباب الأمة إذا ما تعذر عليهم الزواج، من الوقوع في فتن الشهوة الجنسية البهيمية، وما يترتب عليها من أمراض جنسية مختلفة، أضحى " مرض الإيدز " القاتل في مقدمتها.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:37 PM
نحن.... ورمضان



إن ما أوردناه من حقائق علمية صارخة تؤكد فائدة الصيام للبدن، بل وضرورته القصوى لحياة صحية سليمة، تبين لنا أن ما فرضه الرب سبحانه وتعالى علينا من صوم رمضان ليس إلا دورة سنوية وقائية هامة، تقي من التزم بها من كثير من الأمراض وخاصة من آفات الشيخوخة، علاوة على كونه علاجاً للعديد من الأمراض. وتؤكد لنا الإعجاز في الحكمة النبوية القائلة: " صوموا تصحوا ".

طلب أبو أمامة رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أن يأمره بعمل ينفعه الله تعالى به فقال عليه الصلاة والسلام: " عليك بالصوم فإنه لا عدل له "، وكرر أبو أمامة الطلب فقال صلى الله عليه وسلم: " عليك بالصوم فإنه لا مثل له "، وكرر أبو أمامة الطلب فقال صلى الله عليه وسلم ما قاله في الرمة الثانية ثم قال: " إنما الصوم جنة ".

و في رواية للبخاري يقول صلى الله عليه وسلم: " الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل.... " وجُنة: أي وقاية بين المسلم وبين ما يؤذي روحه ونفسه وجسده عاجلاً أم آجلاً.

إن ما قرره علماء العقيدة من أن نزول الشرائع السماوية إنما كان من أجل حفظ الضرورات الخمس والتي لا تقوم الحياة بدونها، وعدّوا منها " حفظ النفس ".و جاء العلم ليؤكد لنا حكمة الصيام في حفظ النفس وضرورته لحياتها القويمة. فما أعظم التوافق والتناغم بين الحكم الشرعية ،و الحقائق الطبية، وإن كنا نؤمن ونؤكد، بأن على المسلم أن يؤدي هذه الفريضة، عبادة لله، وطاعة له، ابتغاء مرضاته واتقاءً لسخطه، سواءً أعلم الحكمة منها أم لا، فهو موقن منذ أن آمن بالرسالة بأن أوامرها ليست عبثاً.

و نحن المسلمين لو اتبعنا النهج الصحيح في صيامنا من ناحية تناول الوجبات وإحقاق التلازم والتناسب المطلوب في معدة خاوية طوال النهار بعدم إرهاقها في طعام الفطور وعدم الإسراف في تناوله، كماً وكيفاً، أي تعدد أنواعه والتي يراها البعض من مستلزمات رمضان، والشرع من ذلك برئ، يمكن أن يحقق لنا الصحة والسلامة. فالنهم والبطنة والسرف من الأمور التي ينهي عنها الشرع في كل حال " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " فكيف بنا في رمضان، شهر الصبر والتقشف.

إن الصيام الذي لا يحقق معناه الإلهي، فلا يشعر الصائم بأنس عبادته ولا يفتح قلبه لذكر مولاه، ولا يهذب نفسه، ولا يقوم أخلاقه، ولا يروضه على الصبر والذي لا يحقق معناه الصحي، فلا يكون حمية أو علاجاً، لا بطنة فيه ولا إسراف في طعام أو شراب. فهو صورة الصيام لا حقيقته، والعيب في ذلك على المسيء في صومه لا على الصيام نفسه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع " [ رواه النسائي وابن ماجة وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ]

فعلى المسلم أن يلحظ في صيامه الحكم الروحية والجسمية من الصيام وأن يلتزم الاعتدال في طعامه وشرابه ليحظى بالثواب الكامل وينعم بالصحة الموفورة. وإليك _ يا أخي _ بعض النصائح المستلهمة من المأثور مما صح عنه صلى الله عليه وسلم وما يتناسب معه من نصائح طبية قيمة [ بتصرف عن الدكتور النسيمي ]:

1. عن انس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تسحروا فإن في لسحور بركة " [ رواه البخاري ومسلم ].

قال القاضي عياض: قد تكون هذه البركة أخروية وهي ما يتيسر من ذكر أو صلاة، أو دنيوية وهي التقوى على الصيام _ بقليل من الزاد والماء _.

عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين " [ رواه أحمد، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إلا أبو رفاعة، ولم يجد من وثقه أو من خرّجه ].

2. لا تنم عقب وجبة السحور مباشرة فإن ذلك قد يعرضك لاضطرابات هضمية وما يتبعها من اضطراب في النوم، ويخطئ من يطيل السهر في رمضان ثم يجعل سحوره آخر سهرته ثم ينام معرضاً نفسه للتخمة والوهن واضطراب الهضم.

روى الطبراني في الكبير بسند صحيح عن ابن عباس، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إنّا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا " [ الزرقاني ].

3. الصائم الضعيف البنية يمكن أن يقتصد من جهوده النهارية بالنوم ساعة من نهار، إذ أن صرف الطاقة في البدن يقل إلى النصف أثناء النوم.

4. عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " [ رواه البخاري ومسلم ].

و قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الفطر وتأخير السحور صحاح متواترة.

5. عن انس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء، [ رواه الترمذي وحسنه ].

و عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور " [ رواه الترمذي وقال: حديث صحيح ].

و التمر سريع الهضم، يمتص سكره بسهولة. والأمر النبوي بالإفطار على التمر من الإعجاز العلمي فهو الأهم لتعويض الكبد مدخراته من الغيلكوجين بسرعة والتي يخسرها أثناء الصيام. وفي المذهب الحنفي فإن أي سكر يفي بالسنة.

6. إذا أكثرت من السوائل عند الإفطار فتريث في طعامك حتى تفرغ معدتك منها وليكن ذلك بأداء صلاة المغرب. أما إذا اشتهيت الطعام فقدمه على الصلاة على أن لا تكثر من السوائل عند فطرك.

عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قدم العَشاء فابدؤوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم " [ رواه البخاري ومسلم ].

7. لا تكثر من الطعام أثناء الإفطار بحيث يمتلئ جوفك، فإن الإسراف إذا كان مضراً بشكل عام، فضرره أكبر بعد ساعات الصيام، ويمكن أن يؤدي إلى التخمة وتلبك في الهضم.

8. إن في صلاة العشاء والتراويح في رمضان نشاطاً عاماً للبدن، وهي معينة للمعدة على هضم طعام الإفطار وتنشيط عمل المعدة والأمعاء.

9. لا تنسى دعاء الإفطار قبل اللقمة الأولى، فهو يفيض على النفس البشرية الطمأنينة بالإمداد المستمر من الرازق المنعم، وهدوء الأعصاب يساعد أيضاً في اكتمال عملية الهضم بيسر.

عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: " اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله " [ رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:38 PM
الزكاة وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:39 PM
مكانة الزكاة في الإسلام



تعاريف: الزكاة لغةً النمو والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد، وتطلق أيضاً على المدح وعلى الصلاح، كما فيقوله تعالى:

{ فلا تزكوا أنفسكم } [ سورة النجم: الآية 32 ].

يقال زكى القاضي الشهود، إذا بين زيادتهم في الخير، وتتمثل هذه المعاني فيقوله تعالى:

{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [ سورة التوبة: الآية 103 ].

فهي تطهر مؤديها من الإثم وتنمي أجره ….

و الزكاة شرعاً: حقٌ يجب في المال ،و قد أطلقها الفقهاء على نفس فعل الإيتاء _أي أداء الحق الواجب في المال. كما أطلقت على الجزء المقدر من المال الذي فرضه الله حقاً للفقراء. وتسمى الزكاة " صدقة " لدلالتها على صدق العبد في العبودية وطاعة الله تعالى



أهمية الزكاة في التشريع الإسلامي: الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة. فرضت في المدينة في السنة الثانية من الهجرة. ولأهميتها فقد قرنها المولى سبحانه وتعالى في القرآن الكريم مع الصلاة في اثنين وثمانين موضعاً، مما يدل على كمال الاتصال بينهما.

قال تعالى: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } [سورة الحج: الآية 41 ].

و قال تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } [ سورة النور: الآية 56 ].

و تؤكد السنة النبوية فريضة الزكاة وكونها من الأسس التي لا يقوم الإسلام بدونها. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بني الإسلام على خمس …….. وعدَّ منها: وإيتاء الزكاة " [ متفق عليه ]. وعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن أوصاه قائلاً: " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " [رواه الجماعة عن ابن عباس ]. ومن أهمية أداء هذه الفريضة إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال مانعيها، فمن أنكر فريضتها كفر وارتدّ والعياذ بالله تعالى.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق قال حين استخلف: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها _ وفي رواية " عقالاً " _ [ رواه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي، والعناق والعقال الأنثى من الماعز ].

و لا يظنن أحد أن الفرد _ في دولة الإسلام _ حُرً في دفع الزكاة أو عدم دفعها، فالشارع يجبر ولي الأمر أخذها من مانعيها مع التغريم المالي قهراً عنهم.

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أعطى زكاة ماله مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنّا آخذوها وشطر ماله عَزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد منها شيء " [رواه أبو داود والنسائي عن معاذ، ورواه أحمد في مستنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وإسناده حسن ]. هذا عدا العقاب الأخروي الذي توعد به الشارع مانع الزكاة.

قال تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } [ سورة التوبة: الآيات 33 – 34 ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقاً إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كل ما ردت إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " [ رواه البخاري ومسلم ].

و عن أبي هريرة أياً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مُثِل له _ ماله _ شجعاً أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بهلمزتيه _ يعني شدقيه _ ثم يقول أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا: " ولا تحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيراً لهم، بل هو شرً لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة، ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير " [ رواه الشيخان ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:39 PM
آثار الزكاة والصدقات على الفرد والمجتمع



الزكاة وسيلة لتحقيق التكامل الاجتماعي. فقد أوجب الله سبحانه وتعالى أن يعطي الغنيُّ الفقير حقاً مفروضاً لا تطوعاً ولا منةً:

قال تعالى: { وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم } [ سورة الذاريات: الآية 19 ].

و المسلم يؤديها طوعاً، طاعة لله والتزاماً بعبوديته، لكن هذا لا يمنع من أن يجد أثرها ومنفعتها في دنياه وآخرته، لنفسه وفي مجتمعه، كما بشرت بذلك الآثار الصحيحة. فالزكاة تطهر النفس من داء البخل والشح وتزكيها وصدقة التطوع تعود المؤمن البذل والسخاء والكرم والجود …. قال تعالى:

{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [سورة التوبة: الآية 103 ].

و الإنفاق من صفة الأبرار الذين عناهم الله سبحانه وتعالى بقوله:

{ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين و

القانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } [ سورة آل عمران: الآيات 16 – 17 ].

و الزكاة تحصن المال وتصونه لصاحبه من تطلع الأعين وامتداد أيدي المجرمين. عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة وأعدّوا للبلاء الدعاء " [ رواه الطبراني مرفوعاً، ورواه أبو داود عن الحسن مرسلاً وفي سنده ضعف ].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله عز وجل " [ رواه مسلم ]. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السِّر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا " [ رواه ابن ماجة ].

يقول مصطفى عمارة : يبين لنا عليه الصلاة والسلام أن الإنفاق لله يجلب سعة الرزق ويقضي الحاجات ويكون سبب الفوز والنجاح والشفاء ونيل المأمول ومعنى تجبروا: تُجب دعواتكم وتغتنوا. فالصدقة سبب لزيادة الرزق وعناية الله بالمتصدق وهي تصون المال الباقي وتحفظه وتبعد عنه الكوارث وتزيده نماءً.

و الصدقة تحفظ صاحبها من أهوالِ يوم القيامة فهي ظله حتى يتم حسابه، كما أنها وقاية له من نار جهنم إن أدّاها محتسباً بها وجه الله تعالى دون منة ولا مراء: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس [ رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وقال السيوطي صحيح ].

و عن عدي بن حاتم قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من استطاع أن يستتر منكم من النار ولو بشق تمرة فليفعل " [ رواه البخاري ومسلم والنسائي ( جامع الأصول ) ]

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:41 PM
الصدقة تدفع البلاء وتمنع ميتة السوء



عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة "، وفي رواية عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها " [رواه البيهقي عن أنس والطبراني في الأوسط عن علي وقال الهيثمي: ضعيف ]. أي أسرعوا بتقديم الصدقات فإنها تمنع حدوث المصائب ولا تعدوها الآلام.

و في الحديث طلب الإنفاق لله رجاءَ أن يصدّ العوادي ويلطف الله سبحانه في قضائه. ويؤكد هذا المعنى ما رواه رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " الصدقة تسدُّ سبعين باباً من السوء " [ رواه الطبراني في الكبير ورمز السيوطي لصحته. قال الهيثمي: فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف ] …

و الصدقة تدل على حسن الخاتمة وتبعد السوءات وتزيل المكاره وتسد رمق الجائع وتنفعه. فقد روي عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقيم العوج وتدفع ميتة السوء وتقع من الجائع موقعها من الشبعان " [ رواه أبو بعلي والبراز وله طرق كثيرة حيث روي عن أنس وأبي أمامة وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ( المنذري ) ].

كما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء " [ رواه ابن حبان في صحيحه، والترمذي وقال: حديث حسن غريب ].

و هكذا تؤكد الأحاديث النبوية أن الإحسان إلى الفقراء والإنفاق في وجوه الخير يبعد سوء الخاتمة. يؤكد هذا أيضاً ما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب " [ رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن ( الهيثمي ) ].

و الصدقة درع قوي يلبسه المحسن فيقيه عاديات الدهر كما أنها تضع البركة في العمر بإذن الله وتجلب الصحة وتدعو إلى الوئام ومحبة الخلق حيث تقيم حصوناً منيعة من قلوب الفقراء ليحفظوه وليصدّوا عنه كل باغ:

عن عمرو بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء " [ رواه الترمذي وحسنه ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:42 PM
بالزكاة نكافح الفقر ونقضي على الجوع والمرض



في تقرير لمنظمة الصحة العالمية [ نشرته جريدة تشرين الدمشقية في عددها 6219 في تاريخ 2 / 5 / 1995 ] نشر هذا العام أعلنت فيه أن 12 مليون طفلاً يموتون سنوياً في الدول النامية قبل أن يبلغوا الخامسة من عمرهم. وأكد التقرير أن الوفيات تنتج عن أمراض متعددة يسهل تجنبها إذا توفرت الموارد اللازمة. وأن مكافحة الفقر المدقع الذي يعانيه أكثر من 1 من 5 أشخاص في العالم بات ضرورة لتحسين الحالة الصحية في العالم الثالث.

و قال التقرير: أن الفقر هو السبب الرئيسي وراء عدم توفر المياه النظيفة والظروف الصحية السليمة وعدم توفر الأدوية ووسائل العلاج الأخرى. وأكد أيضاً أن أكثر من 200 مليون طفل، هم نحو ثلث أطفال العالم، يعانون من سوء التغذية _ بسبب الفقر _ إذ يقدم التقرير أمثلة صارخة للفجوة المتزايدة والتي يدفع ثمنها فقراء العالم.

إن الجوع المديد، الذي يستمر لبضعة أشهر يؤدي إلى نقص كبير فيسكر الدم وهذا بدوره يؤدي إلى تظاهرات دماغية كالصداع والضعف والاختلاج والتخليط الذهني وعدم التوافق الحركي، علاوة على الهزال الشديد، والذي قد يؤدي إلى السبات ثم الموت، كما يشاهد بكثرة أثناء المجاعات

فالبدن خلال فترات الجوع يستهلك مدخراته من الغليكوجين والشحوم، لكن إذا استمر نقص الوارد الغذائي بعد ذلك يلجأ البدن إلى أكسدة المواد البروتينية ويحولها إلى سكر لتأمين ما يلزمه من الطاقة وهذا يعني تخريبه للنسيج البروتيني المكوِّن للحمه وعضلاته وما يلحق من جراء ذلك في ضمور بيّن في هذه الأعضاء. ويدعو العلماء إذابة النسج في الجسم عند حاجته إليها بسبب الجوع بعملية الانحلال الذاتي. وإن الحرمان الشديد يؤدي إلى ظهور اضطرابات اغتذائية _ عصبية في الدماغ المتوسط، يؤثر على الغدد الصم وعلى السلوك والانفعال النفسي. قد سجل درينيك عدداً من المضاعفات الخطيرة من استمرار الجوع لأكثر من 40 يوماً

و باعتبار الطفل مخلوق في دور التكوين والبناء فهو أشد تأثراً بنقص الوارد الغذائي من الكهل ويخلف لديه نتائج سيئة وأمراضاً مختلفة قد تنتهي بوفاته ، فالغذاء هو المادة الأساسية في بناء الطفل جسماً وروحاً وعقلاً وعليه تتوقف صحته في مراحل عمره المختلفة وبه يرتبط نموه وإذا نقص غذاء الطفل أو اختل تركيبه هزل الطفل وضمر وقد يذوي ثم يموت

إن ضحايا سوء التغذية في العالم تشكل أكبر نسبة بين وفيات الأطفال وخاصة حين يتضافر عاملا الجهل والفقر في إبادة براعم الجنس البشري. وحسب إحصائيات مشافي دمشق فإن وفيات الأطفال بسوء التغذية في سورية تحتل المقام الأول بين أسباب الوفيات عامة ووفيات الأطفال خاصة، ولعل عدم تمكن أسرنا الفقيرة من شراء اللحوم والبيض والحليب بما يكفي حاجتها يؤدي في المقام الأول إلى ما يسمى بالعوز البروتيني الحروري والذي يتظاهر سريرياً بأحد شكلين:

1. السغل Marasmns والذي يتظاهر بتدهور وزن الطفل مع إسهال وقمه و

اضطراب الحالة الروحية للطفل، اضطراب التنظيم الحروري وعلامات نقص الفيتامينات كالتهاب اللسان وجفاف العين والنزوف اللثوية.

2. الكواشيركور Kwashircur والذي يتظاهر باضطرابات هضمية شديدة مع وذمات واضطربات جلدية مخاطية كتشقق الصوارين والجلد الجاف.

و كلا التناذرين يمكن أن يسبب الوفاة في حالاته المتفاقمة. ولابد لشفاء المصاب، مع تناول العلاجات المناسبة، من إعطاء الراتب الغذائي البروتيني المناسب.

و الإسلام العظيم بتعليماته الرائعة، ونظام الزكاة فيه، وجه أتباعه إلى مكافحة الجوع في مجتمعاته بدعوتهم إلى إطعام الطعام وجعله أرقى أنواع الصدقات وهكذا يصف القرآن حواراً مع أهل النار عن سبب دخولهم إليها فقال جلا وعلا:

{ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين } [ سورة المدثر: الآيات 42 – 44 ].

و وصف الكفار بقوله: { أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين } [ سورة الماعون: الآيات 1 – 3 ].

فجعل من صفات أهل جهنم البخل وعدم إعطاء الفقراء حقهم من الطعام والكساء. ولم يكتف بهذا، بل جعل من كمال إيمان المؤمن، أن لا يبيت متمتعاً بنعمة الشبع وبقربه أخ أو جار يبيت على الطوى ويذوق مرارة الجوع:

عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم " [ رواه الطبراني في الكبير والبراز وإسناده حسن وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " [ رواه مسلم ].

و خلاصة القول فإن الزكاة تدفع عوناً للفقراء والمساكين والمحتاجين، تأخذ بأيديهم لاستئناف العمل، إن كانوا قادرين وتساعدهم على ظروف العيش الكريم إن كانوا عاجزين

فتحمي المجتمع من الفقر وتمنع عنه غائلة الجوع والمرض.

و قد روي عن سيدنا علي بن أبي طالب أنه قال: إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم [ رواه الطبراني ،و ضعفه الهيثمي ( مجمع الزوائد ) ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 12:43 PM
الحج والعمرة وأثرهما في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:01 PM
مكانة الحج والعمرة في الإسلام



الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام فرضه الله تعالى على المستطيع والعمرة مثله، فهما أصلان عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى:

{ وأتممّوا الحج والعمرة لله } [ سورة البقرة: الآية 196 ].

و قال تعالى: { وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق. ليهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات } [ سورة الحج: الآيات 27 – 28 ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل ؟ قال: " إيمانٌ بالله ورسوله ". قيل ثم ماذا ؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " قيل: ثم ماذا ؟ قال: " حجٌ مبرور " [ رواه البخاري ومسلم ].

و عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " [ رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، قال النووي : المبرور الذي لا يخالطه شيء من الإثم وقيل المقبول ].

و قال تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين " [ سورة آل عمران: الآية 97 ].

و الحج لغة القصد مطلقاً، وقيل الحج كثرة القصد إلى من تعظمه. وهو شرعاً قصد الكعبة لأداء أفعال مخصوصة. وقد فرض سنة تسع من الهجرة. وحجّ النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة في السنة العاشرة. أما العمرة فهي لغة الزيارة وشرعاً قصد الكعبة للنسك وهو الطواف والسعي، والحج لا يغني عن العمرة وإن اشتمل عليها

و قد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات. وقد اجمع علماء الأمة على أن الحج فريضة في العمر كله مرة واحدة ومن زاد فهو تطوع:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا "، فقال رجلٌ: أفي كلَّ عام يا رسول الله ؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً. ثم قال: " ذروني ما تركتكم، ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " [ رواه مسلم والنسائي ].

و يجب الحج على المستطيع وهو من ملك كلفة هذه الرحلة المباركة ونفقة عياله في غيابه وأمن الطريق. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما يوجب الحج ؟ قال: " الزاد والراحلة " [ رواه الترمذي، قال الشوكاني في نيل الأوطار: للحديث طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج به ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:02 PM
أعمال الحج والعمرة



تبدأ أعمال الحج بالإحرام وهو نية الحج أو نية العمرة أو بهما معاً ويجب معه تجنب لبس المخيط وكشف الرأس للذكر والتلبية. والطواف وهو ثلاثة: طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع. والسعي بين الصفا والمروة. والوقوف بعرفة. المبيت بمزدلفة. المبيت فيمنى ورمي الجمار فيها. الحلق أو التقصير ومن ثم ذبح الهدي.

أما العمرة فتقتصر على الإحرام ثم الطواف والسعي وأخيراً الحلق والتقصير، وسنفرد الطواف والسعي بالوصف الحركي لأهميتهما حين ذكر المقاصد الصحية للحج. ففي وصف الطواف:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطبع فاستلم وكبّر ثم رَمَلَ ثلاثة أطواف فكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا عن قريش مشوا ثم يطلعون عليهم يرملون، فتقول قريش: كأنهم الغزلان فكانت سنة. [ رواه البخاري ومسلم والترمذي والإمام أحمد وهذه رواية أبي داود ].

و يرملون من الرمل وهو سرعة المشي والهرولة. أما الإضطباع هو أن تدخل الرداء من تحت إبطك الأيمن وتجمع أطرافه على عاتقك الأيسر فيبدو منكبك الأيمن ويتغطى الأيسر.

و عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج أو العمرة فإنه يسعى ثلاثة أشواط ويمشي أربعة ثم يصلي سجدتين. [ رواه الشيخان ]. وفي وصف السعي:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا اتصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه. [ رواه مالك في الموطأ والنسائي، وهو حديث صحيح عند مسلم بمعناه ].

و عن صفية بنت شيبة عن امرأة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى فيبطن المسيل يقول: " لا يُقطع الوادي إلا شدّاً " [ رواه النسائي وابن ماجة وأحمد وجهالة الصحابية لا يضر ( الأرناؤوط ) ].

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:03 PM
مقاصد الحج الروحية



الحج عبادة يؤديها المسلم خضوعاً لله وتذللاً له، لكن هذا لا يمنع من أن يجني ثمراته الحلوة ومنافعه الجمة سواء لروحه أو لجسده، في دنياه وفي آخرته. فهو قبل كل شيء يكفر الذنوب ويخلص النفوس من شوائب المعاصي، يزيل عنها أدرانها ويغسل عنها أوزارها

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " [ رواه الشيخان ].

وعنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحجاج والعمار وفد الله إذا دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم " [ رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه ].

و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينقيان الفقر والذنوب كما ينقي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة " [ رواه الترمذي].

و الحج بتطهيره النفوس يعيد إليها الصفاء والإخلاص مما يؤدي إلى رفع معنويات الإنسان ويقوي عنده حسن الظن بالله، ويرقق المشاعر ويهيج العواطف مذكراً المسلم بماضي الإسلام التليد . وتاريخ الدعوة لأنبياء الله من لدن إبراهيم. فيصبح بذلك دواء للقلوب المريضة، تنتعش به الآمال وتشتد به العزائم وتتيقظ به الضمائر فهو بمثابة مأمن للناس تتقر فيه النفوس الحائرة وتهدأ عنده القلوب والعقول.

قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً } [ سورة البقرة: الآية 135 ].

و الحج واعظ علمي ينهى عن القبيح: فلا رفث ولا فسوق في الحج، وطريق يدرك به الخير. ولا يوجد في الإسلام أبعد مدىً وأطول يداً من الحج المبرور على صاحبه. يعود الإنسان على الصبر وتَحمُّل المشاق والمتاعب، يعلمه الانضباط والالتزام بالأوامر فيستعذب الألم في سبيل الله ويدفع إلى التضحية والإيثار .

و الحج مؤتمر عام للمسلمين، يوحد بينهم ويوثق عراهم، يؤدي إلى تعارف أبناء الأمة وتبادل المنافع المادية والمعنوية بينهم. أو ليس في لباس الإحرام البسيط ما يرمز إلى الوحدة بين كافة الشعوب والأجناس. والفقراء والأغنياء ؟

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:04 PM
مقاصد الحج الصحية



إذا كان الحج سياحة نافعة يتعرف فيها المسلم على الأماكن المقدسة، فإن الأطباء يعتبرونها رحلة استجمام وأمن واطمئنان وهدوء للأعصاب. فالحاج المؤمن يشعر أنه في رعاية الله وعنايته، فتسكن روحه وتصفو نفسه. وفي هذه الرحلة علاج لكثير من الأمراض النفسية حيث يستروح فيها المحزون الهناء ويجد لجروحه الشفاء. كما أن الأمراض النفسية _ البدنية تعنو للشفاء في رحلة الحج، وقد رأينا كثيراً من المرضى، عجز الطب عن علاجهم، حجوا وعادوا إلى ديارهم وقد استردوا صحتهم وعافيتهم

و في الحج نجد نظام الكشفية بحذافيرها، ففيه تعويد على بساطة العيش عند مبيت الحجاج في الخيام فيمنى وعرفات والمزدلفة، يعتمدون على تحضير طعامهم وجلب حاجاتهم بأنفسهم. لكن رحلة الحج تفوق نظام الكشافة بأن هذا الأخير، برنامج تدريبي جسماني، في حين أن الحج برنامج شامل جسماني وروحاني، ينشط الجسم، ويسموا بالروح

و في لباس الإحرام البسيط، راحة لأجهزة البدن، يريح باتساعه الجسم من ارتداء الملابس الصيفية التي تعوق التنفس وتعكر حركة الدم. ثم إن نشيد التلبية الرائع " لبيك اللهم لبيك.. " يفيد عند ترديده الجهاز العصبي. فقد أثبت " رولاند دافيد ": أن الأناشيد ذات اللحن المؤثر في النفس يزيد من قوة الهضم ويهدئ الأعصاب سواء للإنسان أو الحيوان.

و الطواف فيه ترويح واقتراب من المولى العظيم، فالمسلم، وهو يطوف حول البيت، يشعر أنه ليس وحيداً في هذه الدنيا، وأن هناك صلة تربطه بالقوة العظمى المهيمنة على هذا الكون فيشعر بالراحة تعم قلبه، يدعوا ربه ويناجيه، ويفضي إليه بهمومه. وهكذا يعالج الطب الحديث الأزمات النفسية، إذ ينصح الأطباء النفسانيون مرضاهم بالإفضاء إليهم _ أو إلى صديق مقرب _ بأزماتهم وما يعتلج في نفوسهم، فكيف بنا بالإفضاء بها إلى رب العالمين ومدبر شؤون الكون.

و علاوة على ما يعانيه الحاج من مشاق السفر في رحلته الطويلة فهو يمارس في مناسكه أعمالاً يمكن اعتبارها رياضة شاقة يتناوب فيها المشي والهرولة، سواء في طوافه بالبيت أو في سعيه بين الصفا والمروة ، كما رأينا في الأحاديث الصحيحة التي تصف طواف النبي صلى الله عليه وسلم وسعيه.

و يعتبر خبراء العلاج الطبيعي المشي من أنسب الرياضات الحركية وخاصة بالنسبة لكبار السن. فرياضة المشي تزيد من القدرة على استهلاك الأوكسجين الذي يقل مع كبر السن، كما يرفع من درجة الكفاءة البدنية ويقلل من نسبة كولسترول الدم ومن الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وعند ازدياد سرعة المشي _ المشي رملاً أو الهرولة _ تزداد ضربات القلب فتقوى العضلة القلبية وتنشط إفراز الغدد العرقية وطرحها للسموم، كما تزداد مرونة وقوة عضلات ومفاصل الأطراف السفلية. وتوصف هذه الرياضة أيضاً للوقاية من البدانة.

و قد أثبتت تجارب الطب الرياضي أنّ المواظبة على المشي يومياً مسافة ميلين تعمل على تنشيط الدورة الدموية وتنظيم ضربات القلب وتساعد الشريان التاجي على أداء وظيفته في تغذية القلب بكفاءة، علاوة على فائدته في خفض ضغط الدم ونسبة الدهون والكولسترول في الدم. وقد أجريت في بريطانيا دراسات مقارنة بين عمال البريد الجالسين في المكاتب، وبين زملائهم موزعي البريد، الذين يغلب المشي في طبيعة عملهم، فوجد أن إصابة فئة الموزعين بأمراض القلب أقل بكثير من إصابة أفراد الفئة الأولى.

أما المواظبة على رياضة الجري _ الهرولة _ فتؤدي إلى تقليل نسبة الدهنيات الدموية وتقوي العضلة القلبية وتنظم ضرباتها وتحسن القدرة التنفسية وزيادة التهوية الرئوية، كما أنها تساعد على إزالة حالات القلق والتوتر النفسي وتجعل النوم _ بعد مزاولتها _ طبيعياً وعميقاً وماء زمزم الذي ينهل منه الحاج مفيد ناجع. أخبرنا بذلك الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم " [ رواه ابن حبان في صحيحه، وأكد الألباني صحته في كتاب ( صحيح الجامع الصغير ) ].

و عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمل ما زمزم في الأدادي والقرب وكان يصب على المرضى ويسقيهم. [ رواه الترمذي وحسنه ].

و عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له " [ رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي، وقال الألباني: حديث صحيح ].

و في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن زمزم: " إنها مباركة إنها طعام طعم ".

قال النووي: أي أنها تشبع شاربها كما يشبعه الطعام. وقال ابن القيم: ماء زمزم سيد الماء وأشرفها وأجلها قدراً وأحبها إلى النفوس، وأنفسها عند الناس، وهو هزمة جبريل _ أي ضربها برجله فنبع الماء _ وسقيا الله إسماعيل … وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة واستشفيت بها من عدة أمراض فبرئت بإذن الله

و في الجزء الأول من كتابنا " روائع الطب الإسلامي " بحث مفصل عن " ماء زمزم " من شاء رجع إليه.

و يقدم الدكتور الغوابي النصائح الطبية التالية للراغبين بالحج:

1. ارتداء الملابس الخفيفة الفاتحة اللون _ وخاصة البيضاء _ على أن تكون فضفاضة _ غير ضيقة _ لتساعد على التهوية ولا تعيق الحركة.

2. تغطية الرأس في الحجاز أمر ضروري _ لكن طبعاً لغير المحرم _ مع تغطية الرقبة من الخلف، كأن يضع منديلاً أبيضاً، وأن ترتدي صندلاً مفتوح الجوانب دون جوارب لتهوية قدميه، ويضع نظارة سوداء على عينيه.

3. عدم السير في الشمس مطلقاً بين العاشرة صباحاً وحتى قبيل الغروب وأن يحمل معه مظلة يتقي بها الشمس إذا خرج وأن يبتعد عن الزحام قدر المستطاع.

4. أن يتناول برشامة ملئت بملح الطعام قبل الخروج من المنزل في الصباح لأن غزارة التعرق تعرضه لنقص الأملاح والإصابة بالمرض.

5. الامتناع عن تناول الأطعمة العسرة الهضم _ الغنية بالدهون _ وأن يكثر من الخضراوات والفواكه وشرب الماء.

6. الاستحمام يومياً بماء بارد، ويأتي هذا في الواقع مع تطبيق الاغتسالات المسنونة في الحج لكل نسكة فيه.

كما ننصحه بالتدريب على المشي، والمشي السريع لمدة نصف ساعة كل يوم، وخاصة إذا كانت طبيعة حياته قلة الحركة، وذلك قبل شهر من سفره على الأقل.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:05 PM
تحريم الخبائث وأثره في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:07 PM
في معنى الخبائث وأنواعها



خلق الله سبحانه و تعالى الإنسان بيده و استخلفه في الأرض ، و هو عالم بما يصلح له ، و ما يضره و ما ينفعه . فأرسل الرسل بشرائع السماء و كلها نزلت لحفظ مصالح الناس في دنياهم و لسعادتهم في أخراهم ، بما في ذلك حفظ الدين و العرض و النفس و المال و العقل . و التي سماها علماء العقيدة بالضرورات الخمس و ختمت هذه الشرائع بنبي الرحمة محمد صلى الله عليه و سلم الذي جاء بالشريعة السمحاء " الإسلام " الذي طالب بحفظ هذه الضرورات ، و حرص كل الحرص على صحة هذا الإنسان و حمايته من كل ما يتلف جسده و يفسد روحه .

و إذا كانت النصوص القرآنية ، و السنة المطهرة ، قد بينت بشكل صريح تحريم بعض الأطعمة و الأشربة لخبثها كالخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير ، فإن أشربة أخرى كالتبغ و الحشيشة والقات و غيرها لم تكن معروفة في العالم وقت التنزيل ، فلم تنزل بها نصوص صريحة خاصة بها ، لكن المشرع سبحانه و تعالى لم يترك الناس في حيرة من أمرهم ، فشريعة الإسلام صالحة لكل زمان و مكان ، فقد وضع ميزاناً دقيقاً ، يمكن لعلماء المسلمين أن يزنوا به كل مستحدث ، فقال وبكل وضوح ، كلمة وضعها كقانون علمي ثابت ، فيه كل الحكمة و كل الحق و كل الخير حين قال :

{ و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث } [ سورة الأعراف : الآية 157 ]

لقد أوجب الإسلام حفظ النفس و نهى عن قتلها أو أن يلقي بها صاحبها إلى الهلاك . قال تعالى :

{ و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } [ سورة النساء : الآية 29 ]

و قال : { و لا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة } [ سورة البقرة : الآية 195 ]

و لهذا نجد أن الإسلام عني بالجسد و النفس و أوجب تناول الحد الأدنى _ أو الضروري _ من الطعام و الشراب حفاظاً على الحياة و دفعاً للهلاك عن النفس ، و ما عدا قدر الضرورة ، يباح تناوله ما لم يكن مستقذراً و لا متعدياً على حقوق الغير و ما لم يصل إلى حد الإسراف .

فالإسراف في الطعام و الشراب يؤدي إلى التخمة و التخمة قد تؤدي إلى الهلاك أو الإصابة بعدد كبير من الأمراض كالداء السكري و النقرس و تلبك الهضم و التسممات و سواها ، فالإسراف خطر طباً و حرام شرعاً ، قال تعالى :

{ و كلوا و اشربوا و لا تسرفوا } [ سورة الأعراف : الآية 31 ]

فلم يحرم الإسلام شيئاً من المعلومات و المشروبات إلا لضرر ينجم عنها ، أو خبث محقق فيها ، و هكذا يؤكد القرآن الكريم هذا المعنى حين قال جل جلاله :

{ يسألونك ماذا أحل لهم ، قل أحل لكم الطيبات } [ سورة المائدة : الآية 4 ]

فما حرم الشارع الحكيم إلا خبائث لا يليق بالعاقل أن يتناولها ، و كما أجمعت الأبحاث الطبية الحديثة ، على الضرر البالغ من تعاطيها . و إنه لمن عظيم الإعجاز الإلهي أن تتوافق موازين الشرع ، و موازين الطب في تحريم هذه الخبائث .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً و إن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين فقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم " [ رواه الإمام مسلم و الترمذي ] .

و الطيب لغة ما تستلذه النفس ، و الخبيث ما تكرهه رداءة و خساسة . فقد جاء في لسان العرب : أن الطيب من كل شيء أفضله ، لذا يطلق الطيب على الجيد ، و يطلق الخبيث على الرديء . أما في المصطلح الشرعي فيطلق الطيّب على الحلال ، والخبيث على الحرام .

قال الأصفهاني : الطعام الطيب في الشرع : ما كان متناولاً من حيث يجوز ، و بقدر ما يجوز ، و من المكان الذي يجوز ، فإنه متى كان كذلك كان طيباً عاجلاً و آجلاً لا يستوخم .

و هذا المصطلح هو المراد من قوله تعالى :

{ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحاً } [ سورة المؤمنون : الآية 52 ]

و قوله : { قل لا يستوي الخبيث و الطيب ول وأعجبك كثرة الخبيث } [ سورة المائدة : الآية 100 ] .

و قد تأتي كلمة الطيب في القرآن يراد بها المؤمن التقي الصالح كما أن كلمة الخبيث قد يراد منها الكافر كما في قوله تعالى :

{ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } [ سورة النمل : الآية 32 ] . و قوله :

{ ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم } [ سورة الأنفال : الآية 38 ] .

و في الأطعمة و الأشربة أباح الإسلام أن يؤكل مما تنبته الأرض حلالاً طيباً . قال تعالى :

{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق } [ سورة الأعراف : الآية 32 ] . و قال :

{ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } [ سورة البقرة : الآية 168 ] .

فالنبات المأكول كله حلال ما لم يعرض له عارض من نجاسة أو سرقة و ما لم يثبت ضرره لسمية فيه أو كونه مسكراً أو مفتراً للنصوص التي وردت في ذلك . فالنجاسات كلها عموماً محرمة ، فالدم و البول و الغائط و القيح و الصديد و الميتة ، كلها نجاسات يحرم أكلها أو أكل ما تلوث بها من طعام أو شراب .

قال الإمام الرازي في قوله تعالى : { و يحرم عليهم الخبائث } [ سورة الأعراف : الآية 157 ] و هذا يقتضي تحريم كل النجاسات ، و النجاسات خبائث فوجب تحريمها ثم إن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات . و لقول النبي صلى الله عليه و سلم في الفأرة تقع في السمن و تموت فيه : " إن كان جامداً فألقوها و ما حولها ، و إن كان مائعاً فأريقوه " [ رواه البخاري عن ميمونه رضي اله عنها ] .

و أن تحريم النجاسة كما يقتضيه الدليل الشرعي فإن الطب و فن الصحة يؤيدان ذلك لأن ما يحكم الشرع عليه بالنجاسة هو غالباً مصدر للعدوى بالأمراض الانتانية و الطفيلية لما يحتويه من كم هائل من الجراثيم و الطفيليات و بيوض الديدان ، كالميتة و الغائط ، أو لأنه وسط صالح لنمو الجراثيم فيه ، يغذيها و يسهل تكاثرها و نموها كالدم و البول .

و الخمر أم الخبائث . نص القرآن على تحريمها و جاءت السنة النبوية لتعلن على لسان النبي صلى الله عليه و سلم كل من ساهم في صنعها و بيعها و نقلها . و قد كتب أطباء الغرب آلاف آلاف الصفحات يحذرون من مخاطر شربها . ففي كتاب " أطباء الغرب يحذرون من شرب الخمور ينقل المؤلف عن مجلة لانست ما نصه : إذا كنت مشتاقاً إلى الخمر فإنك حقاً ستموت بسببه ، إن أكثر من 200 ألف شخص يموتون سنوياً في بريطانيا وحدها بسبب الخمر ، و قد أجمعت تقارير الكلية الملكية البريطانية أن الخمر لا يترك عضواً من أعضاء الجسم إلا أصابه بأذى .

و حرمت كل أنواع المخدرات كالحشيشة و الهيروئين و الأفيون و المورفين و سواها لاشتراكها مع الخمور في تغييب العقل حرصاً من المشرع على حفظه و سلامته . و حرم التدخين لما أكده الطب من أنه انتحار بطيء لتجرع متعاطيه لعدد من السموم لابد من أن تفعل فعلها في العضوية إن عاجلاً أو آجلاً .

و حرمت الميتة و الدم المسفوح و لحم الخنزير في نص قرآني واحد حيث قال تعالى :

{ حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به } [ سورة المائدة : الآية 3 ] .

فالحيوان الذي يموت حتف أنفه لمرض أو هرم أو لحادث عرض له كدهس و طعن هو ميتة محرمة ، و إن الطب و الذوق السليم يؤيدان بقوة تحريمهما فإن احتباس دم الميتة و سرعة تفسخ لحمها ملحظان في التحريم يغلب وجودهما في سائر أنواع الميتة .

إذ يؤكد العالم " وايلز " : أن عدم استنزاف دم الحيوان عند ذبحه يجعله غير صالح للأكل ، لأن وجود السائل الدموي في الأوعية ييسر للجراثيم أن تنتشر وسط اللحم بسرعة .

كما يؤيد الطب الحديث تحريم الدم و خبثه لأن الدم يحمل سموم و فضلات الاستقلاب من أنسجة البدن كالبولة Urea و حمض البول Uric Acid و غاز الكربون و غيرها ، و إن الإنسان إذا ما تناول كمية كبيرة من الدم ارتفعت نسبة البولة في دمه و هذا يؤدي إلى اعتلال دماغي خطير ، كما أن الدم وسط صالح لنمو و تكاثر الجراثيم . فحري بالعاقل أن يبتعد عن مصدر الأذى و يجتنبه ، وإنما جاء الإسلام ليذكره في كل مرة يحاول أن يؤذي نفسه بجهله و استكباره . و استثنى العلماء من التحريم نقل الدم للضرورة لإسعاف مصاب بنزوف شديدة و سواها .

و أما لحم الخنزير فقد أكد النص القرآني على أنه رجس . قال تعالى :

{ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس } [ سورة الأنعام : الآية 145 ]

و الرجس هو القذر و النجس . و قد توصلت الأبحاث الطبية الحديثة إلى نتائج مدهشة حول أضراره إذ أكدت أن الخنزير يصاب بأكثر من 450 مرضاً أكثرها وبائي ، و أنه يقوم بدور الوسيط لنقل أكثر من 57 مرضاً بعضها مهلك للإنسان ، هذا عدا عن نوعية لحمه و شحمه التي تسبب تليف الكبد و تصلب الشرايين و ضعف الذاكرة و العقم .

و يؤكد البروفيسور Ruffo أن الوجبة الدسمة الحاوية على لحمه تعتبر حجر الأساس في التحول السرطاني للخلايا لاحتوائها على هرمون النمو .

و على هذا فما يحرمه الشرع من الأطعمة و الأشربة يدعى خبيثاً ، و ما منها إلا و قد أثبت الطب فيه الضرر و الأذى . إلا أن الشرع قد حرم بعضها لخبث معنوي يعود تقديره للحق سبحانه و تعالى وحده فيما أمر و نهى ، و ذلك إما حفاظاً على سلامة عقيدة المسلم كتحريم الذبائح التي ذبحت لغير الله سبحانه ، كالتي تذبح لصنم أو وثن ، و ذبيحة المجوسي و عابد الوثن ، و ما لم يذكر اسم الله عليها ، أو حفاظاً على سلامة العبادة في الحج و العمرة كتحريم الصيد على المحرم ، أو لتعلق حق الغير بها كالطعام المسروق و المغتصب و الطعام المكتسب بقمار و بغاء ، و هذه إذا كان خبثها المعنوي هو الواضح في علة التحريم ، فخبثها المادي يتجلى أيضاً بما يحدثه طريق الوصول إليها من خلل في نظام المجتمع قد يصل إلى قتل النفس و تدميرها ، أو اعتداء على الأعراض و الأموال و سواها .

و يحرم عند الجمهور أكل لحوم الحيوانات المفترسة كالوحوش من أسد و نمر و ذئب و فهد ، فقد جاء في الموسوعة الفقهية عن الحنفية قولهم : إن كل دابة لها ناب مفترس لا تحل سواء كانت أهلية كالسنور الأهلي و الهر و الكلب أم وحشية كالذئب و الضبع و الثعلب و سواها .

و استثنى الحنابلة الضبع من التحريم ، كما استثنى الشافعية من التحريم الضبع و الثعلب و السنجاب محتجين بأن أنيابها ضعيفة ، و قال الماكلية بكراهة أكل لحوم الحيوانات المفترسة .

و الطيور الجارحة يحرم أكلها عند الجمهور ، أي ذوات المخلب من الطير كالصقر و الباز و النسر و أباحها المالكية .

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن كل ذي ناب من السباع ، و عن كل ذي مخلب من الطير . [ رواه الإمام مسلم و أبو داود و اللفظ لمسلم ] .

و عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع . [ رواه البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و أبو داود و مالك في الموطأ . متفق عليه ] .

كما حرمت لحوم الكلاب لما يرويه رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " الكلب خبيث ، خبيث ثمنه " [ رواه مسلم و الترمذي ] .

و يرى الدكتور محمود ناظم النسيمي أنه لم يجد حقائق طبية قاطعة حتى اليوم لعلة تحريم لحوم السباع ، إلا ما ثبت من مقاصد صحية في نقل الكلاب و الذئاب و بنات آوى لعدد من الأمراض الخطيرة و خاصة داء الكيسات الكلبية .

و يضيف الدكتور محمود ناظم النسيمي أن الحكمة من تحريمها قد تكون لدفع خطرها عن الإنسان لوحشيتها . إلا أن الدراسات العلمية الحديثة أثبتت أن الإنسان عندما يتناول دهون الحيوانات آكلة العشب فإنها تستحلب في أمعائه و تتحول في جسمه إلى دهون إنسانية . أما عندما يتناول دهون الحيوانات آكلة اللحوم فإن استحلابها عسير في أمعائه و إن جزئياتها تمتص كما هي و تترسب في أنسجة الإنسان كدهون حيوانية مؤذية .

و ينقل الصيدلاني محمد فتحي الحريري أن منظمة الصحة جندت حملات للقضاء على الثعالب عام 1977 بعد أن ثبت أنها حلقة وصل في الإصابة بداء الكلب ، و الذي تنقله في الأصل الكلاب المسعورة .

كما يؤكد أن العلم قد أثبت اليوم ، و بعد تطور النظرية الوراثية و تطور الجينات إلى تأثر الآكل بطباع المأكول ، إذ من المعلوم في أوربا أن كثيراً من محترفي الملاكمة و المصارعة يقومون بتناول لحوم الضواري _ الحيوانات و الطيور المفترسة _ لتزداد شراستهم و قسوتهم و عنفهم .

و هذا ما نلحظه في الحديث عن أبي هريرة عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ..... و الفخر في الخيل و الإبل و الفدادين أهل الوبر و السكينة في أهل الغنم " [ رواه البخاري و مسلم ] .

يقول العلامة ابن خلدون في تاريخه : أكلت الترك لحوم الخيل ففشت فيهم الفروسية ، و أكلت العرب لحوم الغنم و الإبل ففشى فيهم الحلم و الصبر ، و أكلت الفرنجة لحوم الخنزير ففشت فيهم الدياثة .

و يحرم عند الجمهور أكل لحم الحمر الأهلية لما رواه الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية و أذن في الخيل .

و في رواية النسائي : أكلنا زمن خيبر الخيل و حمر الوحش ، و نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن الحمار الأهلي .

و في رواية أبي داود : ذبحنا يوم خيبر الخيل و البغال والحمير ، و كنا قد أصابتنا مخمصة ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن البغال و الحمير و لم ينهانا عن لحوم الخيل .

و لما رواه الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها ، فلما غلت بها القدور ، نادى منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أن اكفؤوا القدور و لا تأكلوا من لحم الحمر شيئاً " .

أما البغال فهي محرمة عند الشافعية و الحنابلة لأنها متولدة من أحد أصلين ، الحمار ، و هو محرم .

و يرى النسيمي أن الحمير الأهلية إنما حرمت لحفظ مصالح الناس لأنها آلة حمولتهم منذ القديم ، أما الحريري فينقلنا مرة أخرى إلى نظرية تأثر الآكل بطباع المأكول ، فقال : إن ما قيل عن دياثة الخنزير و خسة طبعه ، يقال أيضاً عن الحمير الأهلية _ لكن من جانب آخر _ فالحمار يتصف بصفتين تجعلانه في قائمة المحرمات الشرعية ، أكلاً لا انتفاعاً .

1. الحمار من أكثر الحيوانات غباءً و بلادة و حمقاً ، و قد ندد الله سبحانه و تعالى بصوته و بغبائه فقال تعالى :

{ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } [ سورة لقمان : الآية 19 ] .

و قال : { مثل الذين حُّملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً } [ سورة الجمعة : الآية 5 ] .

2. الحمار حيوان وقح شهواني شبق لدرجة أن لا يرعوي عن مواقعة أنثاه في قارعة الطريق على عكس الجمل و الخروف مثلاً .

أما الخيل فهي مباحة عند الشافعية و الحنابلة ، و كرهها الحنفية ، و حرمها المالكية لأنها آلة الجهاد .

و لا يحل أكل الضفدع عند الجمهور _ عدا المالكية _ لنهي النبي صلى الله عليه و سلم عن قتلها [ عن عبد الرحمن بن عيان رضي الله عنه : أن طبيباً سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها . رواه أبو داود و النسائي ] و قاسوا عليها كل الحيوانات البرمائية .

عن عبد الرحمن بن عيان رضي الله عنه : أن طبيباً سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها . [ رواه أبو داود و النسائي ] .

كما يحرم أكل حشرات الأرض كالعقرب و الثعبان و الفأرة و الجرذ و سواها لاستخباث الطباع السليمة لها ، و للأذى أو السمية التي يلحقها بعضها بالإنسان و لما تنقله من عوامل الأمراض الفتاكة لبني البشر كالطاعون و التيفوس و غيرها .

و الدابة التي أغلب طعامها النجاسة تدعى " الجلالة " و قد قال الحنابلة بحرمة أكل لحمها ، أما الشافعية و الحنفية فقالوا بكراهتها .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن أكل الجلالة و ألبانها . [ رواه أحمد و الترمذي و قال حديث حسن غريب ] .

و عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية و عن ركوب الجلالة و أكل لحمها . [ رواه أحمد و النسائي و أبو داود ] .

أما ما لا نص فيه من الحيوان من كتاب أو سنة أو إجماع ، و لا ورد فيه أمر بقتله أو عدم قتله ، فقد قال الشافعية و الحنابلة بإباحته إن استطابه أهل يسار و طباع سليمة من أكثر العرب ، لقوله تعالى :

{ و يحل لهم الطيبات } [ سورة الأعراف : الآية 157 ] .

و لأن العرب هم الذين نزل عليهم الكتاب و خوطبوا به و بالسنة فيرجع في مطلق ألفاظها إلى عرفهم و ذوقهم .

و الأشياء الضارة التي ثبت ضررها و لا نص في تحريمها ، و السموم في غير التداوي ، كلها حرام لعموم النص ، قال تعالى :

{ و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [ سورة البقرة : الآية 195 ] .

و لقوله صلى الله عليه و سلم : " لا ضرر و لا ضرار " .

فما ثبت ضرره ثبتت حرمته . يقول العلامة مصطفى الزرقا : الظاهر أن ما يغلب على الظن ضرره يحرم ، و ما يشك فيه أن يكون ضرره خفيفاً ، يكره ، فليتأمل .

صدق الله ، فما حرم علينا إلا كل خبيث ضار ، و ما أباح لنا إلا الطيب النافع ، إلا أنه من الواجب على المؤمن أن يتحاشى تناول ما حرم الله من المطعومات و المشروبات طاعة لله سبحانه العليم الخبير ، أدرك الحكمة أو العلة من التحريم أم لم يدرك ، مسلّماً بأن تلك المحرمات ، إنما حرمها الخالق ، المصور لهذا الإنسان ، العليم بما يضره و ما ينفعه ، تصديقاً و امتثالاً لقوله تعالى :

{ و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث } [ سورة الأعراف : الآية 157 ] .

و إذا كان الطب الحديث قد تمكن مع تطور وسائله اليوم ، و بعد مئات من السنين على تنزيل القرآن و البعثة المحمدية أن يحكم على مطعوم أو مشروب بأنه ضار بالصحة ، مهلك للجسد يجب تجنبه ، فإن المؤمنين الذين صدقوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه و سلم قد تجنبوا ذلك الضرر ، بمجرد طاعتهم لله و تنفيذ أوامره ، لكن هذه الاكتشافات قد زادتهم يقيناً بدينهم و قامت بها حجة الله على الجاحدين .

و نحب أن نؤكد هنا أننا إذا تمكنّا من معرفة حكم ما ، ظنناها علة التحريم لمحرم ما ، فهذا لا يعني أنه لا توجد حكمة أخرى قد يكتشفها العلم في المستقبل ، فقد تكون هي و قد يكون غيرها ، و حتى إذا أمكن بحسب الظاهر التحرز عن ذلك الضرر بوسيلة ما ، لا يقوم جاحد ليدّعي أن ذلك المحرم أصبح حلالاً بعد أن كان حراماً .

لذا يجب علينا أن نعلم بأن في كل أمر أو نهي لله عز و جل _ مع الحكم التي يلحظها العلم _ حكمة تعبدية خالصة : و هي طاعة الله و تقواه بتنفيذ أوامره و نواهيه ، مستسلماً لشرعه ، ليزداد نورانية في طاعة مولاه ، و يعلو مقامه في درجات القبول عند الله .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:11 PM
الميتة ... أولى الخبائث المحرمة



قال تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه } [ سورة البقرة : الآية 173 ] .

و قال تعالى : { حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به و المنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطحية و ما أكل السبع ، إلا ما ذكيتم و ما ذبح على النصب .... } [ سورة المائدة : الآية 2 ] .

الميتة لغة هي ما فارقته الحياة . و في الاصطلاح الشرعي : هي ما فارقته الحياة من غير ذكاة مما يذبح ، و ما ليس بمأكول فذكاته كموته كالسباع و نحوها . و استثنت السنة ميتة البحر من سمك و حوت و كذا الجراد .

و المنخنقة : هي التي تموت خنقاً ، , هو حبس النفس ، سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها بحبل أو بين عودين و نحو ذلك و يلحق بها م ا مات ردماً أو غرقاً أو باستنشاق غازات خانقة .

و الموقوذة : التي تُرمى أو تُضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية يقال : وقذاً وقذاً فهو وقيذ .

عن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمعراض [ المعراض سهم بلا ريش و لا نصل و إنما يصيبه بعرضه دون حده ] الصيد فأصيب ، فقال : " إذا رميت بالمعراض فخرق فكله و إن أصابه بعرضه فلا تأكله فإنه وقيذ " [ رواه مسلم ] .

و المتردية : هي التي تتردى من العلو إلى الأسفل فتموت ، كان ذلك من جبل أو في بئر و نحوه ، , المتردية متفعلة من الردى و هو الهلاك .

و النطيحة : هي الشاة التي تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تذكى .

و ما أكل السبع : يريد كل ما افترسه ذو ناب أو أظفار من الحيوان كالأسد و النمر و الضبع و الذئب و نحوها ، و هذه كلها سباع .

إلا ما ذكيتم : نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور ، , هو راجع على ما أدرك ذكاته من المذكورات و فيه حياة ، فإن الذكاة عاملة فيه .

فالحيوان قد يموت هرماً حتف أنفه أو لمرض أو لما يتعرض له من خنق أو سقوط من شاهق أو لتعدي حيوان أقوى . أو نتيجة ذكاة ناقصة لم تستكمل شرائطها الشرعية فتعتبر ميتة أيضاً ، و قد يتعدد سبب الوفاة و قد نص القرآن الكريم على أنها كلها من الخبائث و حرم أكلها .

نجاسة الميتة :

ثبت بالإجماع أن ميتة الحيوان البري _ غير الآدمي _ نجسة لذاتها إذا كان له دم يسيل عند جرحه ، بخلاف ميتة الحيوان البحري فإنها طاهرة لقول النبي صلى الله عليه و سلم عندما سئل عن ماء البحر : " هو الطهور ماؤه ، الحِلُّ ميتته " .

و اختلف في نجاسة الحيوان البري الذي ليس لهد م ذاتي يسيل عند جرحه ، فقال الشافعية بنجاسته ، غير أنه عفي عن قليله إذا سقط في الماء . و قال الجمهور بطهارته .

إن الطب و الذوق السليم يؤيدان بقوة تحريم الميتة فإن احتباس دم الميتة و سرعة تفسخ لحمها ملحظان في التحريم يغلب وجودهما كما سنرى ، في سائر أنواع الميتة

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:13 PM
التذكية الشرعية



و هي ذبح الحيوان ضمن شروط مخصوصة ليحل أكله و هي نوعان اختيارية و اضطرارية .

فالتذكية الاختيارية : هي الذبح أو النحر و هي شروط لحل جميع الحيوانات المأكولة عد السمك و الجراد . و السنة في الغنم و الطير الذبح و في الإبل العقر و يجوز في البقر الذبح و النحر .

و التذذكية الاضطرارية و هي قتل الحيوان البري صيداً بالعقر أو الجرح لعدم إمكانية إمساكه و ذبحه ، و قد أباحها الشارع حتى يدفع عن الناس الحرج في تدارك رزقهم . و مع ذلك فإن الحيوان المقتول صيداً ، إذا أدرك و فيه حياة مستقرة و جب ذبحه _ التذكية الاختيارية _ .

و الأعضاء الواجب قطعها عند الذبح : المريء و الحلقوم و الودجان ، و قال الحنفية بوجوب قطع ثلاث منها ، و قال المالكية بوجوب قطع الحلقوم و الودجين دون المريء . و يشترط لصحة الذبح النية و قصد الأكل . و التسمية واجبة عند الجمهور ، وقال الشافعية أنها سنة .

و يشترط في الذابح أن يكون مميزاً ، مسلماً أو كتابياً ، فلا تحل ذبيحة المجوسي و الوثني و المرتد ، و يشترط لآلة الذبح أن تكوم محددة : أي لها حد يجرح .

يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما أنهر الدم و ذكر اسم الله عليه فكلوه " [ رواه البخاري و مسلم عن رافع بن خديج ] .

و يشترط في الذبيحة وجود الحياة المستقرة قبل الذبح إذا كان هناك سبب يؤدي بالحيوان إلى الموت . فإذا جرح أو سقط من شاهق أو ضرب بمثقل و بقيت به حياة مستقرة فذبح حلَّ . و يقصد بالحياة المستقرة ما يوجد معها من الحركة الاختيارية بقرائن يترتب عليها غلبة الظن بوجود الحياة . و من أماراتها انفجار الدم بعد قطع الحلقوم ، أو ظهور حركة شديدة .

و يسن للذبح التسمية _ عند من لا يوجبها _ و التكبير و أن يكون نهاراً و أن يتوجه الذابح و الذبيحة نحو القبلة ، و إضجاعها على شقها الأيسر و رأسها للأعلى ، , قطع الأوداج كلها و احداد الشفرة والإسراع بالذبح رفقاً بالبهيمة .

يقول النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، و ليحد أحدكم شفرته و ليرح ذبيحته " [ رواه مسلم ] .

و حينما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً يحد شفرته أما مرأى منه نهاه و قال : " أتريد أن تميتها موتتان ؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها " [ رواه الحاكم عن عبد الله بن عباس ، و قال : صحيح على شرط البخاري ، و صححه الألباني في " صحيح الجامع الصغير " ] .

و يجب أن نعلم أن الذبح بهذه الطريقة أمر تعبدي ، و هو شرعة الله التي شرعها لنا لا يجوز لنا أن نحيد عنها . و إن اختلال أي شرط من شروط التذكية يجعل الحيوان ميتة محرمة ، و إن سال دمه و ذكر اسم الله عليه . و قد نهى الشارع عن أكل الشريطة و هي الدابة التي تذبح فيقطع الجلد و لا تفرى الأوداج ثم تترك لتموت ، فإن فيها تعذيباً للحيوان حيث يطول الأمد بين ذبحه و زهق روحه ، و لا يستزف فيها معظم دم الحيوان .

عن ابن عباس و أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا تأكل الشريطة فإنها ذبيحة الشيطان " [ رواه الإمام أحمد ] .







أهمية التذكية الشرعية و الحكمة منها :

كما يحمل الدم غذاء الجسم فإنه يحمل فضلاته و سمومه ، و تقوم كرياته البيضاء ضمن البدن الحي بابتلاع الجراثيم ، هذه الأعمال الدفاعية تتوقف تماماً عند فقدان الحياة ، و يصبح الدم بتركيبه من أصلح الأوساط لنمو الجراثيم و تكاثرها ، لذا كان استنزاف دم الحيوان حين ذبحه من الأمور الضرورية من الناحية الطبية .

ذكر العالم " وايلز " أن عمد استنزاف دم الحيوان عند ذبحه يجعله غير صالح : لأن وجود السائل الزلالي في الأوعية ضمن لحم الذبيحة ييسر للجراثيم أن تنتشر بسرعة وسط اللحم .

و هذه ظاهرة لاحظها أسلافنا العظام حيث كتب الإمام الرازي ما نصه : و اعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول ، لأن الدم جوهر لطيف جداً ، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه ، و تعفن و فسد و حصل من أكله مضار عظيمة .

و لقد أثار بعض الباحثين الغربيين نقاط هجوم على طريقة الذبح الإسلامي بدافع من تحيز واضح أو جهل مطبق ، حيث ادّعوا في ندوة أقيمت للرفق بالحيوان أن قطع الرقبة حتى بالآلة الحادة ينجم عنه ألم شديد ، و أن المخ يرسم كهربياً فترة حياة للذبيحة تزيد عن 30 ثانية و أن النزف الكامل للذبيحة أقرب إلى المستحيل إلى غير ذلك من الافتراءات .

و قد قام الدكتور مصطفى محمود حلمي و زملاؤه ببحث علمي دقيق للرد على الافتراءات . و أجروا تجارب شملت دراسة الذبح الإسلامي و مقارنته مع طرق الذبح المعتمدة في كثير من البلدان الأوربية كالصعق الكهربائي و التخدير بغاز الفحم و غيرها .

و ذلك بدراسة الوقت الذي يستغرقه النزف و نسبته و فترة الحياة بدءاً من الذبح حتى تمام الموت ، و طول مدة و درجة وعي الحيوان . و قدمت النتائج العلمية براهين مستمدة من تخطيط المخ الكهربي ، و قياس معدلات الضغط الدموي و التنفس ، كلها تؤكد على أن التذكية الشرعية _ الذبح الإسلامي _ يقدم طريقة مقنعة علمياً و إنسانياً و تتضمن أفضل نزف للدم من الذبيحة .

و من وضع الحيوان أثناء ذبحه فقد قدمت البراهين التشريحية أن يشتمل ضمن أهميته منع سحب السبانتين و حدوثاً سريعاً للوفاة ، و أنها طريقة تتفق مع خصائص التوزع الطبوغرافي لنهايات الأعصاب الحسية .

و بمقارنة نسبة النزف بين ذبائح الطرق المختلفة ، أثبتت طريقة الذبح الإسلامي تفوقاً واضحاً في ضمان خروج نسبة أكبر من الدماء من جثث الذبائح ، و هذا من أهم متطلبات الذبح . حيث يضمن فترة صلاحية أطول للحوم مع طعم شهي . كما أكد البحث أنه لا يمكن القطع بمعاناة الحيوان اعتماداً على مراقبته أو تصويره .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:14 PM
فساد لحم الميتة :

تنفذ الجراثيم إلى الميتة من الأمعاء و الجلد و الفتحات الطبيعية ، لكن الأمعاء هي المنفذ الأكثر أهمية لأنها مفعمة بالجراثيم ، لكنها أثناء الحياة تكون عرضة للبلعمة و لفعل الخمائر التي تحلها . أما بعد موت الحيوان فإنها تنمو و تحل خمائرها الأنسجة و تدخل جدر المعي و منها تنفذ إلى الأوعية الدموية و اللمفاوية .....

أما الفم و الأنف و العينين و الشرج فتصل إليها الجراثيم عن طريق الهواء أو الحشرات و التي يمكن أن تضع بويضاتها عليها . أما الجلد فلا تدخل الجراثيم عبره إلا إذا كان متهتكاً كما في المتردية و النطيحة و ما شابهها . و إن احتباس دم الميتة ، كما ينقص من طيب اللحم و يفسد مذاقه ، فإنه يساعد على انتشار الجراثيم و تكاثرها فيه .

و كلما طالت المدة بعد هلاك الحيوان كان التعرض للضرر أشد عند أكل الميتة ، لأن تبدل لحمها و فساده يكون أعظم . إذ أنه بعد 3 - 4 ساعات من الموت يحدث ما يسمى بالصمل الجيفي _ التيبس الرمي _ حيث تتصلب العضلات لتكون أحماض فيها كحمض الفسفور و اللبن و الفورميك ، ثم تعود القلوية للعضلات فيزول التيبس و ذلك بتأثير التعفنات الناتجة عن التكاثر الجرثومي العفني التي تغزو الجثة بكاملها .

هذا و ينشأ عن تفسخ و تحلل جثمان الميتة مركبات سامة ذات روائح كريهة ، كما أن الغازات الناتجة عن التفسخ تؤدي إلى انتفاخ الجثة خلال بضع ساعات ، و هي أسرع في الحيوانات آكلة العشب من إبل و ضأن و بقر و غيرها ، كما تعطي بعض الجراثيم أثناء تكاثرها مواد ملونة تعطي اللحم منظراً غير طبيعي و لوناً يميل إلى الخضرة أو السواد ، و قوامه ألين من اللحم العادي ، كما أن مذاقه يصبح مثيراً للقرف .



الميتة بمرض :

قد تصاب البهائم بمرض جرثومي يمنع تناول لحمها ، ولو كانت مذكاة ، فتحرم لخبثها و أذاها ، كما يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي . و تكون الحرمة أشد فيما لو مات الحيوان بذاك المرض لانتشار الجراثيم في جثته عن طريق الدم المحتبس و تكاثرها بشدة و زيادة السمية و أهم هذه الأمراض :

1. الرعام : و أكثر ما يصيب الخيل و قد ينتقل للإنسان مسبباً ظهور تقرحات جلدية و بؤر التهابية في الرئة و تقرحات في المناخير و الرغامى و يجب إتلاف اللحم من حيوان ميت بهذا المرض خشية تلوثه بجراثيم هذا المرض المهلك .

2. السل : كثير التصادف في البقر ثم الدواجن من الطيور ، و قليل في الضأن و توصي كتب الطب بإحراق جثة الحيوان المصاب بالسل الرئوي و سل الباريتوان ، و كذا إذا وجدت الجرثومة في عضلات الحيوان أو عقده اللمفاوية .

3. الجمرة الخبيثة : الحيوان الذي يصاب بالجمرة يجب أن لا يمس ، و أن يحرق و يدفن حتى لا تنتشر جراثيمه ، و تنتقل العدوى إلى الحيوانات و إلى البشر . و اللحم المصاب يحمل صفات اللحم النزفي حيث تشاهد بقع فرفرية أو زرقاء .

4. الانتان بالسلمونيات : صحيح أن هذه الجراثيم تموت بحرارة الطبخ لكن ذيفاناتها لا تتلفه الحرارة ، مما يجعل أكل اللحم المصاب مؤدياً إلى تسمم آكله . و السلمونيات تتكاثر بسرعة في أمعاء الآكل مسببة له انسماماً حاداً على شكل تخمة حادة ، أو بشكل هيضي أو تيفي .

5. داء الكلب : الحيوان الذي يموت بداء الكلب يجب أن يحرق رغم أن أكل لحمه لا يؤدي إلى العدوى ، لكن الجراثيم المختلطة بأشلائه يمكن بتماسها مع أي خدش أو جرح في يد الجزار أو الطاهي أن تنتقل مؤدية للعدوى .

هذا و لا يمكن معرفة سبب موت الحيوان _ حتف أنفه _ إلا بعد تشريح جثته ، و تحليلها ، إلا أنه يكفي _ و قد مات الحيوان لهرم أو مرض و فيه دماؤه _ محتضنة لجراثيم المرض الذي سبب موته _ و معها ذيفاناتها و سمومها التي تمتلئ الجثة بها _ أن تصبح الميتة من الحيوان خطرة على آكلها ، لذا عدها الله سبحانه و تعالى من أولى المحرمات من المطعومات .



الميتة هرماً :

كلما كبر سن الحيوان تصلبت عضلاته و تليفت و أصبحت عسرة الهضم ، علاوة على احتباس الدم في الجثة الميتة مما يجعل لحمها أسرع تفسخاً .

كما أنه لا يمكن مطلقاً من غير إجراء تحليل لجثة الميتة من التأكد من أن سبب الموت محصور بالهرم دون أن يضاف إليه إصابة الحيوان بمرض جرثومي أو انسمامي .



الميتة اختناقاً :

الاختناق انعصار الحلق بما يسد مسالك الهواء . و من علاماته احتقان الملتحمة في عين الدابة ، و وجود نزوف تحتها و جحوظ العينين و زرقة الشفتين , وجود احتقان رئوي و زبد رغوي فيها ،, كذا احتقان معظم الأحشاء .

و يؤكد علم الصحة عدم صلاحية المنخنقة للأكل لفساد لحمها و تغير شكله إذ يصبح لونه أحمر قاتماً ، , يرى مسوداً عند قطعه ، لزج الملمس ، و ذو رائحة كريهة ، و الاختناق يسرع في تعفن الجثة .



الميتة دهساً أو رضاً :

و هي أنواع أشار إليها القرآن الكريم بقوله :

{ و الموقوذة و المتردية و النطيحة } [ سورة المائدة : الآية 3 ] .

أما ما أكل السبع ، فقد يميتها رضاً أو خنقاً ، و كلها ينحبس الدم في جثتها ، علاوة على أن الرضوض تجعل الدم ينتشر تحت الجلد و داخل اللحم و الأنسجة المرضوضة ، لذا يسود لون اللحم و يصبح لزجاً كريه الرائحة غير صالح للأكل . و يزيد الطين بلة انتشار الجراثيم من خلال السحجات و الأنسجة المتهتكة ، فتنتشر بسرعة خلال اللحم المرضوض ، و تتكاثر فيه بسرعة و تعجل تحلله و فساده .

و يرى الدكتور محمود ناظم النسيمي أنّ من أسباب تحريم الموقوذة ، أن تكون عقوبة للفاعل الذي يقسو على الحيوان فيميته ضرباً ، فحرم أكل لحمه لتأديبه و لتنبيه المجتمع إلى إنكار فعله .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:15 PM
مناقشة لطرق الذبح الحديثة :

1. الصعق الكهربائي :

و يغلب أن يموت الحيوان فيه قبل الذبح بسبب الصدمة الكهربائية التي تؤدي إلى توقف التنفس بالنهي العصبي أو إلى توقف القلب لإصابته بالتليف أو إلى الأمرين معاً .

و يرى بعضهم أن الموت يحصل نتيجة الرجفان البطيني الذي يصيب القلب قبل توقفه النهائي و هي طريقة تقتل الحيوان بسرعة و لكنه يموت بحكم المنخنقة و تبقى كمية كبيرة من الدماء في أنسجته ، كما تنطلق نتيجة الصدمة كمية كبيرة من الهستامين في أنسجته تؤدي لإصابة آكليها بعدد من الأمراض التحسسية .

2. ضرب رأس الحيوان بمثقلة :

حيث يحدث لدى الحيوان ارتجاج دماغ يتبعه غيبوبة ثم يذبح ، و هي طريقة محرمة لتعذيب الحيوان فيها و تعريضه لقسوة لا مبرر لها كما يقول الدكتور وهبة الزحيلي .

و إن كان ذلك لا يمنع من أكل الحيوان بعد ذبحه إذا ظلت فيه حياة مستقرة بعد ضربه أو بعد الصعق الكهربي .

3. إطلاق قذيفة نارية :

أو سهم على شكل دبوس على رأس الحيوان يؤدي لإحداث جرح مميت ، و هي طريقة سهلة ، لكن الذبيحة في حكم الموقوذة المحرمة ، , تحتفظ بكامل الدم و طعم لحم غير مستحب .

4. استخدام غاز الكربون :

و ذلك لتدويخ الحيوان و إفقاده لوعيه قبل ذبحه و فيها أيضاً عدم إمكانية استنزاف كامل الدم و طعم اللح غير مستساغ تماماً .

و يرى الدكتور وهبة الزحيلي أنه يحل التخدير بغاز الكربون إذا لم يضر باللحم بالشرط السابق و هو غلبة الظن ببقاء الحياة .

و يرى الدكتورمحمود ناظم النسيمي أن هذه الطرق جميعها ، إذا لم يمت الحيوان بالصدمة الأولى و استمر القلب في حركته فهناك فرصة قصيرة من الوقت لإجراء ذبحه و إراقة دمه قبل موته ، فإذا أهملت مات الحيوان خنقاً و حرم .

لكن الأغلب أن يحصل الموت قبل الذبح ، عندها فإن الذبح الصوري بعدها لا يسيل من دمائها إلا القليل و لا يحل لحمها . على هذا فذبائح المسالخ في الغرب خليط من ذبائح شرعية و أخرى صورية هي ميتة نجسة لا يحل أكلها . و هذا حكم ينطبق على كافة المعلبات المستوردة من تلك البلدان .

و خلاصة القول فإن الطريقة الإسلامية في الذبح أو ما يسمى " بالتذكية الشرعية " و ذلك باضجاع الحيوان على شقه الأيسر و تثبيت ثلاثة من أطرافه ثم التسمية و التكبير و الذبح بقطع الحلقوم و المريء و الودجان : هي الأفضل صحياً و التي تؤدي إلى موت سريع للحيوان و إفراغ أكبر قدر من دمائه ، , يجعل اللحم ذو صلاحية لفترة أطول و ذو طعم أكثر استساغه .

و أمر هام آخر هو أن اتباع البلاد الغربية المتقدمة لطرق الذبح غير الشرعي ليس دليلاً على أنه موافق للقواعد الصحية العليا . فكم من وصايا صحية تقررها كتبهم العلمية و لا تطبقها مجتمعاتهم .

فكل كتب الطب الوقائي و علماء الصحة تنادي برر الخمر و التبغ ، لكننا نجد أن خبراء الاقتصاد عندهم يرون في صناعة الخمر و التبغ مصدراً من مصادر الدخل القومي ، فتبقى القوانين المبيحة و الواقع الذي لا يتماشى مع علم الصحة .

و هكذا فإن أبحاثهم الصحية تؤكد أن استنزاف دم الحيوان جيداً عند الذبح هو أطيب للحم و أبعد له عن الفساد . ثم تجدهم يذبحونه آلياً بعد موته و بطريقة لا تستنزف معظم دمائه ، و هذا التناقض يحدث في كل التشاريع غير الإلهية . فتبارك من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:17 PM
تحريم الدم بين الطب والإسلام



قال تعالى : { قل لا أجد في ما أوجي إلي محرماً علي طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به ، فمن اضطر غير باغٍ و لا عادٍ فإن ربك غفور رحيم } [ سورة الأنعام : الآية 145 ] .

و قال تعالى : { إنما حرّم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغٍ و لا عادٍ فلا إثم عليه } [ سورة البقرة : الآية 173 ] .

يقول الدكتور وهبة الزحيلي : الدم المسفوح أي الدم المهراق السائل الذي يجري و يتدفق من عروق المذبوح .

قال ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام و هي أحياء و ما يخرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد و الطحال و لا الدم المختلط باللحم ، و لا ما تبقى في العروق من أجزاء الدم .

و قال القرطبي : اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل و لا ينتفع به . و ينقل عن ابن خويز منداد قوله : و أما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ، و الذي تعم به البلوى هو الدم في الحم و عروقه .

روت عائشة رضي الله عنها قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل و لا ننكره .

و لأن التحفظ من هذا إصر و مشقة .

و ينقل عن عمران بن حدير قوله : سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم و عن القدر يرى فيها حمرة الدم ، فقال : لا بأس بذلك إنما نهي عن الدم المسفوح .

و قد اتفقت المذاهب على تحريم الدم المسفوح من الحيوان المذكى و كذلك كل دم يسيل من حيوان حي أو حيوان محرم فقليله و كثيره حرام . و قد استدل الفقهاء على نجاسة الدم بأمر النبي صلى الله عليه و سلم للمستحاضة و الحائض بغسل الدم .

فقد روى البخاري و مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال للمستحاضة : " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة و إذا أدبرت فاغسلي عنك الدم و صلي " .

أما دم الشهيد فقد اعتبره الشارع طاهراً ما دام تكريماً له ، أم ما بقي في لحم الدابة المذكاة و عروقها فهو طاهر حلال . و أما دم السمك فقد قال الحنفية بطهارته و المالكية و الحنابلة على نجاسته و عند الشافعية قولان في ذلك .



مضار تناول الدم على الصحة :

يحمل الدم سموماً و فضلات كثيرة و مركبات ضارة ، و ذلك لأن إحدى وظائفه الهامة هي نقل نواتج الغذاء في الخلايا من فضلات و سموم ليصار إلى طرحها ، و أهم هذه المواد هي البولة Urea و حمض البول Uric Acid و الكرياتنين و غاز الفحم . كما يحمل بعض السموم التي ينقلها من الأمعاء إلى الكبد ليصار إلى تعديلها .

و عند تناول كمية كبيرة من الدم فإن هذه المركبات تمتص و يرتفع مقدارها في الجسم ، إضافة إلى المركبات التي تنتج عن هضم الدم نفسه ، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة البولة في الدم و التي يمكن أن تؤدي إلى اعتلال دماغي ينتهي بالسبات .

و هذه الحالة تشبه مرضياً ما يحدث في حالة النزف الهضمي العلوي ، , يلجأ عادة هنا إلى امتصاص الدم المتراكم في المعدة و الأمعاء لتخليص البدن منه و وقايته من حدوث الإصابة الدماغية .

و هكذا فإن الدم كما رأينا يحتوي على فضلات سامة مستقذرة و لو أخذ من حيوان سليم ، علاوة على احتوائه على عوامل مرضية و جرثومية فيما لو أخذ من حيوان مريض بالأصل .



الدم وسط صالح لنمو الجراثيم و تكاثرها :

إذ انه من المتفق عليه طبياً أن الدم أصلح الأوساط لنمو شتى أنواع الجراثيم و لتكاثرها ، فهو أطيب غذاء لهذه الكائنات ، و أفضل تربة لنموها ، و تستعمله المخابر لتحضير المزارع الجرثومية .

و لرب سائل يقول : ألا يحتوي الدم على الكريات البيضاء التي تقوم على بلعمة الجراثيم و التهامها ، و هي من أهم وظائف الدم الدفاعية ؟

و الجواب أن هذا صحيح عندما يكون الدم جارياً ضمن أوعيته داخل البدن الحي ، لكن يفقد خاصته الدفاعية هذه عندما يبتعد عن الأوعية الدموية التي تحفظه أثناء الحياة .

و بذلك يصبح عرضة للتلوث الجرثومي السريع ، سواء من أداة الذبح ، أو الآنية التي يوضع فيها أو الأيدي الملوثة أو من الجو المحيط و ما فيه من غبار و جراثيم التعفن و سواها ، ويصبح الدم بذلك مصدراً للعدوى ، أو بالأذى الناجم عما يحمله من سموم و ذيفانات لتلك الجراثيم ، و هي في الغالب مقاومة لحرارة الطهو ، خلافاً للجراثيم نفسها .





هل يصلح الدم ليكون غذاءً للإنسان :

إن ما يحتويه الدم من بروتينات قابلة للهضم كالألبومين و الغلوبولين و الفبرينوجين هو مقدار ضئيل _ 8 غ / 100 مل _ و كذلك الأمر بالنسبة للدسم . في حين يحتوي الدم على نسبة كبيرة من خضاب الدم _ الهيموغلوبين _ و هي بروتينات معقدة عسرة الهضم جداً ، لا تحتملها المعدة _ في الأغلب _ ثم إن الدم إذا تخثر فإن هضمه يصبح أشد عسرة و ذلك لتحول الفيبرينوجين إلى مادة الليفين Fibrin الذي يؤلف شبكة تحصر ضمنها الكريات الحمر _ العلقة _ و الفيبرين من أسوأ البروتينات و أعسرها هضماً .

و بالطبع لا يفضل تناول الدم للحصول على عناصر الحديد لأن الحديد الموجود في الدم هو حديد عضوي ، الذي هو أبطأ و أقل امتصاصاً من الحديد اللاعضوي المتوفر في مصادر كثيرة و متنوعة ، كما أنه يعوض عن الدم : بتناول الكبد و الطحال الذين لهما فوائد لا يشك بها .

و هكذا فإن علماء الصحة لم يعتبروا الدم بشكل من الأشكال في تعداد الأغذية الصالحة للبشر ، و إن احتواءه على السموم و فضلات الاستقلاب المؤذية للدماغ و غيره من الأعضاء النبيلة ، و على كونه وسطاً مناسباً لتكاثر الجراثيم بعد خروجه من الحيوان المذبوح أو الحي ، يعرضه بسرعة للتفسخ و الفساد . و يجعله ضاراً مؤذياً .

كل هذا يفسر الحكمة من تحريمه ، و يعلل نجاسته . هذا بالنسبة للدم المسفوح ، أما الدم المتبقي في اللحم و العظم و العروق فهو زهيد لا ضرر منه ، معفو عنه لئلا يقع الناس في الحرج و المشقة . قال تعالى :

{ يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر } [ سورة البقرة : الآية 185 ] .

و قال تعالى : { و ما جعل عليكم في الدين من حرج } [ سورة الحج : الآية 87 ] .

و يجب أن نعلم أن الحكمة الأولى في كل أمر أو نهي هي طاعة الله سبحانه و تعالى فيما أمر به أو نهى عنه لليقين بأن الله تعالى أعلم بما هو خير في حياة الإنسان و ما هو ضار لجسده و صحته ،و عندما نكتشف حكمة ما وراء التحريم ، علينا أن لا نحصر حكم التشريع فيما علمنا و اكتشفنا بل علينا أن نتطلع إلى كشف المزيد من الحكم الإلهية اللطيفة .



الاضطرار إلى الدم :

عندما يتوقف شفاء المريض أو إنقاذ حياته على مادة ما نجسة ، سواء للعلاج أو الغذاء ، , لا يتوفر بين أيدينا مادة بديلة طاهرة ، جاز لنا استعمال النجس تحت عنوان " الضرورة المشروعة " . و على قاعدة أجمع عليها فقهاء الأمة هي : الضرورات تبيح المحظورات . بدليل قوله تعالى :

{ و قد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه } [ سورة الأنعام : الآية 119 ] .

و لقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغٍ و عادٍ فلا إثم عليه } [ سورة البقرة : الآية 173 ] .

1. فقد يضطر إلى الدم للتغذي به عند فقدان الطيب المباح ، و إذا غلب على الظن : أن تناول الدم سيسبب ضرراً أكبر من ضرر الجوع فإنه لا يجوز تناوله .

2. و قد نضطر إلى استعمال المصول الدموية في الدواء لدى تعينها كالمصل المضاد لسم الأفاعي و غيرها ، فإن الاضطرار إليها يبيحها مع أنه مستحصلة من دم الحيوانات كالحصان أو من دم الإنسان الناقه من مرض معين .

3. و قد نضطر إلى نقل الدم لإسعاف المصابين بنزوف خطيرة و الانسمامات و فاقات الدم الشديدة ، أو للتحضير للأعمال الجراحية الكبيرة التي يفقد المبضوع كمية كبيرة من دمه خلالها .

4. في أسبوع الفقه الإسلامي [ كان على رأس المشاركين الشيخ محمد أبو زهرة و الأساتذة المنتصر الكتاني و محمد المبارك و مصطفى الزرقا و غيرهم ] _ دمشق : 1960 _ عرض موضوع التداوي بمستحضرات هرمونية مثل Hoemodausse مستخلصة من دماء العجول الفتية .

و قد اتفق العلماء المشاركون على جواز التداوي بأمثال هذه المستحضرات لأن المحرم بنص القرآن _ كما قالوا _ هو الدم المسفوح ، و هذا لا يقال له دم مسفوح ، كما أن عملية استخلاص العناصر الهرمونية بطرق كيماوية مختلفة تؤدي إلى تغير صفتها الدموية ، و ينطبق عليها مبدأ الاستحالة ، أي تحول الشيء من طبيعته إلى طبيعة أخرى ، كتحول الخمر إلى خل .

و على هذا فلا مانع من تناول هذه المستحضرات شرعاً .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:18 PM
الخنزير رجس مبنى ومعنى



تحريم لحم الخنزير :

أورد النص القراني تحريم لحم الخنزير في أربع مواضع :

1. قوله سبحانه و تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله } [ سورة البقرة : الآية 173 ] .

2. و قوله سبحانه و تعالى : { حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به و المنخنقة و الموقوذة و النطيحة و ما أكل السبع إلا ما ذكيتم } [ سورة المائدة : الآية 3 ] .

3. و قوله سبحانه و تعالى : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ، فإنه رجس } [ سورة الأنعام : الآية 145 ] .

4. و قوله سبحانه و تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به ، فمن اضطر غير باغٍ و لا عادٍ فإن الله غفور رحيم } [ سورة النحل : الآية 115 ] .

تفيد معاجم اللغة بأن الرجس يعني القذر و الفعل القبيح و العمل المؤدي إلى العذاب ، و في تفسير البيضاوي : الرجس القذر ، و سمي بذلك لتعوده أكل النجس ، أو خبيث مخبث .

يقول القرطبي : لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به ، فقد روي أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن الخرازة بشعر الخنزير فقال : " لا بأس بذلك " . [ ذكره خوير منداد من رواية الإمام الدميري ] ، قال : و لأن الخرازة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و بعده كانت موجودة ظاهرة و لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنكرها و لا أحد من الأئمة بعده .

يقول الدميري نقلاً عن الإمام الماوردي : الضمير في قوله " فإنه رجس " عائد على الخنزير لأنه أقرب مذكور .

و قال الفخر الرازي أجمعت الأمة الإسلامية على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم و إنما ذكر الله تعالى اللحم لأن معظم الانتفاع يتعلق به .

و يؤكد الإمام أبو الفرج الجوزي هذا المعنى : فأما لحم الخنزير ، فالمراد جملته ، و إنما خص اللحم لأنه معظم المقصود .

و قد ورد في صحيح مسلم عن بريدة رضي لله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من لعب النردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير و دمه " .

قال ابن كثير فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس فكيف التهديد و الوعيد من أكله و التغذي به ، وفيه دلالة على شمول التحريم على شمول التحريم لجميع أجزائه من لحم و شحم و غيره . و يذكر ابن كثير أن الخنزير يشمل المستأنس منه و الوحشي ( البري ) .

و يرى الدكتور عبد الحافظ حلمي محمد أن لحم الخنزير ينفرد بين جميع اللحوم المذكورة في آيات التحريم بأنه حرام لذاته : أي لعلة مستقرة فيه ، أو وصف لاصق به ، أما اللحوم الأخرى فهي محرمة لعلة عارضة عليها ، فالشاة مثلاً إذا ذكيت فلحمها حلال طيب ، و لا تحرم إلا إذا كانت ميتة أو ذبحت لغير لله .

و نحن نؤكد أن المؤمن ملتزم حين يأتيه الأمر أو النهي من الله تعالى أن يقول سمعنا و أطعنا ، و ما يريد الله بنا إلا الخير ، لكن شرع الله لنا أن نجتهد في تفهم علة الأمر و النهي . لكن تحريم لحم الخنزير بالذات تحريم معلل " فإنه رجس " فاجتهادنا محصور إذن في محاولة لفهمنا لخبث ذلك المحرم و رجاسته حتى نزداد شكراً لله على نعمائه .

و ينقل الإمام السيوطي حكم من أكل لحم الخنزير قال :

أخرج عبد الرازق في المصنف عن قتادة قال : إذا أكل لحم الخنزير عرضت عليه التوبة ، فإن تاب ، و إلا قتل .

و يعرض الدكتور فاروق مساهل للمشكلة التي تواجه أبناء المسلمين في ديار الغرب في تلوق الأواني بالخنزير النجس حين يقيمون مع أناس في منزل مشترك أو في المطاعم و الأماكن العامة ، و هؤلاء بطبيعة الحال يأكلون لحم الخنزير و يقلون بشحمه ، و يجد الكاتب الحل بهدي رسول الله صلى الله عليه و سلم حينما سأله أبو ثعلبة الخشني : يا رسول الله إنا نجاور قوماً من أهل الكتاب و هم يطبخون في قدورهم الخنزير و يشربون في آنيتهم الخمر . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن وجدتم غيرها فكلوا و اشربوا ، و إن لم تجدوا غيرها فاحضوها بالماء و كلوا و اشربوا " [ رواه أبو داود ] .

و حول أهمية تحريم لحم الخنزير شهادة للطبيب الألماني هانس ريكفينغ إذ يقول : لابد أن أشير إلى التراث القديم عند بعض الأمم حيث كان للتعاليم التي أرساها النبيان محمد و موسى أكبر الأثر في التزام المسلمين و اليهود بقوانين الله و الطبيعة .

ففي إفريقيا حيث يعيش المسلمون و غيرهم في ظروف مناخية واحدة : نجد بالمقارنة أن الشعوب الإسلامية تتمتع بصحة جيدة لأن لحم الخنزير محرم في شريعتها ، بينما نجد أن الشعوب الأخرى التي تعتمد النظام الغربي في تغذيتها تصاب بأمراض ترتبط كل الارتباط بتناولها لحم الخنزير .

و يتابع فيقول : في دراسة جرت في الهيمالايا حيث تعيش قبائل الهوانزا التي اعتنق معظم أفرادها الإسلام و يمتنعون عن أكل لحم الخنزير ، وجد انهم يتمتعون بصحة جيدة و متوسط أعمارهم مرتفع و يعملون حتى سن متقدمة لتحصيل أرزاقهم ، في حين أن القبائل التي تجاورهم من غير المسلمين تصاب بعدد من الأمراض الشائعة بينهم لتناولهم لحم الخنزير ، و متوسط أعمارهم و فعاليتهم أقل بكثير من القبائل المسلمة . و هكذا فإني أرى أن الكتب السماوية التي جاء بها محمد و موسى كان معها الحق ، كل الحق ، في تحريم تناول لحم الخنزير .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:19 PM
و لكن ماذا نعرف عن الخنزير ؟

الخنزير حيوان لاحم عشبي تجتمع فيه الصفات السبعية و البهيمية ، فهو آكل كل شيء ، و هو نهم كانس ، يكنس الحقل و الزريبة ، فيأكل القمامات ، و الفضلات ، و النجاسات بشراهة و نهم ، و هو مفترس يأكل الجرذ و الفئران و غيرها كما يأكل الجيف حتى جيف أقرانه .

يقول الإمام الدميري : إن الخنزير شرس الطباع شديد الجماع شبق ، تكتنف حياته الجنسية الفوضى و لا يخصص لنفسه أنثى معينة .

و يروي الدكتور هانس هايترش قصة طريفة : جرت في أحد المشافي العسكرية حيث كانت هناك حظيرة للخنازير ملحقة بالمشفى و تعيش على النفايات و الفضلات ، و يذبح أحدها كل شهر طعاماً للمرضى و العاملين في المشفى . و في أحد الأيام تدافعت الخنازير على الفرن المملوء بالضمادات المضمخة بالقيح و المهياة للحرق فالتهمتها . و توفيراً للعلف قررت إدارة المشفى من ثم أن يصبح نصف الضمادات المبللة بالقيح طعاماً للخنازير ، و هكذا أصبحت دماء تلك الخنازير مفعمة بالسموم و الذيفانات . و لنتصور الآن مرضى هذا المشفى و أكثرهم مصابون بنواسير كعاقبل للكسور الناجمة عن الطلقات النارية ، إنهم يغذون بلحم خنزير مشبع بالسموم ، فبدلاً من الشفاء يولد عندهم هذا اللحم هجمة جديدة من الالتهاب و التقيح .

من هنا نفهم كيف أن معاني الرجس قد استقر في أذهاننا التصاقها جميعاً بالخنزير ، فهو لا يكاد يُرى إلا و أنفه في الرغام .

و إن نفورنا و تقززنا من هذا الحيوان ليسا قاصرين علينا _ نحن المسلمين _ ففي كل من أوربا و أمريكا ، و رغم أن تجارة الخنازير عندهم و تربيتهم رائجة ، ويتخذون منه دمى لأطفالهم و مع ذلك فأسماؤه _ على اختلاف لغاتهم _ تعد سبة لا يقذفون بها إلا كل رزي ذميم ! ..

و تثبت الأبحاث أن الخنزير يأكل الجيف و القاذورات و حتى فضلاته و لو ربي في أنظف الحظائر ، كما تطالعنا الأنباء من حين لآخر عن افتراس الخنازير للأطفال الصغار ، ففي مرة غفلت إحدى الأمهات عن ابنها الصغير _ الذي تسلل إلى حظيرة الخنازير _ و التي أسرعت بدورها لتمزيقه و التهامه دون أن تترك قطعة واحدة منه ، و هذه النزعة لا توجد إلا في الحيوانات المفترسة .



الأضرار الصحية لتناول لحم الخنزير



الفرق بين لحم الخنزير و غيره من اللحوم :

يحتوي لحم الخنزير على كمية كبيرة من الدهون و يمتاز باندخال الدهن ضمن الخلايا العضلية للحمه علاوة على تواجدها خارج الخلايا في الأنسجة الضامة بكثافة عالية ، في حين أن لحوم الأنعام تكون الدهون فيها مفصولة عن النسيج العضلي ، و لا تتوضع ضمن خلاياه و إنما تتوضع خارج الخلايا و في الأنسجة الضامة .

و قد أثبتت الدراسات العلمية أن الإنسان عندما يتناول دهون الحيوانات آكلة العشب فإن دهونها تستحلب في أمعائه و تمتص ، و تتحول في جسمه إلى دهون إنسانية ، أما عندما يأكل دهون الحيوانات آكلة اللحوم أو الخنزير فإن استحلابها عسير في أمعائه و إن جزئيات الغليسييدات الثلاثية لدهن الخنزير تمتص كما هي دون أن تحول و تترسب في أنسجة الإنسان كدهون حيوانية أو خنزيرية .

و من المدهش حقاً ملاحظة الدكتور هانس هايترش أن الذين يأكلون شحم الخنزير من منطقة ما من جسمه فإنها تترسب في المنطقة ذاتها عند الآكل ، و هكذا وجد أن النساء اللواتي يأكلن من لحم فخذ الخنزير : يشاهد لديهن تشوه واضح في منطقة الفخذين و الإليتين .

و الكولسترول الناجم عن تحلل لحم الخنزير في البدن يظهر في الدم على شكل كولسترول جزئي كبير الذرة يؤدي بكثرة إلى ارتفاع الضغط الدموي و إلى تصلب الشرايين ، و هما من عوامل الخطورة التي تمهد لاحتشاء العضلة القلبية .

و قد وجد البروفيسور Roffo أن الكولسترول المتواجد في خلايا السرطان الجوالة يشابه الكولسترول المتشكل عند تناول لحم الخنزير .

و لحم الخنزير غني بالمركبات الحاوية على نسب عالية من الكبريت و كلها تؤثر على قابلية امتصاص الأنسجة الضامة للماء _ كالإسفنج _ مكتسبة شكلاً كيسياً واسعاً ، و هذا يؤدي إلى تراكم المواد المخاطية _ في الأوتار و الأربطة و الغضايف _ و يجعلها رخوة مما يؤهب للإصابة بالتهاب المفاصل التنكسي و خاصة المفاصل بين الفقار ، و إلى تنكس في العظام .

و الأنسجة الحاوية على الكبريت تتخرب بالتعفن و التخمير منتجة روائح كريهة فواحة لانطلاق غاز كبريت الهيدروجين . و قد لوحظ أن الآنية الحاوية على لحم الخنزير - على الرغم من أنها محكمة السد _ ‘لا أنه يتعين إخراجها من الغرفة بعد عدة أيام نظراً للروائح الكريهة النتنة و غير المحتملة الناجمة عنها .

و بالمقارنة فإن لحوماً أخرى مختلفة خضعت لنفس التجربة : فإن لحم البقر كان أبطأ تعفناً من لحم الخنزير ، و لم تنطلق منه تلك الروائح النتنة ، و أما لحم الخروف فإن تعفنه كان الأبطأ و الأقل ، فهو أقل اللحوم احتواءً على الكبريت .

و يحتوي لحم الخنزير على نسبة عالية من هرمونات النمو و التي لها تأثير أكيد للتأهيب للإصابة بضخامة النهايات ، علاوة على تأثيره في زيادة نمو البطن _ الكرش _ و زيادة معدل النمو و خاصة زيادة نمو الأنسجة المهيئة للنمو و التطور السرطاني .

و حسب دراسات Roffo فإن تلك الوجبة المسائية الدسمة الحاوية على لحم الخنزير تعتبر حجر الأساس في التحول السرطاني للخلايا لاحتوائها على هرمون النمو ، علاوة على أثرها في رفع كولسترول الدم .

كما تؤكد أبحاث الدكتور هانس هايترش احتواء لحم الخنزير على كمية عالية من الهستامين ، تؤهب عند آكليها لحدوث أمراض التحسسية الجلدية مثل الأكزيمة و الشرى و التهاب الجلد العصبي و غيرها بكثرة .

و قد وجد الشرى و الحكة المعندة عند آكلي لحم الخنزير تتلاشى عند الامتناع عن أكله بشكل مطلق ، بما في ذلك السجق المصنوع منه .



الأمراض التي ينقلها الخنزير :

لقد حرمت الشريعة الإسلامية لحم الخنزير ، و نفذها المتدينون امتثالاً لأمر الله الخالق سبحانه و طاعة له دون أن يناقشوا العلة من التحريم ، لكن العلماء المحدثين توصلوا إلى نتائج مدهشة في هذا المجال : أليس من المدهش أن نعلم أن الخنزير مرتع خصب لأكثر من 450 مرضاً وبائياً ، و هو يقوم بدور الوسيط لنقل حوالي 57 منها إلى الإنسان . عدا عن الأمراض التي يسببها أكل لحمه من عسرة هضم و تصلب للشرايين و سواها .

و الخنزير يختص بمفرده بنقل 27 مرضاً وبائياً إلى الإنسان و تشاركه بعض الحيوانات الأخرى في بقية الأمراض ، لكنه يبقى المخزن و المصدر الرئيسي لهذه الأمراض : منها داء الكلب الكاذب ، و داء وايل ، و الحمى اليابانية ، و المحى المتوجة ، و الحنميرة الخنزيرية ، و غيرها من الأمراض .

هذه الأوبئة يمكن أن تنتقل من الخنزير إلى الإنسان بطرق مختلفة :

الأول : عن طريق مخالطته أثناء تربيته أو التعامل مع منتجاته _ و تعتبر أمراضاً مهنية _ و هي لا تقل عن 32 وباء تصيب في الأغلب : عمال الزرائب و المجازر ، و البيطريون ، منها أنواع من الفطور العميقة ، و الزحار ، و الديدان ، و الزحار الزقي ، و الحمى اليابانية الدماغية ، و التهاب الفم البثري الساري .

الثاني : عن طريق تلوث الطعام و الشراب بفضلاته ، و هي لا تقل عن 28 مرضاً :

منها الزحار ، و الأسكاريس ، و الانسمام الوشيقي ، و الديدان القنفذية ، و الديدان الكبدية ، و الديدان شوكية الرأس ، و الدودة المسلحة الخنزيرية ، و الشعيريات الحلزونية ، و غيرها .

الثالث : عن طريق تناول لحمه و منتجاته ، و هي أكثر من 16 مرضاً :

منها داء المبيضات _ داء الحويصلات الخنزيرية ، الحمى المالطية _ الدودة الكبدية ، و داء وايل ، و الدودة الشعرية الحلزونية ، و الدودة الشريطية ، و السل و غيرها . و هذا يؤكد ما ذهب إليه العالم كرول : من أن الحظر المفروض على المسلمين بعدم ملامسة الخنزير ليس بحاجة إلى تبرير …. .



طفيليات الخنزير



رأينا كيف أن الخنزير يؤوي في بدنه عدداً كبيراً من الطفيليات و أكثر من 50 نوعاً منها يصيب الإنسان فهي داخلة فيما يسمى بالأمراض الحيوانية البشرية Zoonosis و يمكن أن نقسمها ضمن المجموعات التالية :



الأمراض الفيروسية و الجرثومية :

منها داء الكلب و الحمى الصفراء و المالطية و السل ، لكن أهمها ما يختص الخنزير بنقله و هي :

1. الالتهاب السحائي المخي و تسمم الدم الناجم عن الإصابة بالمكورات السبحية الخنزيرية المكتشفة عام 1968 و التي فسرت الحالات الغامضة من الوفيات التي حصلت في الدانمراك و هولندا .

و قد تبين أن هذه الجراثيم شديدة الفتك بالإنسان مسببة التهاب السحايا المغلفة للمخ ، و بافراز سموم معينة في دم المصاب ، و الذين أصيبوا بهذا المرض و نجوا من الموت بعد علاج شاق أصيبوا بالصمم الدائم و فقدان التوازن .

2. جائحات الكريب حيث يؤكد الدكتور هانس هايترش إن فيروس الكريب الذي ينقله الخنزير هو العامل الأكثر سمية .

و ينقل عن معهد الأبحاث الفيروسي في لندن أن فيروس الكريب يتوضع بكثرة في رئة الخنازير التي تدخل في صناعة السجق .

و تكمن الفيروسات في الأماكن الحيوية للبدن إلى أن تتاح لها الفرصة في ظروف مواتية من البرد و قلة الشمس ، لتأتي بشكل جائحة إنتانية ، كالتي حدثت في ألمانية بعد الحرب العالمية الثانية ، حينما تناول الشعب الألماني هدايا الولايات المتحدة الأمريكية من اللحوم و مشتقاتها مصنوعة من لحم الخنزير .

3. أنفلونزا الخنزير ينتشر هذا المرض على هيئة وباء يصيب الملايين من الناس ، و من مضاعفاته الخطيرة التهاب المخ ، و تضخم القلب ، و الوهط الدواراني .

و آخر جائحة أصابت العالم عام 1918 حيث أصيب بها أكثر من 20 مليوناً من البشر .

4. الحمرة الخنزيرية و ينتقل من الخنزير إلى اللحامين و الدباغين و سواهم و تكون بشكل لوحة محمرة مؤلمة جداً ، و حارقة على الأيدي مع أعراض عامة من ترفع حروري و قشعريرة و التهاب العقد و الأوعية اللمفاوية .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:21 PM
الأمراض الناجمة عن الحيوانات الأوالي :

يعتبر الخنزير العئل الخازن لنوعين من المثقبيات Trypanosoma أولاهما هو طفيلي داء النوم الإفريقي و ثانيهما يحدث داء شاغاس المستوطن في أمريكا الجنوبية ، كما يعتبر الخنزير العائل الأكبر لنوع من الزحار الأميبي ،

لكن أخطر هذه الطفيليات هي المتحول الأميبي الهدبي المسمى بالزقيات الكولونية Balantidium Coli يتطفل في الأمعاء الغليظة للخنزير و القردة ، لكن فرص الاتصال النادرة بين القردة و الإنسان تجعل الخنزير المصدر الوحيد لعدوى الإنسان و إصابته بما يسمى بالزحار الزقي .

و الزحار الزقي من الأمراض المهنية التي يصاب بها العاملون على تربية الخنازير أو ذبحها أو الاتجار بها ، حيث تتلوث أيديهم بمفرغات الخنزير و منها تنتقل بالطعام إلى أمعائهم ، فيصاب بحالات من الإسهال الشديد و المتكرر مع مغص و دوار و هزال أحياناً ، و يمتد الأمر لظهور تقرحات في الأمعاء ، قد تثقبها و قد تؤدي إلى وفاة المصاب .



الأمراض الناجمة عن الحشرات و الحلم :

حيث يعتبر الخنزير عائلاً لعدد من الطفيليات الخارجية الممرضة للإنسان منها أنواع من البعوض و البراغيث و القمل ، و منها ذبابة تسي تسي الناقلة لطفيلي داء النوم ، و أنواع من ذباب الجلد تصيب يرقاناتها الفم و العين و الأنف و الجروح المكشوفة ، و منها أنواع من الحلم قريبة من طفيلي الجرب .



الأمراض الناجمة عن الديدان المفلطحة :

1. صنف المثقوبات :

التي تصيب الدم حيث يصاب الخنزير بديدان البلهارسيا اليابانية و التي تنزل بويضاتها مع برازه ، كما يصاب بنوع من المثقوبات يصيب الرئتين ، و تنتقل للإنسان في كثير من بلدان العالم ، أما عن المثقوبات المعوية و الكبدية فللخنزير منها نصيب غير قليل و أهمها :

المتوارقة البسكية Fasciolopsis Buski من الديدان المعوية _ الكبدية " الديدان الفلطحة " و الخنزير العائل الرئيسي لنشر العدوى و هي تنتشر في آسيا من الصين إلى البنغال ، و تعيش الديدان البالغة في الأمعاء محدثة التهابات موضعية و نزوف و تقرحات في جذر المعي الدقيق مع إسهال مزمن و فقر دم و قد تحدث استسقاء البطن مؤدية إلى الوفاة .

و منها الدودة الكبدية الصينية Chonorihis Sineasis و تنتشر في بلدان الشرق الأقصى كاليابان و الصين ، و الخنزير العائل الرئيسي بها .

تعيش هذه الديدان في القنوات الصفراوية و إذا كثرت أعدادها عند المصاب أحدثت تضخماً في الكبد و إسهالاً مزمناً و يرقاناً شديداً ينتهي بالوفاة .

2. صنف الديدان الشريطية :

و يصيب الخنزير منها نوعان الشريطية العوساء العريضة D . Latum و يصاب كالإنسان بالطور البالغ منها .

و النوع الأهم هو الشريطية المسلحة Taenia Solium و المسماة بالدودة الوحيدة المسلحة ، و هي تعيش في طورها البالغ في أمعاء الإنسان ، طولها من 2 _ 3 أمتار ، لها رأس أصغر من الدبوس مزود بأربع ممصات و يطوق قمته طوق من الأشواك ، يلي الرأس عنق قصير ينمو منه باستمرار قطع أو أسلات صغيرة تنمو كلما بعدت عن الرأس مكونة جسم الدودة الذي يشبه الشريط ، و الذي يحتوي أكثر من 1000 قطعة . و تمتلئ القطع الناضجة بآلاف البيوض ، حتى تصبح في النهاية مجرد كيس مثقل بذلك البيض الوبيل ، و الذي ينمو في كل واحدة منها جنين كروي مسدس الأشواك .

و تنفصل الأسلات النهائية لتخرج مع براز المصاب ، و تعيش في التربة الرطبة زمناً طويلاً حتى يأتي خنزير فيلتهمها مع ما فيها من بيض .

و في أمعاء الخنزير تعمل عصاراته الهاضمة على حل هذه البيوض لتنطلق منها الأجنة مخترقة جدار الأمعاء إلى الدورة الدموية للحيوان .

و بواسطة الدم تستقر في عضلات الخنزير مكونة حويصلات كروية أو بيضاوية بطول 6 _ 18 ملم ، في كل منها يرقانة لها رأس صالح لكي يكون دودة جديدة و يحدث هذا إذا ما تناول الإنسان من اللحم المصاب دون أن ينضجه تماماً لقتل ما فيه من تلك اليرقانات . و الخنزير هنا يقوم بدور العائل الوسيط ، و الذي يعتبر المصدر الوحيد لعدوى البشر .

و قد يحدث أن يحل الإنسان محل الخنزير ليصبح العائل الوسيط في دورة تنتهي بطريق مسدود و ذلك عندما يصدف أن يبتلع الإنسان لطعاماً ملوثاً بتلك الأسلات _ أو البيوض _ سواء من فضلاته هو أو من مصدر خارجي ، فيفقس البيض في أمعائه و تنطلق _ من ثم _ الأجنة مسدسة الأشواك في أمعائه مخترقة جدارها إلى دورته الدموية و تجول مع الدم لتستقر بأي جزء من أعضائه سواء في العضلات أو الرئتين أو الكبد أو القلب أو العين أو الدماغ .

و هناك تنمو مشكلة حويصلات _ أو كيسات _ و مؤدية إلى إصابة الإنسان بما يسمى داء الحويصلات الخنزيرية Cysticercosis و كلما كان عددها في الجسم كبيراً ، و كان العضو الذي استقرت فيه عضواً هاماً كلما كان خطرها عظيماً .

و نمو هذه الحويصلات في المخ يؤدي إلى الإصابة بحالات من الصرع ، و إلى ظهور شلل عضوي جزئي ، مع دوار و اضطرابات عصبية حسية .

كما ينطلق منها إلى الدم ذيفانات سامة ، وقد يؤدي إلى الموت ، علماً بأنه لم يعرف لهذا المرض حتى اليوم أي علاج ناجع .

صحيح ، كما يقول المدافعون عن الخنزير ، أن البقر يصاب بدودة مشابهة هي الدودة الشريطية العزلاء ، و أن الإنسان عند أكله للحم البقر المصاب يصاب بتلك الدودة بالطور البالغ مع أعراض مشابهة لما تحدثه الدودة الشريطية المسلحة _ الخنزيرية _ لكن الأمر الجوهري أن الإنسان لا يصاب مطلقاً بداء الحويصلات البقرية حتى و لو ابتلع بيضها ، و هذا فرق هام للغاية إذ أن داء الحويصلات البقرية ينجم فقط عن دودة الخنزير الشريطية . علماً بأنه مرض خطير للغاية و لا مقابل له في دودة البقر .

الديدان الخيطية أو الاسطوانية : منها ثعبان البطن أو الاسكاريس ، و قد أثبت Smyth أن الخنزير يساعد على انتشارها و منها الديدان شعرية الرأس ، لكن أشدها خطراً على بني البشر هي الدودة الشعرية الحلزونية Spiralis Trichinella .

تعيش الديدان البالغة في أمعاء الإنسان و الخنزير ، و هي ديدان قصيرة طولها من 2 _ 4 ملم ، تتغلغل الإناث المثقلة بالبيوض بين الزغابات المعوية لتضع صغارها _ الرقانات _ هناك ، فهي لا تضع بيضاً ، إذ يفقس البيض و هو في بطنها ، و تخترق اليرقانات جدر الأمعاء إلى الدم و تطوف معه لتستقر في عضلات مضيفها حيث تنمو ليصل طولها إلى 1 ملم ثم تلتف على نفسها و تتحوصل .

فإذا أكل إنسان لحم الخنزير المصاب انحلت الحويصلات في أمعائه و تخرج منها الأجنة لتتطور في أمعائه إلى الديدان البالغة .

و الدودة الشعرية البالغة ليست الخطرة على الإنسان ، لكنها تتزاوج في أمعائه و تموت الذكور ، ترقد الإناث الملقحة في جدران الأمعاء لتضع يرقاناتها بعد أسبوع واحد ، تخترق هذه اليرقانات جدر الأمعاء إلى الدم حيث تستقر في أي جزء من بدن الإنسان محدثة ما يسمى بداء الشعريات الخنزيرية Trichinosis . و هي تكثر في عضلات الحجاب الحاجز للمصاب و في حنجرته و لسانه و عينيه .

و تتميز المرحلة الأولى من المرض باضطربات معدية _ معوية و الأسهال الشديد ، و الحمى مع الضعف العام . أما المرحلة الثانية و التي تظهر بعد انتشار اليرقانات في الجسم فكثيراً ما تكون قاتلة ، و من أعراضها انتفاخ الأجفان ، و خزب تحت العينين ، وآلام عضلية مبرحة ، و اضطراب حركة العينين و عضلات التنفس و البلع ، كما يصاب بحمى قد تكون مستمرة مع عرق غزير و هذيان . و إذا توضعت في السائل الدماغي الشوكي ظهرت أعراض التهاب الدماغ و السحايا .

و بعد تكلس تلك الحويصلات ، تبدأ المرحلة الثالثة بانتشار الارتشاح في الوجه و البطن و الأطراف مع ضعف شديد و وهن عام و طفوح جلدية و نزوف و ضخامة في الطحال و اضطربات عصبية عقلية .

و تحدث معظم الوفيات بين الأسبوعين الرابع و التاسع ، و المعروف أنه لا يوجد عقار نوعي لداء الشعريات و المشكلة الحقيقية هي وضع التشخيص ، إذ أن تنوع الأعراض و تشابهها مع الزحار أو التسمم الغذائي أو الحمى الرثوية يجعل التشخيص صعباً ، و قد لا نتمكن من وصفه قبل الوفاة و فحص خزعة من الحجاب الحاجز .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:22 PM
داء التقرحات الوعائية المدارية :

يؤكد الدكتور هانس هـ . ريكفيغ أن الدورة الدموية المحيطية قد تضطرب في ظروف مناخية خاصة نتيجة تناول لحم الخنزير محدثة تقرحات مؤلمة على الساقين ، وأن هذه الآفة انتشرت بين الجنود الألمان أثناء الحملة التي قادها رومل في شمال إفريقيا .

و يروي الدكتور ريكفيغ كيف اكتشف زملاؤه علاقة الإصابة بهذا الداء و بين تناول لحم الخنزير ، عندما وجدوا أن السكان المحليين من المسلمين لا يصابون بها مطلقاً .

و رغم كل العلاجات التي قدمت للمرضى فإن حالتهم لم تتحسن إلا بعد أن قدمت لهم حمية تشبه طعام السكان المحليين و حذف منها لحم الخنزير بشكل نهائي ، إذ كانت النتائج حينئذ باهرة .

و يرى الباحث المذكور أن لحم الخنزير يعتبر العنصر الهام الأكثر سمية للإنسان فهو يضعف مقاومة الجسم و يعرضه للأمراض ، و المطعم الصحي الحقيقي هو الذي لا يستعمل أي جزء من لحم الخنزير ، و لأن الذي يعتاد تناوله هو الذي سيدفع الحساب يوماً ما .



شهادات علماء الغرب بفضل الإسلام :

يؤكد الدكتور عبد الحافظ حلمي محمد على فضل الإسلام على حماية أتباعه من أمراض الخنزير الوبيلة . فالارتباط واضح بين انتشار الشريطية المسلحة و ما ينجم عنها كداء الحويصلات الخنزيرية و بين العادات الغذائية لبلد ما و الدين الذي يدن به قاطنوه . و هكذا فإن Noble ( 1976 ) يؤكد أن دورة الخنزير هذه تحدث عدداً من الإصابات الدماغية سنوياً عند سكان المكسيك الذين اعتادوا تناول لحم الخنزير ، في حين يؤكد لاباج ( 1961 ) و ولكوكس و ماتسون في كتابهما عن طب البلاد الحارة أن هذه الدودة نادرة الوجود في البلاد الإسلامية .

أما تشاندر و ريد فيذكران في كتابهما عن علم الطفيليات ما نصه : أما في البلاد اليهودية و الإسلامية ، حيث يعد أكل لحم الخنزير خطيئة دينية كبيرة فليس لهذا الطفيلي أدنى فرص للبقاء ، و هو دليل فاضح على فساد الأخلاق حين حدوثه …

و عندما يتكلم نلسون عن انتشار داء الشعريات الحلزونية في دول أوربا و أمريكا فهو يتعجب قائلاً : أما العلة في إدماننا _ نحن أهل العالم الغربي _ على أكل لحم الخنزير ، فإنه لغز محير ، خاصة و أننا نذكر على الدوام بمخاطر ذلك و نحن نقرأ الكتاب المقدس _ مشيراً إلى الاصحاح الرابع عشر من سفر التثنية من التوراة _ أما اليهود الملتزمون و أتباع محمد فإنهم مضوا في نفورهم من الخنازير و عدم استساغتهم لحمها فخلت جماعاتهم من داء الشعريات الخنزيرية خلواً تاماً …



عدوى الخنازير :

لعل أهم مصدر لعدوى الخنازير هي العطادة المتبعة من تربية الخنازير على القمامة و عادة الخنازير الذميمة من التهام الفضلات و النفايات ، إذ أن القمامة تضم بقايا خنزيرية مصابة حتى أن أحد الباحثين يسمى الدودة الشعرية الحلزونية بدودة القمامة ، و هكذا تجتمع الدودة مع الخنزير في القذارة و الرجس .

و سبب هام آخر لاحظه بعض الباحثين ، و هو أن الخنازير تصاب أيضاً نتيجة أن بعضها يأكل أذيال بعض في المرابي المكتظة بها . و تقوم الجرذان أو الفئران بدور هام ، فهي تصاب بالمرض إذا أكلت ما ينبذ من لحوم الخنازير المصابة ، و تعدي الجرذان بعضها بعضاً لأنها تأكل لحوم بعضها البعض ، حية و ميتة ، ثم تنتقل العدوى إلى الخنازير إذا أكلت جيف تلك الجرذان في أكوام القمامة ، و هكذا تحدث دورات عدوى مختلفة من جرذ إلى جرذ ، و من خنزير إلى جرذ و من جرذ إلى خنزير ، و من خنزير إلى خنزير ، و من خنزير إلى إنسان .





هل يمكن توقي الأمراض التي تنقلها الخنازير ؟

يتسائل البعض لم لا تربى الخنازير تربية صحية نظيفة ؟ و لم لا تتخذ الوسائل لاكتشاف اللحوم المصابة و إتلافها ؟ و إذا كان ذلك ممكناً في مكان و ظرف معينين فهل يمكن تحقيقه في كل الظروف ؟

أو ليس الأولى عدم المخاطرة و تجنب المهالك ؟ بل الحقيقة أن هذه الوسائل كلها لم تكن مجدية في واقع الحال في أي زمان و مكان …

و يأتينا الدليل من الولايات المتحدة الأمريكية حيث مستوى المعيشة فيها على ما نعلم ، فبينما نرى أن أفقر قطر إسلامي قد نجا من هذا البلاء ، فإنه يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية ثلاثة أمثال ما في العالم أجمع من الإصابات بالطفيليات الخنزيرية ، علماً بأن الإحصائيات غير دقيقة لأن الآفات لا تشخص سريرياً إلا إذا كانت شديدة و معظم الحالات لا تشخص إلا بعد الوفاة .

و تجري في الغرب إجراءات شاقة و محاولات باهظة لوقاية الخنازير و آكليها من الديدان الشعرية الحلزونية و غيرها .

ففي الولايات المتحدة الأمريكية التي يربى فيها أكثر من مليون و نصف من الخنازير ، جزئياً أو كلياً على القمامة ، صدرت قوانين تقضي بتعويض القمامة للبخار الساخن مدة نصف ساعة قبل تقديمها للخنازير . و لكن ما هي نتيجة هذه الجهود الكبيرة ؟

لقد قدرت الإحصاءات أن نحواً من 5 % من خنازير بوسطن و 18.5 % من ذبائح متشيغان مصابة بهذه الآفة _ ويلككس و ماتسون بار _ .

أما اللحوم فإن معالجتها بالكوبلت و السيزيوم المشعين يؤدي إلى إصابة الديدان الناشئة بالعقم مما يمنع تكاثرها . لكن هذا الإجراء دقيق و ليس من الميسور تطبيقه . ثم إن التجميد السريع بالتبريد ثم التخزين الطويل في درجات حرارة شديدة الانخفاض تقضي على الطفيليات الدقيقة فيه .

و تقضي التعليمات الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية بخزن لحوم الخنازير التي تؤكل نيئة 20 يوماً كاملاً في درجة حرارة 15 تحت الصفر .

كما أن غلي اللحوم تقتل الطفيليات لذا يوصى بغليها فترة تتناسب و حجمها : و مع كل هذه الجهود الشاقة و النفقات الباهظة فما تزال الإحصاءات تشير إلى تلك النسب المرتفعة من الإصابات .

أو ليس الأيسر بداهة هو تجنب تلك اللحوم أصلاً ؟ ثم أينسى هؤلاء أن علمهم قد احتاج قروناً طويلة ليكتشف عدداً من الآفات التي يسببها أكل لحم الخنزير فمن الذي يجزم بأن هناك آفات أخرى لم يكشف العلم النقاب عنها بعد ؟

أفلا تستحق الشريعة الإسلامية التي سبقت العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها و ندع كلمة الفصل لها نحرم ما حرمت و نحلل ما حللت ، و هي آتية من لدن حكيم خبير ؟



الآثار السلوكية _ الخلقية _ التالية لأكل لحم الخنزير :

لقد أشار النبي صلى الله عليه و سلم إلى أثر الطعام على خلق آكليه فقال : " و الفخر و الخيلاء في أصحاب الإبل و السكينة و الوقار في أهل الغنم " [ رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ]

يقول الفخر الرازي : قال أهل العلم الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي فلابد أن يحصل له أخلاق و صفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء ، و الخنزير مطبوع على حرص عظيم و رغبة شديدة في المشتهيات فحرم أكله لئلا يتكيف بتلك الكيفية .

و يقول ابن خلدون : أكلت الأعراب لحم الإبل فاكتسبوا الغلظة و أكل الأتراك لحم الفرس فاكتسبوا الشراسة و أكل الإفرنج لحم الخنزير فاكتسبوا الدياثة .

و حديثاً اختلف العلماء في أثر الغذاء على الطباع و الخلق ، لكن ملاحظات كثير من العلماء قادتهم إلى اختلاف الآثار الخلقية باختلاف نوع اللحوم المكثر من تناولها .

و بأن لحم الخنزير و شحمه له تأثير سيئ على العفة و الغيرة على العرض إذا داوم الإنسان على تناوله .

و في أبحاث أجراها الأمريكيون على أطفال من ولاية ماريلاند توصلوا في نهايتها إلى القول بأن نوعية الطعام تؤثر على شخصية و سلوك الإنسان و تصرفاته .

و عن مقالة للدكتور الفنجري يؤكد فيها أن اللذين يأكلون لحوم الحيوانات الكاسرة عادة ما تكون طباعهم شريرة ، غير متسامحين ، و يميلون إلى ارتكاب الآثام و الجرائم . و إن أكل لحم الخنزير لابد و أن يؤثر على شخصية الإنسان و سلوكه العام و الذي يتجلى واضحاً في كثير من المجتمعات الغريبة حيث يكثر اللواط و السحاق و الزنى ، و ما نراه متفشياً من نتاج تلك التصرفات من ارتفاع نسبة الحمول غير الشرعية و الإجهاض و غيرها .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:23 PM
الخمر أم الخبائث



قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فهل أنتم منتهون } [ سورة المائدة : الآيات 90 : 91 ] .

الخمر لغة هي كل ما خامر العقل و غلبه . و في الاصطلاح الفقهي هي اسم لكل مسكر .

عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " كل مسكر خمر ، و كل خمر حرام " [ رواه مسلم ] .

و الرجس : القذر ، حساً و معناً ، عقلاً و شرعاً . و الخمر و ما بعدها موصوف بهذا الوصف مما يقتضي التحريم . و تأكد ذلك الأمر باجتناب الرجس بقوله تعالى : { لعلكم تفلحون } أي راجين الفلاح بهذا الاجتناب . و تحريم الخمر و الميسر من عدة نواح صدرت الجملة بـ " إنما " المفيدة للحصر ، و قرنتا بالأصنام و الأزلام و هي شنيعة و قبيحة شرعاً و عقلاً وسميا رجساً من عمل الشيطان _ و ذلك غاية القبح _ و أمر باجتناب أعيانهما و هذا أشد تنفيراً من مجرد النهي ، أو لفظ التحريم .

ثم بين مضار الخمر و الميسر فقال : { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فهل أنتم منتهون } .

لذا وصفها النبي صلى الله عليه و سلم بقوله : " الخمر أم الخبائث " . فالخمر إذا أذهبت العقل هانت كرامة الإنسان على غيره و فقد القدرة على إدراك الخير و البعد عن الشر هذا فضلاً عن الأضرار الفادحة التي تلحقها بصحة البدن و تهدد حياته ، كما يمتد ضررها إلى الأولاد و الأجنة .

و القرآن الكريم لم يذكر تعليل الأحكام الشرعية إلا بإيجاز ، لكن هنا فصل في بيان الحكمة من تحريم الخمر و الميسر ليشير إلى ضررهما و خطرهما ثم أكد سبحانه و تعالى التحريم و شدد في الوعيد فقال :

{ و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و احذروا ، فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين } [ سورة المائدة : الآية 93 ] .

و قد فهم الجمهور من تحريم الخمر و استخباث الشرع لها و إطلاق الرجس عليها و الأمر باجتنابها ، الحكم بنجاستها و خالفهم في ذلك ربيعة _ شيخ مالك _ و الليث بن سعد و المزني _ صاحب الشافعي _ و بعض المتأخرين من المحدثين فرأوا أنها طاهرة و أن المحرم هو شربها .

و دل قوله تعالى : { فاجتنبوه } على الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء ، بوجه من الوجوه ، لا شرب و لا بيع و لا تخليل ، و لا مداواة .

عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها " [ رواه مسلم ] .



مشكلة الخمر تهز العالم :

الخمر من أعقد المشكلات التي يجأر منها الغرب و يبحث لها عن حل لكن دون جدوى فهذا السيناتور الأمريكي وليم فولبرايت يقول عن مشكلة الخمر : لقد وصلنا إلى القمر و لكن أقدامنا ما زالت منغمسة في الوحل ، إنها مشكلة حقيقية عندما نعلم أن الولايات المتحدة فيها أكثر من 11 مليون مدمن خمر و أكثر من 44 مليون شارب خمر .

و قد نشرت مجلة لانست البريطانية مقالاً بعنوان " الشوق إلى الخمر " جاء فيه : إذا كنت مشتاقاً إلى الخمر فإنك حتماً ستموت بسببه .

و ينقل المؤلف أن أكثر من 200 ألف شخص يموتون سنوياً في بريطانيا بسبب الخمر . و أن التقارير الصادرة عن الكليات الملكية البريطانية أجمعت على خطر الخمور و أنه لا يترك عضواً في الجسم إلا أصابه ، فضلاً عن الزيادة الكبيرة في حوادث السيارات و فقدان العمل و حوادث العنف الناجمة عن تعاطيه .

و يؤكد الكاتب أن معظم حوادث الوفيات و الاختلاطات الناجمة عن الخمر تحدث عند الذين يظنون أنهم لا يشربون الكثير من الخمر . و يرى أن ما يدعيه بعض الأطباء من أن الخمر قد يكون مفيداً إذا ما أخذ بجرعات قليلة إنما هو محض كذب و هراء ، و إن دراستهم غير موثوقة و لا يعتد بها .

و قد ذكرت مجلة الإدمان البريطانية أن الخسائر التي نجمت عن المشاكل التي يسببها الخمر بلغت 640 مليون جنيه استرليني في عام 1983 وحده ، و أن 69 مليون أخرى قد أنفقت على المرضى الغوليين في المشافي .

في حين تذكر المصادر الأمريكية أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تعاطي الخمور بلغت أكثر من ملياري دولار سنوياً في الولايات المتحدة _ في الستينات _ في تقرير حديث صدر عام 1978 لوزارة الصحة الأمريكية قدرت فيه الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الخمر في سائر المجالات الصحية و الاجتماعية و الصناعية بحوالي مليار دولار في العام . في حين قدرت خسائر الإنتاج في المحيط الصناعي وحده 20 ألف مليون دولار .

و قد ذكرت المجلة الطبية العالمية [ Medicine Internathional , Feb . 1989 ] أن استهلاك الخمر في العالم قد تزايد بشكل مريع ، إذ تضاعف استهلاكه ثلاثة أضعاف ما كان عليه في الخمسينات . و في ألمانية الشرقية سابقاً بلغ استهلاكه ثمانية أضعاف في الفترة للزمنية نفسها .

و ينقل البروفيسور شاكيت أن 93 % من سكان الولايات المتحدة يشربون الخمر و أن 40 _ 50 % من الرجال يعانون من أمراض عابرة بسببه ، و 5 % من النساء 10 % من الرجال يعانون من أمراض مزمنة معندة .

و مشكلة الخمرة أن أذاها يتعدى متعاطيها إلى أسرته و مجتمعه ، فالسكير قد يقترف من الآثام و الجرائم ما تقشعر له الأبدان . و إنما قيل لشارب الخمر " نديم " من الندامة لأن معاقر الكأس إذا سكر تكلم أو فعل ما يندم عليه .

و العلاقة وثيقة بين تعاطي الخمر و الجريمة ففي إحصائية من أمريكا تؤكد أن نصف جرائم الانتحار سببها الإدمان و كذا 34 % من جرائم الاغتصاب ، و 64 % من حوادث السير و مصرع المشاة .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:25 PM
دور الإسلام في حماية البشرية من مشكلة الخمور :

لم تشهد البشرية عبر تاريخها الطويل علاجاً ناجعاً لمشكلة الإدمان على الخمر و الوقاية من آثاره البشعة في حياة المجتمعات البشرية سوى الحل الإسلامي الذي ما يزال المتدينون من المسلمين ينعمون في آثاره ضمن مجتمعاتهم .

لقد أقر المشرعون و الأطباء في كافة بلدان العالم أن الخلاص من أذى الخمرة و ويلاته لا يكون إلا بتحريمها ، و صدرت عدد من القوانين سواء في الولايات المتحدة _ 1919 _ و في غيرها من البلدان الأوربية بمنع تصنيع الخمر و بيعها ، أو للحد من شربها ، و أنفقت الحكومة الأمريكية ما يزيد عن 60 مليون دولار على الدعاية و توعية الناس ، كما طبعت آلاف الكتب لتنفيذ قانون المنع ، كل هذا لم يفلح و انتشرت الحانات السرية ، و ظهرت الخمور الرديئة التي زادت من أضراره ، و كانت النتيجة فشل القانون و إلغاؤه بعد سنوات من صدوره .

لقد ولع العرب في جاهليتهم بالخمر ، و تغنوا بها ، و تفننوا في وصفها و تسميتها ، فجاء القرآن فسلك أسلوباً فريداً في اجتثاث داء معاقريها من حياتهم بعد أن نزع من نفوسهم عقائد الجاهلية و قيمها و زرع فيها دين الفطرة و عقيدة التوحيد ، و دانت النفوس طواعية لكل ما ينتج عن هذه العقيدة و أصبحت مهيئة للتلقي فأول آية نزلت تتكلم عن الخمر هي قوله تعالى :

{ و من ثمرات النخيل و الأعناب تتخذون منه سكراً أو رزقاً حسناً } [ سورة النحل : الآية 67 ] .

ففي هذه الآية الكريمة نجد كيف أن القرآن بأسلوبه الدقيق أشار ، بوضع المقابلة بين السكر و الرزق الحسن ، إلى أن السكر ليس من الرزق الحسن و إنما هو نقيض ذلك .

ثم تحرك في وجدان المسلمين حب لبيان أكثر وضوحاً فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً . فأنزل سبحانه و تعالى :

{ يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما } [ سورة البقرة : الآية 219 ] .

فبين القرآن أن ضرر الخمر أكبر من نفعه الذي لا يتجاوز بعض المنافع الشخصية المادية ، و في هذا دفع لكثير من المؤمنين على هجرها .

و بعد أن تهيأت النفوس بشكل أكبر ، عمد القرآن لكسر عبادة الإدمان فحرم الصلاة على المسلم و هو سكران :

{ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } [ سورة النساء : الآية 43 ] .

ثم جاء الأمر الحاسم من الحق سبحانه و تعالى حين قال :

{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } [ سورة المائدة : الآية 90 ] .

و كان جواب المؤمنين قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : انتهينا ، انتهينا .

هنا نجد أنفسنا أمام معجزة الإسلام الخالدة و هي التحريم التدريجي للخمر و كيفية معالجته لقضية الإدمان و هو الأسلوب المتبع في أحدث المؤسسات الاختصاصية التي تعالج المدمنين .

عن أنس بن مالك قال : بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة و أبي عبيدة و أبي دجانة و …. حتى مالت منا الرؤوس من خليط بسر و تمر فسمعت منادياً ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت . قال : فما دخل علينا داخل ، و لا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب و كسرنا الغلال و توضأ بعضنا و اغتسل بعضنا ، و أصبنا من طيب أم سليم ، ثم خرجنا إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ :

{ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } [ سورة المائدة : الآية 90 ] .

يقول بعض مفكري الغرب : كيف استطاع عرب الصحراء في القرن السابع الميلادي إنجاز هذا التغيير في المجتمع ، لقد كانوا يجهلون كل شيء عن الأمراض التي يسببها الخمر في الجسم و مع ذلك استطاع الإسلام أن ينمي قوة الإرادة التي جعلت السكارى يبصقون ما في أفواههم من خمر و يريقون على الأرض ما في دنانهم من هذا السم ، مرة واحدة ، و إلى غير رجعة .

الأسلوب الإسلامي في القضاء على الخمر :

الإسلام دين الفطرة و قد استطاع بتشريعاته أن يقود الناس إلى السعادة في الدنيا و الآخرة ، و قد سلك عدداً من الأساليب للقضاء على الخمر و منع تفشيها في مجتمعاته منها :

1. الربط بين الأحكام التشريعية و الغاية التي شرعت من أجلها و من ثم ربط التنفيذ بإيمان الإنسان و مصيره الأخروي ، مما يمنعه عن اقتراف ما حرم الله من شرب خمر و غيره . قال النبي صلى الله عليه و سلم : " الخمر أم الخبائث فمن شربها لم تقبل صلاته أربعين يوماً ، فإن مات و هي في بطنه مات ميتة جاهلية " [ صحيح الجامع الصغير _ الألباني _ رواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ] .

و قوله صلى الله عليه و سلم : " لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن ، و لا يشرب الخمر حين يشرب و هو مؤمن " [ صحيح البخاري ] .

2. منع الجلوس على موائد يشرب فيها الخمر حيث اعتبر الشارع الكريم المجالس مشاركاً في الإثم .

روى الطبراني أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوماً على الشراب فضربهم و فيهم صائم فقالوا : إن هذا صائم ، فتلا قوله تعالى :

{ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم } [ سورة النساء : الآية 190 ] .

3. تحريم صنع الخمر و الاتجار بها . قال صلى الله عليه و سلم : " لعن الله الخمر و شاربها ، و ساقيها ، و بائعها ، و مبتاعها ، و عاصرها ، و معتصرها ، و حاملها ، و المحمولة إليه ، و آكل ثمنها " [ رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر ، و صححه الحاكم في مستدركه و رواه ابن ماجة عن أنس ، و قال المنذري : رجاله ثقات . و قال الأرناؤوط : حديث حسن ]

حيث توعد الشارع كل من أعان على شرب الخمر .

4. منع الدعاية للخمر و الترويج لها حيث حرم الشارع وصف الخمرة في الأشعار و التغني بها ، و هذا ما فعله سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن الثقفي حين تغنى بها .

5. التحذير و التنبيه إلى أخطار الخمر على المجتمع حيث يقول النبي صلى الله عليه و سلم : " الخمر أم الفواحش و أكبر الكبائر ، من شربها وقع على أمه و خالته و عمته " [ صحيح الجامع الصغير و زيادته ، رواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن عمر ، , الديلمي عن عمرو بن العاص ، و قال الهيثمي : حديث حسن ] .

6. محاسبة السكير على جرائمه التي يرتكبها أثناء سكره . يقول علي كرم الله وجهه : تراه إذا سكر هذى ، و إذا هذى افترى ، و على المفتري ثمانون جلدة .

و قضى عمر بقول علي فجلد السكران ثمانين جلدة ، و أمر معاوية بقتل القاتل الذي قتل رجلاً و هو سكران .

7. أوجب الشارع معاقبة شارب الخمر بإقامة الحد عليه . عن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يضرب في الخمر بالجريد و النعال أربعين . [ رواه الشيخان ] .

و عن علي رضي الله عنه قال : جلد رسول الله صلى الله عليه و سلم أربعين و أبو بكر أربعين و عمر ثمانين ، و كل سنة و هذا أحب إلي . [ رواه مسلم ] .

8. العقوبة الأخروية أشد : لقد توعد الشارع شارب الخمر بعذاب شديد في الآخرة ، فقال صلى الله عليه و سلم : " كل مخمر خمر ، و كل مسكر حرام ، و من الخمر خبثت صلاته أربعين صباحاً ، فإن تاب ، تاب الله عليه ، فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال . قيل : و ما طينة الخبال ؟ قال : صديد أهل النار " [ صحيح الجامع الصغير _ الألباني _ و قد رواه أبو داود عن عبد الله بن عباس ] .

و قال صلى الله عليه و سلم : " مدمن الخمر كعابد الوثن " [ صحيح الجامع الصغير _ الألباني _ رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس ، و رواه الحاكم عن عبد الله بن عمر ] .

هذه الأحاديث تشير إلى مدى اهتمام ديننا الحنيف بمشكلة الخمر ، و احتوائه لمختلف جوانبها ، حتى توصل في النهاية إلى النتيجة الباهرة بالقضاء المبرم عليه في المجتمع المسلم .



تحريم التداوي بالخمر :

عن وائل بن حجر رضي الله عنه أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن الخمر ، فنهاه ، فقال : إنما أصنعها للدواء ، فقال : " إنه ليس بدواء و لكنه داء " [ رواه مسلم ] .

ففي محاضرة للدكتور هيجنتوم أمام الجمعية الطبية البريطانية قال : أنا لا أعلم مرضاً قط شفي بالخمر . كما أكد عدد من الباحثين البريطانيين منهم الدكتور جونسون و الدكتور هيل و الدكتور هنري مارتس : أن الخمر لا يشفي مرضاً و لا ينفع الجسم .

أما محمد صلى الله عليه و سلم فقد قال منذ أكثر من 14 قرناً : " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " [ رواه أبو داود ، و الطبراني عن أم سلمة ، و رجاله رجال الصحيح _ مجمع الزوائد _ ] .

و قيد الفقهاء حرمة التداوي بالخمر أو الخمور الدوائية إذا كانت صرفة ، أما إذا استهلكت في الدواء بحيث لم يبق له طعم أو ريح . و كان ذلك لإصلاح الدواء و لم يجد الطبيب أو مريضه دواءً مباحاً ، فجائز إذا وصفه طبيب حاذق مسلم . [ يراجع البحث في الجزء الأول من روائع الطب الإسلامي : بحث التداوي بالمحرمات ] .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:26 PM
و لكن ما هي الخمر و مم تتكون ؟

كل المحاليل السكرية و النشوية إذا وجدت في حرارة معتدلة و معها الخميرة اللازمة لعملية التخمر يمكن أن تتحول إلى خمر لتشكل مادة الغول _ الكحول أو السبيرتو _ و انطلاق غاز الفحم على شكل فقاعات أثناء عملية التخمر .

و الخمر يتنوع إذن باختلاف مصدره ، فالبيرة هي خمر الشعير ، و السيدر خمر التفاح ، لكن أشيع أنواع الخمر هو خمر العنب .

عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إن من العنب خمراً ، و إن من العسل خمراً ، و من الزبيب خمراً ، و من الحنطة خمراً . و أنا أنهاكم عن كل مسكر " [ رواه أبو داود و الترمذي و الحاكم ، و في سنده إبراهيم بن المهاجر البجلي : و هو صدوق فيه لين ، و لكن للحديث شواهد بمعناه يتقوى بها _ الأرناؤوط _ ] .

و عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها و يضرب على رؤوسهم بالمعازف و القينات ، يخسف الله بهم الأرض و يجعل منهم قردة و خنازير " [ رواه ابن ماجة والطبراني و البيهقي ، و صححه ابن القيم و ابن حبان السيوطي ، و صنفه الألباني في صحيح الجامع الصغير ] .

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا و معاذ بن جبل إلى اليمن فقلت : يا رسول الله إن شراباً يصنع بأرضنا يقال له المزر ، من الشعير ، و شراباً يقال له البتع ، من العسل ، فقال صلى الله عليه و سلم : " كل مسكر حرام " [ رواه البخاري و مسلم ] .

فالمركب الأساسي في كل الخمور هو الغول _ الكحول الإيتيلي _ أو الإيتانول و هي مادة سامة تعزى إليها معظم الأضرار الناجمة عن شرب الخمر ، و تتفاوت نسبة بين أنواع الخمور المختلفة . و قد ورد اسم الغول في القرآن في معرض تعريفه لخمر الجنة :

{ لا فيها غول و لا هم ينزفون } [ سورة الصافات : الآية 47 ] .

و قد فسرت يومئذ بالسكر لجهل الناس بعلم الكيمياء .

غير أن اكتشاف المسلمين لعملية التقطير في القرن الهجري الثاني ، و بعد تقطيرهم للخمر استخرجوا منها الغول و سموه بروح الخمر . [ من هنا يتبين لنا أن قرآن الكريم ذكر الغول بمعناه العلمي قبل توصل العلماء إلى كشفه . و نقله الفرنجة إلى لغتهم _ الغول ، الكوهول ، Alcohol _ ثم لما صحا العرب و أخذوا يترجمون علوم الغرب إلى العربية عادوا إلى الكوهول فترجموها بالكحول و نسوا أنها مشتقة من اللفظ العربي الأصيل الغول ] .



و من المواد الأخرى في الخمر :

الغول الميتيلي و هو أشد سمية من الغول الإيتيلي و زيت الفوزلول Fuselole و هي مادة سامة أيضاً توجد في الكونياك و الخمور المستخرجة من البطاطا . و هناك مواد خاصة مقبلة توجد في أنواع من الشراب Liquer الفرنسي منها ساليسيل ألدهيد و زيت اللوز المر و هي سامة للخلايا العصبية .

و في شراب الأفسنتين مواد تزيد في حساسية الأعصاب الجلدية ، تجعل المدمن يعتقد بوجود حشرات تزحف فوق جلده ، كما تؤدي لحدوث تشنجات تشبه الصرع [ عن محاضرة في الطب النفسي للدكتور حنا خوري ] كما يحتوي الخمر على مواد قابضة دابغة و مواد عطرية و أصباغ ، و مواد محسنة كالجيلاتين و الغرى ، و هي مواد محسسة قد تحدث الطفوح الجلدية الشروية و الربو و الشقيقة . هذا فضلاً عن المواد التي تدخل بقصد الغش أو التلوين كالزرنيخ و الرصاص و الكبريت و المواد القطرانية و غيرها .







هل الخمر غذاء :

لقد بما لا يقبل الجلد أن الغول لا يملك أية قيمة غذائية . فالغذاء يجب أن يحتوي على بروتينات لبناء الخلايا و ترميمها ، على سكريات و دسم لتزويد الجسم بالطاقة ، و على فيتامينات تعطي الجسم نشاطه . و الخمر لا يحتوي على أي من هذه المواد .

أما السمنة التي نلاحظها عند المدمنين فهي ليست دليل عافية بل هي نتيجة اختلال في تبادل المواد الغذائية نتيجة الإفراط في الشراب .

و إذا كان الغرام الواحد من الغول يعطي 7 حريرات فإن القدرة الحرورية الناجمة عن استقلاب الغول لا يستفيد منها الجسم و لا يستطيع تحويلها إلى طاقة و عمل .

و قد أجرى البروفيسور ل . م . بوخارسكي دراسة أكد فيها أن حرارة الجسم لا ترتفع عند تزويده بالحريرات الناجمة عن احتراق الغول في البدن ، و إن ما يحدث هو العكس تماماً : فالغول يوسع الأوعية الدموية السطحية و يزيد من الضياع الحروري الذي يفوق ما يكتسبه المرء من تناول الغول و حرقه .

كما أن البروفيسور بوشه يؤكد أن الحرارة المركزية عند الثملين تهبط إلى 30 و حتى الـ 26 درجة مئوية .

فعند البرد الشديد ، تنقبض الأوعية السطحية عند الشخص السليم لتحافظ على حرارته الداخلية ، أما الثمل فإن أوعيته تبقى خاضعة للتأثير الموسع للغول ، و يفقد حرارته الداخلية ، و يتجمد جزء من أطرافه ، و خاصة الأصابع ، و قد يموت الثمل ، إذا ما تعرض طويلاً للبرد .

و علاوة على أن الخمر لا يحتوي أياً من المواد الغذائية أو الفيتامينات اللازمة للعضوية ، فإن تناوله المديد يؤدي إلى نقص عناصر أساسية لازمة للعضوية كالبوتاس و الكلس و المغنزيوم و الزنك و الفوسفات مؤدياً إلى عوارض مرضية .

فنقص البوتاس يؤدي إلى شلل في العضلات و انعدام المنعكسات ، و نقص الكلس يؤدي إلى الضعف العم و التكزز ، و نقص المغنزيوم إلى اضطرابات عصبية و خلل نظم القلب ، و نقص الزنك إلى خلل في وظيفة الخصية و نقص الشهية و اضطراب المناعة و هكذا .

و إن المدمن حينما ينغمس في شرابه ، ساهياً عن تناول طعامه فإنه نقص سكر الدم أمر وشيك الوقوع خلال ساعات ، و إن الإسراف في الخمر في مجلس واحد كثيراً ما يؤدي إلى فقد الذاكرة و غياب الوعي .



ما هي أثار الخمر بالمقادير القليلة :

يقول مؤلف كتاب الغولية : يعتقد العلماء أنه ليس هناك كمية معينة إذا ما تناول المرء دونها ، كان آمناً من خطر الخمور ، و أن التخريب الحاصل من شرب الخمر مرة واحدة يمكن أن يكون _ عند بعض الناس _ تخريباً غير عكوس ، و مع توالي شرب المسكرات فإن هذا التخريب يتراكم و ينتشر متناسباً عندها مع كمية الخمر التي شربها الإنسان .

و هكذا فإن الدكتور حمدي الخياط يؤكد انه ليس بالإمكان مطلقاً تعيين المقدار من الغول الذي يورث الخطر لمتناوله ، كما لا يمكن تحديد المقدار الأقل منه _ الذي لا يؤدي إلى ضرر ما عند استعماله _ لأن هذا يختلف تماماً : من شخص لأخر ، كما يتعلق بالعمر ، و الجنس و العرق ، و نوعية الطعام ، و طرز الحياة ، و حلة الشخص من جوع أو شبع ، و غير ذلك .

إن لتحريم القليل مما يسكر كثيره ، و هي لا شك من الإعجاز النبوي الذي يفوق الوصف ، حكماً و موجبات ، إضافة إلى الحكمة التعبدية ، منها الآثار الضارة للغول و لو أخذ بمقدار ضئيل ،و منها اللذة أو النشوة الحادثة بتجرع مقدار قليل من الخمر تستدعي إعادة تعاطيه طلباً لتلك اللذة ، و بالتكرار تزداد الآثار الضارة على الجسم و لا يستحصل على النشوة إلا بزيادة ذلك المقدار ، و هكذا يزيد الشارب و يزيد حتى يصل إلى الاعتياد فالإدمان .

عن سعد بن وقاص رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن قليل ما اسكر كثيره . [ رواه النسائي و صححه ابن حبان ] .

و عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " [ رواه الترمذي و حسنه و أبو داود و ابن ماجة و الإمام أحمد ] .

و عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " كل مسكر حرام و ما أسكر الفرق الفرق منه فملء الكف منه حرام " [ رواه أبو داود و الترمذي ] .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:27 PM
تأثيرات الخمر السمية :

ترى هل يدري شارب الخمر أنه إنما يشرب سماً زعافاً ؟ و قبل الشرب يمكن لصانع الخمر أن يستنشق أبخرته مما يؤدي إلى إصابته بالتهاب القصبات و الرئة و إلى إصابة بطانة الأنف مما يؤدي إلى ضعف حاسة الشم .

و هنا يتضح معنى قوله " فاجتنبوه " فهي تعني النهي عن الاقتراب منه مطلقاً و هي أعم و أشمل من النهي عن شربه .

و يختلف تأثير الخمر السمي كلما تغير مستواه في الدم فعندما يبلغ مستواه 20 _ 99 ملغ % يسبب تغير المزاج و إلى عدم توازن العضلات و اضطراب الحس ، و في مستوى من 100 _ 199 ملغ % تضطرب القوى العقلية و الحركية و يفقد التوازن ، و في مستوى من 200 _ 299 ملغ % يظهر الغثيان و ازدواج الرؤية و اضطراب شديد في التوازن . و في مستوى 300 _ 399 ملغ % تهبط حرارة البدن و يضطرب الكلام و يفقد الذاكرة . و في مستوى 400 _ 700 ملغ % بدخل الشارب في سبات عميق يصحبه قصور في التنفس و قد ينتهي بالموت .

و رغم أن كل أعضاء الجسم تتأثر من الخمر فإن الجملة العصبية هي أكثرها تأثراً حيث يثبط المناطق الدماغية التي تقوم بالأعمال الأكثر تعقيداً و يفقد قشر الدماغ قدرته على تحليل الأمور ، كما يؤثر على مراكز التنفس الدماغية حيث أن الإكثار منه يمكن أن يثبط تماماً مؤدياً إلى الموت .

و هكذا يؤكد كتاب Alcoholism أن الغول بعد أن يمتص من الأمعاء ليصل إلى الدم يمكن أن يعبر الحاجز الدماغي و يدخل إلى الجنين عبر المشيمة ، و أن يصل إلى كافة الأنسجة الشحمية .

و كلما كانت الأعضاء أكثر تعقيداً و تخصصاً في وظائفها كانت أكثر عرضة لتأثيرات الغول السمية . فلا عجب حين نرى أن الدماغ و الكبد و الغدد الصم من أوائل الأعضاء تأثراً بالخمر حيث يحدث الغول فيها اضطرابات خطيرة .



تأثيرات الخمر على جهاز الهضم :

في الفم يؤدي مرور الخمر فيه إلى التهاب اللسان كما يضطرب الذوق نتيجة ضمور الحليمات الذوقية ، و يجف اللسان و قد يظهر سيلان لعابي مقرف .

و مع الإدمان تتشكل طلاوة بيضاء على اللسان تعتبر مرحلة سابقة لتطور سرطان اللسان ، و تؤكد مجلة Medicin [ j . of Medicin , Feb . 1989 ] أن الإدمان كثيراً ما يترافق مع التهاب الغدد النكفية .

و الخمر يوسع الأوعية الدموية الوريدية للغشاء المخاطي للمري مما يؤهب لتقرحه و لحدوث نزوف خطيرة تؤدي لأن يقيء المدمن دماً غزيراً . كما تبين أن 90 % من المصابين بسرطان المريء هم مدمنوا خمر .

و في المعدة يحتقن الغشاء المخاطي فيها و يزيد إفراز حمض كلور الماء و الببسين ، مما يؤهب لإصابة صاحبها بسرطان المعدة الذي يندر جداً أن يصيب شخصاً لا يشرب الخمر .

و تضطرب الحركة الحوية للأمعاء عند شاربي الخمر المعتدلين و تحدث التهابات معوية مزمنة و إسهالات متكررة عند المدمنين ، و تتولد عندهم غازات كريهة و يحدث عسر في الامتصاص المعوي .



الكبد ضحية هامة للخمر :

للكبد وظائف هامة تقدمها للعضوية ، فهو المخزن التمويني لكافة المواد الغذائية و هي تعدل السموم ، و تنتج الصفراء . و الغول سم شديد للخلية الكبدية و تشغل الكبد من أجل التخلص من الغول عن وظائفها الحيوية و يحصل فيها تطورات خطيرة نتيجة الإدمان . ففي فرنسا وحدها يموت نوياً أكثر من 22 ألف شخص بسبب تشمع الكبد الغولي و في ألمانيا يموت حوالي 16 ألف .

كما أن الغول يحترق ضمن الكبد ليطلق كل 1 غ منه 7 حريرات تؤدي بالمدمن إلى عزوفه عن الطعام دون أن تعطيه هي أي فائدة مما يعرضه لنقص الوارد الغذائي .

1. تشحم الكبد : حيث يتشبع الكبد بالشحوم أثناء حرق الغول و تتضخم الكبد و تصبح مؤلمة . و يؤكد البروفيسور برانت _ من جامعة كامبردج _ [ عن مجلة Medicin Internat لعام 1989 ]

أن تناول 180 غرام من الخمر يومياً كافية لإحداث تشحم الكبد . و هي آفة يمكن أن تتراجع إذا توقف الشارب عن تناول الخمر .

2. التهاب الكبد الغولي : آفة عارضة تتلو سهرة أكثر فيها الشارب من تناول الخمر و تتجلى بآلام بطنية و قيء و حمى و إعياء و ضخامة في الكبد .

3. تشمع الكبد Liver Cirrhosis : حيث يحدث تخرب واسع في خلايا الكبد و تتليف أنسجته و يصغر حجمه ، يقسو و يصبح عاجزاً عن القيام بوظائفه .و يشكو المصاب من ألم في منطقة الكبد و نقص في الشهية و تراجع في الوزن مع غثيان و إقياء ثم يصاب بالحبن أو باليرقان . و قد يختلط بالتهاب الدماغ الغولي و يصاب بالسبات أو بنزف في المرئ ، و كلاهما يمكن أن يكون مميتاً .

و صدق الله تعالى : { و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا } [ سورة طه : الآية 124 ] .

4. التهاب المعثكلة : و هو قد يكون حاداً يتظاهر بألم شديد في البطن ينتشر إلى الظهر و يترافق بغثيان و إقياء ، و قد يكون مزمناً . و يؤكد الدكتور كلارك أن 75 % من المصابين بالتهاب المعثكلة المزمن هم من مدمني الخمر .



تأثيرات الخمر على القلب :

يصاب مدمن الخمر بعدد من الاضطرابات الخطيرة و المميتة التي تصيب القلب منها :

1. اعتلال العضلة القلبية الغولي : حيث يسترخي القلب و يصاب الإنسان بضيق في النفس و إعياء عام و يضطرب نظم القلب وتضخم الكبد مع انتفاخ في القدمين ، و المرض ينتهي بالموت إذا لم يرتدع الشارب عن الخمر .

2. قد يزداد الضغط الدموي نتيجة الإدمان .

3. داء البري بري القلبي : حيث يسترخي القلب نتيجة نقص الوارد من التيامين عند المدمن

4. داء الشرايين الإكليلية : الغول يؤدي إلى تصلب و تضيق في شرايين القلب تتظاهر بذبحة صدرية عند قيام المصاب بأي مجهود _ ألم شديد في الصدر _ .

5. اضطراب نظم القلب : حيث يشكو المصاب بالخفقان ، و هذا قد يحصل حتى عند تناول كمية قليلة من الخمر ، و هي أعراض تزول عند الامتناع عن شرب الخمر ، لكن الإدمان قد يؤدي إلى اضطرابات مميتة في نظم القلب .



تأثيرات الخمر على الجهاز العصبي



تعتبر الخلايا العصبية أكثر الخلايا عرضة لتأثيرات الغول السمية . و للغول تأثيرات فورية على الدماغ ، بعضها عابر ، و بعضها غير قابل للتراجع .

حيث يؤكد الدكتور براتر و زملاؤه أن تناول كأس واحد أو كأسين من الخمر قد تسبب تموتاً في بعض خلايا الدماغ . و هنا نفهم الإعجاز النبوي في قوله صلى الله عليه و سلم : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " .

أما ما يلاحظ من نشوة عابرة عند تناول المسكرات فما هي : إلا نتيجة تثبيط لوظائف الدماغ العليا ، مما يحرر بعض المناطق البدائية في جذع الدماغ ، ينجم عنها بعض التصرفات اللامسؤولة .

و السحايا قد تصاب عند المدمن ، عندها يشكو المصاب من الصداع و التهيج العصبي ، و قد تنتهي بالغيبوبة الكاملة . كما أن الأعصاب كلها معرضة للإصابة بما يسمى " باعتلال الأعصاب الغولي العديد أو المفرد " و يحدث بسبب عدم قدرة الخلايا عند الغوليين على الاستفادة من الفيتامين " ب 1 " . فقد يصاب العصب البصري ، و تحدث اللقوة عند إصابة العصب الوجهي ، و تصاب بالشلل العضلات الباسطة عند إضافة العصب الكعبري و يسمى بشلل يوم السبت في البلاد التي أباحت الخمرة . و تحدث آلام في الطرفين السفليين عند إصابة العصب الوركي .

أما الأذيات الدماغية فيمكن أن تتجلى بداء الصرع المتأخر الذي يتظاهر عند بعض المدمنين بنوبات من الإغماء و التشنج و التقلص العضلي الشديد . و من مظاهرها الشيخوخة المبكرة حيث يبدي تخطيط الدماغ الكهربي عند العديد من المدمنين الشباب تغيرات تشابه ما يشاهد عند الشيوخ .

و قد يحدث الموت المفاجئ بعد تعاطي كمية كبيرة من الغول نتيجة تثبيط في مراكز التنفس أو القلب حيث سجلت حوادث من الموت المفاجئ عند مراهقين مدمنين لم يتعدوا الرابعة عشر من عمرهم .

و تترافق الغولية المزمنة بعدد من الاضطرابات النفسية العصبية أهمها :

1. الهذيان الارتعاشي حيث يبدو المريض قلقاً يعاني كثيراً من الأوهام و الأهلاس المخيفة ليلاً ، و قد يفقد المدمن قدرته على معرفة الزمان و المكان و يصاب بأهلاس سمعية ترعبه و قد يحاول الانتحار فراراً من هذا العذاب فتتحول كأس اللذة إلى جرعة سم قاتلة .

2. الهذيان الغولي المزمن حيث يصاب بالشكوك و أوهام الغيرة متهماً زوجته . هذا و إن ضعف قدرته الجنسية و نفور زوجته منه بسبب إدمانه لها دور في تطور أوهام الغيرة عنده .

3. ذهان كورساكوف : حيث يفقد المدمن ذاكرته و يختلق الأحداث _ و القصص الوهمية .



تأثيرات الخمر على الوظيفة الجنسية :

تروي كتب الأدب [ عن العقد الفريد لابن عبد ربه ] قصة أعرابية أسكرها قوم في الجاهلية فلما أنكرت نفسها قالت : أيشرب هذا نساؤكم ؟ قالوا : نعم . قالت : لئن صدقتم لا يدري أحدكم من أبوه .

و قد أكد الأطباء أن الخمر تزيد من شبق الأنثى فيضطرب سلوكها الجنسي ، حتى أنه لا يستغرب أن تمارس المرأة أول عمل جنسي لها تحت تأثير الخمر .

و قد أكد البروفيسور فورل أن معظم حالات الحمل السفاحي حدثت أثناء الثمل . كما تضطرب الدورة الطمثية لدى المرأة المدمنة ، و تصل إلى سن اليأس قبل غيرها بعشر سنوات ، و تتأذى الخلايا المنتشة مؤدية إلى ضرر في المبيضين .

أما عند الرجل ، فعلى الرغم من ازدياد الرغبة الجنسية في المراحل الأولى من الشرب . إلا أن القدرة على الجماع تتناقص عند المدمن حتى العنانة الكاملة . و الغول يؤذي الخلايا المنتشة و يتلفها مؤدياً إلى ضمور في الخصيتين ، و قبل هذا يمكن ظهور نطاف مشوهة يمكن أن تؤدي إلى أجنة مشوهة .



تأثير الخمر على الجلد :

يسم الخمر شاربه المدمن عليه بما يسمى بفيمة الأنف ، و هو شكل ضخامي مشوه من العد الوردي ، تشتد فيه حمرة الوجه و يتضخم الأنف و تعلوه البثور .



الخمر ينتهك الخط الدفاعي للبدن :

تضعف مقاومة البدن للأمراض الانتانية لدى المدمن و تنقص المناعة لديه لا سيما للإصابة بذات الرئة و غيرها . و قد كان يفسر سابقاً بسوء التغذية .

لكن أبحاث كورنيل الأمريكية أثبتت أن ضعف المقاومة لدى المدمنين ناتج عن تدخل مباشر في عملية المناعة . فقد ثبت أن الكريات البيض في الدم الحاوي على 0.15 غ غول / في كل 100 مل منه تصبح محدودة الحركة ، و غير قادرة على القيام بوظيفتها .

و إن سوء التغذية لدى مدمن الخمر يؤدي عنده إلى أشكال متطورة خبيثة من فقر الدم بنقص الفيتامين " ب 12 " ، أو من نوع كبير الكريات بنقص حمض الفوليك ، كما قد تتطور عنده أشكال من البوفيريا الكبدية الجلدية .



آثار الخمر الخطيرة على النسل :

يقول الدكتور أحمد شوكت الشطي : إن زواج الغوليين قضية خطيرة لأن الزوج المولع بالشرب زوج غير صالح ، و يرث نسله منه بنية مرضية خاصة تعرف بالتراث الغولي ، و يقصد به ما يحمله نسل المخمورين من ضعف جسدي و نفساني ، و قد ثبت أن الأم الحامل تنقل الغول عبر مشيمتها إلى الجنين فتبليه ، و انه ينساب بالرضاعة إلى الوليد .

و قد أجمع الباحثون على أن قدرة الغول على إحداث تشوهات في الأجنة باتت مؤكدة . فحين يستقلب الغول في الكبد تنتج عنه مادة أسيت ألدهيد Acet Aldahyde و هي مادة مشوهة للصبغيات تؤدي إلى تشوه خلقي في الجنين و لها دور في إحداث السرطانات .

و يؤكد الباحث الأمريكي M . Globus [ Globus M . 8 " Current Status ” _ Obs . Gynecol – 1980 ] أن الغول يعتبر من أكثر المواد المسببة لتشوه الأجنة انتشاراً حيث يؤثر على 1 _ 2 % من الحوامل في أمريكا ، و إن تعاطي المرأة للخمر أثناء حملها يمكن أن يؤدي إلى ما يسمى بتناذر الجنين الغولي Alcohol – Fetal Syndrome .

و رغم أن الكمية من الخمر المؤدية لحصول هذا التناذر غير معروفة ، إلا أنه من المؤكد أنه كلما ازدادت كمية الخمر المتعاطاة ، كلما ازداد خطر الإصابة بهذا المرض ، و إلى حصول تشوهات خلقية أشد .

و من الملاحظ أن هذه القاعدة غير مضطردة لذا فإن جميع الدوائر الطبية في العالم تمنع الحامل من تعاطي الخمر ، و مع ذلك فقد حصلت حوادث نادرة حصل فيها التشوه عند جنين ولد من أم مدمنة رغم أنها أوقفت تعاطيه أثناء حملها .

و يتمثل تناذر الجنين الغولي بعدد من الأمراض و التشوهات منها صغر الدماغ و الفك و العينين ، مع تخلف في النمو ، و تخلف عقلي ، و عيوب خلقية في القلب و عظام الوجه ، و تشكل الحنك المشقوق ، و تشوه المفاصل .

و تعتبر الاضطرابات العقلية و العته من أكثر الظواهر لدى الأطفال لأمهات مدمنات على شرب الخمور . و قد أجرى كامينسلكي دراسة في باريس على 9000 امرأة حامل فتبين له أن تناول 1.5 أونصة من الخمر يمكن أن ينتج عنه ازدياد في الأجنة المليصة _ التي تلد ميتة _ و نقص في وزن الجنين و حجمه . و أثناء الرضاعة ينساب الغول مع الحليب إلى الرضيع مؤدياً لظهور حالات من التسمم تتصف باختلاجات عند الرضيع و حالات من السبات .

كما قد يرث الأبناء عن آبائهم إدمان الخمرة إذ يؤكد الباحث الأمريكي لوريل هرتون أن 50 % من أبناء المدمنين على الخمرة مدمنون [ المراهقون و تعاطي المسكرات _ دوربل هورتون _ U . S . A. ] .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:28 PM
النساء و الخمور :

[ عن مقالة نشرت في مجلة Time الأمريكية عدد 22 / 1 / 1990 تحت عنوان : " لم الرجال أكثر تحملاً للخمور من النساء ؟ " " Why men can outdrink women " ] .

" النساء لا تتحمل الخمور " عبارة تتكرر في الحفلات . ذلك أنهن أسرع إصابة بالدوار و أطول بقاء في حالة السكر من الرجال المجارين لهن كأساً بكأس .

و قد عزي هذا الاختلاف للتركيب البنيوي كلياً فالنساء أكثر شحماً و أصغر حجماً و أقل ماءً من الرجال ، لذا فإن ذوبان الخمور يكون أكثر بطأً مما يطيل آثاره المسكرة . هذا التفسير لم يقنع العلماء تماماً و تساءلوا طويلاً عن سبب عدم وجود تفسير كيماوي إلى أن اكتشف باحثون من إيطاليا و أمريكا ما مفاده أن النساء يملكن مقداراً أقل من الأنزيم الغولي النازع للهدروجين ، و هو أنزيم واق للمعدة و معطل للغول فيها ، و له دور في كبح أو منع حدوث الانسمام .

فعندما يتم تناول القليل من الخمر ينتقل إلى المعدة فالأمعاء فالدم ليقوم بتأثيره على الدماغ لتحدث التأثير المسكر . و يقوم الأنزيم النازع للهدروجين بتخريب الغول في المعدة و إنقاص المقدار النقي الداخل إلى الدم مباشرة بمقدار 20 % . و قد وجد الباحثون أن مقدار هذا الأنزيم في معدة النساء أقل بشكل واضح عنه في معدة الرجال ، و بالتالي فإنهن يمتصصن من الغول حوالي 30 % أكثر مما يمتصه الرجال إلى الدم .

و إذا أخذنا بعين الاعتبار أن النساء أقل حجماً من الرجال فإن تناول المرأة لـ 50 غ من الخمر يكون معادلاً بتأثيره لتناول الرجل لـ 100 غ منه .

و في بحث جديد تبين أن الرجال المدمنين على الخمر يملكون نصف ما يملكه الرجال الأصحاء من هذا الأنزيم ، أما النساء الغوليات فلم يتم عندهن العثور على هذا الأنزيم مطلقاً ، و هذا ناجم عن تأذي جدار المعدة بالغول .

و على هذا يؤكد الأستاذ تشارلز ليبر من كلية طب نيويورك أن النساء الغوليات يفقدن كل الحماية المعدية ، و شبّه تناولهن للخمر تماماً كصبه أو سكبه في الدم مباشرة ، و أن هذا النقص في الحماية يوضح سبب تعرض النساء الغوليات للتخرب الكبدي بشكل أكبر من تعرض الرجال الغوليين .

و تشدد هذه الاكتشافات الحديثة على ضرورة التحذير المبكر للنساء من تناول الخمور و اعتبار ذلك مجازفة .



السُّكر :

يقول شارل ريشيه _ الحائز على جائزة نوبل في الطب _ أن الخمر تشل الحواس و تجعل المرء يترنح و يتقيأ ، و سرعان ما تتغلب الخمر على أشد الرجال و تحوله إلى شخص هائج عنيف تتحكم فيه طبيعته البهيمية ، محمر الوجه محتقن العينين ، يجأر و يتوعد من حوله و يسب أعداءً خياليين ، و لا يوجد مثل هذا السلوك المخزي بين أي من الكائنات ، فالسكير أبشع ما في الوجود ، فهو كائن منفر ، تجعل رؤيته المرء يخجل من انتمائه لنفس النوع من الأحياء .

و السُّكر نوعان :

فالسكر العارض أو الحاد و له درجات ، يبدأ بهيجان و نشوة حيث يبدو كأنه أكثر شجاعة و أقل حياء ، لا يبالي بأقواله و لا بتصرفاته . ثم يصبح أكثر ثرثرة و يبدأ بالهذيان ثم بالترنح يمنة و يسرة و قد يصطدم بحائط أو يسقط في حفرة لاضطراب حركته و عدم اتزانها . فالمخمور يفقد إرادته كلياً تجاه الخمر و تجره الكأس الأولى إلى الثانية فالثالثة ، حتى يصاب بالانسمام الغولي الحاد .

و قد يعترض البعض بأن تناول القليل من الخمر لا تسبب السكر لكن هذا ليس صحيحاً دائماً ، فهناك ما يسمى بالسكر المرضي الذي ينجم عن أية كمية من الخمر ، و يصيب أصحاب الشخصية المتزعزعة ، و يتظاهر بحالة تمتد لبضع ساعات صنفها غارنير في ثلاثة نماذج :

1. سكر مرضي مترافق بتهيج حركي : نشاهد حالة من الغضب و الهياج العنيف ، يحطم و يزمجر و يدخل بعدها في سبات .

2. سكر مرضي : مترافق بأهلاس مخيفة كتوهم الجريمة و الخيانة ، تدفعه إلى الانتحار أو الإجرام .

3. سكر مرضي هذياني : حيث يختلق الأساطير و الخرافات ، و هذيانات العظمة و تنتهي بالسبات .



من الكأس الأولى إلى الإدمان :

في البداية كمية قليلة من الخمر تصل بشاربها إلى النشوة ، و مع تكرار الشرب و تقدم الزمن فإن نفس الكمية لا تكفيه ، إذ يحتاج إلى زيادة كمية المشروب ، ليصل إلى النشوة المطلوبة ، لأن الاعتياد ينقص من استجابة الدماغ لتأثير الغول .

و هكذا يصل الشارب إلى الإدمان على الغول أو الغولية ، و الذي عرّفه الدكتور هاري ملت بما يلي :

الإدمان الغولي و هو اضطراب مزمن يكون فيه الشخص غير قادر لأسباب عضوية و / أو نفسية على الامتناع عن الاستهلاك المتكرر للغول بكميات تكفي لإحداث التسمم في أنسجته و ضرر يشمل صحته و عمله و حياته .

فالأسباب النفسية تعود إلى الاعتياد الاجتماعي ، أما العضوية فهي أن معاقر الخمر يشعر بأعراض مرضية مضنية نتيجة الامتناع عن الخمر جمعها الأطباء تحت اسم " تناذر السحب " و الذي يتظاهر بالرجفان و الغثيان و التعرق و الأرق و الهذيان الارتعاشي مع هياج نفسي و عضلي حركي و خلل عام في وظائف البدن الغريزية .

و خلاصة القول : فإن الخمر تدفع صاحبها ليدخل حلقة مفرغة ، فالامتناع حينئذ يوقعه في تناذر السحب ، لأن جسمه لم يعد قادراً على القيام بأية وظيفة أو مهمة دون شرب الخمر ، و شرب الخمر يزيد من خطرها عليه كالمستجير من الرمضاء بالنار .

ألا ما أعظم شرع الله و أحكامه في حماية الإنسان المسلم من الويلات و الدمار و حفظ صحته من الأمراض المهلكة و المظاهر الدنيئة .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:33 PM
هل التدخين من الخبائث



نبات التبغ :

التبغ من الفصيلة الباذنجانية و سمي نسبة إلى منشئه في جزيرة Tabago الأمريكية حيث دلت بعض الحفريات عثر عليها هناك يعود تاريخها إلى عام 600 قبل الميلاد ، منها غليون من الفخار لتدخين التبغ .

و في عام 1915 جاء الرحالة أفيدوا بأوراقه إلى أوربا ، و قيل أن كريستوف كولومبس هو أول من جاء بأوراقه لتدخينها في أوربا ، إلا أن السفير الفرنسي في البرتغال جان نيكوت هو الذي استقدم بذوره و زرعها في حديقة منزله بقصد الزينة ، فأوراقه بيضاوية لزجة كبيرة الحجم و أزهاره جميلة حمراء ..

و بعد ذلك شاع استعماله في أرجاء العالم و دخل البلاد الإسلامية حوالي سنة الف هجرية و عرف في بلاد الشام باسم " التتن " _ الدخان _



نبات التبغ :

يتكون التبغ من أكثر من 300 مادة تختلف حسب نوع التبغ و طريقة تدخينه . إذ تحوي أوراقه على عدد من أشباه قلويات سامة منها النيكوتين و البيروليدين و سموم أخرى

غير معروفة تماماً .

النيكوتين :

مادة كيماوية تصنف مع أشباه القلويات الطيارة الشديدة السميّة و يعتبرها الدوائيون من السموم العصبية المهلكة بحيث أن دخول قطرة واحدة منها إلى البدن الحي تؤدي إلى موته المباشر …

و يشكل النيكوتين 2 _ 8 % من وزن أوراق التبغ الجافة . و أكد المؤتمر الدولي عن الصحة الذي انعقد عام 1967 أن النيكوتين يمكن أن يؤدي إلى نوع من الاستعباد كالذي يلاحظ عند تعاطي الخمور أو الهيروئين .

كما أنه يفتح الباب أمام سلسلة من العوامل المسرطنة و السامة ، و تأثير مواد أخرى يحتويها دخان السجائر .

اكتشف النيكوتين العالمان الألمانيان بوسان و رايمان و أسمياها بهذا الاسم نسبة إلى جان نيكوت . و هو ليس السم الوحيد الموجود في التبغ ، فلا عبرة بقولهم عن سجائر بلا نيكوتين ، فاحتراق السجائر ينجم عنها دخان يحتوي على 1 / 4 النيكوتين الموجود في التبغ علاوة على سموم أخرى من نواتج الاحتراق

هي الأسس البريدية Pyridic Bases أهمها :

1. السيانيد : أو حمض سيانور الماء الذي يوجد في دخان التبغ بنسبة 1600 إلى المليون ، في حين لا تتسامح دور الصناعة بتجاوزه 10 أجزاء من المليون من دخانها ، و زيادته إلى أعلى من هذه النسبة تؤدي إلى انسمامات خطيرة .

2. أول أوكسيد الفحم CO : و هو غاز سام جداً ، و تركيزه في دخان التبغ يفوق 1000 مرة التركيز المسموح به في هواء الشهيق العادي ، و هو يتحد مع هيموغلوبين الدم مما يمنع وظيفة الدم في نقل الأوكسجين ، و هذا سبب قصر النفس عند المدمنين على التدخين .

3. الأمونياك : الذي يؤدي إلى التهاب الغشاء المخاطي للأنف و العين و الحنجرة ، و يثير البصاق و السعال عند المدخنين .

4. غاز الإيتان و الميتان و البروبان : و مواد قطرانية مسرطنة لما تحتوي عليه من مادة البنزين …

5. مواد مسرطنة أخرى كالفينول و الفورمالدهيد و الأكرولئين و نتروسامين و 4 – 3 دوبانتريبرين و غيرها .

و تحتوي خلاصات التبغ على كمية قليلة من الفحوم الهدروجينية المتسلسلة المسرطنة و التي ترتفع نسبتها بعد الاحتراق .



الانسمام الحاد بالتبغ :

ينجم عن التعرض لكميات كبيرة دفعة واحدة كما يحصل أحياناً عند عمال التبغ و الزراع باستعمال مناقيع التبغ كمادة قاتلة للحشرات .

و المقدار السام هو 30 غ من هذا المنقوع أو 2 غ إذا استنشقت عطوساً أو 30 غ سجائر عند غير المدمن .

و يتجلى الانسمام الحاد بحس احتراق في البلعوم و ألم في الشرسوف و أقياء و انتفاخ بطن مع إسهال و شحوب و أعراض عصبية من هياج و رجفان و دوار و اختلاج ، ثم همود و سبات مع بطء في التنفس و ضعف في القلب قد ينتهي بالموت خلال ربع ساعة إلى أربع و عشرين ساعة

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:35 PM
مضار عادة التدخين

الانسمام المزمن بالتبغ



أكدت إحصائيات وزارة الصحة الأمريكية أن تعاطي التدخين يؤدي إلى وفيات تعادل 1000 وفاة يومياً في الولايات المتحدة الأمريكية ، و هو رقم يزيد 7 مرات عن الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق ، و تنجم عن الانسمام البطيء و التخزين المزمن لدخان التبغ بسبب ما يحتويه من سموم و مواد قطرانية فحوم هدروجينية مسرطنة .

و تختلف درجتها بحسب بنية المدخن و طبيعة حياته و طيلة فترة التدخين و عدد السجائر المدخنة يومياً ، و حسب طريقة استعمالها : فالغليون الطويل و النرجيلة تخفف من مقادير السموم الممتصة و خاصة الأخيرة إذ يذوب قِسمٌ منها في ماء النرجيلة .

و في تقرير للّجنة الطبية الأمريكية نشر في 11 / 1 / 1964 أكد أن التدخين ضار بالصحة حتماً و سبب رئيسي لعدد من الأمراض المميتة .

و لا تختلف الآثار الضارة كثيراً بين تدخين السجائر ذات المصفاة Felter و غير المصفاة و يموت المزيد من البشر بعد سنوات من الألم و الزلة و العجز .

و تؤكد الأبحاث أن ضرر التدخين لا ينحصر بالمدخن ، فالجلوس في غرفة مغلقة فيها مدخنون و لمدة أربع ساعات فإنها تعادل تدخين 10 سجائر . و أن مضار التدخين لا تحدث جميعها عند كل المدخنين ، لأن احتمال الأبدان يختلف بحسب بنية الشخص و طبيعة حياته و طراز و نوع التدخين ، إلا أن المشكل الحقيقي هو أنه لا يمكن للمدخن و لا لطبيبه أن يعرف هل سينجو من مضاره الخطيرة أم لا ، و لن يعرف أيضاً متى ، و لا نوع المرض الذي سيلحقه ، و الذي يمكن أن يحصل فجأة بعد انكسار المقاومة للمرض في لحظة حرجة لا ينفع بعدها الندم .

أما استنشاق مسحوق التبغ " سعوطاً " إلى داخل المنخر ، فإنه عدا عن سمية النيكوتين ، فمسحوق التبغ يخرش الغشاء المخاطي للأنف مؤدياً إلى التهابه المزمن ، و إذا وصل التخريش إلى نفير أوستاش أدى إلى التهاب الأذن الوسطى و اضطراب السمع ، و التخريش المزمن يمكن أن يؤدي إلى سرطان موضع

و أما مضغ التبغ فهو أشد طرق تعاطي التبغ ضرراً ، فعدا عن تأثيره السام فهو يخرش بطانة الفم و البلعوم و المريء ، و يزيد إفراز اللعاب مما يضطر المدمن إلى عادة البصاق و التف المستمر كما يؤدي إلى التهاب مزمن في الأغشية المخاطية مع التهاب اللثة و اللسان ، و إلى جفاف الفم الدائم و سرطان اللسان .



مخاطر التدخين على جهاز التنفس :

1. النيكوتين و القطران يخربان النسيج المبطن للأسناخ الرئوية مما يؤدي إلى نقص واضح في الوظائف التنفسية _ من نقص السعة التنفسية ، نقص حجم الهواء الزفيري ، و نقص نفوذ الأغشية الرئوية _ .

2. إن دخان التبغ يصيب بالشلل الأهداب المهتزة المبطنة للقصبات و يعطل بذلك أهم وسيلة من وسائل الدفاع الموجودة في الطرق التنفسية ، و يزداد التأثر السمي على الأهداب كلما زادت كثافة التدخين و تقاربت الفواصل بين سيجارة و أخرى . كما يزيد إفراز المخاط الذي يساعد بدوره على نهي النشاط الهدبي .

و تضعف وظيفة البلعمة أيضاً ، مما يعطل الدفاع ضد عوامل المؤذية الداخلة مع هواء الزفير ، مما يجعل إصابة المدخنين المدمنين بذات الرئة تبلغ 50 % و يؤهب التدخين للإصابة بانتفاخ الرئة .



3. العلاقة السببية بين التدخين و سرطان الرئة أصبحت واضحة بما لا يقبل الشك : هذا ما يؤكد تقرير اللجنة الاستشارية الأمريكية ، و يضيف أن خطر نشوء السرطان يزداد مع طول فترة التدخين و عدد السجائر التي يدخنها و يقل بقطع التدخين . و أن خطر الإصابة عند المدخن المعتدل بسرطان الرئة يبلغ 9 أضعاف الخطر الذي يتعرض له غير المدخن .

أما المدمن فإن خطر تعرضه للإصابة يعادل 20 ضعفاً . ففي إحدى الإحصاءات تبين ظهور 60 إصابة بسرطان الرئة بين 1000 مدخن مقابل إصابتين فقط بين 1000 شخص غير مدخن .

كما أكدت الأبحاث أن التصفية Filter المستعملة في السجائر لا تضبط شيئاً من الفورمالهيد و الأكرولئين و الأملاح الأمونياكية الموجودة في دخان السجائر ، و هي كلها مركبات يمكن أن تسبب الطفرات في الخلايا المؤدية للسرطان .

و عليه فإن المصافي إذا كانت توقف كمية من القطران ، لكنها لا تقي من أثر السجائر المسرطن الأكيد .



خطر التدخين على القلب و الأوعية :

أجريت تجارب في جامعة واشنطن سجلت فيها بدقة نسبة هرموني الأدرينالين و النورأدرينالين في دماء عشرة متطوعين قبل و أثناء و بعد التدخين و قد تبين بشكل لا يقبل الجدل أن التدخين يزيد بشكل حاد إنتاج هذه الهرمونات بعد 10 دقائق من بدئه يرتفع معها بنفس الوقت عدد النبض و الضغط الدموي ، مما يؤدي إلى إصابة القلب بالارهاق و يجعله مستعداً للإصابة بآفات خطيرة ، إذ تتدهور بعد ذلك حالة الشرايين الإكليلية التي تزود القلب بالدم ، لأن سموم التدخين تؤدي إلى استحالة شحمية في جدران الشرايين الباطنة و تليف القميص المتوسط لها أي إلى إصابتها بـ " العصيدة الشريانية " .

و يؤكد الدكتور Alton Ochsner أن الوفيات الناجمة عن الإصابات القلبية الوعائية معظمها يعود إلى التدخين .

و يرجع سبب هذا إلى ثلاثة أمور :

أولاها نقص الأوكسجين عند المدمنين لتعطل قسم كبير من الخضاب باتحاده مع أول أكسيد الفحم ، و هذا يفرض جهداً إضافياً على قلب المدخن .

ثانيها زيادة النبض التي يسببها النيكوتين الذي يقود إلى زيادة الجهد المضني للعضلة القلبية ، و الذي يقود إلى القصور القلبي الحتمي .

ثالثها التأثير المضيق للشرايين الناجم عن النيكوتين ، و الذي يضيف عبئاً آخر على القلب .

و للتدخين تأثير على الأوعية المحيطية فالتهاب الأوعية الخثري الساد _ داء برجر _ يندر حصوله عند غير المدخنين ، إذ تصاب الأوعية الصغيرة السطحية و تنسد مؤدية إلى ظهور تقرحات معندة ثم موات في الطرف . و أهم الأعراض لداء برجر ظهور ألم يأتي على المشي _ العرج المتقطع _ و لا يتراجع المرض ما لم يقلع المصاب عن التدخين .

كما يعد التدخين عاملاً رئيسياً في تفاقم داء رينو الذي يحدث غالباً عند النساء و المدخنات العصبيات . و يتصف بشحوب ثم زرقة ثم احمرار في اليدين ، و قد تؤدي إلى تقرح و موات في الأصابع .

هذا و تشير تقارير المجمع الطبي الملكي البريطاني ( 1971 ) إلى أن تعاطي التدخين يؤدي اليوم إلى عدد من الوفيات لا تقل عن تلك التي كانت تسببها الجائحات كالكوليرا في الأجيال السابقة .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:36 PM
خطر التدخين على الحواس و الجملة العصبية



يلتقط الدماغ النيكوتين المنحل في دم المدخن بسهولة فائقة ، و يعمل بتأثيرات معقدة و متعددة الاتجاهات ، فهو منبه عصبي و مهدئ نفسي إلى جانب آثاره الضارة ، فهو منبه في حالات الانحطاط الجسمي و الفكري ، و مهدئ في حالات التوتر و التنبيه . و تؤكد بعض الدراسات أن التأثير المهدئ للدخان هو تأثير حسي يرتبط بمذاق الدخان و رائحته و رؤية تصاعد الدخان .

أما التنشيط المنسوب للتدخين : فما هو إلا تنبيه فيزيولوجي ضار تال لتأثير النيكوتين بسبب حضه على إفراز الأدرينالين ، و هذا الأخير يحرر الغليكوجين من الكبد و العضلات فيزداد سكر الدم و يشعر المدخن بنشاط .

لكن الأدرينالين مقبض وعائي أيضاً ، و إن الإسراف في التدخين يعرض صاحبه بفعل الأدرينالين المفرط إلى استنفاد مدخرات النشاط عندهم و إلى تعرضهم إلى نقص دائم في سكر الدم و إلى الشعور بالتعب المزمن .

تلك التأثيرات من تنبيه و تهدئة تحدث لدى المعتاد . أما غير المعتاد فإن إسرافه في التدخين في وقت ما قد يعرضه للانسمام الحاد بالتبغ بأعراضه التي سبق و ذكرناها . و المدخن عصبي المزاج يثور بسهولة و قليل القدرة على التركيز .

و يحدث التدخين نقصاً في القدرة الكهربية للدماغ و تصلبات عصيدية في شرايينه بفعل المركبات القطرانية الثقيلة ، و قد يظهر نوباً صرعية كامنة .

و للتدخين تأثير واضح على الأعصاب حيث تنقص ترويتها بما يحدثه من تقبض وعائي و لتأثيره السمي المباشر عليها ، و يتجلى ذلك برجفان بالأطراف و فقدان حاسة الذوق ة صداع و آلام عصبية في الأطراف

و التدخين يضعف الذاكرة لتأثيره المنبه على الدماغ و لأن الإفراط في الستعمال المنبهات يورث الفتور .

و في دراسة شملت 6800 طالب تبين وجود علاقة واضحة بين حاصل الذكاء و التدخين و كانت نسبة الذكاء عند المدخنين أقل ، و متناسبة مع درجة الانسمام بالتبغ .

و تصاب العين بالتهابات متكررة في الملتحمة و جفاف الأجفان ، كما يلتهب العصب البصري لنقص الوارد من الفيتامين ( ب 12 ) عند المدخن بسبب مادة السيانيد التي يحويها دخانه و التي تتلف هذا الفيتامين .



خطر التدخين على جهاز الهضم :

الفم هو المستقبل الأول للسجائر و الشفة تتأثر بالرض و بحرارة الاحتراق و مع تماس التبغ لها يمكن إصابتها بالسرطان ، فقد تأكد أن 90 % من سرطانات الشفة تحدث عند المدخنين . و تضعف حاسة الذوق عند الإزمان و يتسخ الفم مما يؤهب كثيراً إلى التهاب البلعوم و اللوزات المتكرر ، كما تكثر تقرحات اللثة و اللسان ، و قد تظهر طلاوة بيضاء هي مقدمة لتطور سرطان اللسان . و قد تلتهب الغدد اللعابية في البداية و تضخم ثم يؤدي الأمر إلى تليفها و ضمورها .

أما المريء فإن نسبة حدوث السرطان فيه عند المدخنين عالية و قد تحدث تشنجات في المريء يرافقها عسرة بلع . و تضمر مخاطية المعدة و الأمعاء مع الاستمرار في التدخين ، و يساعد ذلك على حدوث القرحة الهضمية ، و يعتبر التدخين ضاراً جداً عند وجودها ، إذ يعاكس التئامها و قد يؤدي إلى نزفها الصاعق أو انثقابها ، و كلاهما خطر على الحياة . و تنقص حركات الأمعاء الحوية مما يؤدي إلى إصابة المدخن بالإمساك و إلى نقص في الشهية و عسرات في الهضم .

و نظراً لأن النيكوتين يستقلب في الكبد فإن تراكمه فيها يؤدي إلى تسمم الخلية الكبدية و حدوث القصور الكبدي و قد يؤدي إلى تشمع الكبد أو أن يتطور إلى الأسوأ ، و إلى الإصابة بسرطان الكبد . كما تكثر الإصابة بسرطان المعثكلة عند المدخنين .



خطر التدخين على الجهاز البولي و الوظيفة الجنسية التناسلية :

كتب البروفيسور الروسي إ . م بارودمنسكي يقول : إن أكثر السريريين يعتبرون التدخين واحداً من الأسباب الهامة جداً لحدوث العنانة و خاصة عند مشاركته لعوامل أخرى مؤذية كالغول .

و تشير التجارب أن النيكوتين يزيد في بادئ الأمر من قابلية الاستثارة في تلك المراكز العصبية الجنسية . و عند الإزمان ، تتناقص قابلية الاستثارة في تلك المراكز حتى الانطفاء . كما أن للنيكوتين تأثيراً سمياً على مركزي النعوظ و الدفق النخاعيين . و تأثيره هذا يفضي إلى ضعف فاعلية النعوظ ، لكن هذا قد تسبقه مرحلة تشتد فيها سرعة الاستثارة مع ما يرافقها من سرعة الدفق _ الانزال _ .

و يؤكد بارودمنسكي أيضاً أن الإفراط في التدخين هو من أسباب اضطراب تشكل الحيوانات المنوية و الذي يؤدي إلى العقم .

فالتدخين بما فيه من حمض سيان الماء له تأثير سمي على الأنابيب المولدة للنطاف ضمن الخصية فيقل إنتاجها من النطاف و يشوهها .

و الحقيقة فإن التدخين يؤثر علة كامل الأفعال الانعكاسية المؤدية في النهاية للقيام بالعمل الجنسي ، بدءاً من رائحته الكريهة التي تنفر المعافى من صاحبه و تخفف لديه الرغبة في اللقاء .

علاوة على أن الاضطرابات الوعائية التي تنجم عن التدخين ، و خاصة أثر النيكوتين الثابت في إحداث العصيدة الشريانية ، و التي يمكن أن تحدث في الشرايين المغذية للقضيب ، فتقل ترويته و قد يفقد القدرة على الانتصاب .

فإذا أضفنا إلى ذلك كله ما ذكرناه من تأثيرات سمية للتدخين على الغدد الصماء المشرفة على عمل الخصيتين ، و على المراكز الجنسية النخاعية ، مما يقلل من الاستجابة العصبية للمثيرات الجنسية ، و يؤدي بدوره إلى ضعف النعوظ و عدم قدرته على الاستمرار المدة الكافية لتأدية عمله الجنسي .

أما عند المرأة : فإن تقرير الكلية الملكية الطبية البريطانية لعام 1992 و الذي يبحث في تأثيرات التدخين على الأجنة فقد جاء فيه ما يلي :

يؤدي التدخين عند الحوامل إلى كثرة الإجهاض و الإملاص _ ولادة أجنة ميتة _ و إلى كثرة حدوث الخداج _ الولادة قبل الأوان _ و إلى نقص في وزن الوليد ، و كثرة وفاة الرضع في الشهر الأول من ولادتهم ، مع كثرة حدوث العيوب الخلقية .

و يؤكد التقرير أن الوفاة في المهد ترجع في كثير من الأحيان إلى تدخين الأبوين في المنزل ، كما يكثر في تلك المنازل إصابة الأطفال بالربو و الأمراض التنفسية ، و أن ثلث حالات الصمم عند الأطفال يعود إلى أن أحد الأبوين مدخن .

و كان سمبسون أول من نشر عام 1957 بحثاً عن تأثير التدخين على المواليد لأمهات مدخنات . كما أكد Lowe [ Lowe C . R . " Brit . Medical journal , 1959 . ] أثر التدخين على صغر حجم و وزن المولود و إلى ولادة أجنة ميتة و إلى زيادة العيوب الخلقية و خاصة في القلب .

و يعود ذلك إلى عوز الأوكسجين الدائم في دم الحامل للانسمام المزمن بأول أوكسيد الفحم الذي يشل عمل قسم من الخضاب الدموي ، كما أن النيكوتين يضيق الأوعية المغذية للمشيمة مما ينقص من التروية الدموية المغذية للجنين ، و أخيراً فإن دخان السجائر ينطلق معه مادة التيوسيانات الذي ينطلق من دم الأم إلى الجنين ، و الذي يملك تأثيرات تؤخر نمو الجنين و أخرى مشوهة [ Fredrik j . " Natre journal “ 1971 . 231 . ] .

و تؤكد الأبحاث أن الشريان المبيضي يتأثر بشكل خاص من تأثيرات النيكوتين المقبضة مما يؤثر سلباً على إنتاج الهرمونات الجنسية المبيضية .

كما أنه يؤخر إفراز الهرمون الملوثن L . H . مما يباعد في حدوث الإباضة و ما ينتج عن ذلك من قلة الخصب و الإنجاب .

و النيكوتين يطرح مع الحليب عند المرضع مما يؤدي إلى انسمام الرضيع و حدوث أقياء متكررة و تشنجات و ترع في قلب الوليد . أما المرأة غير المرضع فتفرزه أيضاً من غدد ثدييها ثم تعود فتمتصه حيث نجد أن تركيزه في مفرزات الثدي يعادل 5 _ 10 أضعاف تركيزه في الدم ، و تدل الأبحاث أن أنسجة الثدي تتخرش به ، و يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بسرطان الثدي .

و التدخين ينقص من إفراز الهرمون النخامي المدر للبول ADH و يؤهب للإصابة بسرطان المثانة .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:39 PM
تلوث البيئة :

و تزداد خطورة غاز أكسيد الفحم في الغرف المكتظة بالمدخنين ، حيث يؤدي التسمم المزمن به إلى اضطرابات هضمية و تنفسية تتظاهر بانقباض في الصدر و وهن و نوبات من الصداع و أرق عند النوم .

و يؤكد تقرير لمنظمة الصحة العالمية _ كانون الثاني 1986 _ أن 90 % من حالات سرطان الرئة تنجم عن التبغ علاوة على مساهمته الأكيدة في حالات " الجلطة " و إحداث جملة من السرطانات في الحنجرة و المريء و البلعوم .

و ينصح التقرير الحكومات جميعها بمنع زراعة التبغ و تسويقه لأن ضرر الدخان لا يقتصر على المدخن بل تتعداه إلى المجتمع ، فالتدخين يلوث البيئة و يصيب غير المدخنين المتواجدين معه في غرفة واحدة _ التدخين السلبي _ و خاصة زوجات أو أزواج المدخنين و أطفالهم الذين يعانون من أمراض خطيرة و متعددة بسبب تدخين رب المنزل .



هل التدخين من المحرمات ؟

عرف العالم الإسلامي التبغ منذ عدة قرون ، لكن آثاره الضارة و خواصه السمية لم تكن قد درست بعد ، و خاصة بعد الإدمان عليه لذا اضطربت فيه أقوال العلماء تبعاً لمعرفهم الضحلة عنه في زمانهم . و هذا ما يؤكده العلامة ابن عابدين في حاشيته في معرض حديثه عن التتن : فمنهم من قال بكراهته ، و بعضهم قال بحرمته و بعضهم قال بإباحته .

لقد استعرضنا في بحثنا اليوم الكم الهائل من الأضرار و المخاطر التي عرفها الأطباء عن التدخين ، و التي تعاني منها البشرية اليوم ، و إذا كنا قد عرفنا أن النبي الأمي محمداً صلى الله عليه و سلم إنما أرسله الله لهذه الأمة : ليحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخيبائث ، بعد هذا نحب أن نتسائل : هل يمكن لعاقل أن يعتبر التدخين من الطيبات ؟ … أو هو حتماً من الخبائث ؟ .

قبل أن نجيب على هذا السؤال ، سنعرض بإيجاز خلاصة لأحدث التقارير الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عن مخاطر التدخين ، منها تقرير الكلية الملكية البريطانية للأطباء عام 1977 الذي يقول أن الإدمان على النيكوتين أكثر حدوثاً من الاعتماد على الخمر . فإذا شرب الخمر مائة شخص فإن 10 _ 15 % منهم سيكونون مدمني خمر و بالمقارنة فإن السجائر إذا دخنها 100 شخص فإن 85 % منهم سيصبحون مدمنين له …

و في تقرير إفريت كوب وزير الصحة الأمريكي أن ضحايا التدخين في الولايات المتحدة تبلغ 350 ألف نسمة نتيجة التدخين المباشر و 50 ألفاً نتيجة التدخين السلبي ، أي أن 400 ألف ضحية يلاقون حتفهم سنوياً بسبب التبغ أما الخمور فإنها تقضي على 125 ألف سنوياً ، أما باقي المخدرات مجتمعة فإن ضحاياها تبلغ ستة آلاف نسمة .

و تقدر منظمة الصحة العالمية أن ضحايا التبغ تتجاوز مليون شخص كل عام في حين لم تتجاوز ضحايا القنبلة الذرية 260 ألف شخص ، و أن ضحايا الإيدز المرعب منذ ظهوره عام 1981 و حتى عام 1992 قد بلغت ربع مليون شخص كما وردوا في سجل المنظمة ، و التي تعتبر أن هناك نقصاً في التبليغ و ترفع الرقم إلى 1.7 مليون ضحية .

و يؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 1986 أن استخدام التبغ بكافة صوره تدخيناً أو سعوطاً و مضغاً يعيق الوصول إلى قرار المنظمة و هو الصحة للجميع عام 2000 .

و يؤكد التقرير أن التوقف عن استعمال التبغ سيؤدي إلى تحسين المستوى الصحي و إطالة الأعمار بما لا تستطيعه جميع الوسائل الأخرى .

أما تقرير الكلية الطبية الملكية البريطانية لعام 1983 فيؤكد أن ثلاثة من عشرة أشخاص سيلاقون حتفهم بسبب أمراض ناجمة عن التدخين ، و أن أغلب الباقين سيعانون من أمراض لها علاقة بالتدخين .

و من الناحية الاقتصادية ، تقول إحصائية طريفة من ألمانية أن الدولة حصلت على 12 ألف مليون مارك ضرائب على التبغ ، بينما كانت محصلة الخسائر المادية الناجمة عن تدخينه 80 ألف مليون مارك علاوة إلى وفاة 140 ألف شخص سنوياً بأمراض ناجمة عن التدخين و إصابة 140 ألف آخرين .

و السعودية وحدها من بين الدول العربية تدفع أكثر من 100 مليون ريال سنوياً ثمن سجائر مستوردة علاوة عن أنها تنفق آلاف الملايين في مداواة مرضى التدخين .

و بعد هذا ، يقول الدكتور محمد علي البار : إنه من اليسير إدراك حتمية تحريم التبغ زراعة و بيعاً و تدخيناً و مضغاً و نشوقاً . فإذا كان العالم بأسره قد أجمع على تحريم المخدرات ، فإن التبغ الذي يفوقها في ضحاياه لا شك سيكون أكثر حرمة .

و أن القول بإباحته أو بكراهيته لأن بعض الناس لا يضرم التدخين فهذه حجة غير مقبولة لأن أضراره كثيراً ما تتراكم في البدن دون أن تظهر إلا بعد إجراء فحوص دقيقة ، حتى و لو سلمنا بذلك فإن حرمته لا تسقط بعد أن علمنا أن الغالبية العظمى ممن يتعاطونه يتأذون به ، و بدرجات متفاوتة حتى الموت .

و هذه حجة لو صح استخدامها لاستخدمت في تحليل الخمر ، فإن بعض الناس قد لا يبدو عليهم أي ضرر ظاهر ، فالتبغ الذي يقتل الملايين و يسبب الأمراض الوبيلة لعشرات الملايين جعل المفكرين العقلاء في العالم مثل السناتور الأمريكي روبرت كينيدي يسمي شركات التبغ بالقتلة ، و جعلت وزير الصحة الأمريكي يسميهم " تجار الموت " .

صحيح أن التدخين لم يكن زمن النبوة فليس في شرعنا نص خاص بتحريمه ، لكن الإسلام جاء بقواعد عامة تضمن سلامة المواطن في المجتمع الإسلامي .

فقوله تعالى : { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [ سورة البقرة : الآية 195 ] .

و قوله تعالى : { و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } [ سورة النساء : الآية 29 ] .

تؤكد تحريم كل ما يورد الإنسان إلى الهلاك ، و التدخين واحد منها كما هو مسلم به . و الإسلام يحرم الانتحار ، و التدخين انتحار بطيء كما أوضحنا .

يؤيد هذا ما جاء في الحديث النبوي الكريم : " لا ضرر و لا ضرار " [ أخرجه مالك في موطئه و ابن ماجة و الدارقطني ، و قال النووي حديث حسن ] .

و قول النبي صلى الله عليه و سلم : " من تحسى سماً فقتل نفسه ، فسمه يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " [ رواه البخاري ] .

و التدخين يدخل ضمن المهدئات القوية و التي تصنف تحت اسم المفترات ، وقد ورد عن أم سلمة رضي الله عنها : نهى الرسول صلى الله عليه و سلم عن كل مسكر و مفتر " [ رواه أحمد و أبو داود بسند حسن ] .

و كما رأينا فإن ما ينفق على التدخين من ملايين الدولارات _ لحرقه في الهواء _ و كثيراً ما يمتنع المدمن عن دفع حاجيات عياله ، لينفقها على سجائره ، كل هذا يجعل منه إسراف و تبذير محض و الله سبحانه و تعالى يقول :

{ و لا تبذر تبذيراً ، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } [ سورة الإسراء : الآيات 26 : 27 ] .

فإضاعة أموال الفرد و الأمة واضحة مع شيوع هذه العادة القبيحة ، و كذا الخسائر الناجمة عن زراعة التبغ و شغلها مساحات واسعة من الأراضي بدلاً من زراعة القوت الضروري ، علاوة على الخسائر الفادحة التي تنجم عن الحرائق التي يسببها إلقاء أعقاب السجائر المشتعلة هنا و هناك ، حيث يقدر أن ثلث الحرائق التي تنشب في العالم تنجم عنها .

و قد حرم التدخين عدد كبير من مشاهير علماء الأمة الإسلامية منهم الشيخ محمد الخواجة : من كبار علماء الدولة العثمانية ، و الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، و العلامة البجيرمي في حاشيته على الخطيب ، و العلامة إبراهيم اللقاني في رسالته " نصيحة الإخوان باجتناب الدخان " ، و الإمام الشيخ سالم السنهوري ، و الإمام المهدي زعيم طائفة المهدية في السودان .

كما أجمع علماء المملكة السعودية على تحريمه و من أبرزهم الشيخ عبد الله بن بابطين ، و محمد بن إبراهيم مفتي المملكة العربية السعودية السابق ، و عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي الحالي .

كما حرمه مشاهير علماء سورية و منهم الشيخ بدر الدين الحسني ، و الشيخ علي الدقر ، و الشيخ أحمد الحامد ، و الإمام المحدث الشيخ محمد جعفر الكتاني .

كما نشر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية رسالة عام 1988 بعنوان " الحكم الشرعي في التدخين " و فيها فتاوى عشرة من كبار علماء مصر المعاصرين و على رأسهم الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر مفتي الديار المصرية السابق جاء فيها :

" أصبح واضحاً جلياً أن شرب الدخان ، و إن اختلفت أنواعه و طرق استعماله ، يلحق بالإنسان ضرراً بالغاً ، إن عاجلاً أو آجلاً ، في نفسه و ماله و يصيبه بأمراض كثيرة و متنوعة ، و بالتالي يكون استعماله محرماً بمقتضى النصوص التي سبق إيرادها ، و من ثم فلا يجوز للمسلم استعماله بأي وجه من الوجوه حفاظاً على الأنفس و الأموال ، و حرصاً على اجتناب الأضرار التي أوضح الطب حدوثها .



سبيل الإقلاع عن التدخين :

[ بتصرف نقلاً عن الدكتور محمود ناظم النسيمي : عن كتابه ( الطب النبوي و العلم الحديث ) ] .

التدخين عادة تتم بدوافع نفسية و اجتماعية تقوى و تتأصل بالتأثير النيكوتيني على الجهاز العصبي المركزي .

و نتيجة للترابط الفكري النفسي بين التدخين و مواقف المسرة و الإنفعال . فالشاب



يبدأ بالتدخين بدافع التقليد أو الموضة أو التسلية ثم يصبح عادة و ديدناً ، يتقوى بفعل النيكوتين على الدماغ .

و إن الإقلاع عنه لا يسبب أي خلل وظيفي أو عضوي ، عدا بعض الظواهر الانفعالية النفسية أو الشعور بالضيق لعدم ممارسته لهذه العادة .

و التدخين يختلف عن إدمان المخدرات بأنه عادة مكتسبة و لذا فإن الانقطاع عنه يجب أن يكون بالاقتناع و الإرادة لتركه و منع عوارض التسمم المزمن به .

و أن يكون الانقطاع تاماً لا تدريجياً و إن الاضطرابات النفسية التي يمكن أن تظهر عند الانقطاع عن التدخين كسرعة التهيج تزول بعد 1 _ 2 أسبوع .

فعلى المدخن أن يحزم أمره و يقوي إرادته و يعزم على تركه فوراً مع اقتناعه بأضراره ، و يمكن لمن تضعف إرادته أن يتقوى بالمجتمع على نفسه ، فيعلن على ملأ أنه عازم على تركه ، و أن يستفيد من الظروف المساعدة كشهر الصيام ، و أن ينتق فترة الفطام المناسبة حيث الظروف المحيطة به لا تحمل اضطرابات تمس المدخن .

و تعطى بعض العلاجات لمساعدة العاجزين عن قطع التدخين بمحض إرادتهم كاللوبيلين [ يوجد مستحضر Lobidam على شكل حبوب تعطى بمقدار 3 _ 4 حبات يومياً ثم تنقص تدريجياً ] الذي يسبب قرفاً تجاه التدخين .

كما أن إعطاء فحمات الصوديوم الثنائية Bicarbonate de Soude بمقدار 1 × 3 غ يومياً موزعة على وجبات الطعام يساعد على إنقاص عدد السجائر فهي بجعلها البول قلوباً تنشط إعادة امتصاص النيكوتين [ عن المجلة الطبية العربية : العدد 70 ، شهر آذار ، سنة 1981 ] .

أما الأعراض الناجمة عن قطع التدخين من الشعور بحس فراغ ، و وهن ، و هياج ، او من قبض و سعال فيمكن مكافحتها بتناول بعض المنشطات و الأدوية المقوية و بإملاء وقت الفراغ برياضات نافعة ، و تعطى المهدئات في حالات الهياج و الغضب عند عصبيي المزاج و إعطاء مركبات اللوبيلين المساعدة .



و في الختام :

حري بالإنسان العاقل بعد اتضاح الأضرار البالغة ألا يقع أسيراً لهذه العادة القبيحة التي تذهب المال و تجلب الكثير من الشرور .

و حري بالمجتمع أن ينظم حملات المكافحة لتجنب ويلات التدخين على الفرد و المجتمع ، و حري بالقادة و المربين و الأطباء : الذين هم قدوة المجتمع أن يمتنعوا عن التدخين و خاصة في المجتمعات العامة ، و أثناء العرض التلفزيوني ، أو السينمائي .

فهذه نقطة يجب أن يلحظها العاملون في مجال محاربة التدخين ، و خاصة على أولئك ممن يكتب أو يخرج المسلسلات أو المسرحيات إيلاء هذه النقطة أهميتها و عرضها حين عرضها ، بما يناسب أضرارها و التنفير منها ، فالمشاهدون _ و خاصة من اليافعين و الشباب _ في أكثرهم مقلدون لمن يحبون من الممثلين و المشاهير .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:40 PM
المخدرات ... خطر داهم



التعريف :

المخدر لغة من الخدر و هو الضعف و الكسل و الفتور و الاسترخاء ، يقال : تخدر العضو إذا استرخى فلا يطيق الحركة .

و عرف الفقهاء المخدر _ أو المفسد _ بأنه تغطية العقل لا مع الشدة المطربة ، أي هو ما غيب العقل و الحواس من غير نشوة و لا طرب ، و ذكروا الحشيش مثالاً عليه .

و الحقيقة أن هذا التعريف لا ينطبق تماماً على واقع المخدرات و الأولى أن تعرف بأنها ما يشوش العقل و الحواس بالتخيلات و الأهلاس بعد نشوة و طرب و تؤدي بالاعتياد عليها الإذعان لها .

و إن ما يطلق عليه اليوم اسم المخدرات يشتمل على مواد مختلفة و متباينة في تأثيراتها و خطورتها ، منها المخدرات المكيفة كالحشيش و الأفيون و سواها ، و منها المخدرات العامة الطبية ، و منها المنومات _ المرقدات _ و المفترات …. و سنتعرض لكل منها بإيجاز مع معرفة الحكم الفقهي فيها .







لمحة تاريخية :

إن استخدام المخدرات قديم قدم البشرية ، و عرفتها أقدم الحضارات في العالم ، فقد وجدت لوحة سومرية يعود تاريخها إلى الألف الرابعة قبل الميلاد تدل على استعمال السومريين للأفيون ،و كانوا يطلقون عله نبات السعادة .

و عرف الهنود و الصينيون " الحشيش " منذ الألف الثالثة قبل الميلاد كما ورد في كتاب صيدلية ألفه الإمبراطور " شينغ نانج " ، كما وصفه هوميروس في الأوديسا .

و عرف الكوكائين في أمريكا اللاتينية منذ 500 عام قبل الميلاد ، و كان الهنود الحمر يمضغون أوراقه في طقوسهم الدينية .

أما القات فقد عرفه الأحباش قديماً و نقلوه معهم إلى اليمن عام 525 ميلادي .

و في أوائل القرن التاسع عشر تمكن الألماني سيدترونر من فصل مادة المورفين عن الأفيون و أطلق هذا الاسم نسبة إلى مورفيوس إله الأحلام عند الإغريق .

و في المشرق الإسلامي يرجح ابن كثير أن الحسن بن الصباح في أواخر القرن الخامس الهجري _ الذي كان زعيم طائفة الحشاشين _ كان يقدم طعاماً لأتباعه يحرف به مزاجهم و يفسد أدمغتهم . و هذا يعني أن نوعاً من المخدرات عرفه العالم الإسلامي في تلك الحقبة . و يرى المقريزي أن ظهور الحشيشة كان في أوائل القرن السابع الهجري على يد " الشيخ حيدر " من جهلاء المتصوفة وكان يدعوها بحشيشة الفقراء .



أسباب انتشار المخدرات :

لانتشار المخدرات أسباب مختلفة منها ما يتعلق بطبيعة هذه المواد ، أو شخصية متعاطيها و الظروف البيئية و الحضارية و السياسية الاستعمارية في العالم المعاصر .

نعم . لقد كان للاستعمار و مخططاته لاستعباد العالم الإسلامي و الدول النامية عموماً أثر كبير في انتشار المخدرات على نطاق واسع من أجل السيطرة عليه بشل طاقات لأمة و قتل نفوس أفرادها ، كما فعلت بريطانيا عندما شجعت على زراعة الأفيون في الهند و كما فعلت من أجل السيطرة على الصين عندما أوحت إلى عملائها بزراعة الحشيش في أراضيها و الذي مكنها من استعمارها للصين أكثر من ثلاثة قرون .

و لعل أهم الأسباب الاجتماعية الظروف الصعبة في العمل و انتشار البطالة و كثرة انتشار الأفلام الهابطة التي تروج لها . و التقليد الأعمى الذي يسيطر على مراهقينا مع الفقر الذي يلجئهم للبحث عمن يعطيه أو يغنيه فيتلقفه أرباب الفساد و تجار الرذيلة .

و في بحث أجراه الدكتور الطيار على مجموعة من المساجين من متعاطي المخدرات بين فيه أن المشاكل الأسرية و الخلاف بين الزوجين كثيراً ما يدفع أفراد الأسرة للجوء إلى المخدرات هرباً من الواقع المؤلم الذي يعيشونه و كذا سوء معاملة الأولاد ، أو الإفراط في تدليلهم و تلبية رغباتهم .

كما يعتبر سفر أبنائنا إلى الخارج و سرعة التنقل من الأسباب التي سهلت لهم إمكانية الحصول على الجنس و المخدر بعيداً عن رقابة الأهل .

كما بين أن العمالة الأجنبية هي من أخطر المصائب التي ابتليت بها مجتمعاتنا المحافظة ، حيث ينقل العمال الأجانب إلى الأسر التي يعيشون فيها تقاليدهم و عاداتهم ، فكان للعمالة الأجنبية باع طويل في تهريب المخدرات و الترويج لها .

و هناك ارتباط وثيق بين انتشار المخدرات و انتشار الأمراض المنتقلة بالجنس و خاصة الإيدز فهناك حلقة مفرغة بينهما ، فتعاطي المخدرات يؤدي إلى انتشار هذه الأمراض ، كما أن الإصابة بتلك الأمراض الجنسية يغلب معها إدمان المخدرات .

و الأهم من ذلك كله الخواص الدوائية للعقار المخدر و التي تسبب الاعتياد فالإدمان . فاستعمال المنومات بصورة يومية يؤدي بعد شهر إلى الإدمان عليها ، أما الهيروئين فإن استعماله المنتظم خلال أسبوع واحد يؤدي إلى الإدمان .

و الحقن الوريدي للعقار أسرع في إحداث الاعتياد من تناوله الفموي ، كما أن سرعة الحصول على العقار ترفع نسبة التعاطي و الإدمان .

كما أن هناك بعض الأمراض النفسية كالاكتئاب و الفصام تعتبر من العوامل الهامة و المؤهبة للإدمان .

و نحب أن نشير إلى أن ضعف الوازع الديني و عدم اللجوء إلى الله في الشدائد من العوامل الهامة في إحداث الإدمان ، ذلك أن الإنسان المتدين بعيد جداً عن جحيم الاعتياد عليها إذ لا يمكن أن تمتد يده إلى المخدر لا بيعاً و لا تداولاً و لا تهريباً ، لأن طريق المخدرات هو طريق الشيطان ، و لا يمكن لطريق الرحمن أن يلتقي بطريق الشيطان .

و الفراغ عند المراهق الذي لا يقدر قيمة للوقت ، و قرناء السوء من العوامل الهامة في الإدمان .

و نحن نرى أن غفلة المشرّع في بعض الدول بتخفيف العقوبات الجنائية عن المدمن في حالة ارتكابه لجريمة ما ، ساعد على انتشار المخدرات و المسكرات بشكل عام .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:41 PM
أنواع المخدرات



للمخدرات أنواع كثيرة و تصنيفات متعددة ، و هي حسب تأثيراتها يمكن أن تصنف في أربعة أقسام :

أ _ مسببات الشهوة : مثل الأفيون و مشتقاته ، كالمورفين ، و الهيروئين ، و الكوكائين .

ب _ المهلوسات : كالميسكالين ، , فطر البينول ، و القنب الهندي ، و فطر الأمانين ، و البلاذون ، و البنج .

و كلا القسمين يجمعهما الدكتور محمود ناظم النسيمي تحت اسم المخدرات المكيفة .

ج _ المخدرات الطبية العامة : و تطلق على مزيلات الألم و مانعات حدوثه سواء ما كان يحقن منها موضعياً _ المخدرات الموضعية _ لتمحو الألم الموضعي كالنوفوكائين ، و الليدوكائين ، و هي لا تحدث اعتياداً و لا تغيب العقل و منها ما يسمى بالمخدرات العامة التي يزيل حقنها أو استنشاقها حس الألم و بقية الأفعال الانعكاسية ، و يحدث فيها النوم و التخدير معاً ، و تطبق قبل الأعمال الجراحية _ مثل الإيثر ، و الكلورفورم ، و أول أوكسيد الآزوت ، و غيرها _ .

و هناك زمرة تدعى بالمخدرات المنومة ، و هي منومات بمقاديرها الصغيرة ، و مخدرة بمقاديرها الكبيرة ، كالكلورال ، و البنتوتال . و كل المخدرات العامة الطبية تدخل عند الفقهاء تحت اسم المنومات و تأخذ حكمها .

د _ المنومات " المرقدات " : كالباربيتوريات ، و البارالدهيد و غيرها .

كما أن بعض الباحثين يقسمها إلى مخدرات كبرى و صغرى .

و يعتبرون المخدرات الكبرى ذات الخطورة الكبيرة عند تعاطيها و الإدمان عليها كالأفيون و الحشيش و المارجوانا و الهيروئين و غيرها .

أما المخدرات الضغرى فهي ذات خطورة أقل و تمثل جانباً _ من العقاقير المستخدمة حالياً _ في العلاج الطبي ، و تسبب الإدمان لمتعاطيها عند استخدامها لفترات طويلة كالمنبهات و المهدئات و المنومات ، و المسكنات و الكوكا و جوزة الطيب و غيرها .

و أخطر هذه المخدرات ما يسبب اعتياداً نفسياً و عضوياً كالأفيون و مشتقاته ، كالمورفين ، و الهيروئين .

و أقلها خطراً ما يسبب اعتياداً نفسياً فقط كالكوكائين و الأمفيتامين و القات و عقاقير الهلوسة .



زمرة الأفيون و مشتقاته :

الأفيون Opium : و هو من أخطر المخدرات ، يستحصل عليه بإجراء شقوق في ثمار الخشخاش غير الناضجة فيسيل على شكل عصارة تجمع و تجفف ، لها طعم مر ، و تدخل في تركيب عدد من العقاقير .

و يتعاطى الأفيون ببلعه صرفاً أو مع الشاي أو القهوة . أو تدخيناً مع السجائر أو الشيشة .و يشعر متعاطيه في البدء بالتنبه و النشاط و قدرة على التخيل و الكلام ، لكن هذا لا يدوم طويلاً إذ تضطرب الحالة النفسية و يبطؤ التنفس و ينتهي به الأمر إلى النوم العميق أو السبات .

و الأفيون إذا تعود عليه الشخص صار جزءاً من حياته ، و لا يستطيع جسمه أداء وظائفه دون تناول الجرعة المعتادة . و يشعر بآلام حادة إذا لم يحصل عليه و تتدهور صحته . و تضمر عضلات المدمن و تضعف ذاكرته و تقل شهيته للطعام و تحدث زرقة في العينين و بطء في التنفس و النبض ، و ينقص وزنه و ينخفض عنده التوتر الشرياني و حرارة البدن .

المورفين : يستخلص من الأفيون الخام بتفكيكه في الماء ثم معاملته بالليمون و إضافة كلور الأمونيوم إلى المحلول ، فيترسب المورفين الذي يجفف على شكل مسحوق أبيض مصفر .

و قد رحب به طبياً حين اكتشافه لأثره الكبير في تسكين الآلام ، ثم اكتشف خطره العظيم بإحداثه الإدمان و الاعتياد الجسمي و النفسي عند متعاطيه .

يتعاطى المورفين إما حقناً تحت الجلد أو بلعاً مع الشاي أو القهوة ، أو تدخيناً مع التبغ . يشعر متعاطيه بالخفة و النشاط و الذي يتطور إلى رغبة عارمة في تعاطيه ، و من ثم يحصل ازدياد التحمل و زيادة الجرعة للحصول على نفس النشوة .

و يؤدي إدمانه إلى سيلان الأنف و الإقياء المتكررة و القبض ، ثم إلى تشوش في الإدراك و ضعف عام و دوار و خفقان و جفاف الفم .

و تحدث الجرعة الزائدة إحباطاً لمركز التنفس و هبوط الضغط الدموي و قد يحدث السبات الذي ينتهي بالوفاة .

الهيروئين : أو الدياورفين مسحوق بللوري أبيض يستخلص من المورفين و هو مسكن قوي _ أكثر من المورفين بـ 5 _ 8 أضعاف _ و هو أغلى المخدرات ثمناً و أشدها اعتياداً و خطراً على الصحة العامة .

يتعاطى الهيروئين بحقن محلوله تحت الجلد أو في الوريد مباشرة كما يمكن تدخينه مع التبغ أو استنشاقه سعوطاً .

يشعر متعاطيه في البدء بالنشاط و الخفة و الحبور و يبدأ الاعتياد باستعماله المتكرر حيث يحتاج إلى كميات أكبر لإحداث نفس الأثر ، ثم لا يلبث المدمن أن يلهث للحصول عليه حيث لا سرور و لا انشراح سوى الحاجة إليه و للقضاء على الآلام المبرحة و تصلب العضلات و غيرها من آلام الانقطاع .

و يصاب المدمن بضعف جسماني شديد و فقد للشهية و المعاناة من الأرق و الخوف الدائم الذي يطارده ، و من اختلاطات استعمال الحقن الملوثة كتجرثم الدم و التهاب الكبد الفيروسي و الإيدز اللعين ، و قد يحدث الموت نتيجة جرعة مفرطة .

و زمرة الأفيون كلها بجرعاتها القليلة عمل كمثيرات جنسية لأنها تضعف موانع التصرف للإنسان محررة إياه من عوامل الكبت . كما أن الحقن الوريدي لهذه المواد يعطي إحساساً يشبه إحساس الارتواء الجنسي .

أما عند الإدمان ، فقد أكدت الدراسات التأثيرات الضارة لهذه المواد على الوظيفة الجنسية ، إذ يصاب المدمنون بعدد من المشاكل الجنسية ، كتأخر القذف و العنانة أو فشل القذف ، و يشكو أكثرهم من ألم أثناء القذف ، ويصل معظمهم في النهاية إلى ضعف الشهوة الجنسية .

لقد وصلت نسبة العنانة عند مدمني الهيروئين إلى 39 % . و من المؤكد أن المورفين يمنع إفراز الهرمون الملوتن L . H . و الإباضة و بالتالي إلى عقم المرأة المدمنة . و اضطرابات الطمث صفة واضحة عند مدمنات الأفيون و أشدها وضوحاً عند مدمنات المورفين و الهيروئين ، كما أن الإجهاضات العفوية شائعة عندهن . هذا علاوة على أن المولودين حديثاً من أمهات مدمنات يجدون صعوبة في التنفس لأثر هذه المواد المثبط على مركز التنفس و أثرها العام السيئ على الجهاز العصبي عند الوليد .



زمرة القنب الهندي :

الحشيش و الماريجوانا : و يستخرجان من نبات القنب الهندي الذي يزرع بشكل واسع في إيران و الهند و لبنان و تركيا و دول شرق آسيا .

و ما الحشيشة سوى العصارة الصمغية التي تفرزها الأجزاء العليا النامية من النبات و في الأزهار ، أما الماريجوانا فهي مسحوق خليط الأوراق المثمرة و الأزهار .

و كلاهما يتعاطى بالتدخين لوحدهما أو بعد مزجه بالتبغ . و قد تخلط مع الشاي أو مع أنواع من الحلويات .

و يشعر متعاطي الحشيشة بالنشوة المصحوبة عادة بالضحك و القهقهة غير المبررة ، و تختل أحجام و أشكال المرئيات و المسافات ، و يمر الزمن ببطء شديد عنده و تختل ذاكرته بالنسبة للأحداث القريبة كما ينزلق الخيال مع ازدياد الجرعة ، فيخطئ في تفسير ما تدركه الحواس ، ثم تعتريه الهلوسات السمعية و البصرية . و له آثار مزعجة لمن يتعاطاه ابتداءً إذ قد يؤدي إلى فقدانهم السيطرة على النفس مع قلق شديد .

و يتصف المدمن باحمرار عينيه و انخفاض ضغطه الدموي و تسرع دقات القلب ، و تتعطل خمائر الكبد مما يقلل في فعالية معظم الأدوية التي يتناولها المدمن . كما يتعرض المدمن لكل مخاطر التدخين التي ذكرناها في بحثها .

أما أعراض الانقطاع المفاجئ فأهمها الشعور بالاكتئاب و القلق و رجفان الأطراف _ الرعشة _ و اضطراب النوم .

و يمكن أن نلخص المضاعفات التي يمكن أن يتعرض لها المتعاطي على المدى البعيد :

1. متلازمة انعدام الحوافز من كسل و بلادة و فقدان الطموح .

2. المضاعفات العقلية من ضعف الذاكرة و التبلد الذهني و عدم القدرة على التركيز .

3. التصاعد : قد يكون الحشيش أقل من غيره خطراً من المخدرات عندما يتعاطى لوحده ، لكن أكبر أخطاره : تصاعد ميول المتعاطي ليشاركه مع غيره من المخدرات كالهيروئين و الكوكائين و المنومات .

4. الحشيش و الجريمة و العنف تتواجد دائماً مع بعضها حيث يفقد المدمن سيطرته على نفسه و يندفع إلى الجريمة و العنف .

و لا غرابة إذ عرف علماؤنا المسلمون خصائص الحشيشة و وصفوها بدقة . انظر إلى ابن حجر الهيثمي إذ قال فيها :

و في أكلها مائة و عشرين مضرة دينية و دنيوية : منها أنها تورث النسيان ، و موت الفجاءة ، و اختلال العقل ، و دوام الرعشة ، و تذهب الحياء و المروءة و عشاء العين و الفطنة ، و تقطع النسل ، و تجفف المني ، و تورث العنانة .

أما ما يروجه متعاطوا الماريجوانا من أنها مثيرة للجنس ، فمن المحتمل أن يكون ذلك بسبب تأثيره على المراكز الدماغية العليا ، مما يقلل التحفظات على تصرفات الشخص أكثر من أنها مواد ذات إثارة جنسية .

و قد يكون ذلك لأنها تشوه الإدراك في المحسوس الزمني مما يخيل لمتعاطيه أن القمة الجنسية طويلة نوعاً ما .

و قد وجدت إحدى الدراسات الهامة أن إدمان الماريجوانا المديد يؤدي إلى تغيرات في قدرة الذكر الإنجابية . أجريت الدراسة على 20 رجلاً ، متوسط تعاطيهم لها 4 أيام في الأسبوع و لفترة استمرت سبعة أشهر .

و قد تبين أن مستويات التستوسترون عندهم أقل بشكل واضح من الرجال الذين لا يتعاطونها ، و أن عدد النطف عندهم أقل بمقدار النصف . . . ز كلما زاد تدخين الماريجوانا نقص الهرمون المذكر ، و قل عدد النطف ، كما أصيب اثنان منهم بالعنانة . شفي أحدهم بعد انقطاعه التام عن تعاطيها ، و يكثر ظهور العنانة عند مشاركة المتعاطين الماريجوانا مع الخمور أو غيرها من المخدرات .

و أثبتت الأبحاث الحديثة أن للقنب و مشتقاته حب للدسم و أنها تتركز في البدن في النسج الشحمية و منها الخصيتان و المبيضان .

كما ينسب لهذه المواد تشوهات صبغية يمكن أن تؤدي إلى تخرب وراثي . و قد تبين أن الخلايا اللمفاوية المزروعة و المأخوذة من مدمني الماريجوانا هي خلايا مشوهة .

و هكذا فإن كاراكوشانسكي و زملاؤه يؤكدون أن مادة تتراهدروكانيبول التي يحتويها دخان الحشيشة تثبط صناعة البروتين في الخلية كما تثبط انقسام الحمضين النوويين DNA و RNA و هذا يؤدي بدوره إلى إمكانية حدوث تشوه في الأجنة و إلى الإجهاض عند الحمل .

كما ثبت أن للحشيش تأثيراً على المنظمات الهرمونية و إمكانية إصابة المدمن عليه بالعنانة و العقم المؤقت .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:43 PM
القات Catha :

أدرجت منظمة الصحة العالمية " القات " ضمن المواد المخدرة ، و هو عبارة عن شجيرات دائمة الخضرة ، موطنها الأصلي الحبشة ، و قد نقلها الأحباش إلى اليمن عند احتلالهم لها في القرن السادس الميلادي .

و انتشرت زراعته في الجنوب العربي ، حيث أصبح المواطن اليمني و الحضرمي أسير أوراقها اللامعة ، يملأ بها فمه يمضغها في كل مكان مضغاً بطيئاً يتم معه استخلاص عصارة النبات المرة القلوية و ارتشافها مع الماء بلذة زائدة .

تعاطي القات يؤدي إلى الشعور بالخفة و النشاط و الثرثرة مع تهيج و أرق و استمرار تعاطيه يدخل صاحبه في زمرة الإدمان النفسي الذي يتميز بالحاجة الملحة للحصول عليه .

و يتظاهر عنده باتساع حدقة العين و تسرع القلب و ارتفاع الضغط الدموي و صداع و احتقان الملتحمة و الضعف الجنسي الذي ينتهي بالعنانة .

و له تأثيرات عصبية نفسية منها زيادة توتر العصبي النفسي مع زيادة في الحركة و الميل إلى العنف يرافقها تصرفات لا إرادية و المقادير الكبيرة منه تؤدي إلى الهلوسة و جنون العظمة و الهيجان العصبي .



المنبهات _ المثيرات _ Stimulants :

و هي مخدرات تعمل بآلية تنبيه الجهاز العصبي المركزي لأنها تنتج الطاقة و تعطي القوة لمتعاطيها حتى و لو كان يشعر بالتعب و الفتور و تولد الشعور بالنشاط و الإثارة و تمكنه من البقاء يقظاً و متحفزاً من دون نوم لفترات طويلة . لكن استعمالها المديد يولد اعتياداً نفسياً خطيراً دون أن يحدث اعتياد جسدي .



الكوكائين :

استخرج من نبات الكوكا لأول مرة منذ حوالي مائة سنة و هو منبه قوي و مخدر موضعي فعال . و أكثر ما يتعاطى نشوقاً حيث يمتص من الأغشية المخاطية للأنف ليصل مباشرة إلى الدم لذا فإن شمه المستمر قد يؤدي إلى تقرحات في تلك الأغشية ثم إلى انثقاب الجدار بين المنخرين .

كما يتعاطى حقناً تحت الجلد و يمكن أن تحدث نخوراً سريعة فيه و تقرحات مؤلمة ، كما قد يتعاطى بتدخين عجينة الكوكا .

يسبب تعاطيه لفترة قصيرة قدراً من الشعور العارم بالابتهاج و النشاط ، و قد يتبع ذلك شعور بالاهتياج و القلق أو الخوف حتى الهلوسة .

و تسبب جرعاته الكبيرة عدم النوم و الرجفان و التشنجات و أوهام الارتياب التي تقود إلى سلوك شاذ و عنيف . و يضطرب التنفس و الهضم ، مع الإحساس بوجود حشرات تزحف تحت الجلد ، و تتسع حدقة العين و يرتفع النبض و الضغط الدموي علاوة على حدوث اعتياد نفسي شديد ، و قد يؤدي إلى الموت المفاجئ .

و الخطر الأكبر من تدخينه صافياً إمكانية حدوث اعتياد جسدي مع الخطر المتنامي من إشراكه مع الهيروئين ، حيث يؤدي إلى إدمان مزدوج خطر للغاية .

و الكوكائين بمقاديره القليلة يزيد الرغبة الجنسية و القدرة على الجماع و يؤخر القذف عند الرجل ، و هذا ناجم غالباً عن أنه يشوه و يحرف الإدراك الزمني .

و حقنه الوريدي يؤدي إلى نشوة عارمة ، لكن إدمانه يؤدي على العكس ، إلى فقدان كامل للاهتمامات الجنسية .









الأمفيتامين :

عقار صنع في ألمانية عام 1880 و اعتبر دواءً آمناً ذا قيمة طبية جيدة إلا أنه ثبت أن استعماله المديد يعرض لمخاطر الاعتياد .

يحدث لمتعاطيه شعور بالنشوة و النشاط و فقد النعاس و حصوله على طاقة كبيرة لبضع ساعات حيث يبدو بعدها منهكاً مع إحباط و عدم القدرة على التركيز و الشعور بنوع من المضايقة قد يدفعه إلى العنف .

و إدمانه يؤدي إلى خفقان و جفاف الفم و أرق و عدم القدرة على الاسترخاء ، ثم تتسع الحدقة و يتسرع النبض و يرتفع الضغط مع إمكانية حصول حصار قلبي و غثيان . و فرط الجرعة يؤدي إلى حدوث غشي و رجفان و اختلاج قد يؤدي إلى الموت .

و هو مثير للجهاز العصبي و يزيد الشعور الجنسي بمقاديره القليلة عند الجنسين ، لكن لإدمانه يؤدي إلى فقد الاهتمام الجنسي ، و طلب الحصول على العقار من أجل العقار ، كما أنه يؤدي إلى الضعف الجنسي .

و إن تناوله من قبل المضطربين جنسياً يقود إلى الاستنماء القسري و إلى الشذوذ الجنسي و خاصة فإن النساء المدمنات يطلبن الجماع إلى حد الدعارة و إلى الشذوذ المتصف بالتعري أمام الناس و إلى السادية أحياناً .



المخدرات المهلوسة :

المهلوسات مواد تقلب الوضع النفسي و تجعل الإنسان عاجزاً عن مقاومته الخيال و اللامعقول . و يختلف تأثيرها حسب شخصية المتعاطي و كمية المخدر المتناول .

ففي بدء تناولها يشعر الشخص بوهن و غثيان و دوار خفيف و شحوب . ثم يبدأ الدور الفعال بحدوث أهلاس بصرية حيث تبدو أمامه الألوان زاهية براقة . و إذا أغمض عينيه شاهد عرضاً لمشاهد غريبة من صور لا معقولة و مناظر خلابة .

كما يصاب بأهلاس سمعية لأصوات و موسيقى غريبة و يفقد الشعور بالزمن و المسافات ، وأخيراً يشعر بارتخاء القدمين و تشنج في الوجه ثم إلى ذبول و خمول .

من هذه المخدرات قديم جداً كفطر الأمانينا ماسكاريا الذي استعمله الهندوس القدامى و كهنة الإغريق ، و فطر الزايلوسايين الشائع في أمريكا الجنوبية ، و الميسكالين و هو خلاصة صبار البيوتي الذي استعمله الهنود الحمر في طقوسهم .

و عرف العرب جوزة الطيب Nut Meg و هي نبات يزرع في الهند و يستخدم المتعاطي ثمارها باستحلابها ضمن فمه أو تذاب مع الشاي أو تستخدم نشوقاً . و تؤدي إلى ما ذكرناه من أعراض الهلوسة مع الإدمان .

و منها البنج _ السيكران _ و هو نبات شديد الخضرة ذكره ابن حجر الهيثمي و بين أن تعاطيه كبيرة و فسق كالخمر لاشتراكه معها في إزالة العقل .

و أخطر المهلوسات المصنعة ما يسمى بالـ L . SD الذي يستخرج من فطر الجودر Ergot ، استخدم كعلاج في الاضطرابات النفسية ، لكن مضاعفاته الخطيرة منعت استعماله الطبي .

يتعاطى عن طريق الفم و الحقن الوريدي و يؤدي إلى ارتفاع الضغط و سرعة النبض و الغثيان و رجفة اليدين و الأقياء .

و إدمانه يؤدي إلى ظهور الهلوسات البصرية ، و تتغير المرئيات و تختلط الحواس ، و قد يصاب بالفزع الشديد المؤدي إلى الانتحار . و من اختلاطاته الهذيان و الشعور بالاضطهاد ، كما أنه يؤدي إلى عطب صبغيات نواة الخلايا و إلى تشوء الأجنة عند المدمنات الحوامل . و قد تؤدي إلى الفصام عند المستعدين .



المنومات _ المرقدات _ :

المنومات أدوية تعمل بقدرتها الخافضة للجهاز العصبي المركزي فتؤدي إلى تهدئة الشخص و تنويمه و قد تسبب بعض المنومات اعتياداً نفسياً عليها و خاصة الباربيتوريات .

و إن فرط الجرعة ، أو الاستمرار عليها لفترة طويلة قد يحدث انسماماً شبيهاً بالانسمام الغولي دون حدوث احتقان في الوجه أو احمرار في الملتحمة ، لكن يظهر اختلاط عقلي من صعوبة في التفكير و اختلاط ذهني ، و عدم استقرار عاطفي و اضطراب نفساني سمي . كما أن فرط الجرعة يؤدي إلى الارتعاش و ازدياد النبض و الغثيان و الدوار و قد يؤدي إلى هلوسات شديدة و إلى أضرار دماغية مميتة .

إن خطر الاعتياد على المنومات يجب أن يحذره كل من المريض و الطبيب الممارس على السواء ، إذ إنها تشكل مشكلة طبية و اجتماعية خطيرة ، فيجب ألا تصرف إلا بوصفة طبية و لفترات محدودة .

و المنومات بجرعاتها الصغيرة المحدودة تفيد لمعالجة حالات القلق و الخوف ، كما أن لها تأثيراً مؤقتاً محرراً للتصرف الجنسي من الكبت ، فيمكن أن تحسن في القيام بالوظيفة الجنسية . غير أن فرط الجرعة تخمد كافة التصرفات الشخصية بما فيها الجنس ، و يزداد خطرها عند مشاركتها مع الغول أو غيرها من المخدرات .

و يعرف الفقهاء المرقدات بأنها ما غيب الحس و العقل معاً . و إذا كان الفقهاء يقصدون بها كل المنومات سواء استيقظ النائم بهزة اليد أم لا ، فإنها بذلك تشمل كل ما سبق و ذكرناه من المخدرات الطبية و المنومات و المسكنات المنومة .

و الأصح _ و الله أعلم _ كما يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي أن المرقدات بعرف الفقهاء : هي التي لا يستيقظ النائم بها بهزة اليد ، لفقد الحس والوعي ، و بذا تشمل فقط المخدرات الطبية و المنومات المخدرة _ بمقاديرها الكبيرة _ و بعض المسكنات المنومة كالأفيون .

و بهذا المقصود فإن المنومات التي ذكرناها في المصطلح الطبي اليوم لا تدخل ضمن حكم تناول المرقدات إذا تم تناولها بالمقدار الدوائي العادي و بوصفة طبيب عدل ، لأنها لا تشوش العقل و الحواس و يستيقظ النائم بها بهزة اليد .

لكن يكره _ كما يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي _ الاستمرار عليها لفترة طويلة خشية حصول الاعتياد عليها .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:45 PM
المذيبات الطيارة :

مجموعة من المواد أدرجتها منظمة الصحة العالمية عام 1973 مع المواد التي تسبب الإدمان ، و كلها تستعمل بكثرة في الاستعمالات المنزلية ، و تحتوي على فحوم مائية متطايرة : كالتولوبن ، و البنزين ، و ثري كلور إيتلين ، و الغراء ، و مزيل طلاء الأظافر و سوائل التنظيف .

يتم تعاطيها باستنشاق أبخرتها بعد غمس قطعة من القماش في السائل . ثم يتم استنشاقها مراراً حتى الحصول على حالة السكر ، و قد يؤدي إلى الدوار و الاسترخاء و الهلوسات البصرية و الغثيان و القيء ، و يشعر بالنعاس مع شعور غريب يشبه الحلم .

يسبب إدمانها عطب القلب و الكبد كما يتعطل نخاع العظم الصانع للكريات الحمر فيؤدي إلى فقر دم شديد ، بالإضافة إلى عطب المخ المؤدي إلى الخرف .

و من أخطارها : الانتحار و الموت المفاجئ لتوقف التنفس أو تقلص القلب و تدفع صاحبها إلى جرائم العنف و حوادث السيارات .





مركبات النتريت :

و أهمها Amyl Nitrite الذي استخدم كمقو عام و منشط للجنس ، ثم استخدم مشتقه البوتيلي من أجل الكيف .

و تباع على شكل أمبولات تكسر و يستنشق محتواها الذي يؤدي إلى استرخاء العضلات الملس و توسع وعائي محيطي و انخفاض الضغط .

يؤدي تعاطيها إلى شعور بالخفة و فقد الموانع الاجتماعية و إلى تشويه في إدراك الوقت و الأحاسيس الجلدية .

و اكثر ما يتعاطاها الشاذون جنسياً إذ تؤخر القذف و الذروة الجنسية . و إدمانها يؤدي إلى الصداع و الغثيان و تخريش الأنف كما ذكرت حوادث من الموت الفجائي بالوهط القلبي . كما أثبتت دراسات حديثة زيادة ظهور داء كابوزي الخبيث و نقص المناعة المكتسبة _ الإيدز _ بين المدمنين .



آثار المخدرات



إن المدمن على المخدرات هو قتيل بين الأحياء ، لكن روحه لا تزال متعلقة بجسده تتنازعه البقاء . و هو شبح هزيل ، نحيل ، شبه مشلول ، فقد صحته ، و انحدرت نفسه .







الآثار الدينية :

المخدرات مضيعة للوقت ، مذهبة للعقل ، تدخل صاحبها في غيبوبة تمنعه من أداء صلواته و تحقيق عبادته ، و تنافي اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم .

كما أن سيطرتها على عقله تجره لارتكاب كل محرم : من قتل ، و سرقة ، و بذل عرض ، وسواها .



الآثار الاجتماعية :

يتنامى تدهور صحة المدمن حتى يصبح عاطلاً عن العمل ، و هو عضو غير منتج في المجتمع ، يميل إلى ارتكاب الجرائم ، غير متحمل لمسؤوليته كراع في أسرته ، ينفق موارده لتحصيل ما يتوهم فيه اللذة من مخدر تاركاً أفراد أسرته دون طعام و لا كساء ، مما يؤدي إلى كثرة حدوث الطلاق في تلك العائلات ، كما تكثر ولادة أطفال مشوهي الخلقة ، ضعيفي البنية في أوساط المدمنين .

و عندما يعجز المدمن عن تأمين المخدر بالطرق المتاحة كثيراً ما يلجأ لإجبار زوجته أو ابنته على البغاء . فانتشار المخدرات علامة على الرذيلة بكل صورها .



الآثار الاقتصادية :

علاوة على أن المدمن إنسان غير منتج ، فإنه يلحق بمجتمعه خسارة كبرى في الإنفاق على علاجه من الأمراض التي ينتجها الإدمان ، و على إنشاء مصحات لعلاج آفة الإدمان بالذات ، و على الأجهزة الأمنية المكلفة بمكافحة المخدرات ، و ملاحقة الاتجار بها و المهربين لها . ثم إن أسعار المخدرات الباهظة تستنزف الدخل القومي ، لتجتمع في أيدي قلة من الناس تعمل لحساب جهات إجرامية مكن المافيا و سواها .



الآثار الصحية و النفسية :

لكل مخدر أثره الخاص على العضوية ، ذكرنا في أول البحث و سنلخص هنا الآثار المدمرة التي تشترك بها كافة المخدرات _ المكيفة _ [ من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب الزميل الدكتور محمد علي البار و عنوانه " المخدرات الخطر الداهم " ] .

فالإدمان يؤدي إلى ضمور قشرة الدماغ التي تتحكم في التفكير و الإرادة . و تؤكد الأبحاث الطبية أن تعاطي المخدرات _ و لو بدون إدمان _ يؤدي إلى نقص في القدرات العقلية و إلى إصابة خلايا المخيخ بالضمور ، مما يخل بقدرة الشخص على الوقوف من غير ترنح .

أما انحلال نخاع القنطرة الوسطى عند المدمن فيؤدي إلى شلل النصف السفلي من الجسم . كما يصاب المدمن بنوبات من الهذيان و الارتعاش و فقدان الوعي ، و تتليف كبده ، و تضخم طحاله كثيراً ، و يصاب بالتهاب الأعصاب المتعددة ، و منها العصب البصري ، المفضي إلى العمى و إلى التهاب مزمن في البلعوم و المريء ، قد يفضيان إلى سرطان المريء .

و القيء المتكرر ، و فقدان الشهية يؤديان بالمدمن إلى الهزال الشديد ، كما أن المخدرات تهيج الأغشية المخاطية للأمعاء و المعدة و إلى احتقانهما و تقرحاتهما . و ما ينجم عن ذلك من نوبات إسهال و إمساك و سوء هضم مع سوء امتصاص للغذاء يزيد الطين بلة .

و كل المخدرات ، يدعي متعاطوها أنها مثيرة جنسياً و أنها تزيد في متعتهم ، غير أن الباحثين يؤكدون أن الإدمان في خاتمة المطاف يؤدي إلى العجز الجنسي و العنانة الكاملة عند الرجل ، و إلى البرود الجنسي عند المرأة .

من أبرز أضرار المخدرات النفسية الشعور بالاضطهاد و الكآبة و التوتر العصبي النفسي و حدوث أهلاس سمعية و بصرية مثل سماع أصوات و رؤية أشياء لا وجود لها ، و تخيلات قد تؤدي إلى الخوف فالجنون أو الانتحار ، كما يحدث اضطراب في تقدير الزمان و المكان مما ينتج عنه أحكام خاطئة و ضعف في التركيز . مما يقلل من تفاعل المدمن مع محيطه بحيث لا يسعده شيء سعادته بالحصول على المخدر ….



هل المخدرات مسكرة أم لا ؟ …

هناك صفات مشتركة بين الخمر و المخدرات ، فكلاهما يحدث نشوة و طرباً بادئ ذي بدء ، ثم إنها تشترك في تخدير العقل و إحداث فتور عام في البدن و ما يتصل بذلك من الشعور بتخيلات فاسدة غير حقيقية قد يترتب عليها بعض الجنايات .

و قد اختلف الفقهاء رحمهم الله ، في تصنيف هذه المخدرات ، هل هي مواد مسكرة تلحق بالخمر ، أم هي مواد مخدرة قائمة بذاتها و لا تلحق بالمسكرات ؟

و لهم في ذلك قولان مشهوران :

القول الأول :

أن هذه المواد مسكرة و هي ضرب من الخمر ، و يجب أن يطبق على متناولها ما يطبق من أحكام على شارب الخمر لاشتراكهما في علة التحريم و هي الإسكار .

و من هؤلاء من يرى أن التخدير الذي يلحق بالأطراف و الحواس لمتناول هذه المواد هو من جملة آثارها السيئة التي تجعلها أكثر شراً و أعظم ضرراً من الخمر .

و ممن قال بهذا الرأي الحافظ ابن حجر العسقلاني و الإمام النووي و ابن حزم و ابن حجر الهيثمي و ابن عابدين في حاشيته .

و أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول في فتاويه : و أما الحشيشة الملعونة المسكرة فهي بمنزلة غيرها من المسكرات ، و هي من أعظم المنكرات و هي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه ، و المسكر شر منها من وجه آخر ، فإنها مع أنها تسكر آكلها حتى يبقى مصطولاً ، فهي تورث التخنيث و الديوثة و تفسد المزاج .

و يقول الإمام الزركشي في الحشيشة : و الذي أجمع عليه الأطباء و العلماء بأحوال النبات بأنها مسكرة .

أما الإمام ابن قيم الجوزية فيقول : و اللقمة الملعونة _ الحشيش _ لقمة الفسق التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن فإن هذا كله خمر بنص رسول الله الصريح : " كل مسكر حرام " و صح عن أصحابه ، الذين هم أعلم الأمة بخطابه أن الخمر ما خامر العقل .

القول الثاني :

أن هذه المواد مخدرة _ مفترة _ و ليست مسكرة ، و ممن قال بهذا الرأي الإمام القرافي من المالكية و الدسوقي و غيرهم . حيث قالوا أن عطف المفتر على المسكر يقتضي المغايرة و للمسكر حكمه و للمفتر حكمه.

أما الدكتور محمود ناظم النسيمي فيقول : أن المفتر الذي ورد النهي عنه هو الذي يسبب النشوة الحادثة قبل عوارض السكر الواضحة ، و هذا موجود في المسكرات و في المخدرات المكيفة ، فيكون ذكر المفتر بعد المسكر من ذكر العام بعد الخاص .

و يضيف الدكتور محمود ناظم النسيمي أن لبعض الأدوية النفسية فعلاً مرخياً للعضلات ، و أن لأدوية الانحلال العصبي فعل مثبط للحركة ، و أن المنومات تعطي كسلاً و ميلاً للنوم ، فتدخل بهذا العموم تحت اسم المفتر و تصبح بذلك محرمة لا يجوز تناولها إلا للضرورة .

و يقع حرج كبير للأطباء في مداواة الأمراض العصبية و النفسية ، و أميل _ و الله أعلم _ لعدم دخولها في المفتر المنهي عنه لعدم وجود النشوة لدى تناولها ….



تحريم تعاطي المخدرات و أدلته :

ذهب فقهاء المذاهب الأربعة و الظاهرية و الإمامية إلى تحريم تعاطي المخدرات _ المكيفة _ قليلها و كثيرها لضررها و إفسادها العقل .

و أجازوا تناول القليل من أجل المداواة لا للهو لأن حرمتها ليست لعينها بل لضررها [ عن الموسوعة الفقهية الكويتية ] .

قال ابن عابدين في حاشيته : …. و إلا فالحرمة عند قصد اللهو _ المتعة و اللذة _ ليست محل خلاف بل متفق عليها .

و قال ابن تيمية : هذه الحشيشة الملعونة حرام سواءً سكر بها أم لم يسكر ..

فإذا تناول شخص من هذه المخدرات لغير قصد دوائي ضروري عوقب شرعاً العقوبة التعزيرية التي يراها القاضي محققة للزجر و الردع .

و قال ابن تيمية : يجلد متعاطي الحشيشة كما يجلد شارب الخمر لأنها أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل و المزاج حتى يصير الرجل في خناثو و دياثة ، و كلاهما يصد عن ذكر الله و عن الصلاة ، و مذهب الإمامية إلحاق الحشيشة بالمسكرات في وجوب الحد على متعاطيها .

و المختلف فيه حكم التداوي بها فيما لو أشار طبيب ذو مهارة في الطب و ثقة في الدين بتناول قدر يسير من المخدرات بقصد العلاج :

فمن يرى أنها مسكرة و يعطيها حكم الخمر حرم التداوي بها ، بهذا يقول ابن تيمية و ابن القيم . كما أن ابن حجر الهيثمي يقول : و إذا ثبت أن هذه المخدرات مسكرة فاستعمالها كبيرة و فسق كالخمر .

و كل ما جاء في وعيد شاربها يأتي في هذه المذكورات لاشتراكهما في إزالة العقل ، المقصود للشارع بقاؤه لأنه آلة الفهم عن الله و رسوله و المتميز به الإنسان عن الحيوان .

و ذهب أكثر الفقهاء إلى جواز التداوي بالمخدرات ، و بالمقدار الدوائي اليسير الذي يحدده طبيب حاذق بدينه و أمانته ، و من هؤلاء الإمام النووي و ابن عابدين و الزركشي و القرافي و الدسوقي و سواهم ، و الذي يرجحه الدكتور محمود ناظم النسيمي .

أما الدكتور عبد الله الطيار فيرجح حرمة تعاطي المخدرات من كل وجه ، ملكها و شراؤها و بيعها و التداوي بها ، إلا في حالات الضرورة و بالحدود الضيقة ، و بعد استنفاد كل الوسائل المباحة .

أما المخدرات العامة الطبية ، فلا يلجأ إليها أصلاً إلا لضرورة طبية و للأعمال الجراحية حصراً ، و الضرورات تبيح المحظورات . و قد يلجأ إليها بدافع إجرامي فيكون الفعل و الدافع محرمين .

أما تعاطيها بغير مقصد طبي فذلك محرم قطعاً لأنها تغيب العقل و الحواس و لا يستيقظ المخدر بها قبل إطراحها من الجسم .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:47 PM
أدلة التحريم :

لا يوجد نص صريح في القرآن الكريم أو السنة المطهرة على تحريم تعاطي المخدرات ، لأنها لم تكن معروفة في عصر التنزيل إنما جاءت الشريعة الغراء بنصوص عامة تبين للأمة المسلمة و إلى يوم القيامة ما يضرها و ما ينفعها ضمن قواعد ثابتة يؤيدها العلم و العقل .

1. تحريم الخبائث : قال تعالى :

{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة و الإنجيل يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر ، و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث } [ سورة الأعراف : الآية 157 ] .

فالقاعدة الكلية في الشريعة تحريم الخبائث و إباحة الطيبات ، و لا يوجد عاقل يقول أن المخدرات من الطيب المباح لما لها من الأضرار الخطيرة التي لا تخفى على أحد ، و قد حرمتها كل الأمم في قوانينها الوضعية . فهي قطعاً من الخبائث ، و أي خبيث أعظم مما يفسد العقول التي جاءت الشريعة لحفظها .

2. تحريم المسكرات : يستدل العلماء بنصوص تحريم الخمر على تحريم المخدرات ، فالخمر هي ما خامر العقل ، أي ستره و غطاه ، و هذا المعنى موجود على أشده في المخدرات .

عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " كل مسكر خمر ، و كل خمر حرام " [ متفق عليه ] .

و عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " [ رواه أبو داود و النسائي ، و قال النووي : حديث حسن غريب ] .

و عن ام سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن كل مسكر و مفتر . [ رواه أحمد و أبو داود ، و صححه السيوطي ، و قال المناوي عن الزين العراقي أن إسناده صحيح ] .

يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : و استدل بمطلق قوله صلى الله عليه و سلم " كل مسكر حرام " على تحريم ما يسكر و لو لم يكن شراباً فيدخل في ذلك الحشيشة .

قال ابن حجر الهيثمي : و حكى القرافي و ابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة قال و من استحلها فقد كفر .

و قال الذهبي في كتابه الكبائر : و بكل حال فالحشيشة داخلة فيما حرم الله و رسوله من الخمر المسكر لفظاً و معنىً .

3. ذكرنا ما ثبت طبياً من أن المخدرات تؤدي إلى ضياع العقل و الصحة و قد تؤدي إلى الهلاك و الموت ، و من هذا يتبين أن تعاطي المخدرات اعتداءً على الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها . قال تعالى :

{ و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً } [ سورة النساء : الآية 29 ] .

و قال أيضاً : { و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [ سورة البقرة : الآية 195 ] .

و عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا ضرر و لا ضرار " [ رواه الدارقطني و الحاكم و البيهقي ، و قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، و قال النووي : حديث حسن ] .

4. تعاطي المخدرات يصد عن ذكر الله و عن الصلاة كالخمر تماماً ، بل هي أولى لأنها مع ستر العقل : تورث الخدر و الوهن و النحول و الاستكانة و الضعف ، كما أنها تدفع متعاطيها لارتكاب الجرائم ، لأنه يستميت للحصول عليها و لو اضطر للنهب و السلب و القتل .



حكم زراعتها و الاتجار بها :

إن زراعة المخدرات و الاتجار بها حرام ، مهما كانت الدوافع إلى ذلك ، لما فيها من الضرر الكبير على الفرد و المجتمع ، و من تعاون على الإثم و العدوان ، و نشر الرذيلة و إشاعة الجريمة .

فقد صح في السنة تحريم بيع الخمر فيما رواه جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ‘ن الله حرم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام " [ رواه البخاري و مسلم ] .

و جاءت نصوص تؤكد أن ما حرم الله الانتفاع به حرم بيعه و أكل ثمنه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " قاتل الله اليهود ، حرم الله عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا ثمنها " [ رواه الشيخان ] .

و إن في زراعة المخدرات إعانة على المعصية بترويج المخدرات و نشرها في المجتمع و فيها رضاً من الزارع بتعاطي الناس لها و الرضا بالمعصية معصية كما هو معلوم .

قال ابن قيم الجوزية : فأما تحريم بيع الخمر فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر ، مائعاً كان أو جامداً ….. و اللقمة الملعونة _ الحشيشة _ فإن هذا كله خمر بنص رسول الله صلى الله عليه و سلم الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده و لا إجمال في متنه .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:49 PM
تحريم الفواحش وأثره في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:51 PM
حول مفهوم الفواحش



تقديم :

خلق الله سبحانه و تعالى الإنسان و أعطاه من الغرائز و الطباع ما يمكنه من تحقيق مهمة الخلافة في الأرض ، و لكن ضمن قيامه بمنهج أنزله الله عز و جل ، و أوحاه إلى أنبيائه و رسله .

و غريزة الجنس ، كغريزة حب البقاء و الأكل و الشرب ، تطالب صاحبها بإشباعها و كان الناس تجاهها في ثلاث فئات :

فئة أطلقت العنان لإشباعها دون ضوابط فراحت تتخبط في ظلمات الانحرافات .

و فئة نظرت إلى غريزة الجنس باشمئزاز و ازدراء و كبتت شهواتها متبتلة .

و فئة ثالثة كانت وسطاً بين النظرتين ، فلا هي أفلتت زمام هذه الغريزة ، و لا هي خنقت نداء الفطرة فكبتتها .

هذه الفئة هي التي اتبعت المنهج الرباني القويم و الذي وضع لها ضوابط تجعلها تعمل في نظام يضمن سلامة الفرد و المجتمع .فكان أن نظمت ممارستها في نطاق الزواج و بناء الأسرة و حرمت كل ممارسة خارج هذا المضمار ، فحرمت الزنى و اللواط و السحاق و غيرها من الفواحش ، و شرعت عقوبات رادعة لمرتكبيها ، في حين أنها شجعت على الزواج المبكر فحفظت صحة الفرد و بنت أسرة قوية و مجتمعاً نظيفاً .



معنى الفاحشة و مضمونها :

و الفواحش في أصل اللغة اسم لكل ما تفاحش و تزايد في أمر من الأمور ، و في القاموس : الفاحشة الزنى و ما يشتد قبحه من الذنوب .

و المصطلح الشرعي : خص هذا الاسم بالزنى و اللواطة لقوله تعالى :

{ و لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة و ساء سبيلا } [ سورة الإسراء : الآية 32 ] .

و قوله تعالى : { و لوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } [ سورة الأعراف : الآيات 80 : 81 ] .

فوجب لفظ الفاحشة على الزنى و اللواط لا على مطلق الكبيرة بدليل عطفه تعالى الفواحش على كبائر الإثم . قال تعالى :

{ و الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش } [ سورة الشورى : الآية 37 ] .

لقد حرم الإسلام الفواحش و نهى عن مجرد الاقتراب منها ، سراً و علانيةً ، حساً و معنىً . و في الابتعاد عن مجال الفاحشة بالحس و الفكر تمكين لمعنى العفة في نفس المؤمن . و النهي عن الاقتراب أبلغ في التحريم من مجرد النهي . قال تعالى :

{ و لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن } [ سورة الأنعام : الآية 151 ] .

قال الإمام الفخر الرازي : في قوله تعالى : { ما ظهر منها و ما بطن } جوانب دقيقة و هي أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر و لم يحترز منها في الباطن ، دل على أن احترازه ليس لأجل عبودية الله و طاعته و لكن لأجل الخوف من مذمة الناس .

و من ترك المعصية ظاهراً و باطناً دل على أنه إنما تركها تعظيماً لأمر الله تعالى و خوفاً من عذابه و رغبة في عبوديته .

و قد عدَّ الله سبحانه حفظ الفرج عن الفاحشة من صفات المؤمنين فقال :

{ و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } [ سورة المؤمنون : الآيات 5 : 6 ] .

إلا أنه من يسر الإسلام و رحمة الله الواسعة أن لا يؤاخذ الإنسان على حديث النفس و خواطرها دون أن تتطور إلى تصميم على ارتكاب الفاحشة أو الإثم ، جعلنا الله و إياكم من المتقين .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:52 PM
تحريم الزنى



قال الله سبحانه و تعالى :

{ و لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشةً و ساء سبيلا } [ سورة الإسراء : الآية 32 ] .

و عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " يا شباب قريش احفظوا فروجكم ، و لا تزنوا ، ألا من حفظ فرجه فله الجنة " [ أخرجه الطبراني في الكبير الأوسط ، و البزار و البيهقي ، و قال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجاله رجال الصحيح ] .

و عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له " [ أخرجه ابن أبي الدنيا ، سكت عنه السيوطي في الجامع الصغير رمزاً لضعفه عنده ] .

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن " [ أخرجه الشيخان ] .

قوله سبحانه و تعالى { ولا تقربوا الزنى } أي لا تقتربوا منه و لا من أسبابه و دواعيه لأن تعاطي الأسباب مؤد إليه ، و هو فعلة شديدة القبح و ذنب عظيم و ساء طريقاً لأن فيه هتك الأعراض و اختلاط الأنساب و اقتحام الحرمات و اعتداء على حقوق الآخرين ، يهدم الأسرة و ينشر الفوضى و الأمراض الفتاكة في المجتمع .

قال القفال : إذا قيل للإنسان لا تقرب هذا فهذا أكثر من أن يقول له لا تفعله . ثم إنه تعالى علل هذا النهي بكونه فاحشة و ساء سبيلا .

و إذا كانت هذه القيم قد رفعت عند الأمم الغربية و جعلوا الاستمتاع بالمرأة كالطعام و الشراب فهو نذير سوء و نكسة في الفطرة الإنسانية .

قال الرازي : وصف الله الزنى بصفات ثلاثة : كونه فاحشة ، و مقتاً في آية أخرى ، و ساء سبيلا . أما كونه فاحشة فلاشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم ، و لاشتماله على التقاتل و التواثب على الفروج و هو أيضاً يوجب الخراب .

و أما المقت فلأن الزانية تصبح ممقوتة مكروهة و ذلك يوجب عدم السكن و الازدواج ، و أما أنه ساء سبيلا فلأنه لا يُبقي فرقاً بين الإنسان و بين البهائم في عدم اختصاص الذكور بالإناث . و أيضاً يبقى ذل هذا العمل و عيبه على المرأة من غير أن يصير مجبوراً بشيء من المنافع .

و اتفق العلماء على أن الزنى من الكبائر لأن الله سبحانه و تعالى قرنه مع الشرك و قتل النفس في قوله تعالى :

{ و الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ، و لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ، و لا يزنون و من يفعل ذلك يلق أثاماً ، يضاعف له العذاب يوم القيامة } [ سورة الفرقان : الآيات 68 : 69 ] .

و لأنه سبحانه و تعالى أوجب فيه الحد و نهى المؤمنين عن الرأفة بالزناة .

تحريم دواعي الزنى : فقد حرم الإسلام كل ما يدعو إلى الفاحشة :

· فقد حرمت الخلوة بالمرأة الأجنبية دفعاً لوساوس الشر و هواجس الفاحشة من أن تتحرك في الصدور عند التقاء رجل بأنثى لا ثالث بينهما .

عن عامر بن ربيعة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان " [ رواه الإمام أحمد ] .

و عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم " [ رواه البخاري و مسلم ] .

و لعل الفتنة أشد عندما تكون الخلوة مع أقارب الزوج كأخيه و عمه لأن دخولهم أيسر ، و من غير نكير ، بخلاف الغرباء .

هذا ما يوضحه قول النبي صلى الله عليه و سلم لما سئل عن الحمو : " الحمو موت " [ متفق عليه ] ، أي يعدل الموت من جهة هلاك الروابط الاجتماعية و تغلغل بذور الشقاق في الأسرة لتورطها في الزنى .

· و حرم النظر بشهوة إلى الجنس الآخر _ عدا الزوجة _ قال تعالى :

{ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ، و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن } [ سورة النور : الآيات 30 : 31 ]

و ما رواه البخاري _ و غيره _ عن النبي صلى الله عليه و سلم : " العينان تزنيان و زناهما النظر " .

و الواقع أن تسريح البصر طليقاً بلا حدود يجلب للإنسان الشقاء فهو يتعبه بما يسر ناظره ، فلا هو قادر على هذا الجمال كله و لا على تلبية غرائزه المثارة به ، و لا هو صابر عن بعضه ، مما ينتهي به إلى اضطراب التفكير و السلوك علماً بأن الأبحاث العلمية تؤكد أن فرط الاستثارة في المراكز العصبية الجنسية يمكن أن تؤدي إلى العنانة .

· تحريم التبرج و الاختلاط : ركب الله الغرائز في الإنسان لتؤدي وظيفة سامية في المجتمع و هي بناء الأسرة و تقوية روابطها مع هذا المجتمع ، و لا تستمر هذه الوظيفة إلا باستمرار حاجة كل من الجنسين إلى الآخر .

و التبرج و الاختلاط يهيج الغرائز و يؤججها لتصل إلى غايتها الحسية عن طريق غير مشروع ، أو أن يقاوم المرء غرائزه فيعيش في اضطراب ، و يفقد الاطمئنان إلى زوجته و قد تتهدم الأسرة من خلال دخول الفاحشة إليها ، و يكثر اللقطاء و أولاد الزنى و حالات الطلاق في تلك المجتمعات .

يقول النبي صلى الله عليه و سلم : " إن من أهل النار نساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة و لا يجدن ريحها " [ رواه مسلم ] .



الحد من الزنى :

أوجب الله سبحانه و تعالى على أولي الأمر إقامة الحد على الزناة _ حفاظاً على الأعراض _ و منعاً لاختلاط الأنساب ، و تحقيقاً للعفاف ، و الصون ، و طهر المجتمع ، و للحيلولة دون ظهور اللقطاء في الشوارع ، و انتشار الأمراض الزهرية ، و تكريماً للمرأة و حفظ مستقبلها .

قال تعالى : { الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } [ سورة النور : الآية 2 ] .

و ظاهر الآية أن حد الزناة مطلقاً هو الجلد مائة جلدة ، لكن ثبت في السنة القطعية المتواترة التفريق بين حد المحصن و غير المحصن .

حيث خُصِّصت الآية المذكورة في عقوبة الزانية و الزاني غير المحصنين بالزواج ، الحرين ، البالغين ، العاقلين . و أضافت إلى العقوبة المذكورة و هي مائة جلدة ، تغريب عام _ النفي سنة كاملة _ .

عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر مائة جلدة و تغريب عام ، و الثيب بالثيب جلد مائة جلدة و الرجم " [ رواه الإمام أحمد و أصحاب السنن ] .

هذا و قد اتفق علماء الأمة على أن عقوبة غير المحصن هو الجلد مائة ، و اختلفوا في وجوب التغريب حيث أبقاها بعضهم عقوبة رادعة إضافية في يد الإمام .

أما المحصن _ الثيب أو المتزوج _ فالإجماع أن عقوبته الرجم بالحجارة حتى الموت ، أما جلده قبل رجمه ، فلم يستقر عليه التشريع في السنة المطهرة ، و أصبح المطبق هو : الرجم فقط .

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، و النفس بالنفس ، و التارك لدينه المفارق للجماعة " [ رواه البخاري و مسلم ] .

كما روى جماعة من الصحابة في الصحاح و غيرها بالنقل المتواتر : " أن ماعز الأسلمي اعترف بالزنى أمام رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو في المسجد أربع مرات فأمر الرسول صلى الله عليه و سلم برجمه " .

و عن بريدة : " أن امرأة من بني غامد أقرت بالزنى فرجمها الرسول صلى الله عليه و سلم بعد أن وضعت " [ رواه مسلم ] . و قوله سبحانه و تعالى : { و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } أي لا يحملنكم العطف و المشقة على ترك حد الزناة ، فهو حكم الله تعالى ، ولا يجوز تعطيل حدود الله ، و الواجب التزام النص و الغيرة على حرمات الله .

و قوله سبحانه و تعالى : { و ليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } أي و لتكن إقامة الحد علانية أما الناس زيادة في التنكيل بالزناة ، فإن ذلك أبلغ في زجرهما و أنجع في ردعهما و ردع أصحاب النفوس الضعيفة في المجتمع .

قال قتادة : أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ليكون ذلك موعظة و عبرة و نكالاً

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:54 PM
الشذوذ الجنسي



إن من أقذر ما لطخ به بعض الناس صفحة البشرية و أكثرها اشمئزازاً أنهم حادوا عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها . فهم لم يكتفوا بإقامة علاقة سوية مع الجنس الآخر وفق قواعد الدين و الفطرة ، لكنهم تركوا أنفسهم تأتمر بأوامر الشيطان ، و مضوا يمارسون نزواتهم على غير هدى ، و يقومون بممارسات من علاقات جنسية شاذة سواء مع زوجاتهم _ كالإتيان في الدبر _ أو بولعهم مع أناس من جنسهم _ اللواطة و السحاق _ ، أو بلغوا حداً أكبر من الانحطاط ليمارسوا الجنس مع الحيوانات أو مع الميتة .



الاتصال الجنسي الفموي :

و هي أكثر الشذوات الجنسية ممارسة و التي يبتغى من ممارستها الحصول على اللذة الجنسسية سواء مع شريك من نفس الجنس أو من الجنس الآخر كلعق الفرج و مص البظر أو مص القضيب . و قد تحصل هذه العادة بمشاركة الحيوانات كعادة لعق الكلاب لفروج أصحابهن من النسوة حتى تبلغ الواحدة مبتغاها .

و كل هذه الاتصالات يمكنها أن تنقل الأمراض الزهرية و خاصة الافرنجي و السيلان ، كما تختص الكلاب بنقل عدد من الأمراض الفتاكة .

و من الناحية الشرعية ، فهي إن حصلت بين الزوج و زوجته ، فإنها تبقى ضمن حدود المداعبة الزوجية المشروعة ، إذ قد أبيح لهما ما هو أشد منها و هو الجماع [ يقول زين الدين بن عبد العزيز الليباري في كتابه فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين : يجوز للرجل كل تمتع من زوجته بما سوى حلقة الدبر و لو بمص بظرها أو استنماء بيدها لا بيده . و يذكر العلامة أبي بكر المشهور بالسيد البكري في حاشية إعانة الطالبين شارحاً قوله : و لو بمص بظرها : أي و لو كان التمتع بمص بظرها فإنه جائز ] . و سنناقش هذا الموضوع في بحثنا عن آداب المعاشرة الزوجية في الجزء الرابع من كتابنا " روائع الطب الإسلامي " .

أما إن حصل الاتصال الجنسي الفموي بين شريكين غير متزوجين ، أو بين شخصين من جنس واحد أو مع البهائم ، فهي حرام قطعاً لما فيها من ابتغاء اللذة في غير ما أحل الله ، و من كشف للعورات أو لمس لها .



السادية Sadism :

هي تحقيق المتعة الجنسية من خلال إلحاق الأذى من قتل أو ضرب أو إحداث جروح ممضة في الشريك الآخر . و هذا التصرف محرم في الشرع ضمن قاعدة لا ضرر و لا ضرار و لما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه و سلم قوله : " لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر النهار " .



المازوشية :

و هي على عكس السادية ، التلذذ الجنسي عند تلقي الإهانة أو الضرب و الجلد بالسوط و غيره من الممارسات المؤلمة . و الإسلام قد كرم الإنسان فما يجوز له شرعاً أن يذل نفسه بمثل هذه الممارسات .

و قد نشرت مجلة التايم نتائج إحصائيات جرت في الولايات المتحدة الأمريكية أن ستة ملايين زوجة يتعرضن للضرب من قبل أزواجهن كل عام و أن حوالي 2 _ 4 آلاف منهن يتعرضن للضرب حتى الموت ، و أن الشرطة يقضون 33 % من وقتهم في الرد على مكالمات حوادث العنف المنزلي .



الاحتكاك الجسدي :

و هو شذوذ يمارسه بعض الشبان في وسائل النقل و أثناء الازدحام من محاولة الاحتكاك بجسد امرأة من فوق ثيابها للحصول على المتعة من خلال هذا الاحتكاك .

و هذا حرام قطعاً لقول النبي صلى الله عليه و سلم : " لئن يطعن رأس رجل بمخيط من حديد خير من أن يمس امرأة لا تحل له " [ صحيح الجامع الصغير و زيادته ، و قال الألباني حديث صحيح ] .



العادة السرية :

و تدعى عادة الاستنماء باليد ، و سماها العرب " جلد عميرة " و هي مداعبة الإنسان لأعضائه التناسلية حتى بلوغ النشوة أو القذف .

و هي حرام عند الأئمة الأربعة لقوله تعالى :

{ و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فألئك هم العادون } [ سورة المؤمنون : الآيات 6 : 7 ] .

فالشرع لم يبح للإنسان أن يروي غليله أو أن يشبع حاجاته الجنسية إلا في إطار الزواج المشروع ، و الاستننماء باليد ابتغاء للذة وراء هذا الإطار ، و هنا موضع التعدي .

غير أن الإمام احمد قال بجواز اللجوء إليها عند فورة الشهوة و في حدود الضرورة و اشترط لذلك عدم استطاعة الزواج و خشية الوقوع في الزنى .

أما الاستننماء بيد الغير ، فهو سواء حصل بين شريكين من جنس واحد أو من جنسين مختلفين فهو حرام قطعاً ما لم يحصل بين زوجين إذ يمكن اعتبارها حينئذ ضمن حدود الملاعبة و المعاشرة الزوجية المشروعة .

الجنسية المثلية Homomsexuality :

و هي أهم أشكال الشذوذ الجنسي شيوعاً و أكثرها قذارة ، و تعرف بأنها علاقة جنسية بين فردين من نفس الجنس ، سواء بين ذكرين _ اللواط _ أو بين امرأتين _ السحاق _ .

اللواط :

جريمة عرفتها البشرية قديماً ، و قد ذكرها سبحانه و تعالى على لسان نبيه لوط عليه السلام مخاطباً قومه :

{ أتأتون الذكران من العالمين ، و تذرون ما خلق لكم من أزواجكم بل أنت قوم عادون } [ سورة الشعراء : الآيات 165 : 166 ] .

و هو في الحقيقة انتكاس للفطرة و ترد للإنسانية في حمأة الرذيلة و إفساد الرجولة و جناية على حق الأنوثة ، و فيها خراب الأسرة و تدميرها .

و في عصرنا الحاضر فقد أصبح شائعاً بشكل غريب بعد أن أباحته بعض القوانين في أوربا _ القانون البريطاني _ الذي اعترف به كعلاقة شرعية مما زاد في انتشار الأمراض الزهرية إلى حد كبير .

و يؤكد Kinsey : أن 4 % من الشعب الأمريكي شاذون جنسياً . و في بعض الدراسات الحديثة وصلت نسبة الشاذين جنسياً في بريطانيا و أمريكا و السويد إلى 18 _ 22 % من مجموع الرجال .

و قد حارب الإسلام هذه الجريمة البشعة و جعلها من الكبائر و الفواحش المنكرة . قال سبحانه و تعالى :

{ و لوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة دون النساء بل أنتم قوم مسرفون } [ سورة الأعراف : الآيات 80 : 81 ] .

و قرر الشرع للواطة عقوبة رادعة ، قال صلى الله عليه و سلم : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل و المفعول به " .

و قرر الشافعية بأن حد اللواط و هو حد الزنى بدليل ما رواه البيهقي عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان " .

و قال المالكية و الحانبلة بةوجوب الرجم في اللواطة سواء كان الفاعل محصناً أو غير محصن ، و يرجم المفعول به أيضاً إن كان بالغاً ، راضياً بالفعل .

و عند أبي محمد و أبي يوسف _ من الحنفية _ أن الحد في اللواطة كالزنى غير أن أبا حنيفة : ذهب إلى أن اللوطي يعزّر فقد و لا يحد ، إذ ليس في اللواطة اختلاط الأنساب ، و لا يترتب عليه حدوث منازعات تؤدي إلى القتل ، و لا يتعلق به المهر ، و ليس هو زنى كما يرى .

و إذا كان الإسلام قد حرم اللواط فقد حرم ما يؤدي إليها فحرم على الرجال كشف عوراتهم أمام بعضهم البعض .

فقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم قوله : " غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته " [ صحيح الجامع الصغير ، قال الألباني : حديث صحيح ، و قد رواه الإمام أحمد و الحاكم عن عبد الله بن عباس ، و في رواية أخرى عن الحاكم عن محمد بن عبد الله بن جحش أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " غطّ فخذك فإن الفخذ عورة " ] .

و حض على التفريق في المضاجع بين الأولاد ، كما حرم على الرجل إتيان زوجته في دبرها .

عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا ينظر الجل إلى عورة الرجل و لا المرأة إلى عورة المرأة ، و لا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ، و لا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد " [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ، و الإمام أحمد و الترمذي ] .

و اللواطة عدا عن تسببها في نقل و انتشار الأمراض الزهرية المعروفة من سيلان و إفرنجي و غيرها ، فقد ساهمت إلى حد كبير في انتشار وباء الإيدز .

كما أن لها آفاتها الخاصة بها ، فاللواطة هي جماع في الشرج ذلك الموضع القذر المفعم بالجراثيم ، كما أنه غير مهيئ للإيلاج ، فهو مجرى تغلقه عضلات حمراء مخططة تشكل المصرة الشرجية و هي غير قادرة على التمطط و احتواء قضيب الرجل بشكل سوي ، على عكس مهبل المرأة المكون من عضلات قابلة للتمطط إلى حد كبير عدا عن كونه قناة نظيفة لها إفرازاتها الملينة و المرطبة لاستقبال عضو الرجل .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:55 PM
تقسم الآثار السيئة الناجمة عن اللواطة إلى لواطة حادة و مزمنة .

فاللواطة الحادة هي الوطء الشرجي الأول أو القليل العدد و تنجم آثاره الخطيرة إذا تم الفعل قسراً و خاصة عند عدم التناسب بين حجم القضيب و فوهة الشرج ، كما يحصل عند اغتصاب الأطفال بعد التغلب على عمل المصرة الشرجية الدفاعي من شقوق مدماة و من تمزق مختلف العمق في المصرة الشرجية قد تؤدي آلامها المبرحة إلى وفاة الضحية .

كما تنخفض الناحية الشرجية و تأخذ شكل القمع ، و قد تصاب المصرة الشرجية بالشلل فتبقى مفتوحة ولا يقدر المجني عليه على ضبط برازه . و هذا الشلل وقتي قابل للشفاء ، لكنه قد يستمر مدة طويلة .

و نعني باللواطة المزمنة الأعراض الناجمة عن استمرار تعاطيها مع رضا الطرفين _ و العياذ بالله _ و يعتبر التشوه القمعي للشرج أهم مظاهرها .

كما يحصل ارتخاء دائم في المصرة الشرجية ، فتنتفخ الفوهة الشرجية لأقل جذب و يبرز منها الغشاء المخاطي للمستقيم ، و قد ينتج عن ذلك سلس غائطي .

كما ينعدم المنعكس الشرجي و تنمحي الثنيات الجلدية و تكثر التقرحات و الشقوق و الأورام الشرجية و التي يمكن أن تتطور إلى آفة سرطانية .



السحاق :

شذوذ تمارسه بعض النسوة ، و هو لقاء جنسي بين امرأتين كما يحصل بين الأزواج من احتكاك جسدي بقبليهما و عناق و تقبيل و سواها للحصول على المتعة الجنسية .

و هو محرم قطعاً لقول النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لا ينظر الجل إلى عورة الرجل و لا المرأة إلى عورة المرأة ، و لا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ، و لا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد " [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ، و الإمام أحمد و الترمذي ] .

و قد اتفق الفقهاء عن أن السحاق يشرع فيه التعزير و التأديب و التوبيخ . و تصاب السحاقيات غالباً بانحراف في مركز الشهوة الدماغي حيث يصبحن بارادات جنسياً تجاه أزواجهن أو تجاه الرجال بشكل عام .



إتيان الميتة :

و هو شذوذ جنسي نادر اعتبره الشارع من الفواحش المهينة في حق صاحبها و اتفق جمهور الفقهاء بأن عقوبته التعزير في حين قرر المالكية بأن فاعله يحد كحد الزنى و بأنه أعظم إثماً لأنه تجرؤ على حرمة الميت .



وطء البهيمة :

و هو شذوذ جنسي ينبو عنه الذوق السليم ، و ينتشر في الأرياف غالباً .

و قد اتفق الأئمة الأربعة على أن عقوبته التعزير لفاعله بما يراه الحاكم رادعاً له .





تحريم الوطء في الدبر :

الدبر _ الشرج _ موضع قذر و أذى و غير مهيئ خلقه _ من الناحية الفيزيولوجية _ كما ذكرنا في مبحث اللواطة لإيلاج العضو المذكر فيه لعدم قدرته على التمطط بما يناسب العمل و لإمكانية حصول آفات خطيرة فيه كسلس الغائط و الأورام الخبيثة و التشققات المؤلمة و غيرها مما فصلنا فيه هناك .

و إذا كان الاستمتاع واجب للرجل على المرأة ، إذا انتفى العذر بما يحقق الاعفاف و الصون عن الحرام ، فموضع الوطء هو القبل لا الدبر باتفاق المذاهب لقوله تعالى :

{ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } [ سورة البقرة : الآية 223 ] .

أي على أية كيفية : قائمة أو قاعدة ، مقبلة أو مدبرة و لكن في القبل ، أي في موضع الولد للحرث .

فالمعاشرة الزوجية أمر مهم في حياة المسلم و ليست المسألة فوضى ولا وفق الأهواء و الانحرافات ، إنما هي مقيدة بأمر الله عز و جل ، فهي وظيفة ناشئة عن أمر و تكليف إذ يقول المولى سبحانه و تعالى :

{ فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } [ سورة البقرة : الآية 222 ] .

فليس الغرض مجرد قضاء الوطر و الاستمتاع ، إنما الغرض الرئيسي هو امتداد الحياة ، و إتيان الزوجة في دبرها محرم و هو سبب من أسباب فض العلاقة الزوجية .

و إتيانها في موضع الإخصاب وقاية لها و لزوجها من التلوث الجرثومي الهائل الذي يحتويه البراز ، ناحية الشرج .

و قد ثبت تحريم الوطء في الدبر في السنة في أحاديث كثيرة :

منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ملعون من أتى امرأة في دبرها " [ رواه الإمام أحمد و أبو داود و النسائي ، و قال حديث صحيح ] .

و عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد " [ رواه الإمام أحمد و أصحاب السنن ] .

و ما رواه عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم : " أقبل و أدبر و اتق الحيضة و الدبر " [ رواه الترمذي ] .

و ما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه و سلم و قد سئل عن الذي يأتي امرأته في دبرها : " هي اللوطية الصغرى " [ رواه أحمد و النسائي ] .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:56 PM
مضار الفواحش والفوضى الجنسية



لخص الدكتور محمود ناظم النسيمي ما تؤدي إليه الحرية الجنسية من أضرار مهلكة و مدمرة للفرد و المجتمع بالأمور التالية :

1. إن إطلاق العنان للإنسان في ممارسة رغباته و إشباع غرائزه و شهواته تؤدي بلا شك إلى أضرار فادحة تلحق بصحة الفرد و تدمر كيان الأسرة ، لبنة المجتمع الأساسية .

فإن استغراق الفرد في شهواته تجعله عبداً لها ، بحيث تكون شغله الشاغل و تصبح جوعة دائرة لا تشبع و لا تستقر ، مما تجعل منه أسير هوى جنسي ،و الذي يعتبره علماء النفس أشد الأهواء خطراً على النفس البشرية .

2. الفواحش هي السبب الوحيد تقريباً للإصابة بالأمراض الزهرية ، وأهم العوامل في انتشارها ، كالإفرنجي و السيلان البني ، و داء نقص المناعة المكتسبة _ الإيدز _ و غيرها كثير . كما أن المناسبات الجنسية و خاصة الشاذة سبب جوهري لانتقال الانتان من جهاز تناسلي لآخر .

و الانتانات التناسلية من الأمراض المعطلة عن العمل ، عدا عما ينجم عن الإصابة بها من صرف للأموال في التداوي ، و من إمكانية حدوث الطلاق ، و تفكيك عرى الأسرة .

3. اللواطة _ كما رأينا _ تزيد على الزنى بمضار متميزة ، فالفاعل المعتاد على اللواط تنحرف عنده الميول الجنسية ، فلا يميل إلى معاشرة زوجته ، و قد يقدم على طلاقها ، أو ممارسة الشذوذ الجنسي معها بإتيانها في الدبر .

أما الملوط به فيتعرض لتوسع الشرج و ارتخاء المصرة الشرجية و قد يصاب بسلس غائطي ، و قد يرتكس نفسياً فيتخنث .

4. الهوى الجنسي و ما يتبعه من شذوذات جنسية لها أثرها الضار على الصحة الجسمية و النفسية ، مشكلة عوامل هدامة في كيان الفرد و بناء المجتمع .

5. إن شيوع التمتع باللذة الجنسية بالطريق المحرم ، و تيسير الوصول إليها يؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج الشرعي و تهربهم من مسؤولية بناء الأسرة التي هي لبنة المجتمع .

مما يفكك عرى هذا المجتمع و تحويله إلى أفراد لا يجمع بينهم أي روابط مشتركة ، و هذا ما يؤدي إلى تدمير المجتمع برمته .

إن الدارس المنصف لتحريم الإسلام لهذه الفواحش ليقدر عظمة هذا الدين عندما يرى العواقب الوخيمة التي يجنيها مرتكبوها ، و التي سيعانون من آثارها ربما طيلة حياتهم ، و التي تجعلهم يندمون حتماً ، و لكن حين لا ينفع الندم .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 06:58 PM
الأمراض الزهرية (الأمراض المنتقلة بالجنس)



المقدمة :

سميت هذه الأمراض بالأمراض الزهرية قديماً Venereal نسبة إلى فينوس إلهة الحب عند الإغريق ، و كانت تشمل عدداً محصوراً من الآفات ، تنتقل كلها بالجماع .

إلا أن توسع الأمراض التي تنتقل بالاتصال الجنسي ، و سعة انتشارها جعل هذا المصطلح قاصراً ، و المصطلح الحديث الذي يجمعها هو " الأمراض المنتقلة بالجنس " و التي يمكن أن تنتقل بأي شكل من أشكال الاتصال الجنسي ، سواء كان طبيعياً أم شاذاً ، جماعياً مهبلياً عادياً ، أو شرجياً ، أو فموياً _ جنسياً .

و لا شك أن الأمراض الزهرية ، تشكل عقاباً إلهياً عاجلاً لمن تجرأ و اعتدى على الفطرة الإنسانية السليمة ، و سلك غير سبيل الهدى بارتكاب الفواحش من زنى و لواطة و سحاق و غيرها .

ذلك أن انتشار هذه الأمراض يتبع مبدأ الإباحية في العلاقات الجنسية و عدم اقتصار الفرد و قناعته بتلك العلاقات ضمن حدود العلاقة الزوجية المشروعة .

إذ يندر جداً أن تنتقل هذه الأمراض ضمن نطاق المعاشرة الزوجية إلا أن يكون أحد الشريكين قد خان شريكه لحظة ما .

و انتشار هذه الأمراض مع الإباحية الجنسية و العلاقات الفاجرة ما هو إلا تحقيق لنبوءة سيد البشر و إعجاز نبوي عظيم لقوله صلى الله عليه و سلم : " و لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا " [ رواه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمر ، و صححه السيوطي ، و قال الألباني : حديث صحيح ] .

أو ليس " الإيدز " الذي ظهر في الثمانينات _ 1980 _ دليلاً واضحاً على صحة نبوة محمد صلى الله عليه و سلم في إخباره ؟

لقد أبى الله عز و جل أن يحيا ذلك الفاجر الزاني أو اللائط حياة الطمأنينة في دنياه ، فلذة ساعة يمكن أن تحطم حياته كلها ، فضلاً عما ينتظره من عقاب أخروي . قال تعالى :

{ و لعذاب الآخرة أشد و أبقى } [ سورة طه : الآية 127 ] .

{ و لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة و ساء سبيلا } [ سورة الإسراء : الآية 32 ] .

و الإفرنجي " رأس هذه الأمراض " و كان الأخطر قبل ظهور الإيدز الرهيب . و يعتبر كريستوف كولومبس أول من أتى به من أمريكا إلى أوربا ، و قامت الغزوات الاستعمارية و الرحلات البحرية بنقله عبر المحيطات إلى أقطار الدنيا .

و تعتبر الحروب و المجاعات سبباً لظهور جائحاته . و لكن السيلان البني يعتبر في الوقت الحاضر الأكثر انتشاراً ، وإذا كانت تقديرات منظمة الصحة العالمية تنبئ عن وجود 20 _ 50 مليون إصابة إفرنجي في أوائل السبعينات فهناك بالمقابل من 200 _ 500 مليون إصابة بالسيلان سنوياً .

و إذا كانت هذه الأرقام المسجلة ، فإن المنظمة تؤكد أن الواقع الرقمي هو أكبر بكثير لأن أغلب المصابين بهذه الأمراض يرغبون التستر على مرضهم ، و لا يراجعون العيادات العامة ، و إنما يعالجون من قبل الأطباء الخصوصيين ، و هي حالات لا تسجل لدى الدوائر الصحية المؤولة .

لقد أظهرت إحصائية أمريكية أن 20 % من المومسات لديهن سيلان بني و 2 % عندهم إفرنجي . و من هنا نرى أثر الزنى في نقل هذه الأمراض .

كما أن اللواطة مصدر هام فقد اتضح في بريطانيا أنه منذ عام 1967 حيث صدر القانون البريطاني الذي لا يعتبر اللواط بين ذكرين بالغين جريمة يعاقب عليها ، مما أدى إلى زيادة الشذوذ الجنسي و انتشار هذه الأمراض .

أما في البلدان العربية و الإسلامية فما يزال الضابط الديني و الأخلاقي يحد كثيراً من انتشار هذه الأمراض ، لكن بيوت الدعارة التي تعمل في الخفاء تشكل نافذة كبيرة يمكن أن تحدث كارثة وبائية في المستقبل يجب أن ننتبه إليها .



الإفرنجي Syphilis :

مرض انتاني ظهر في أوربا في القرون الوسطى و سمي باللكمة الجبارة و يستوطن اليوم كل أرجاء العالم مع سورات له بين الحين و الآخر . و ترتبط سورته بالحروب و ما يرافقها من فاقة و حاجة و دعارة و رخص جنسي .

ينتقل بالاتصال الجنسي مع إمكانية انتقاله من الأم الحامل المصابة إلى وليدها عبر المشيمة ، و تعتبر الحرية الجنسية اليوم مع انتشار اللواطة و الدعارة من أهم أسباب انتشاره ، يساعد على ذلك انتشار استعمال حبوب موانع الحمل و كثرة و سهولة السفر و الترحال .

ينجم الإفرنجي عن جراثيم دقيقة خيطية الشكل تدعى بالبريميات الشاحبة ، و يوجد تمعجات على طول الجرثوم الذي يبلغ 20 مكروناً .

و هي جراثيم تموت بسرعة خارج الجسم الإنساني لذا انحصرت العدوى من المريض إلى السليم بالتماس الحار الرطب الذي يحصل مع الجماع و مقدماته .

يبقى الجرثوم في مكان دخوله في الجلد 3 أسابيع ثم يتعمم إلى دم المصاب و منه إلى كل سوائل البدن و حتى إلى السائل الدماغي الشوكي .



الإفرنجي المكتسب : و يمر بمرحلتين الأولى خمجية شديدة السراية هي الإفرنجي الباكر Early Syphiyi . و الثانية غير معدية لكنها ذات آثار خطرة جداً على العضوية هي الإفرنجي المتأخر Late Syphyi .

الإفرنجي الباكر : و يبدأ بعد فترة حضانة تقدر بثلاثة أسابيع بعد ليلة العدوى التي حصل فيها الجماع المشبوه ، و ذلك بظهور حطاطة حمراء في مكان دخول الجراثيم تتقرح بسرعة لتشكل قرحاً صلباً مفرداً غير مؤلم ذو حدود واضحة ، يمكن أن يتوضع في أي مكان على الأعضاء التناسلية ، أو الفم على الشفة أو اللسان ، أو الشرج ، يرافقه ضخامة في العقد اللمفاوية الناحية يدعى " القرح الصلب " أو الإفرنجي الأولي .

يشفى القرح الصلب خلال أسابيع و يدخل المرض دور كمون لتبدأ بعده أعراض الإفرنجي الثانوي _ بعد تسعة أسابيع من العدوى _ و يستمر شهوراً تبلغ السنتين .

و يتظاهر بأعراض متباينة جداً حيث يشكو المريض من فتور و حرارة خفيفة و بحة صوت ، كما تظهر بقع وردية بلون زهر الدراق في معظم أنحاء البدن _ الوردة الإفرنجية _ أو تظهر حطاطات نحاسية اللون متقرحة على الراحتين و الأخمصين " الحطاطات الإفرنجية " و هي إن ظهرت على الأماكن المتعطنة _ الفرج و الشرج _ نمت كثيراً على شكل القرنبيط " الأورام القنبيطية المنبسطة " و يمكن أن تتسحج و ينزف منها مصل كريه الرائحة .

و قد تظهر في باطن الفم تقرحات سطحية تغطيها غشاوة رمادية " الطلاوة الإفرنجية " أو " اللويحات المخاطية " .

و قد تسقط أشعار الفروة بغزارة مخلفة بقعاً عديمة الشعر تدعى " الحاصة الخلالية " . و قد تبدو تغيرات في لون الجلد على شكل رقط بيضاء ناقصة الصباغ على الجذع و خاصة الرقبة .

تغيب تظاهرات الدور الثانوي خلال بضعة أشهر ليدخل المرض في كمون طويل لا يكشف إلا بالفحوص المخبرية الخاصة لتبدأ بعد 2 _ 8 سنوات ما يسمى :

الإفرنجي المتأخر : و أهم مظاهره الصموغ الإفرنجية Goumatoum S . و هي أورام التهابية مخربة ، تتلين عند نضوجها و تتنوسر و ينز منها قيح صمغي .

تشفى بعد أشهر تاركة ندباً مشوهة على الجلد ، لكنها قد تتوضع داخل الأحشاء و الدماغ أو الرئتين أو القلب لتأخذ أشكالاً خطيرة مميتة أحياناً .

و يصيب الإفرنجي في أدواره المتقدمة الجهاز العصبي حيث يتبدى بأشكال مختلفة منها التهاب السحايا الإفرنجي ، و منها آفات تنكسية تصيب النخاع الشوكي مؤدية إلى الإصابة بـ " الضنى الظهري Tabes Dorsalis " أو التابس حيث يبدو على شكل ألم رامح و برقي على مسير العصب الوركي أو العضدي ، و يتبدى بمشية ترنحية غير مستقرة ، و منها الشلل العام و الاضطرابات العقلية .

و قد يصاب القلب بالإفرنجي أيضاً " الإفرنجي القلبي الوعائي " الذي يبدأ بالتهاب بطانة الأبهر ، و الذي يتوسع على شكل كيس محدثاً " أم دم أبهرية " قد تنفجر فجأة محدثة نزفاً صاعقاً مميتاً على الأغلب .



الإفرنجي الولادي :

إذا كانت الحامل مصابة بالإفرنجي فإن جراثيمه تمر عبر المشيمة إلى الجنين ، الذي يصاب بالمرض الذي يغلب أن يميته ، و تصاب الحامل بالإسقاط المتكرر .

أما إذا استمر الحمل رغم إصابة الجنين فإنه سيلد و هو مصاب حتماً بهذا الداء الوبيل . و الإفرنجي الولادي قد يبدو مبكراً منذ لحظات الولادة الأولى ، حيث يبدو فقاعات تملأ راحتيه و أخمصيه _ الفقاع الراحي الأخمصي _ مع توذمات و تشققات في الشفتين و زكام عنيف معند _ الزكام الإفرنجي _ كما تبدو الكبد ضخمة جداً ، مع ضخامة عقدية معممة و قد يصاب بالتهاب سحايا .

هذا و قد يلد الطفل سليماً في الظاهر لتبدأ مظاهر المرض بعد 6 _ 8 سنوات من ولادته " الإفرنجي الولادي المتأخر " و يتظاهر بـ : تشوهات في العظام " الظنبوب على شكل نصل السيف " و الأسنان " أسنان هوتشنسون " حيث تبدو صغيرة ضامرة ، كما يتظاهر بآلام في العين مع رهاب الضوء " التهاب القرنية الخلالي " . و بالصمم العصبي الحسي ، كما تتأخر عظامه بالنمو " الأنف السرجي " و غيرها من التشوهات ،

إنه قد لا ينمو الحاجز الأنفي و يبدو مثقوباً ،و قد يصاب الطفل بالصموغ الإفرنجية المخربة

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:00 PM
التعقيبة أو السيلان البني Gonorrhea :

أقدم مرض جنسي عرفته البشرية فقد ورد ذكره في التوراة و كتب الصين و الرومان و اليونان القديمة .

و هو المرض الجنسي الأكثر سراية إذ تفيد التقارير الأمريكية أن السيلان تضاعف ثلاث مرات بين عامي 1965 _ 325 ألف إصابة _ و عام 1976 _ أكثر من مليون إصابة _ .

ينتقل في الأغلب بالممارسات الجنسية ، لكنه قد ينتقل بالملابس الملوثة إذا كانت حديثة التلوث ، كما ينتقل من الأم المصابة إلى وليدها أثناء ولادته مسبباً " التهاب الملتحمة البني " الذي قد يؤدي إلى إصابته بالعمى .

و هو مرض انتاني ينجم عن جراثيم مكورة مزدوجة تشبه حبة البن تدعى بالمكورات البنية أو النايسريات .

و تبدأ الأعراض بعد فترة حضانة تقدر بثلاثة أيام من الجماع المشبوه ، فيظهر عند الرجل التهاب حاد في الإحليل يؤدي إلى سيلان قيحي من الإحليل ، أصفر مخضر ، كريه الرائحة ، مع ألم شديد ، و حرقة أثناء التبول .

و قد ينتقل الانتان إلى الأعلى فيصيب الموثة _ البروستات _ و البربخ و الحويصلات المنوية و حتى الخصية . و مع ازمان الآفة تنجم تليفات تغلق الأنابيب المنوية أو الناقلة و تؤدي إلى العقم .

أما عند المرأة فتكون الأعراض أقل حدة لقصر الإحليل عندها ، و إذا انتقل عندها إلى الأعلى فيمكن أن يصيب المثانة ، أو ينتقل إلى المهبل فعنق الرحم فالطرق الناقلة للبيض و حتى المبيض ، و ينتج عن التليفات التالية العقم أيضاً .

و إصابة المرأة بالسيلان أكثر خطراً و جدية من الرجل و هكذا فإن 70 % من المصابات لا يبدين أية أعراض مزعجة تدعوهم لاستشارة الطبيب ، في حين أنهن يستطعن أن ينقلن المرض لكل من يعاشرهن ، فيعتبرن بذلك خزاناً صامتاً لنقل المرض ، إذا كن ممتهنات للدعارة _ مومسات _ و في الاتصالات الشاذة يمكن أن يصاب البلعوم و الشرج محدثة التهابات مزعجة .

و في حالات إزمان الآفة أو نقص المناعة يمكن أن ينتقل الانتان إلى الدم حيث يحدث تجرثم الدم السيلاني في 1 % من الإصابات :

فترتفع الحرارة مع طفح التهابي وعائي ، و من الدم ينتقل الجرثوم ليتوضع في أحد المفاصل الكبيرة كالركبة أو المرفق _ التهاب المفاصل البني _ أو يتوضع في شغاف القلب فيحدث التهاب الشغاف الذي يغلب أن يهلك صاحبه بالموت .









القرح اللين أو القريح Chanchroid :

مرض انتاني ينتقل عن طريق الجنس ينجم عن عصيات جرثومية تدعى عصيات دوكريه ، يكثر ظهوره في المناطق الاستوائية غالباً ، حيث يبدو بعد اللقاء المشبوه بعدة أيام تقرح لين مؤلم على الأعضاء التناسلية مع ضخامة العقد اللمفاوية في الناحية ، يغطي القرح غشاء سنجابي اللون إذا كشط يبدو سطح جبيبي لماع ينزف بسهولة .

و يمكن أن تتعدد القرحة بالتلقيح الذاتي ، كما أن العقد اللمفاوية المصابة يمكن أن تتقيح و تتنوسر و تصبح مؤلمة و محدثة لقرحات واسعة و مخربة نتيجة للانتان الثانوي .



الثآليل الزهرية Gental Warts :

و تسمى باللفموم المؤنف Condyloma Accuminata و هو أورام قنبيطية مقممة ، صغيرة و مفصصة و مائلة إلى البياض ، تتوضع على الأغشية المخاطية للمناطق التناسلية و الجلد المجاور لها كالحشفة و حول الشرج و المستقيم و خاصة عند اللوطيين . و تتوضع عند النساء على الشفرين و البظر و الفرج .

تنتقل بالعلاقات الجنسية غالباً ،و هي شديدة العدوى ، تنجم عن حمات راشحة من نوع الفيروس الحليمي البشري HPV .

و قد اعتبرت سليمة لقرون ، غير أنه ثبت حالياً إمكانية تورطها في نشوء سرطانات القضيب و عنق الرحم من نوع Carcinoma .

يشجع الدفء و الرطوبة و الملابس الضيقة على نمو هذه الأورام ، كما أن لخمود العوامل المناعية أثر في انتشاره الواسع عند المريض ، في تكاثرها و ضخامة حجمها ، كما في ظروف الحمل ، و عند المصابين بمتلازمة نقص المناعة _ الإيدز _ .



الحبيبوم المغبني Granuloma Inguinalis :

و يدعى بالداء الدونوفاني ، و هو مرض جنسي كثير الشيوع في شرق آسيا و إفريقيا و أمريكا اللاتينية .

يبدو على شكل عقد في ناحية المغبن ثم تنفتج على الجلد محدثة تقرحات واسعة و مشوهة و مزعجة جداً ، قد يرافقها بعض التنبتات اللحمية ، كما يمكن أن تتطور في 10 % من الحالات إلى آفات سرطانية ، و يمكن لها بعد شفائها أن تخلف وذمات فرجية كبيرة .



الداء اللمفاوي الحبيبي الزهري Lymphogranuloma vene :

و ينجم عن متعضيات حية من زمرة الكلاميديا ، و هو مرض نادر ينتقل بالاتصال الجنسي السوّي و الشاذ و الفموي .

فبعد دور حضانة من 1 _ 3 أسابيع تظهر بقعة حمراء على الأعضاء التناسلية لا تلبث أن تتقرح يرافقها التهاب ، فتقيح فتنوسر في العقد اللمفاوية المغبنية وحيدة الجانب .

و هي آفة تخرب الطرق اللمفاوية مما يؤدي إلى ظهور الفيل : و هو ضخامة كبيرة في الصفن و الأعضاء التناسلية مع خزب و تورم في الطرف السفلي ، و تضيق الفوهات التناسلية ، وقد يحدث تقرح مزمن في المهبل .

و تزيد حوادثه في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها عن أربعة ملايين حالة سنوياً .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:01 PM
العقبول التناسلي Genetal Herpes :

مرض انتاني ناكس ينجم عن حمات راشحة خاصة ، تزايدت حوادثه في السنوات العشر الأخيرة ، و قد وصف حديثاً بأنه من أهم الأمراض المنتقلة بالجنس ، و خاصة في العلاقات الجنسية _ الفموية ، لكن انتقاله لا يقتصر حتماً عليها ، و إن إصابته لضعيفي المناعة ، و خاصة المصابين بالإيدز ، تكون شديدة و مهلكة .

يتظاهر ببقعة حمراء مع خزب على سطحها نفاطات صغيرة متجمعة ، و مؤلمة تماماً ، يرافقه تورم كبير أحياناً مما يجعل التبول صعباً و مؤلماً . يشاهد على القضيب غالباً _ عند الرجل _ و على أنسي الشفر الكبير _ عند المرأة _ . بعد أسبوع يجف و يتقشر ، و تحمل القشور أعداداً هائلة من العوامل الممرضة .

تختون الحمات الراشحة في العقد العصبية و تتخذ طريق الرجوع إلى الجلد على طول العصب مما يؤدي إلى نكس الآفة .

سبب هذا التحرك مجهول ، و تشير بعض الدراسات البريطانية إلى عوامل نفسية . و قد يؤدي العقبول التناسلي إلى اختلاطات بعيدة كالداحس العقبولي و التهاب القرنية و الملتحمة و الجزاز العقبولي . و ذكرت حوادث تورطه في إحداث سرطان عنق الرحم .

و له اختلاطات عصبية خطيرة كالتهاب السحايا العقيم ، و التهاب الدماغ ، و اختلاطات نفسية و اجتماعية كالقلق و الاكتئاب ، و اضطراب الوظيفة الجنسية _ النفسية ، التي قد تؤدي إلى الطلاق .

و إصابة الحامل في النصف الأول من حملها قد يؤدي إلى الإجهاض ، و إذا استمر الحمل فإن إصابة الوليد بالعقبول تكون في 50 % من الحالات . و تكون الإصابة صاعقة و مميتة في ثلثي الحالات ، أو أن يبقى حياً مع عاهات نتيجة لتخرب واسع في الدماغ أو العين لضعف آلية الدفاع المفاعي عند المولودين حديثاً .



الانتانات التناسلية غير النوعية :

و تنجم في 50 _ 70 % من الحالات عن متعضيات اكتشفت حديثاً هي المتدثرات

الحثرية أو الكلاميديا Chlamydia Trachomanis و هي كثيرة الانتشار اليوم في العالم الغربي ، و من أسبابها المتفطرات Mycoplasma و المشعرات المهبلية أو التريكوموناز . بعض أنواع المتدثرات تترافق مع إصابات عينية _ التراخوما _ و بعضها يترافق مع الحبيبوم اللمفي الزهري .

أو الدويبات المشعرة أو التريكوموناز فهي طفيليات من ذوات الخلية الواحدة على شكل الكمثرى و له سياط .

و الانتانات التناسلية غير النوعية كلها تنتقل عن طريق الجماع ، لكن العدوى قد تتم أيضاً بالتماس غير المباشر بواسطة الملابس الداخلية الملوثة و الشراشف و أدوات الفحص غير المعقمة و سواها .

الأعراض :

عند الرجل في 25 % من الحالات تكون غير عرضية ، و تتظاهر بعد أسبوعين من العدوى بمفرزات إحليلية مخاطية أو رغوية أو قيحية مع ألم على مسير الإحليل و الحاجة إلى التبول الملّح و المتكرر ، و قد تترافق بالتهاب الموثة و البربخ و المستقيم .

أما عند المرأة فمعظم النساء لا يبدين أعراضاً تذكر ، و تتظاهر الإصابة بالحكة ، و الضائعات ، و الاحتقان المهبلي و خاصة بعد الجماع ، مع حرقة أثناء التبول و كثرة مرات التبول .

و تختلط الكلاميديا بإصابة الملحقات حيث يظهر ألم أسفل الحوض ، و قد تؤدي إلى تخرب البوقين و انسدادهما مما يؤدي إلى العقم . كما أنها من أسباب الحمل خارج الرحم الذي يشكل خطورة على حياة المريضة .

كما أن انسكاب المفرزات الالتهابية من البوقين إلى جوف البطن يمكن أن يصل بها إلى الكبد و حصول ما يسمى بالتهاب ما حول الكبد .



قمل العانة Pupic Lice :

طفيليات من نوع الحشرات عديمة الأجنحة بحجم رأس الدبوس تصيب أشعار العنة و قد تنتقل إلى كل أشعار البدن ، و قد تصل إلى الأهداب .

تنتقل بالتماس المباشر و خاصة أثناء الجماع و المداعبة ، و قد تعم الأسرة كلها عن طريق الشراشف الملوثة بها .

و هو يلدغ الجلد و يؤدي إلى حكة شديدة و ظهور حطاطات وردية و خدوش . و الطفيليات تتثبت بأطرافها الخلفية القوية بقاعدة الأشعار و تبدو بالعين المجردة على شكل بقع سنجابية حول أشعار المنطقة المصابة .



الجرب Scabies :

مرض طفيلي تسببه حشرات صغيرة لا ترى بالعين المجردة هي هامة الجرب . ينتقل بالتماس الجسدي و خاصة المعاشرة الجنسية .

و قد كثرت حوادثه منذ السبعينات ، و أحصي من أسبابها الدعارة و سرعة الانتقال و السفر و فقد المناعة الجيدة .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:03 PM
التهاب الكبد الفيروسي :

و له شكلان :

التهاب الكبد الفيروسي _ أ : و يعرف أنه ينتقل عن طريق الطعام الملوث بأيد غير نظيفة أو عن طريق الذباب ، و قد ثبت اليوم أنه ينتقل أيضاً عن طريق الجنس بين الرجال الشاذين _ اللواطة _ و بالاتصال الفموي _ الجنسي .

التهاب الكبد الفيروسي _ ب : و ينتقل عن طريق الحقن الملوثة ، كما أثبت العلماء الإنكليز حديثاً إمكانية انتقاله بالمعاشرة الجنسية السوية أو المثلية ، كما يمكن أن ينتقل عن طريق حقن المخدرات .

و أهم أعراضه الغثيان و ضخامة مع ألم في الكبد ، و بعد أسبوع يظهر اليرقان الذي يسبقه تبول أحمر مسود و براز شاحب .



داء المبيضات التناسلية Veneral Candidosis :

المبيضات فطور قد توجد بشكل متعايش مع الإنسان ، في المهبل ، أو في الأمعاء ، و في ظروف خاصة كالداء السكري و الحمل و كثرة تناول المضادات الحيوية و الإيدز : تصبح هذه الفطور انتهازية ، فتثب من الشرج إلى المنطقة التناسلية لتؤسس انتاناً تناسلياً قد يكون شديداً ، و تصبح العدوى ممكنة بين الشركاء الجنسيين . ولا يحتاج الأمر إلى جماع كامل بل تكفي الملاعبة و التماس السطحي ليتم الانتقال .

تشكو المرأة من حكة و ضائعات يرافقها انتفاخ و ألم في الفرج و حرقة أثناء التبول ، و ألم أثناء الجماع .

أما عند الرجل فيغلب حصول الانتان عند غير المختونين : و يشكو المصاب من حكة و حرقة مع احمرار و طفح نفطي على القضيب ، و قد تحدث الأعراض بعد ساعة واحدة من الجماع مع مصابة ، و يحدث صعوبة في سحب القلفة إلى الخلف ، كما تحدث تشققات مؤلمة في القلفة في الحالات الشديدة .



متلازمة عوز المناعة المكتسب " الإيدز AIDS " :

قصة انتشار المرض :

الإيدز هو المحطة الأخيرة في رحلة الإنسان الشهواني الطويلة في صراعه مع الأمراض الزهرية المختلفة . و إذا كان البنسلين قد خفف من حدة بعض هذه الأمراض ، فلعله كان فرصة منحها المولى سبحانه لخلقه حتى يرجعوا . لكن لذة الفاحشة تعمي المكابر و المعاند ، فرماهم الله جلّت قدرته بغول العصر " الإيدز " الذي يهلك الحرث و النسل و لا علاج و لا أمل في الوقاية في منظور قدرة العلماء اليوم .

إذ لا يقتصر خطره على صحة الناس بل يتجاوز ذلك إلى تهديد الحياة الاجتماعية و الاقتصادية ، لأنه يصيب الشبان غالباً فيقضي عليهم أو يشل حركتهم مما يزيد في بؤس و تعاسة البلدان الفقيرة .

إن العالم المتمدن لم يواجه في تاريخه تهديداً مدمراً كالذي يواجهه اليوم نتيجة انتشار الإيدز . فهذا مؤلف كتاب Cecil _ طبعة 1992 _ يذكر أن حوادث الإيدز بدأت تظهر فرادى عام 1981 و اكتشف عامله الممرض عام 1983 . لكنها آخذة بالازدياد و الانتشار السريع .

ففي إحصائيات منظمة الصحة العالمية بلغت مجموع إصاباته عام 1980 هي 114 حالة في كل المعمورة ، فإنها وصلت عام 1990 إلى 270 ألف حالة ، و تؤكد إحصائية علم 1993 أن الحوادث المبلغ عنها وصلت 718 ألف حالة ، و تقدر المنظمة عدد الإصابات الفعلية بـ 2.5 مليون ، في حين تقدر عدد حملة الفيروس بـ 13 مليون فقط . !

و يؤكد مايكل بيرسون مدير برنامج مكافحة الإيدز في منظمة الصحة اليوم بأن خمسة آلاف شخص جدد يصابون يومياً بحمة الإيدز H . I . V . ، و قدر عدد الوفيات بسبب الإيدز في عام 1993 بـ 250 ألف وفاة . و بلغت تكاليف هذا المرض في ذلك العام 70 مليون دولار أمريكي .

و يؤكد خبراء المنظمة أن متوسط الحياة بعد تشخيص المرض هو بين 19 و 31 شهراً ، و أن الإيدز قد انتشر اليوم إلى 152 دولة ، و أنه سيصيب 100 مليون شخص خلال العشرة أعوام القادمة ، و يشكل الشاذون جنسياً و مدمنوا المخدرات 90 % منهم .



العامل الممرض و طرق انتقاله " العدوى " :

ينجم الداء عن فيروس خاص يدعى " حمة عوز المناعة البشري H . I . V . " و هي هشة و ضعيفة جداً خارج الجسم الإنساني ، إذ هي حساسة للحرارة و المطهرات الكيماوية . تشاهد بكثرة في الدم المصاب و المني و مفرزات المهبل و عنق الرحم . و لا تستطيع حمى الإيدز الانتقال عبر الجلد السليم إذ لابد من وجود تفرق اتصال كجرح أو سحجة تنفذ من خلالها إلى الضحية .

و الجماع بما يحدثه غالباً من سحجات مجهرية ، و ما يرافقه من غزارة مفرزات المهبل و قذف مني ملوثة بالحمة هو السبب الغالب في انتقال الحمة من المريض إلى السليم .

سواء كان الجماع طبيعياً بين رجل و امرأة أو شاذاً بين رجل و آخر ، و لكن اللواطة أكثر أثراً في إحداث مثل تلك الرضوض الشرجية أو في العضو لعنف الجماع فيها ، لذا يشكل اللوطيون النسبة الأعلى تعرضاً للإصابة .

تليها فئة المومسات و من يتصل بهن و ذلك لكثرة شركائهن الجنسيين و كثرة اتصالاتهن المحتملة للعدوى خاصة أن أغلبهن مصاب بتقرحات في عنق الرحم تكون مدخلاً سهلاً للحمات .

و في إفريقيا لعبت العادات القبلية دوراً في انتقال المرض و انتشاره في القارة السوداء . فممارسة الجنس قبل الزواج و حتى أثناءه و خاصة عند غياب الزوج أو مرضه مباح عندهم ، و عملية التطهير مشروعة عند بعض القبائل ، بل هي حق للزوجة على أقارب الزوج تستطيع بموجبها اللجوء إلى المحكمة لتجبر أحد أقارب الزوج على مضاجعتها .

و لابد من التنويه إلى أن النساء اللواتي يعرضن أنفسهن للتلقيح الصناعي بمني الغير معرضات للإصابة إذا كان المني مصاباً .

و قد بينت دراسة حديثة في أمريكا على مصابين بالورم العلفي الكابوزي _ أحد مظاهر الإيدز _ أن 50 % من هؤلاء المرضى كانوا يمارسون اللواطة مع أكثر من 10 أشخاص في الشهر الواحد .

و كذلك فإن أزواج و زوجات المصابين معرضون للعدوى ، من هنا نفهم الحكمة الإلهية في التفريق بين عقوبة الزاني المحصن و غير المحصن . فغير المحصن _ كما يقال _ ذنبه على جنبه . أما المحصن فهو بزناه ينقل المرض إلى شريكه الشرعي بلا ذنب اقترفه ، فكان الرجم عقوبة يستحقها على فعلته الشنيعة .

و التلوث بدم المصاب ينقل المرض سواء عند تلقي دماء مقطوفة من مرضى مصاببين بالإيدز أو تلقي وخز إبرة ملوثة بدم المصاب ، و هذا يحدث عند مدمني المخدرات ، إذا اشتركوا في الحقن الوريدية . علماً بأن الإحصائيات الأوربية أثبتت أن ثلث المدمنين على المخدرات في أوربا مصابون بحمة الإيدز .

و العاملون في القطاع الصحي معرضون للعدوى عند تلقيهم لوخز خطأ إذا كانت ملوثة بدماء مصابة ، لكن خطر العدوى بهذه الطريقة لا يتعدى 0.5 % .

و المرأة الحامل المصابة بالإيدز تنقل الحمة إلى وليدها عبر المشيمة بنسبة 50 % ، و يندر أن تنتقل الإصابة للوليد أثناء عبوره القناة التناسلية ، كما يمكن أن تنتقل الحمة إلى الرضيع بواسطة الحليب ، لذا يجب على الأم المصابة أن تمتنع عن إرضاع وليدها الذي تثبت سلامته . علماً بأن للحمل تأثيراً سيئاً على سير المرض عند الحامل إذ تزداد إمكانية ظهور الأعراض عند الأم الحاملة للفيروس .

و اللعاب لا ينقل المرض غالباً غير أن القبلات الرطبة العنيفة و الطويلة و التي قد تشارك بمص اللسان يمكن أن تحدث سحجات و أن يصبح اللعاب مدمى و لو من الناحية المجهرية فيمكن عندئذ أن يكون مصدراً للعدوى .



العوامل المساعدة على ظهور الإيدز :

إن دخول حمة الإيدز إلى البدن لا يعني حتمية الإصابة ، فقد يتغلب الجسم على المرض و يبقى التفاعل المصلي سلبياً . و قد يتطور الخمج إلى تفاعلات مصلية إيجابية دون أعراض سريرية " المريض اللاعرضي " و قد يبقى على هذه الحالة فترة طويلة يصارع المرض و يقاومه حتى تنهار مناعته .

و هناك عوامل عديدة تساعد على ظهور المرض ، و الوصول إلى النهاية المحتومة ، و من أهمها :

1. تلوث البيئة : يؤكد الدكتور مونتانييه أن تلوث البيئة كالدخان المنبعث من السيارات ، يعتبر عاملاً مساعداً في إنقاص المناعة ، و يرى أن حمة الإيدز موجودة منذ زمن بعيد و لم تتغير ، و إنما الذي تغير هو الإنسان الذي ضعفت مناعته بسبب إفراطه في شرب الكحول و التدخين و عدم أخذه القسط الوافي من الراحة .

2. أكد الدكتور كالو أن ترافق حمة الإيدز مع حمات أخرى ، و وجود تقرحات من المنطقة التناسلية و الأمراض المنتقلة بالجنس كالسيلان و الزهري ، و حقن المخدرات عوامل مساعدة في إنقاص المناعة تسرع في ظهور المرض و اختلاطاته . كما أن الإفراط في مزاولة الجنس أو تكراره مع أشخاص مشبوهين و خاصة بالنسبة للمرأة و الملوط به سبب هام في إنقاص المناعة ، فالمادة المنوية نفسها مضعفة للمناعة .

3. العوامل الغذائية : يرى الدكتور كيرمان _ عضو أكاديمية نيويورك للعلوم _ أن الطبيعة السمية للأطعمة الحديثة _ كالخضار المعاملة بالكيماويات _ و إعطاء الحيوانات المضادات الحيوية و الهرمونات أثناء تربيتها ، كلها عوامل تنقص من مناعة الإنسان اليوم .

4. العوامل الاجتماعية : الوحدة و الانعزال عوامل تشاطر حمة الإيدز في أنهاك البدن ، كما أن الفقر و الجهل من العوامل التي تزيد التأثير السلبي لهذه الحمة .

5. العوامل العصبية : القلق و الاكتئاب و كثرة الانفعال عوامل لها فعلها السيئ على نفسية المريض مؤدية إلى تقهقر مناعته ، و من ثم إلى تطور الإصابة عنده .



منشأ حمة الإيدز :

هناك نظرية تزعم أن تطور الإيدز كان نتيجة أبحاث لصنع السلاح الجرثومي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية . فقد دلت أبحاث العالمان الفرنسيان جاكوب و سيغال أن حمة الإيدز يدخل في تركيبها نتاج صنعي تم الحصول عليه نتيجة التلاعب بمورثات الإنسان . و في الحقيقة لا نملك دليلاً قاطعاً لنفي ذلك أو إثباته .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:04 PM
تطور الإصابة و مظاهرها :

إن معظم عناصر الجهاز المناعي في البدن تتأثر بشدة بعد دخول حمة الإيدز ، فهذه الحمة ترتبط باللمفاويات التائية فتقتلها أو تشلها . أما الخلايا البائية فلا ترتبط بها الحمة مباشرة ، و لكن نظراً لارتباطها الوثيق بالخلايا التائية فإن وظائفها تضطرب و تصبح مع الزمن غير قادرة على إنتاج الضداد التي يكافح بها البدن العضويات الدخيلة ، كما أن الخلايا القاتلة NK ينقص عددها و تتأثر وظيفتها في مكافحة الأورام ، أما البالعات فتضعف لتصبح غير قادرة على القيام بوظيفتها في البلعمة .

و يستطيع البدن بعد دخول الحمة بـ 3 _ 4 أسابيع ، تكوين أضداد ، لا تفيده في إكسابه أية مناعة ، لكنها تفيد في الكشف عن الإصابة حيث تصبح التفاعلات ضد الإيدز إيجابية . و يرافق هذا الانقلاب المصلي بعض الأعراض العامة من ترفع حروري ، التهاب بلعوم و دعث و صداع و آلام مفصلية لا يأبه لها المريض عادة .

بعد زوال هذه الأعراض يدخل المريض في دور كمون قد يمتد طويلاً حيث يكون البدن في صراع مع المرض دون أن يبدي أية أعراض لكن النقص المتدرج في الخلايا التائية المؤازرة نتيجة التأثير المباشر للفيروس عليها يؤدي في النهاية إلى انقلاب في موازين القوى و تنهار مناعة المريض مما يؤدي ببعض الانتانات التنفسية أو العصبية أو الهضمية لتكسب فرصتها محدثة أخماجاً انتهازية أو إلى تضخم شامل في العقد اللمفاوية يسمى الاعتلال اللمفي المستمر المنتشر . و هؤلاء إما أن يتوقف المرض عندهم إلى هذا الحد أو أن يتقهقر مرة أخرى إلى اللاعرضية أو أن يتطور عندهم إما إلى ما يسمى " المركب المرتبط بالإيدز " أو إلى الإيدز الصريح .

1. الاعتلال العقدي اللمفي المستمر المنتشر : تنبه حمة الإيدز الخلايا البائية الموجودة في العقد اللمفاوية مؤدية إلى ضخامة معتدلة فيها و خاصة عقد الإبط و العنق , حيث تصبح صلبة متحركة و غير مؤلمة بعد تناول الخمور .

و قد تترافق مع أعراض عامة كنقص الوزن و الترفع الحروري و الاندفاعات الجلدية حيث تصبح الحالة العامة للمريض سيئة .

2. المركب المرتبط بالإيدز : و يتظاهر بنقص كبير في وزن المريض مع قمه و انحطاط في البدن و إسهال حاد متقطع أو مستمر يدوم أشهراً ، و تعرق ليلي غزير ، و ترفع حروري معتدل .

كما تبدو لويحات بيضاء في باطن الفم أو على اللسان توحي بظهور السلاق ، , تدل على انهيار المناعة عند المصاب .

3. الأعراض الفموية و الجلدية : و أهمها ما يسمى الطلوان الشعري أو الوبري ، و هي لطخات بيضاء على جانبي اللسان لا يمكن قلعها و هي العرض الوحيد الذي لا نجده إلا في الإيدز ، و منها داء المبيضات و الخراجات السنية المعندة و التقرحات الفموية المختلفة المنشأ .

كما يسيطر على الجلد عدد من الآفات بالحمات الراشحة كالحلأ البسيط و داء المنطقة و المليساء المعدية و الثآليل لكنها هنا تبدو أكبر حجماً و أكثر انتشاراً و عناداً على المعالجات العادية .

4. مظاهر الإيدز الصريح : و هو شكاية المريض من الأخماج و الأورام الانتهازية :

أ _ الأخماج الانتهازية : فأخماج الجهاز التنفسي يحدث أغلبها بالتكيسات الرئوية الكارينية ، ثم بالمتفطرات الطبرية ، أو بالحمات المضخمة للخلايا أو بالمتفطرات السلية .

أما أخماج الجهاز الهضمي فتتظاهر بنقص الوزن و الإعياء و ضخامة العقد و عرضها الوصفي هنا عسر البلع مع ألم أو حرقة خلف القص تنجم عن استيلاء المبيضات على الجهاز الهضمي و خاصة المريء .

و يرافقه إسهال مائي أو مخاطي و قد يكون مدمى سببه طفيليات متنوعة من الأوالي أو العصيات الجرثومية الانتهازية . و حمات الحلأ البسيط قد تسيطر على المستقيم و منطقة ما حول الشرج مؤدية إلى تقرحات فيها ، قد تنزف أثناء التغوط .

أما أخماج الجهاز العصبي فأهمها التهاب الدماغ _ فقدان الذاكرة لحوادث القريبة ، الوسن و العنانة ، الإبالة في السرير ، و نوبات من الاختلاج _ و التهاب السحايا و ينجم عن المكورات المستخفبة _ صداع ، نوب صرعية ، حرارة ، و تخليط _ و الاعتلال النخاعي ، و التهاب في الشبكية _ عمى ليلي ، تقلص ساحة الرؤية , اضطرابها _ .

ب _ الأورام الانتهازية : يخفق الجهاز المناعي المنهار عند المصاب بالإيدز في التعرض للخلايا السرطانية و قتلها مما يؤدي إلى انتشار واسع للأورام الخبيثة عند مرضى الإيدز ، و التي يغلب أن تؤدي إلى نهايتهم المحتومة و أهم هذه الأورام :

1. الورم العفلي الكابوزي Sarcoma Kaposi : و يتخذ في الإيدز ما يسمى بالشكل الوبائي و يكثر عند اللوطيين و يتظاهر ببقع وردية _ بنفسجية ، يزداد لونها شدة مع الزمن و قد تسودّ و تبرز و تتصلب و يزداد حجمها ثم تتقرح .

2. اللمفاويات : أورام خبيثة تصيب النسج اللمفاوية ، و يمكن أن تتوضع في الدماغ أو في العظام أو في الأمعاء ، و تتظاهر بضخامة العقد السريعة و تصلبها و فقر دم مع ترفع حروري .

3. سرطان اللسان الوسفي : حيث يؤدي إلى تقرح في جانبي اللسان تنبعث منه رائحة كريهة ، و يتضخم ليعيق حركة اللسان و الكلام و لا علاج له سوى استئصال اللسان بكامله ، كما يكثر عند المصابين بالإيدز الميلانومات الخبيثة ، و سرطانات الشرج و قد تبدو سرطانات أخرى كسرطان الخصية و الكبد و غيرها .













لإيدز و القلب :

تبين الدراسات أن إصابة القلب هي سبب المراضة في 5 _ 10 % من الحالات و من مظاهر لإصابته الانصباب التاموري و اعتلال القلب التوسعي و اللاتوسعي و اختلالات النظم البطينية و التهاب الشغاف الخلوي و غيرها .



الإيدز و الأطفال :

قد يلد الطفل المصاب صغير الرأس مع بروز في الجبهة ، و قد يلد مصاباً بالشلل أو العته ، كما يعجز عن النمو بدون سبب ظاهر ، هذا عدا عن الأعراض المذكورة التي تصيب الكهول .



ماذا حدث في أمريكا عقب انتشار الإيدز :

يقول الدكتور جورج دورا : إن تظاهرات الشاذين جنسياً قد اختفت في الشوارع ، و الحمامات العامة قد أغلقت أبوابها ، و الدعوة إلى الطهارة و العفة قد عادت إلى الظهور .و إن الخوف من الإيدز قد يعيد للقيم الأخلاقية مكانتها . و أن تقديس الفتاة العذراء سيعود من جديد .

و يتابع الدكتور جورج دورا قوله : ....و إن المؤسسات التي تنتج الأفلام الجنسية المبتذلة قد أصيبت بالذعر و تدهور إنتاجها ، حيث أن الممثلين يخشون من القيام بالعمل الجنسي أمام الكاميرا مع شريك لا يعرف فيما إذا كان مصاباً بالإيدز أم لا .



كلمة الختام :

لقد رأينا كيف أن الإيدز مرض مهلك لصاحبه و مدمر للأسرة التي يدخلها ، فإذا ما علمنا الآن أنه لا يوجد أي لقاح يمنع البدن و يقي الإصابة به . و أنه لم يكتشف أي علاج له يمنع نهايته المحتومة .

و رأينا كيف أن علماء الغرب اليوم مرتبكون و مرتجفون في أقوالهم ، يخافون من تقرير الحقيقة المرة : و هي أن إباحيتهم هي التي أوصلتهم إلى ما هم فيه . خاصة إقرارهم باللواطة كعلاقة شرعية .تراهم اليوم يقررون نصائح ، تؤكد الأبحاث العلمية أنها لا تغني و لا تسمن من جوع .

يقولون للوطي مثلاً : اكتف بشريك واحد ، و امتنع عن لعق الشرج باللسان ، و يقولون للزناة : اكتف بشريكة واحدة لزناك ، واستعمل الرفال الواقي ، من الذي سيكتفي بواحدة إذا كان التعري مباحاً في مجتمعه و الشهوات متقدة ، و هو يعتقد في كينونته أن كل امرأة هي مباحة له ؟

لقد أكدت الأبحاث الطبية أن الرفال لا يمنع من الحمل 100 % ، إذ قد يتمزق في نسبة من 3 _ 4 % ، كما أن كل واحد من 200 رفال فيه ثقوب و مسامات لا تمنع أبداً من اجتياز الحمات الدقيقة له و وصولها إلى الشريك .

نعم إن عودة الإنسان إلى الطهارة و العفة _ إلى شرعة الله _ إلى صبغة الله و فطرته الذي حرم اللواط و الزنى قبل أن يخلق الإنسان ، و وجه غرائزه إلى احترام العلاقة الشريفة المقدسة بين الزوجين ، هذه هي الدعوات التي تتردد على الشفاه في أرجاء المعمورة .

لقد شاءت إرادة العلي القدير أن يبعث في القرن العشرين تنيناً كاسراً يوقظ الراقدين و يبعث الرعب في قلوب الذين أعمى أبصارهم زيف الحضارة الغربية _ ظانين _ أن الجنس كالطعام و الشراب ، يمكن أن يترددوا عليه كيفما شاؤوا دون أن يكون هناك أي رادع أو نظام .

انتبهوا أيها المسلمون إلى ما يجري في الغرب ، و أفيقوا من سباتكم و تجنبوا اتباع طريقهم المؤدي إلى التهلكة ، إن مئات الملايين منهم يصابون بالإفرنجي و السيلان و غيرها من الأمراض الجنسية القذرة و عشرات الألوف يموتون من مرض الإيدز كل عام . إنكم إن فعلتم فسوف تنتشر فيكم الأمراض التي لم تكن في أسلافكم من قبل .

أليس ظهور الإيدز في نهايات القرن العشرين ، إلا تصديقاً لنبوءة الصادق الصدوق محمد صلى الله عليه و سلم حين قال : " و لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا " [ رواه الحاكم في مستدركه ، و ابن ماجة ، و صححه السيوطي ، و قال الألباني : حديث صحيح ] .

و قوله صلى الله عليه و سلم : " إذا ظهر الزنى و الربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " [ رواه الحاكم و الطبراني عن عبد الله بن عباس ، و قال الألباني : حديث صحيح ] .

لقد غضب الله على قوم لوط لما طغوا و انحرفوا بشهواتهم فأحل بهم الدمار و أنزل عليهم حجارة ترميهم من كل حدب و صوب .

لكنه سبحانه و تعالى وجلت عظمته ، لم يرسل اليوم حجارة و لا صواريخ ليدمر بها من خالف فطرة الله و شذ في طريق الهوى و الرذيلة بل أرسل عليهم فيروساً صغيراً لا يرى إلا بالمجاهر الإلكترونية و تحداهم به قال تعالى :

{ و لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } [ سورة السجدة : الآية 20 ] .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:05 PM
تحريم الوطء في المحيض



قال تعالى : { و يسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض و لا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين } [ سورة البقرة : الآية 222 ] .

المحيض لغة : السيلان ، يقال حاض السيل و فاض . و هو شرعاً دم فاسد يخرج من أقصى رحم المرأة أياماً من كل شهر . و يفسر طبياً بأنه نزف غريزي _ فيزيولوجي _ يحصل نتيجة تنخر بطانة رحم المرأة في نهاية الدورة الطمثية عندها .

عن أنس بن مالك أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ، و لم يجامعوها في البيوت . فسأل الأصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فأنزل الله عز و جل :

{ و يسألونك عن المحيض قل هو أذىً … } الآية .

فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " و في رواية " إلا الجماع " [ رواه الإمام مسلم و الترمذي و أبو داود ] .

لقد اختلف الناس منذ القديم حيال المرأة وقت حيضها و تشدد اليهود في وجوب اعتزالها و اعتبروا أن من مسها كان نجساً ، و كانوا يعتزلونها في المأكل و المشرب و الفراش .

كما أن المجوس و العرب في جاهليتهم كانوا لا يساكنون الحائض و لا يؤاكلونها . في حين كانت النصارى تتهاون في أمر الحيض ، فلا تفرق بين الحيض و الطهر لا في الجماع و لا في غيره .

و جاء الإسلام بالاعتدال و نزلت الآية الكريمة فوضعت الأمور في نصابها بميزان مصلحة الفرد و المجتمع ، فقرر أن الحيض ضرر و أذىً للرجل و المرأة على السواء ، لكنه في نفس الوقت كرم المرأة ، فلم يجعلها نجسة و لا مستقذرة .

و جاءت السنة النبوية على لسان محمد صلى الله عليه و سلم معلم الناس الخير لتوضح أن الاعتزال إنما يكون لموضع الأذى دون غيره و يبين للناس أن عاشروا أزواجكم و اصنعوا كل شيء إلا الجماع …

عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كنت أشرب من الإناء و أنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه و سلم فيضع فاه على موضع في " [ رواه مسلم ] .

عن عبد الله بن سعد قال : سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن مواكلة الحائض فقال : " واكلها " [ رواه الترمذي و قال : حديث حسن غريب ] .

و قد دلت الآية على وجوب اعتزال المرأة في المحيض . فقوله تعالى : { فاعتزلوا النساء في المحيض } أمر ، و الأمر يقتضي الوجوب …

و على تحريم وطء الحائض إجماع علماء المسلمين و مستحله كافر . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " من أتى حائضاً في فرجها أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " [ رواه الترمذي و ابن ماجة و الدارمي ، و صححه الألباني ] .

و النفساء كالحائض … و إن جامع الرجل زوجته الحائض ، عالماً بالحيض و بالتحريم ، لكنه غير مستحل له ، مختاراً غير مكره ، فقد ارتكب معصية كبيرة و يجب عليه التوبة .

و يسن له أن يتصدق بدينار إن وطئها في إقبال الدم و بنصف دينار في إدباره لما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إذا واقع الرجل أهله و هي حائض ، إن كان دماً أحمراً فليتصدق بدينار و إن كان أصفر فليتصدق بنصف دينار " [ رواه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و قال الأرناؤوط : حديث صحيح ] .

و غير المستحل ، إن كان ناسياً أو جاهلاً لوجود الحيض أو جاهلاً لتحريمه أو مكرهاُ فلا إثم عليه و لا كفارة .

أما مباشرة الرجل زوجته من فوق الإزار و هي حائض و الاستمتاع بمداعبتها من فوق السرة و ما تحت الركبة فهو مباح باتفاق العلماء لما صح من فعله عليه الصلاة و السلام .

فعن ميمونة رضي الله عنها قالت : " كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت و هي حائض " .

و في رواية : " كان يباشر نسائه فوق الإزار و هن حيض " [ رواه البخاري م مسلم ( جامع الأصول ) ] .

و لما ورد عن حكيم بن حزام عن عمه أنه سأل النبي صلى الله عليه و سلم : ما يحل لي من امرأتي و هي حائض ؟ قال : " لك ما فوق الإزار " [ رواه أبو داود ، و إسناده صحيح ( الشوكاني ) ] .

و لمفهوم اعتزال النساء في المحيض قولان مشهوران عند علماء المسلمين :

الأول لابن حنبل و الأوزاعي و عكرمة و محمد بن الحسن : و هؤلاء يرون أنه يجب اعتزال موضع الأذى و هو مخرج الدم . و يحرمون بذلك الجماع دون غيره . لعموم قوله صلى الله عليه و سلم : " اصنعوا كل شيء إلا الجماع " .

و جعلوا قوله صلى الله عليه و سلم : " لك ما فوق الإزار " خاص بالسائل . أما حكيم بن حزام فلا يخصص عموم الأحاديث الأخرى ، فعند الحنابلة إذاً يجوز للرجل الاستمتاع بما بين السرة و الركبة من زوجته حال المحيض دون حائل عدا الوطء .

و بعض الشافعية يفصلون في هذا الأمر ، جامعين بين الأحاديث الواردة بقولهم : إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج جاز و إلا لم يجز .

و الثاني للحنفية و المالكية و جمهور الشافعية ، و هؤلاء يرون وجوب اعتزال ما بين السرة و الركبة _ ما تحت الإزار _ و تحريم التمتع به سداً للذريعة ، و لأن من وقع حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، و لظاهر الأحاديث الواردة في ذلك .

منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت : " كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يباشرها أمرها أن تأتزر في فور حيضتها ثم يباشرها " [ متفق عليه ] .

و لما رواه زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه و سلم فقال : ما يحل لي من امرأتي و هي حائض ؟ فقال صلى الله عليه و سلم : " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها " [ أخرجه الإمام مالك في موطئه و سنده منقطع و لكن له شواهد تقويه ( الأرناؤوط ) ] .



لكن متى تحل الزوجة لزوجها ؟

قال تعالى : { و لا تقربوهن حتى يطهرن } . و الطهر انقطاع دم الحيض ، { فإذا تطهرن } أي فإذا اغتسلن بالماء { فأتوهن من حيث أمركم الله } أي فجامعوهن في المكان الطاهر من الحيض الذي أمركم و أذن لكم في إتيانه و هو القبل ، و لأنه موضع النسل .

و على هذا لا يحل وطء الزوجة التي تنتهي حيضتها حتى تتطهر بغسل أو بتيمم . و بهذا قال الشافعية و المالكية و الحنابلة و زمر من الحنفية . و جمهور الحنفية على جواز قربها دون غسل إذا انقطع دم الحيض لأكثر مدته و هي عندهم عشرة أيام و لكن يندب لها عندهم أن تغتسل .

و ذهب ابن حزم في روايته عن عطاء و مجاهد في الحائض إذا رأت الطهر : فإنها تغسل فرجها و يصيبها زوجها .

الحكم الصحية :

و لاشك أن رأي الجمهور ، باغتسال المرأة لكامل جسدها قبل الوطء يتوافق مع الرأي الطبي ، ففيه تنشيط لأعصابها و لدورتها الدموية بعد فترة الحيض و ما يرافقها عادة من همود و تعب ، خاصة و أن الرائحة الخاصة للمرأة أثناء حيضها لا تقتصر على فرجها بل تمتد غالباً لمفرزات الجاد كافة .

فيكون الغسل هو المناسب صحياً لزوالها ، و هو الأقرب لمحبة الله سبحانه و تعالى :

{ إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين } [ سورة البقرة : الآية 222 ] .

فالأطباء منذ القديم أمثال أبوقراط و جالينوس اعتقدوا بوجود سموم في دماء المحيض ، و أن بدن المرأة في تلك الفترة خبث كله .

و عزى الدكتور ماخت _ 1943 _ ذبول الخضروات إذا ما تناولتها الحائض إلى وجود تلك السموم .

كما أعلن جورج فان سميث _ 1950 _ أن وفاة حيوانات الاختبار بعد حقنها بكمية ضئيلة من دماء الحيض يعزى إلى وجود سموم فيها أسماها السموم الحيضية ، غير أن برنارد زونديك _ 1953 _ برهن أن وفاة تلك الحيوانات يعزى إلى وجود الجراثيم في الحيض و ليس لوجود سموم فيها .

و لقد أيدت الأبحاث الطبية الحديثة ما أثبته الشرع ، مما قرره القرآن العظيم من ضرر و أذىً يلحق كلاً من الرجل و المرأة إذا حصل الوقاع أثناء الحيض :

فعند المرأة :

بعد انتهاء فترة الحيض يبدأ المبيض بإفراز هرمون الجربين الذي يزداد تدريجياً ليصل ذروته في وقت الإباضة _ في اليوم الرابع عشر لدورتها الطمثية _ ثم ينخفض تدريجياً لينعدم مع بدء الحيض التالي و يبقى منعدماً طيلة فترة الحيض .

و في حياة المرأة الجنسية يقوم هرمون الجريبين بوظائف دفاعية هامة لعضويتها . فهو يحرض على نمو الطبقة البشروية الغدية لبطانة الرحم ، و يزيد من مفرزاته المخاطية حيث تتشكل منها في عنق الرحم " سدادة مخاطية " تغلق زمن الطهر و تحول دون دخول الجراثيم التي يحملها عضو الرجل عادة أثناء الجماع _ إلى الرحم ، مانعة حصول أي انتان ، كما يزيد الجريبين من نشاط أهداب الخلايا البشروية و التي تساهم أيضاً في دحر أي انتان .

و ينعدم كل هذا النشاط الوقائي للرحم أثناء الحيض لانعدام إفراز هذا الهرمون في تلك الفترة ، كما أن مخاط السدادة يتميع و ينزلق مع دم المحيض تاركة عنق الرحم مفتوحاً أما الجراثيم الغازية .

و في المهبل ، فإن للجريبين فعل منم للخلايا الظهارية لبطانته يزيد من سماكتها بحيث تشكل طبقتها السطحية حاجزاً دفاعياً هاماً ، كما يزيد الجريبين من مفرزات المهبل الحامضية _ لوجود حامض اللبن _ هذا الوسط الحامضي يمنع الجراثيم الممرضة و يقتلها و يطهر المهبل منها .

أما أثناء المحيض فإن الدم النازف ، و انعدام الجريبين ، يعدل الوسط الحامضي للمهبل أو يجعله قلوياً ، مما يخفض من مقاومته للانتان إلى حد كبير و يجعله صالحاً لتكاثر الجراثيم الممرضة مما يؤهبه للالتهاب .

و يحمل عضو الرجل على سطحه العديد من الجراثيم بشكل متعايش غير ممرض في الحالات العادية ، و هي تدخل مهبل المرأة بشكل عفوي أثناء الجماع . و حصول المقارفة الجنسية أثناء المحيض يخرش المهبل و يعرضه للانتان . و لعدم وجود أي مقاومة للجراثيم في المهبل ، فإنها تنتقل عبر عنق الرحم المنفتح خلال هذه الفترة منتقلة إلى باطن الرحم و تدخل من خلال غشائه المتسلخ النازف إلى الدورة الدموية مما يؤدي إلى حصول التهابات خطيرة في الرحم قد تمتد إلى الحوض و الملحقات و المبيض و ما يرافق ذلك من آلام شديدة ، كما أنها قد تؤدي إلى العقم .

و التهيج الذي يرافق الجماع يزيد من احتقان الدم في الأعضاء التناسلية و الحوض مما يعرض جروح باطن الرحم إلى النزوف الطمثية الشديدة و إلى ازدياد ألم الطمث .

و إذا أضفنا لهذا كله أن مقاومة المرأة للأمراض تتضاءل إلى حدها الأدنى أثناء المحيض علمنا خطر الجماع على المرأة في تلك الفترة و إمكانية تيقظ ما كان كامناً من التهابات في أعضائها الجنسية ، و من اشتداد الانتان و خطورته عليها .

هذا و من طبيعة العمل الجنسي أن يتقلص الرحم أثناء الرعشة الجنسية ثم يسترخي مرتشفاً محتويات المهبل من مني و مفرزات ، و ما تحتويه من جراثيم ممرضة ، تدخل إلى باطن الرحم المتسلخ أثناء الطمث مؤدياً إلى التهاب الرحم أيضاً .

هذا علاوة على أن مني الرجل يحتوي على مادة البروستاغلاندين ، و هي مادة إذا دخلت الدورة الدموية للأنثى أدت إلى إحداث نقص شديد في مناعتها و قد تتعرض بذلك للهلاك عند إصابتها بأضعف الأمراض ، لكن رحمة الله جعلت من بطانة الرحم عندها سداً منيعاً ، إذ تقوم بإفراز مادة مضادة للبروستاغلاندين ، تعدلها و تمنع تسربها إلى جسم المرأة إذا حصل الجماع وقت الطهر .

أما إذا حصل أثناء المحيض فإن بطانة الرحم المتسلخة تكون غير قادرة على القيام بهذه المهمة و يستطيع البروستاغلاندين ، بعد أن يرتشف إلى باطن الرحم أن ينفذ إلى الدورة الدموية ليقوم بدوره المخرب .

و الهرمونات النخامية _ الجريبين _ التي تكون منخفضة جداً أو معدومة أثناء المحيض لا غنى عنها لإفراز المادة الشبقية في مهبل المرأة أثناء الجماع ، و هذا ما يجعل المرأة معرضة بطبعها عن الجماع في فترة حيضها ، و هذا ما يوضح كيف أن الخطاب وجه في الآية إلى الرجال دون النساء .

و هناك دراسة حديثة تبين علاقة حدوث سرطان عنق الرحم بكثرة حدوث الجماع أثناء المحيض .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:06 PM
أما عند الرجل :

فالجماع أثناء المحيض يؤدي إلى تسرب مفرزات المهبل و دم الطمث و ما فيها من جراثيم إلى إحليل الرجل مؤدية إلى التهابات فيه متباينة الشدة و قد تمتد منه لتصل إلى الحويصلات المنوية فالموثة _ البروستات _ فالبربخ فالخصية ، مؤدية إلى آلام شديدة في العجان ، أثناء المشي و التبول و الجلوس .

و إن عدم إصابة رجل ما إذا وطئ زوجته مرة و هي حائض لا يعني أبداً انعدام وجود عوامل الأذى .

ثم أن رؤية الدم و رائحته الكريهة كثيراً ما تعرض الزوج للنفور و الاشمئزاز و يؤدي لإصابته بما يسمى " القرف الجنسي " تجاه زوجته .

و قد أجرى الدكتور محمد عبد اللطيف دراسة ميدانية عند 60 امرأة تأكد له من خلالها وجود دورة لعضويات المهبل مرتبطة تماماً بالدورة الهرمونية للمبيض ، حيث وجد أن عصيات دودرلين _ النافعة _ تتواجد بكثرة طيلة فترة الطهر و تختفي تماماً أثناء الطمث في حين تواجدت أثناءه الجراثيم الضارة بأعداد كبيرة . حي تتوضع في أسفل المهبل في حين بدا الجزء العلوي منه خالياً تماماً .

كما وجد أن المشعرات المهبلية تزدهر وقت الحيض أربعة أضعاف ما كانت عليه وقت الطهر .

و عصويات دودرلين هي الحارس الأمين في المهبل ضد الجراثيم الضارة و هي تعيش على مخزون السكر في خلايا المهبل ، هذا المخزون يتعلق بنسبة الهرمونات المبيضية في الدم ، حيث وجد أن أعلى تركيز للسكر في هذه الخلايا يكون في منتصف الدورة الشهرية ، و يقل تدريجياً حيث ينعدم تماماً قبيل الحيض بساعات و أثناءه .

و هذا هو السبب في أن عصويات دودرلين تلك تصل إلى قمة تكاثرها و نشاطها في منتصف الدورة . و عند حدوث الحيض و نزول الدم فإن درجة التأين الحمضي للمهبل تنقلب إلى القلوية فتموت تلك العصيات و تنجرف مع تيار الدم الخارج .

مما يهيأ الفرص كلها لنمو و تكاثر الجراثيم الضارة . و ذلك لأن عصويات دودرلين تحول السكر إلى حمض اللبن القاتل للجراثيم الضارة فتمتنع عن التكاثر أو تموت مع وجود عصويات دودرلين .

و في غياب عصويات دودرلين تتكاثر الجراثيم الضارة المهبلية كما تستدعى صويحباتها من جراثيم الشرج و مجرى البول ، كأنما حفل أقيم و وليمة قد أعدت و الشرطي غائب ، فتتكاثر أيضاً ، و ليس من رادع يمنع دخولها إلى باطن الرحم المتهتك ، و هكذا فعضو الرجل الرطب و الذي يتلوث في مدخل المهبل بتلك الجراثيم يدخلها معه لتقوم بفعلها الغادر المؤذي لكل الجهاز التناسلي للمرأة .

و صفوة القول فإن أضراراً واضحة أثبتها الطب تلحق بكل من شريكي الجماع إذا حصل أثناء المحيض ، و يمكنان تكون هي ، مع غيرها مما لم نعرفه بعد هو الأذى المذكور في قوله تعالى : { و يسألونك عن المحيض قل هو أذىً } [ سورة البقرة : الآية 222 ] .

و هو إعجاز قرآني طبي ، يأتي في قمته أن يكون الأمر للرجل لأنه هو العنصر الفاعل في المناسبة الجنسية ، و لأن المرأة تعافها بطبعها أثناء المحيض .

و لأن النفاس : هو وضع فيزيولوجي _ غريزي _ مشابه ، كان اعتزال المرأة فيه واجب كذلك ، و هو ما اتفقت عليه المذاهب الأربعة .







الاستحاضة :

إذا كان الفقهاء قد اتفقوا على حرمة الوطء في الفرج أثناء المحيض و النفاس فقد اختلفوا في الحكم عليها إذا كانت المرأة مستحاضة .

و في بحث مستفيض عرض الدكتور ضياء الدين الجماس الحالة المرضية التي تكون عليها المرأة في أثناء استحاضتها ثم ناقش الآراء الفقهية المتباينة حول الحكم الشرعي للجماع فيها ، نقتطف منها الخلاصة التالية :

الاستحاضة حالة تشبه المحيض من حيث وجود سيلان دموي من الفرج ، لكنها تختلف عنه أنها حالات من نزوف مرضية لها أسباب كثيرة أهمها :

1. النزوف الطمثية : و تنجم عن تطاول فترة الحيض الطبيعية ، و لا يخلوا الجماع فيها من خطر التهاب الرحم و رضوضه كما بينا .

2. النزوف الرحمية : و هي نزوف تحدث لسبب أو علة موضعية في الرحم ، و هي إما أن تحدث أثناء الحمل أو في غير حالة الرحم .

فالنزوف التي تحدث أثناء الحمل قد تنجم عن تهديد بالاسقاط ، أو لعيوب مرضية أو أشكال شاذة من الحمل : كالرحى العذارية و الحمل خارج الرحم و ارتكاز المشيمة المعيب أو انقلاعها الباكر …

و كلها حالات مرضية قد تهدد حياة الأم وأو الجنين ، كما أنها تزداد سوءاً بالجماع الذي يرض الرحم و يفاقم الحالة المرضية .

أما في غير فترة الحمل فهناك حالات مرضية عديدة يمكن أن تؤدي إلى النزوف الرحمية _ الاستحاضة _ كالتهاب باطن الرحم و الأورام السليمة و الخبيثة و البوليبات و عقب الرضوض التي تصيب الجهاز التناسلي للمرأة و دوالي المهبل و عنق الرحم ،و أكثرها يزيد الجماع من شدة الرض و كمية النزف و يجب استشارة الطبيب المعالج قبل الإقدام على جماع المصابة بها .

ثم يستعرض الدكتور ضياء الدين الجماس الآراء الفقهية فيقول : بأن الجمهور ذهبوا إلى إباحة ودء المستحاضة ، مستدلين إلى ما رواه أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش : أنها كانت مستحاضة و كان زوجها يجامعها , و قال : كانت أم حبيبة تستحاض و كان زوجها يغشاها ….

و أما عند الحنابلة فالرواية الراجحة أن المستحاضة لا توطأ إلا أن يخاف الزوج على نفسه الوقوع في محظور . و تستند هذه القاعدة إلى ما وراء الخلال عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : " المستحاضة لا يغشاها زوجها " .

هذا بالإضافة إلى التعليل المنطقي من أن المستحاضة بها أذى الحيض ، فيحرم وطئها كالحائض .

و يرى الدكتور ضياء الدين الجماس أن رأي الحنابلة هذا هو المطابق لظاهر النص القرآني و لرأي الطب الوقائي و علم الصحة ، بل إن دم الحيض كما علمنا هو دم صحة في عرف جمهور الفقهاء .

و لما كان الجماع محرماً باتفاق الفقهاء في هذه المرحلة السليمة _ صحياً _ من حياة المرأة ، فمن باب أولى منعه في حالة نزفها المرضي _ الاستحاضة _ و كيف يمكن أن يستسيغ الرجل أن يأتي امرأته و هي مريضة تخشى على نفسها الهلاك أو ازدياد النزف و الأذى ؟ و نحن مع الدكتور ضياء الدين الجماس في معالجة موضوع الوطء وقت الاستحاضة على الوجه التالي :

1. الأولى و الأكمل و الأطهر أن يمتنع الزوج عن الوطء وقت استحاضة زوجته ، ما لم يكن هناك ضر عليه ، و له الجماع ما لم يكن هناك ضرر على الزوجة .

2. يرجع الرأي في النهاية إلى الطبيب المعالج الاختصاصي ، فهو وحده الذي يمكنه أن يقرر إمكانية الجماع أو منعه تبعاً لحالة المرأة الصحية ، و أن يقدر مدى الضرر الحاصل نتيجة الوطء على كل من الزوجين ، و الشرع قد أعطاه هذا الحق .

يقول تعالى :

{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [ سورة الأنبياء : الآية 7 ] .

و من خلال بحثنا هذا ندرك عظمة الدين الإسلامي الحنيف في منع كل ما هو ضار لصحتنا ، و هي تزداد رسوخاً في قلوبنا على مر العصور ، و مع تقدم العلوم و المعارف الطبية و أنه دين الفطرة السليمة الذي يتوافق _ قطعاً _ مع الحقائق العلمية ، و هو دين الحق المنقذ لنا من الضلال و الهلاك في دنيانا و آخرتنا .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:08 PM
تحريم أكل أموال الغير وأثره في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:09 PM
تعريف أكل أموال الناس بالباطل



" حفظ المال " و عدم الاعتداء عليه هو من الضرورات الخمس التي جاءت الشرائع السماوية كلها من اجلها . فالحياة لا يمكن أن تستمر بشكل سوي إلا إذا أمن الناس على حياتهم و أموالهم و أعراضهم و عقولهم ، و إلا إذا حفظ الدين بإقامة شريعة الله التي تمنع الظلم و تقيم العدل .

و المال قرين الروح و الاعتداء عليه يورث العداوة و البغضاء بل قد يجر إلى الجرائم و قتل النفس ، و سلبه يؤدي إلى الحرمان و الجوع و الخوف و المرض لذا أوجب سبحانه تداوله بطريقة التراضي و حرم كل سبيل للاعتداء و الظلم و أوجب عقوبات رادعة في الدنيا كقطع يد السارق و هدد بحرب الله لآكل الربا و بالوعيد الشديد لآكل مال اليتيم و غيره .

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم } [ سورة النساء : الآية 29 ] .

قال الدكتور وهبة الزحيلي : و أكل مال الغير بالباطل أي بأنواع المكاسب غير المشروعة كالربا و القمار و الغصب و البخس ، فالباطل ما يخالف الشرع . و حرم الرشوة للحكام لأنها تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل و ما تخلفه من أحقاد و أمراض . قال تعالى :

{ و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم و العدوان و أنتم تعلمون } [ سورة البقرة : الآية 188 ] .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:11 PM
تحريم الربا



قال تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } [ سورة البقرة : الآية 275 ] .

و قد عبر بالأكل عن الأخذ أو الانتفاع بالربا لأنه الغرض الأساسي منه ، و يشمل ذلك الآخذ و المعطي .

عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " لعن الله آكل الربا و موكله و كاتبه و مشاهديه و قال : هم سواء " [ رواه مسلم ] .

فالذين يأخذون الربا و يستحلونه حباً في المال و عملاً بالأهواء و يأكلون أموال الناس بالباطل و من غير جهد مثلهم في الاضطراب و القلق كمثل المصروعين الذين تتخبطهم الشياطين ، و تمسهم الجن و تصرعهم ، و هم في الآخرة أشد تخبطاً و اضطراباً بسبب ثقل المال الحرام الذي يأكلوه من الربا مما جعلهم متميزين عن بقية الناس في تعثرهم و سقوطهم كلما هموا بالقيام .

و هذه صورة في غاية القبح و البشاعة ، و دليل على ما يحدثه النظام الرأسمالي الربوي في العالم اليوم من هزات و قلق و خوف ، و ما يؤديه إليه هذا القلق و الخوف من أمراض عصبية و نفسية .

قال ابن عباس : " آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق " [ رواه ابن أبي حاتم ] .

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون و لا تُظلمون } [ سورة البقرة : الآيات 278 : 279 ] .

فمن بلغه تحريم الربا فانتهى فله ما سلف من أخذه الربا في الجاهلية ، و من عاد إلى الربا بعد تحريمه فقد استوجب العقوبة و استحق الخلود في نار جهنم .

لقد اعتاد الناس في الجاهلية أنه إذا كان لرجل منهم على الآخر دين فحل ميعاد سداده و لم يوفه ، أن يزيده مالاً مقابل أن يزيد الدائن في الأجل و هكذا حتى ينتهي الأمر بمضاعفة الدين أضعافاً مضاعفة .

و قد أثرى هؤلاء المرابون الثراء الفاحش على حساب افتقار الآخرين و كانوا يستغلون حاجة المحتاجين فلا يفرجون لهم كربة إلا بأخذ الثمن مضاعفاً . و هذا هو الربا .

و الإسلام لما أشرق بأنواره على الدنيا حث الأثرياء على أن يمدوا يد العون إلى إخوانهم الفقراء حالة الحاجة فيقدموا لهم القرض الحسن ، و جعله سبحانه قرضاً له :

{ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } [ سورة البقرة : الآية 245 ] .

ثم أمر بالرأفة بحال المدين المعسر فجعل السداد عند الميسرة :

{ و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } [ سورة البقرة : الآية 280 ] .

ثم إن الإسلام بتوازنه الرائع طمأن الدائن على دينه بحث المدين على أن يسدد دينه و حذره من المماطلة في رد الحق .

يقول النبي صلى الله عليه و سلم : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ، و من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله " [ رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ] .

و قال أيضاً صلى الله عليه و سلم : " مَطلُ الغنى ظلم " [ رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ] .

و في قوله سبحانه و تعالى : { يمحق الله الربا و يربي الصدقات } [ سورة البقرة : الآية 276 ] .

تنبيه إلى أضرار الربا و تبديد أثره . فالمرابي مبغوض مكروه عند الله و عند الناس ، الكل حاسد له و شامت إن ألم به مكروه و الكل ينتظر له المصير المشؤوم .

و هذا أمر ملاحظ في واقع المرابين ، فسرعان ما يبددون المال و تبدو عاقبتهم السيئة في ثروتهم و صحتهم .



أضرار الربا الاجتماعية و الصحية :

و الإسلام قد حرم الربا لأنه دين العمل و الجهد فلا يجيز كسباً بغير عمل و المرابون باعتمادهم على الربا كمورد رزق يتخذونه مهنة لهم فيألفون الكسل و يمقتون العمل .

و هو يؤدي إلى زرع الأحقاد في قلوب الفئة الفقيرة المحتاجة و يقضي على وشائج الصلة و التراحم بين الناس إذ هو سلب لأموال المحتاجين فإنهم إن تعاملوا به و عجزوا عن السداد ازدادوا في الأجل بزيادة المطلوب منهم و يزيد عجزهم حتى تذهب أملاكهم .

و عن أضرار الربا الصحية يكتب الدكتور حامد الغوابي فيقول : إن الدين هم بالليل و مذلة بالنهار . فالمدين تلفه الأحزان في كل مكان ، ويزيد من حزنه أنه يدفع أضعاف ما يأخذ ، و الحزن إذا استولى على إنسان أرداه .

و قد يسبب له السوداء و يصاب بالأرق الذي يصحبه القلق ، و ما يؤدي إليه من انفعالات نفسية تزيد من إفرازات الأدرينالين في جسمه و هي التي ترفع الضغط الدموي .

كما أثبت الطب أن الحزن كثيراً ما يكون السبب الأول لظهور الداء السكري و ارتفاع الضغط . و قد بينت الدراسات أنه عندما تهبط قيمة الأسهم في البورصة يلاحظ ارتفاع السكر في الدم و البول عند المضاربين .

أما الدائن _ المرابي _ فهو عرضة للانفعالات النفسية إذ كثيراً ما يفلس نتيجة عدم سداد المدينين ديونهم فيتعرض للهزات العصبية عندما يرى أن أمواله التي أقرضها للناس آملاً أن تزداد على مر الأيام قد ضاعت فتذوي صحته و يضعف قلبه عن احتمال الصدمة و قد يصاب بالسكتة القلبية .

و الصدمات و الأحزان تسبب زيادة ضربات القلب و تقود إلى أمراضه ، و قد تؤدي إلى القرحة المعدية .

و المرابي كثيراً ما لا يقرض إلا برهن ، و عندما يعجز المدين عن السداد فهو قد ينتزع ملكية المدين لبيته أو مزرعته ، و يصبح فجأة ذا ثراء ، و فرط السرور الناجم عنها كثيراً ما يؤدي إلى صدمة أشد أثراً من صدمة الحزن .

لذا نرى أن الله سبحانه و تعالى قد احل البيع و فيه الكسب المشروع الذي يأتي صاحبه تدريجياً و في حالة ترقب لا فجأة ، و هو كما يتوقع الكسب يتوقع الخسارة و تبقى انفعالاته غالباً ضمن الحدود السوية المحتملة

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:12 PM
تحريم الميسر "القمار"



قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فهل أنتم منتهون } [ سورة المائدة : الآيات 90 : 91 ] .

و قال تعالى : { يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثمٌ كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما } [ سورة البقرة : الآية 219 ] .

و الميسر والقمار ، مأخوذ من اليسر و السهولة لأنه كسب بلا جهد و لا مشقة ، قال مجاهد : كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالخرز .

و كان قمار العرب في الجاهلية بالأقداح أو الأزلام و كانت عشرة ، سبعة يكتب على كل واحد منها نصيب معلوم و ثلاثة غفل لا نصيب لها ، و كانوا يشترون جزوراً و ينحرونه ثم يقسمونه أقساماً ، و يجعلون الأقداح في كيس يحركها شخص ثقة ثم يدخل يده فيخرج من الأقداح فمن خرج له قدحاً من ذوات الأنصباء أخذ نصيبه ، و من خرج له قدحاً مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً و غرم ثمن الجزور كله ، و كانوا يدفعون تلك اللحوم إلى الفقراء و لا يأكلون منها . و يفتخرون بذلك و يذمون من لم يشترك معهم .

و ذكر العلماء أن المخاطرة _ الرهان _ من القمار إذ نقلوا عن ابن عباس : المخاطرة قمار ، و إن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال و الزوجة .

و قال علي بن أبي طالب : كل شيء فيه قمار من نرد و شطرنج فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز .

و يجمل الدكتور وهبة الزحيلي أنواع الميسر فيقول : و كل لعب فيه غرم بلا عوض و فيه استيلاء على أموال الناس بغير حق و لا جهد معقول فهو حرام ، فالميسر أو القمار و لعب الموائد _ بالورق و غيره _ و أوراق اليانصيب كل ذلك حرام لما فيه من إضاعة المال أو الكسب من غير طريق شرعي و لاشتماله على أضرار كثيرة مدمرة للجماعة و الأفراد .



أضرار القمار :

ذكر القرآن للميسر أضراراً واضحة و هي أنه يورث العداوة و البغضاء و يصد عن ذكر الله ، و منها إفساد التربية بتعويد النفس على الكسل و انتظار الرزق من الأسباب الوهمية و إضعاف القوة العقلية بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية و إهمال المقامرين للزراعة و الصناعة و التجارة و هي أركان العمران .

من الأضرار إفلاس المقامر و تخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة . فكم من ثروة بددت في ليلة من الليالي .

و يرى الدكتور أحمد شوكت الشطي أن القمار كان و لا يزال آفة كل عصر و مضاره لا تقف عند حد ، فحب القمار إذا تمكن من فرد دفعه إلى إهمال عمله و تحويل نشاطه إلى الربح بالمقامرة التي لا تثمر إلا إلى الفاقة و البؤس .

إن نفسية المقامر غريبة ، فهو لا يتردد إذا قل ماله عن الاستدانة لا بل عن الاستجداء ، يهون عليه في سبيل القمار كل شيء ، فيهمل بيته و زوجته و ولده ، و قد لا يخشى في نزوة لعبه الفضيحة و لا العار .

و إن اجتماع هذه العوامل في إدمان القمار مفكك للأسرة و مخرب للديار . و إنني أعتقد أن كلامي هذا قلما ينفع المقامر المدمن ، لأن عقله ضال ، لكنني أسوقه إلى اللاعبين المتسلين كي أحذرهم لأن اللهو بالقمار يؤدي إلى إدمانه ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .

و يتابع الدكتور أحمد شوكت الشطي فيقول قد يتصور أن لا صلة بين القمار و الصحة و الواقع أن صحة الإنسان تتأذى جداً بالقمار و يختلف ضرره حسب عمر المقامر :

فعند الشباب ينهكهم السهر و كثرة الانفعالات النفسية ، فتتوتر أعصابهم و تضعف و ينحبس الدم في الدماغ مما يؤدي إلى الأرق و الهزال و الخور و الصدمات العصبية و اليأس ، و قد ينتهي إلى الانتحار أو يبتلى بالهزال الشديد و سوء الحالة العامة و مظهر شيخوخي مبكر جداً .

و نظرأً لأن الكهول أقل مقاومة للأمراض فإن تأثير القمار عليهم أشد . و إذا كانت الانفعالات النفسية عندهم أقل ، فإن فساد التغذية أو سوء الاستقلاب فيهم كثيرة : كالنقرس و السكري و الرثية المزمنة و غير ذلك من الأمراض التي يساعد القمار على توليدها و جعلها شديدة و خطيرة .

و يزيد ضرر القمار على الشيوخ أكثر و أكثر لأنهم مصابون في الأغلب بجفاف في العروق و قصور في الكلى ، و كثيراً ما يؤدي السهر و الانفعالات النفسية و التوتر العصبي بسبب القمار إلى تمزق عروقهم _ انفجار في الأوعية الدماغية _ فجأة و إصابتهم بشلل مميت أو فالج شقي خطير .

و الشيوخ من المقامرين يعرفون ذلك فيستصحب من كان منهم ذو سعة طبيباً ليدرأ عنه الخطر ، و لكن أكثرهم يلقى حتفه فوق الموائد الخضراء ،و غير مأسوف عليه .

و قد صنف خبراء منظمة الصحة العالمية الهوس بالقمار مع أمراض الإدمان عام 1994 ، و يحقق مشفى دانماركي اليوم بعض النجاح في معالجة إدمان القمار الذي أصبح مشكلة اجتماعية متفاقمة في الدانمارك .

و وجد الباحثون في المشفى أن عدم التوازن في مادتي الدوبامين و النورأدرينالين في دماغ المصابين بهوس القمار هو الذي يؤدي إلى هذه الحالة . و لأن توازن هاتتين المادتين هو الذي يساعد في التغلب على الاكتئاب المرافق .

كما ثبت أن الإصابة بهوس القمار تؤدي إلى الخراب الاقتصادي و الطلاق و الانتحار .

و صدق الله القائل في الخمر و الميسر :

{ و إثمهما أكبر من نفعهما } .

فالحمد لله على نعمة الإسلام و جعلنا ممن يتمسك بهديه لنحقق سعادة الدنيا و الآخرة إنه سميع مجيب .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:14 PM
الآداب الإسلامية في الطعام والشراب وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:16 PM
أسس تدبير الطعام والشراب في الشريعة الإسلامية



لقد نجح النظام الإسلامي في ميدان التدريب الصحي الذي فرضه على بني البشر ليسعدوا به ، فقد كانت معظم الأمراض التي يصاب بها الناس _ومازالت_ في عصرنا الحديث ترجع إلى الحرمان الشديد ونقص الغذاء، أو إلى الإفراط في تناول الطعام والشراب والإسراف فيهما، وقد جاء الحل الإسلامي العظيم المعجز وفي ثلاث كلمات من كتاب الله U حين قال: ]وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [. وأمر بالصيام شهراً في السنة للحفاظ على سلامة وكيان أجهزة البدن وأعضائه.

وجاءت الدراسات الطبية لتثبت أن مرضى القلب يستطيعون أن يعيشوا طويلاً بعيداً عن المضاعفات الخطيرة إذا هم اعتدلوا في طعامهم وشرابهم ومن ثَمَّ فقد أمر الإسلام الأغنياء بإخراج زكاة أموالهم لإنقاذ ملايين الجائعين من خطر البؤس والفقر والمرض والموت.

وجاءت القاعدة الثانية القرآنية صرخةً مدويةً يؤكد علماء اليوم أنها الحل الأمثل لحل مشاكل العصر الصحية والتي جعلها سبحانه وتعالى من أهداف بعثة النبي الأمي r وهي قوله تعالى: ] ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث[ فكان تحريم الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير، وما ألحق بها اليوم من خبائث العصر من مخدرات وسجائر وسواها وهي من أهم أسباب الأمراض والعجز والموت والمهالك في عصرنا الحديث.

وجاء الهدي النبوي بآداب يتدبر بها المسلم أمر طعامه وشرابه، وهي علاوة على أنها أضفت على حياته الاجتماعية مسحة جمالية وسلوكيةً رائعةً، فقد نظم بها الشارع تناول الوجبات وكميّاتها وطريقة تناولها فيما يتّفق مع ما وصل إليه الطب الحديث الوقائيّ وعلم الصحة، لا بل سبقه إلى ذلك بقرون عدة، فلا يأكل المسلم حتى يجوع، وإذا أكل لا يصل إلى حدً التخمة من الشبع، إذ " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه "، وعلى قاعدة " ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه " كما نهى الشارع عن إدخال الطعام على الطعام أو أن يأكل بين الوجبات…… الخ.

واتفاقاً مع الأهمية الصحية لطريقة تناول الطعام والشراب، وعلاقة ذلك بصحة البدن، فقد حدّد الطبيب الأول ورسول الحقِّ rالوضعية المثلى للجلوس على الطعام، ونهى عن وضعياتٍ قد ينجم عنها بعض الأذى، كأن يأكل المرء أو يشرب واقفاً أو متكئاً. وندب إلى أن يتحدَّث الإنسان على طعامه لإدخال السرور على المشاركين مما يزيد في إفراز العصارات الهاضمة ويساعد على الاستفادة المثلى من الطعام. ودعا إلى تقديم العَشاء على العِشاء، وإلى أن يشرب كوب الماء على دفعتين أو ثلاث، وأن يمصّه مصَّاً لا أن يعبَّه ويكرعه لما في ذلك من أثرٍ سيء على المعدة والجهاز الهضميِّ عموماً.

وإذا كان الطبُّ الحديث قد اكتشف الجراثيم الممرضة والطفيليات المهلكة للإنسان في أواخر القرن الماضي، وبين أن تلوث الطعام والشراب بها هو من أهم أسباب إصابة الإنسان بعدد من الأمراض الخطيرة كالكوليرا والتيفوئيد والزحار (الزنطارية) والسل المعوي والديدان والتهاب الكبد وغيرها، ومن ثَمَّ فقد وضع علم الطب الوقائي عدداً من القواعد الصحية على الإنسان أن يلتزم بها ليضمن نظافة الطعام والشراب وسلامتهما من التلوث الجرثومي، فإن ديننا الحنيف قد وضع تلك التعاليم وأمر أتباعه بالالتزام بها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً .

والحق يقال أن التعاليم النبوية في تدبير الطعام والشراب كانت قمة في الدقة العلمية، وقمة في حرص المشرع العظيم على سلامة أتباعه ووقايتهم من شر الوقوع في براثن المرض. فقد أمر عليه الصلاة والسلام أن يغطى إناء الطعام وتوكأ قرب الشراب فلا تترك مكشوفةً للذباب والتراب، كما نهى عن أن يشرب من في الإناء أو أن ينفخ في الشراب حرصاً على سلامته من التلوث، وأمر بغسل اليدين قبل الطعام وبعده، وأمر بالأكل باليمين، ونهى عن الأكل باليسار التي خصصها للاستنجاء وغير ذلك من الأعمال الملوِّثةِ، كل ذلك ليضمن سلامة الطعام وعدم تلوثه بالجراثيم كما سنرى.

كما حرص المشرع على عدم تلويث مياه الشرب، فنهى أن يغمس المستيقظ من النوم يده في الإناء قبل أن يغسلها، فإن " أحدكم لا يدري أين باتت يده "، كما منع التبرز أو التبول قرب موارد المياه وفي ظل الناس ومكان تجمعاتهم، بل شدّد في تحريم هذه الأفعال حتى عدها من مسببات اللعن. فقد صح عنه r قوله: " اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل " كما " نهى رسول الله r أن يبال في الماء الراكد " -رواه البخاري ومسلم-.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:18 PM
القاعدة القرآنية الأولى: حلّ الطيبات وتحريم الخبائث

وهي القاعدة الأهم في نظام التغذية في الإسلام وقد فصلنا في الحديث عنها في الجزء الثالث من كتابنا " روائع الطب الإسلامي " عندما تحدثنا عن المحرمات في الإسلام، ولا بدّ هنا ونحن نذكر آداب الطعام والشراب أن نذكِّر بأهمية هذه القاعدة التي وضعها الشارع لحماية الفرد في المجتمع المسلم مما يمكن أن يصيبه من أمراض مهلكة عند تناوله "الخبيث" من الطعام أو الشراب.

وإذا كانت النصوص القرآنية والنبوية قد بينت بشكل صريح تحريم بعض الأطعمة والأشربة لخبثها كالخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وكل ما هو متلوث بنجاسة، فإن أشربة أخرى كالتبغ والحشيش والمخدرات الأخرى وغيرها مما لم يكن معروفاً في العلم وقت التنزيل، فلم تنـزل نصوص خاصة بها، ولكن المشرع سبحانه لم يترك الناس في حيرة من أمرهم، فقد وضع ميزاناً دقيقاً يمكن علماء الأمة في كل زمان ومكان أن يزنوا كل مستحدث فقال بكل وضوح كلمة وضعها كقانون علمي ثابت فيه كل الحكمة وفيه كل الخير للبشرية وهي قوله تعالى: ] الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [ فلم يحرم الإسلام شيئاً من المطعومات أو المشروبات إلا لضرر ينجم عنها أو لخبث محقق فيها، مصداق قوله تعالى: ] يسألونك ماذا أحلَّ لهم قل أحل لكم الطيبات [. وإنه لمن عظيم الإعجاز الإلهي أن تتوافق موازين الشرع وموازين الطب في تحريم هذه الخبائث.

فالبدن يحتاج في نشاطه الحياتي لأغذية تبني الجسم وترمم ما هدم منه كالبروتينات والدسم، كما يحتاج لأغذية لتوليد الطاقة أي التي تولد الحرارة الغريزية وتؤمن عمل الأعضاء كالقلب والتنفس والهضم، لذا أوجب الإسلام تناول الحد الأدنى أو الضروري من الطعام والشراب، حفاظاً على الحياة ودفعاً للهلاك. وما عدا قدر الضرورة يباح تناوله ما لم يكن مسستقذراً ولا ضاراً ولا متنجساً ولا متعدياً على حقوق الغير وما لم يصل إلى حدِّ الإسراف.

وإذا كان للأغذية مصدرين كبيرين: فهي حيوانية أو نباتية فمن الأمثل صحياً أن يناوب بين تلك الأنواع دون أن يقصر نفسه على أحدهما. ومن المعجز حقاً أن نجد سلوك النبي الأمي r في طعامه متوافقاً تماماً مع مبدأ علم الصحة هذا. وهذا ما يؤكده ابن القيم الجوزية عن طعام النبي r إذ يقول: " فلم يكن من عادته r حبس النفس على نوع واحد من الغذاء لا يتعداه إلى سواه وكان rيحسن الجمع بين الأغذية في تناولها وإصلاح تأثير بعضها على الآخر. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن جعفر" رأيت رسول الله r يأكل الرطب بالقثاء " …

وإذا كانت الأغذية النباتية أقل سمية من الحيوانية، لكن الاقتصار عليها يسبب فقر الدم بنقص الهيولين وفقدان الفيتامين ب12، كما أن الاقتصار على البروتين النباتي يجعل البدن يقصر في تركيب الأنسجة والتي لا بد لاكتمالها من توفر البروتينات الحيوانية. وليس لمسلم أن يحرم على نفسه بعض الطيبات مما أحلّه الله بنية التقرب إليه. قال تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلّ الله لكم[ المائدة-9، وقال تعالى: ] قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [ الأعراف_32.

والنبات المأكول حلال كله ما لم يعرض له عارض من سرقة أو نجاسة وما لم يثبت ضرره لسمية فيه، أو لكونه مسكراً أو مفتراً ، وذلك لعموم قوله تعالى: ] يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً [.

أما المصدر الحيواني للغذاء فقد حرم النص القرآني تناول الميتة والدم ولحم الخنـزير، وجاء في السنة التي اعتمدها جمهور الفقهاء تحريم أكل الحيوانات المفترسة كالوحوش من أسدٍ ونمرٍ وذئبٍ وفهدٍ (وكل ماله ناب مفترس من السباع)، وكذا الطيور الجارحة، أي ذوات المخلب من الطير كالصقر والباز والنسر. لما رواه عبد الله ابن عباس قال: " نهى رسول الله r عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير " رواه مسلم.

كما حرمت لحوم الكلاب لما يرويه رافع ابن خديج عن النبي rقوله: " الكلب خبيث ثمنه " رواه مسلم. كما يحرم عند الجمهور أكل لحوم الحمر الأهلية لما رواه الشيخان عن جابر t: " أن النبي r نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل ". كما حرمت الضفادع للنهي عن قتلها. كما يحرم أكل حشرات الأرض كالثعبان والعقرب والفأرة وسواها لاستخباث الطباع السليمة لها وللأذى أو السمية التي قد يلحقها بعضها للإنسان ولما تنقله من عوامل الأمراض الفتاكة لبني البشر كالطاعون والتيفوس وسواها . والأشياء الضارة التي يثبت ضررها ولا نصَّ في تحريمها، والسموم في غير التداوي، كلها حرام لعموم النص ]ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة[ ولقوله r: " لا ضرر ولا ضرار ".

صدق الله، فما حرَّم علينا إلا كل خبيث ضار، وما أباح لنا إلا الطيب النافع إلا أنه من الواجب على المسلم أن يتحاشى تناول ما حرم الله من المطعومات أو المشروبات طاعةً لله U، أدرك العلة من التحريم أم لم يدرك، مُسَلِّمَاً بأن تلك المحرمات إنما حرمها الخالق المصور العليم بما يضرُّ هذا الإنسان _الذي خلقه بيده_ وبما ينفعه تصديقاً لقوله تعالى: ] ويحلُّ لهم الطيبات ويحرِّم عليهم الخبائث [ ومن أراد أن يعرف التفاصيل عما اكتشفه الطب الحديث من آفات وويلات من تناول اللحوم المحرمة وغيرها من الخبائث فيستطيع الرجوع إلى كتابنا عن [المحرمات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع] وهو الجزء الثالث من سلسلة روائع الطب الإسلامي.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:52 PM
القاعدة القرآنية الثانية: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا

إن الإنسان شَرْه بغريزته، يسرف في الأكل والشرب، وخاصة أيام كهولته. ويقدّر ما يتناوله الإنسان عادة من طعام وشراب بثلاثة أضعاف ما يحتاجه إليه. ولا يشك العلم أبداً أن أكثر الراحلين ابتساراً من عالم الدنيا إلى عالم القبور هم منتحرون بأفواههم وبما أسرفوا بما دخل في أجوافهم من طعامٍ وشراب. وإن في القاعدة الإلهية العظيمة ] وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [ سِرُّ التمتع بحياة يسيطر فيها نعيم الصحة والهناء . فالإسراف خطر طبياً وحرام شرعاً لعموم النص .

وإذا كان الطعام والشراب لذة، فإنما جعلها الله سبحانه فيها لإرواء الميل الغريزي لتناولهما بغاية الحفاظ على الحياة واستمرارها، كما أن التلذذ بالطعام ينبه أعمال الهضم الغريزية وإفراز العصارات الهاضمة حتى يتم التمثل بشكل جيد. ومن الخطأ الفادح أن يجعل الإنسان من اللذة غاية في طعامه وشرابه مما يجعله يسرف في استدعائها وينحرف في طريق إروائها وهذا ليس من صفات المؤمن في شيء. وقد أكد القرآن الكريم أن الوقوف عند التلذذ بالطعام والشراب والتمتع بهما إنما هو من صفات الكافرين الجاحدين ، وذلك مصداق قوله تعالى: ] والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم [ _الأحقاف_20.

وتؤكد السنة المطهرة هذا المعنى وتنهى عن الإسراف في الطعام، وأن على المسلم أن يكتفي منه بما يقيم الأود ويحفظ الصحة والقوة من أجل السعي على الرزق والتقوي به على عبادة الله رب العالمين. فقد روى البخاري أن رجلاً كان يأكل كثيراً فأسلم فكان يأكل قليلاً، فذكر ذلك لرسول الله r فقال: " المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء ". وقد ذكر ابن الأثير تعليقاً على هذا الحديث: هو تمثيل لرضى المؤمن بالقليل اليسير من الدنيا وحرص الكافر على الكثير منها، ثم قال: والأوجه أن يكون هذا تحضيضاً للمؤمن على قلة الأكل وتحاشي ما يجره الشبع من قسوة القلب وطاعة الشهوة.

من هنا نفهم دعاء النبي r: " اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً " رواه الشيخان. كما حذر سيدنا عمر بن الخطاب tمن النهم والبطنة فقال: "إياكم والبطنة في الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسم مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وأبعد عن السرف وإن الله تعالى ليبغض الحَبْرَ السمين وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه".

يقول الإمام الغزالي: " ومن مضار الشره اشتداد المعاصي وخاصة الشهوة الجنسية، فإذا منعت التقوى صاحبها من الزنى فلا يملك عينه، فإذا ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره فتخطر له الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب الشهوة وما يتشوش به مناجاته ".

عن المقداد بن معد يكرب أن النبي r قال: " ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ".

يقول ابن القيم (6): " مراتب الغذاء ثلاثة أحدها مرتبة الحاجة والثانية مرتبة الكفاية والثالثة مرتبة الفضيلة، فأخبر النبي r أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف، فإن تجاوزها فليأكل بثلث بطنه وهذا من أنفع ما للبدن وما للقلب فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب فإذا أورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض عليه الكرب والتعب ".

وفي معرض شرحه للحديث يقول د.الكيلاني : " يشكل الجزء العلوي من المعدة جيب ممتلئ بالهواء يقع تحت الحجاب الحاجز وكلما كان ممتلئاً بالهواء كانت حركة الحجاب الحاجز فوقه سهلة وكان التنفس ميسوراً، أما إذا امتلأ هذا الجيب بالطعام والشراب تعرقلت حركة الحجاب الحاجز وكان التنفس صعباً كما أن الصلب لا يستقيم تماماً إلا إذا كانت حركة المعدة مستريحة ولا يتم ذلك إذا أتخمت بالطعام، فصلى الله على طبيب القلوب والأبدان.

أما د.محمود فؤاد معاذ فيرى أن كلمة "يقمن صلبه" هي من أبلغ ما نطق به النبي العظيم r معنىً وعلماً. فالنبي r حث على الإقلال من الطعام، ولكن إلى حد يقمن صلبه وحنى لا تكون مخمصة فرب مخمصة شر من التخم. والمرء حسبه أن يتناول ما يقيم الصلب، أي ما يعطيه القوة الكافية للقيام بمجهوداته.

وعن جابر t أن رسول الله r قال: " طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية " .

فالنبي r يحذر من الإسرف في الطعام وأن شبع الواحد هو قوت الاثنين يكفيهم ويقيم أودهم (12)، وهو ينصح أن يكون ثلث المعدة فقط للطعام ولو حافظ المسلمون اليوم على هذه الوصية لحموا أنفسهم من كثير من الأمراض،ولما تعبت معداتهم من هضم الطعام الفائض فتقل الفضلات وينشط البدن ويصفو الدم ويتوقد الذهن.

وعن أنس بن مالك t أن النبي r قال: " إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت ".

فمن أخلاق المسلم كبح جماح نفسه ووقايتها من الإسراف المذموم، فيعطيها حيناً من مشتهياتها المباحة، ويمنعها حيناً، لا تحريماً للطيبات ولكن ترويضاً لها للتمكن من قيادة زمامها.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: تجشأ أبو جحيفة عند رسول الله r فقال له: " أقصر عنا من جشائك،إن أطول الناس جوعاً يوم القيامة أكثرهم شبعاً في الدنيا " .وعن عمران بن الحصين أن رسول الله r قال: " إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون من بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن " .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم " .

وعن أبي هريرة tقال: " ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض " رواه البخاري.

إن المربي الناجح هو الذي يجسد أقواله أفعالاً تحتذى وهذه هي روعة التعاليم النبوية التي رافقها سلوك عملي وحلول واقعية من حياته r: فهذا محمد r ما شبع من طعام ثلاثة أيام متتالية، وكان يجلس لطعامه جلسة المتحفز للقيام بعد أن يتناول ما يقيم صلبه، وما أكل خبزاً مرققاً ولا وضع على سفرته السكرجة (من مقبلات وسواها) ليعلمنا بسلوكه الطريقة الأمثل لتنفيذ القاعدة الإلهية في الطعام والشراب ] وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:54 PM
الآثار الصحية السيئة للإسراف في الطعام والشراب:

يؤدي الشره وتناول كمية كبيرة من الطعام تزيد عن طاقة تحمل المعدة إلى ما يسمى بالتخمة والتي تفضي إلى عسرة الهضم وكثرة الغازات وأوجاع الشرسوف واحتقان الكبد. والتخمة الشديدة يمكن أن تؤدي إلى توسع المعدة الحاد والتي تسبب ضغطاً شديداً على القلب مما يعيق العود الوريدي إليه فتحصل عسرة في التنفس واضطراب في ضربات القلب وتسوء حالة المريض وقد تنتهي بالموت .

والتخمة المزمنة تؤدي إلى تمدد المعدة والأمعاء وإلى ضمور في بطانتها وغددها المفرزة للعصارة الهضمية،فيحصل الإمساك المزمن وعسرات الهضم والانسمام الغذائي المزمن وما ينجم عنه من وهن عصبي. والإسراف في الطعام يسبب عند المستعدين عدداً كبيراً من أمراض التغذية كالبدانة والنقرس والداء السكري، كما تزيد عندهم نسبة الإصابة بأمراض القلب وقصوراته.

فالطعام الزائد عن حاجة الجسم يتراكم على شكل دهون تترسب تحت الجلد وحول الأمعاء وفي الكبد وحول القلب حيث تحدث عبئاً كبيراً عليه، وتتصلب العروق ويرتفع الضغط الدموي وتكثر الجلطات والفوالج، وتتعب الغدد فيحدث الداء السكري عدا عن تعب الكلى بتكليفها فوق طاقتها من عمليات تصفية الدم وطرح الفضلات، هذا عدا عما ذكرناه من تمدد المعدة وآفات الجهاز الهضمي .

إن كثرة الأكل والشرب يعقبها كسل في النفس وبلادة في الفكر وميل إلى النوم الذي هو خسارة ومضيعة لأوقات يمكن أن تكون نافعة في دنيا الإنسان وأخرته . يقول القاضي عياض: إن كثرة الأكل والشرب دليل النهم والحرص، والشره مسبب لمضار الدنيا والآخرة جالباً لأدواء الجسد وخثار النفس (ثقلها وعدم نشاطها). ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: الشبع يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة.

وقد أكدت أبحاث نشرتها المجلة الطبية العربية أن الإفراط في التغذية عند الأطفال واليفع تؤدي علاوة على زيادة الوزن، إلى النضج المبكر والذي يؤدي إلى البلوغ المبكر.

وتحصل البدانة نتيجة الإفراط في تناول أنواع الطعام المختلفة وخاصة عند أبناء الطبقة المترفة وأصحاب الوظائف الكسولة، وهي تؤهب لحدوث أمراض خطيرة في القلب والذبحة الصدرية والداء السكري وارتفاع الضغط الدموي وتصلب الشرايين وغيرها.

فعلى المسلم أن يعتدل في طعامه وشرابه وأن يحافظ على وزنه المثاليقدر المستطاع، وخاصة إذا كان عنده استعداد وراثي للسمن. فعلى هؤلاء أن يضعوا برنامجاً خاصاً لطعامهم فيحددوا ما يأكلوه من نشويات وسكريات، ويمتنعوا قدر الإمكان عن تناول المواد الدهنية ذات الحموض المشبعة كالدهن والشحم والسَّمن، ويستبدلوا بها مواد دهنية غير مشبعة كزيت الزيتون وزيت الذرة أو عباد الشمس، وأن يكثروا في طعامهم من السلطات والخضار، ويمكنهم تناول ملعقة كبيرة من النخالة أو خل التفاح قبل الطعام، ويستبدلوا بالسكر السكارين للتحلية ويأكلوا الخبز الأسمر وأن يكثروا من صيام النفل فيكون لهم به خيري الدنيا والآخرة.

وأحب أن أشير هنا إلى أن معتاد الإسراف في الطعام يحتاج إلى التدرج في تقليل وجبته حتى يعود إلى حد الاعتدال ، ولقد أشار الإمام الغزالي إلى ذلك حين قال: " فمن اعتاد الأكل الكثير وانتقل دفعة واحدة إلى القليل لم يحتمله مزاجه وضعف وعظمت مشقته، فينبغي التدرج إليه قليلاً قليلاً فينقص بمقدار قليل متزايد من طعامه المعتاد ".

وهناك أمراض تنجم عن الإسراف في تناول مادة غذائية معينة (بروتين، دسم، سكر) لفترة طويلة. فالإسراف في تناول السكر الأبيض وما يصنع منه من حلويات يضر بالجسم ضرراً بالغاً وذلك للميل العجيب في السكر للاتحاد بالكلس. فعندما يزيد الكلس في الدم عن حد معين فإن المقدار الفائض يتحد ببعض الأنسجة ويضطر الدم إلى أن يعوض ما فقده منه فيأخذه من العظام والأسنان مما يؤدي إلى نخر الأسنان وضعف العظام ، كما أن تخمر بقايا السكريات في الفم يؤدي إلى النخر أيضاً. وإن الإفراط في تناول النشويات عموماً يؤدي إلى البيلة السكرية وإلى تحول الفائض منها إلى شحوم (البدانة).

أما الإفراط في تناول الدسم فإنه يؤدي إلى تخلون الدم وإلى فرط دسم الدم وشحوم البدن مما يؤدي إلى البدانة وإلى تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وتشحم الكبد وإلى العديد من آفات القلب الخطيرة.

أما الإسراف في تناول البروتينات من لحم وبيض وحليب وسواها فإن فضلاتها السامة تتراكم في البدن وتعرضه للإصابة بالرمال الكلوية، أو بالإصابة بالنقرس (داء الملوك)، وإلى قصور الكلي وارتفاع الضغط وتصلب الشرايين أيضاً.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:54 PM
الهدي النبوي في تدبير الطعام والشراب



غسل اليدين قبل الطعام وبعده:

يستحب للمسلم غسل اليدين قبل الطعام وبعده لحديث سلمان الفارسي t أن رسول الله r قال: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده " .وقد فسر العلماء وضوء الطعام بغسل اليدين.

وعن أنس بن مالك tقال: سمعت رسول الله rيقول: "من أحب أن يكثر الله خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع" رواه ابن ماجة والبيهقي.

وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: " من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنَّ إلا نفسه " ، والغمر: ريح اللحم وزهومته.

وعنه أيضاً عن النبي r قوله: " إن الشيطان حساس لحّاس فاحذروه على أنفسكم من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومنَّ إلا نفسه " .

وعن أبي سعيد tعن النبي r قوله: " من بات وفي يده ريح غمر فأصابه وضح فلا يلومنَّ إلا نفسه " ، والوضح: البرص.

ولا تخفى الحكمة الصحية من هذا الهدي النبوي .ففي حياة الإنسان اليومية كثيراً ما يصافح شخصاً مريضاً أو حاملاً لجراثيم ممرضة أو يلمس أشياء ملوثة بجراثيم خطيرة فهو يجلس لطعامه غير عالم أن بين أنامله خطراً كامناً ينتظر ذلك الطعام فيلوث لقمة يبتلعها ليصاب بذلك المرض، وأكثر الأمراض انتشاراً عن ذلك الطريق هي الكوليرا والتيفوئيد والزحار.هذا وإن الجلد يحتوي على سطحه على أثلام وأخاديد، وإن ما يفرزه من دهن وعرق يساعد على التصاق تلك الجراثيم وبيوض الطفيليات بالجلد وحفظها بين ثناياه.

ويأتي الهدي النبوي بالأمر بغسل اليدين قبل الطعام متوافقاً مع بدهيات الطب الحديث الوقائي ليسلم طعامه من عوامل التلوث والمرض. أما غسل اليدين بعد الطعام فلأن بقاياه التي تلوث الأنامل يمكنها إذا بقيت أن تتفسخ وأن تشكل ضمن حرارة الجسم وسطاً ملائماً لتكاثر الجراثيم واستحالتها إلى خطر داهم وهذا الخطر هو الذي حذر منه النبي r في كثير من أحاديثه التي أوردناها.

ويعلق د.الراوي على قوله r: " من أراد أن يكثر خير بيته "، أن غسل اليدين قبل الطعام يدخل البركة على الإنسان كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، وأن البركة هنا هي _بركة العافية_ وهي الكنـز الذي لا يفنى والكرم الإلهي الذي لا يقدر بثمن. وأن غسل اليدين قبل الطعام إجراء حاسم للوقاية من الفقر كما ورد في الأثر " الوضوء قبل الطعام بركة وينفي الفقر وبعده ينفي اللمم " .

جلسة الطعام في الهدي النبوي:

عن أبي جحيفة tقال: " لا آكل متكئاً " رواه البخاري.

وعن أنس t قال: " رأيت النبي r جالساً مقعياً يأكل تمراً " رواه مسلم.

و قد ورد عن أبي بن كعب في صفة طعام النبي r: " أن النبي r كان يجثو على ركبتيه وكان لا يتكئ ".

وعن عبد الله بن بسر t قال كان لرسول الله r قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا للضحى أتي بتلك القصعة وقد ثرد عليها فالتفوا حولها، فلما كثروا جثا رسول الله r فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقالr: إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً، ثم قال: كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها " ، وجثا يجثو: جلس على ركبتيه.

وعن أنس بن مالك tقال: " لم يأكل النبي r على خوان قط وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات " رواه البخاري، وفي رواية للترمذي: قيل لقتادة فعلام كانوا يأكلون؟ قال على السفر، والسُّفَر: جمع سُفرة وهو ما يوضع على الأرض ليؤكل عليه.

قال ابن القيم : وقد فسر الاتكاء بالتربع، وفسر بالاتكاء على الشيء وهو الاعتماد عليه وفسر بالاتكاء على الجنب. والأنواع الثلاثة من الاتكاء: فنوع منها يضر وهو الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه الى المعدة فيضغطها فلا يستحكم فتحها للغذاء. وأما النوعان الآخران فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية ولهذا قال r: " آكل كما يأكل العبد ". وكان يأكل وهو مقع، والإقعاء أن يجلس للأكل متوركاً على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر القدم اليمنى. وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي. وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد التي تحت الجالس فيكون المعنى: أما إذا أكلت لم أقعد متكئاً كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام، لكني آكل بُلْغة كما يأكل العبد.

ويرى د.إبراهيم الراوي أن الجهاز الهضمي يحتاج إلى كمية كبيرة من الدم ليستطيع القيام بما يلزم لاستقبال الطعام الوارد والتهيؤ لهضمه لذا كان الإجراء الطبي الصحيح لذلك وجوب الجلوس وثني الساقين تحت الجسم لحصر الدم في منطقة الجهاز الهضمي، مع وضع الساق اليسرى منثنية واليمنى مرتكزة على القدم لجعل المعدة حرة طليقة بعيدة عن أي ضغط مسلط باتجاهها من الخارج. وهذا هو أصح حالة لعمل الجهاز الهضمي. كما يجب الامتناع عن الحركة والسير أثناء الطعام لمنع ذهاب الدم إلى العضلات في وقت يكون جهازه الهضمي في أمس الحاجة إليه. وهذا الوضع "جلسة الطعام" التي طبقها أستاذ البشرية سيدنا محمد r وهو أصح وأسلم في حالة الجلوس على الأرض حول السفرة من استعمال الكراسي حول مائدة الطعام.

وحول الأكل متكئاً يقول د.الراوي أن الاتكاء يسبب التشنج والاضطراب والتقلص في عضلات البلعوم فلا يستطيع الإنسان بلع اللقمة في ارتياح ولذة، كما أنه يحدث ارتخاءً في عضلات البطن فلا تستطيع المعدة استقبال الطعام بشكل صحيح. ولأن المعدة تكون بوضعها الصحيح في حالة انتصاب الجذع وارتكازه على الأرض دون لجوئه إلى الارتكاز الجانبي في حالة الاتكاء.

أما د.غياث الأحمد فيرى أن الجلوس على المقعدة (التربيع) يؤدي إلى انبساط المعدة وإلى أن تأخذ المعدة مجالاً واسعاً فتزيد قابليتها لأخذ الطعام والمزيد منه. أما الإقعاء بنصب الساقين أو أحدهما مما يضيق حيز المعدة ويقلل اتساعها مما يؤدي بها إلى الامتلاء بمقدار أقل من الطعام حيث يشعر المرء بالشبع بآلية انعكاسية فيقل مطعمه ولا يصاب بالتخمة.

ريمه الخاني
07-12-2005, 07:54 PM
موضوع اكثر من رائع لكني لم استطع قرائته كله

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:56 PM
التسمية قبل الطعام والأكل باليمين مما يلي الآكل:

عن عمر بن أبي سلمة tقال: كنت غلاماً في حجر رسول الله r وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله r: " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " رواه البخاري ومسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله r يأكل طعاماً في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال r: " أما أنه لو سمى لكفاكم " .

عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن أصحاب رسول الله r قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: " لعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه " .

و عن جابر بن عبد الله tأن النبي r قال: " لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال " رواه مسلم، وفي رواية له عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قوله r: " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ".

و عن سلمة بن الأكوع أن رجلاً أكل عند رسول الله r بشماله فقال له r: " كل بيمينك قال: لا أستطيع، ما منعه إلا الكبر فقال r: لا استطعت قال سلمة: فما رفعها إلى فيه " رواه مسلم.

و من حديث طويل رواه عبد الله بن بسر tأن النبي r أتي بقصعة قد ثرد فيها فقال عليه الصلاة والسلام: " كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها " وعن أنس tأن النبي r قال: " اذكروا اسم الله وليأكل كل رجل مما يليه " رواه البخاري.

وعن عبد الله بن عباس tأن النبي r قال: " البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافته ولا تأكلوا من وسطه " .

التسمية أول الطعام تربط المسلم بالرزاق المنعم وتخلق فيه حالة من الطمأنينة تذكره بأن الرزق من عند الله ولا شك أن الذي يأكل وهو بحالة نفسية من الراحة والرضا فإن تمثل الطعام في بدنه ومن ثَمَّ فإن استفادته منه تكون أعظم مما لو كان قلقاً متوتراً أثناء تناوله لطعامه .فالتوتر والقلق يؤديان إلى عسر الهضم وإلى عدد من أمراض السبيل الهضمي والتي تقلل الاستفادة من الطعام المتناول.

وأما تخصيص اليد اليمنى للأمور الكريمة من أكل وشرب ومصافحة وغيرها، وتخصيص اليسرى للأمور المستقذرة من استنجاء ورمي للأقذار فهو ولا شك تنظيم نبوي كريم يمكن اعتباره من أسس النظافة والصحة الشخصية، وينسجم مع مبادئ الطب الوقائي الحديث للوقاية من العدوى وتقليل عوامل سراية المرض.

أما أن يأكل المرء مما يليه من قصعة الطعام فهو ولا شك هدي نبوي إلى خلق كريم تتجمل به الجماعة المسلمة وينم عن أدب اجتماعي جم رفيع هو من تعاليم من وصفه المولى مخاطباً إياه ] وإنك لعلى خلق عظيم [. ولعل من حكمته أنه يقلل خطر انتقال الأوبئة فيما لو كان بعض الآكلين حملة لجراثيم مهمة.

النهي عن الشرب والأكل واقفاً:

عن أبي سعيد الخدري t"أن النبي r زجر عن الشرب قائماً " رواه مسلم. وعن أنس وقتادة رضي الله عنهما عن النبي r " أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً "، قال قتادة: فقلنا فالأكل؟ فقال: ذاك أشر وأخبث " رواه مسلم والترمذي. وعن أبي هريرة tأن النبي r قال: " لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسي فليستقئ " رواه مسلم.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:"سقيت رسول الله r فشرب وهو قائم" رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس بن مالك t قال: " نهى رسول الله r عن الشرب قائماً وعن الأكل قائماً وعن المجثمة والجلالة والشرب من فَيِّ السقاء " .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " رأيت رسول الله r يشرب قائماً وقاعداً ".

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: " كنا نأكل على عهد رسول الله r ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام " رواه الترمذي وقال صحيح غريب.

وعن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها " أنها أرسلت إلى النبي r بقدح لبن وهو واقف عشية عرفة فأخذه بيده فشربه " وزاد مالك بن النضر "على بعيره" رواه البخاري.

أحاديث شريفة بعضها ينهى عن الشرب واقفاً وبعضها يجيزه، فهل أن فيها ناسخ ومنسوخ؟.

يقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: ليس في هذه الأحاديث –بحمد الله تعالى- إشكال ولا ضعف بل كلها صحيحة والصواب فيها أن النهي محمول على كراهة التنـزيه. وأما شربه r قائماً فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض. وهذا الذي ذكرناه يتعين إليه المصير وأما من زعم نسخاً فقد غلط غلطاً فاحشاً.

وقال الحافظ ابن حجر معلقاً: وهذا أهم المسالك وأسلمها وأبعدها عن الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري والخطابي وغيرهما.

أما من الناحية الصحية، فنحن مع الدكتور عبد الرزاق الكيلاني أن الشرب وتناول الطعام جالساً أصح وأسلم وأهنأ وأمرأ حيث يجري ما يتناوله الآكل والشارب على جدران المعدة بتؤدة ولطف. أما الشرب واقفاً فيؤدي إلى تساقط السائل بعنف إلى قعر المعدة ويصدمه صدماً، وإن تكرار هذه العملية يؤدي مع طول الزمن إلى استرخاء المعدة وهبوطها وما يلي ذلك من عسر هضم. وإنما شرب النبي واقفاً لسبب اضطراري منعه من الجلوس مثل الزحام المعهود في المشاعر المقدسة، وليس على سبيل العادة والدوام. كما أن الأكل ماشياً ليس من الصحة في شيء وما عرف عند العرب والمسلمين. وما ذكر في الحديث الغريب عن ابن عمر t عن أكلهم ماشين وهم ذاهبون إلى الجهاد أو لأمر هام لم يستطيعوا معه الجلوس لتناول الطعام إنما هو وصف لحالة خاصة على غير العادة والاستمرار، أو أن أكلهم ماشين أنهم يأكلون على ظهور إبلهم وهي ماشية بهم فهذا مشي للإبل ولكنه جلوس لهم. وإن حديث " من نسي فليستقيء " دليل على تشنيع النبي r لهذا الفعل، وإنما فعله r حتى لا يحرج أمته في أمور حياتهم اليومية والتي تقوم على عدم التكلف، فيكون مفهوماً لأصل السنة الشرب والأكل جلوساً، ولا حرج من فعله قائماً في ظروف خاصة.

ويرى الدكتور إبراهيم الراوي أن الإنسان في حالة الوقوف يكون متوتراً ويكون جهاز التوازن في مراكزه العصبية في حالة فعالية شديدة حتى يتمكن من السيطرة على جميع عضلات الجسم لتقوم بعملية التوازن والوقوف منتصباً. وهي عملية دقيقة ومعقدة يشترك فيها الجهاز العصبي-العضلي في آن واحد مما يجعل الإنسان غير قادر للحصول على الطمأنينة العضوية التي تعتبر من أهم الشروط المرجوة عند الطعام والشراب، هذه الطمأنينة يحصل عليها الإنسان في حالة الجلوس حيث تكون الجملة العصبية والعضلية في حالة من الهدوء والاسترخاء وحيث تنشط الأحاسيس وتزداد قابلية الجهاز الهضمي لتقبل الطعام والشراب وتمثله بشكل صحيح.

ويؤكد د.الراوي أن الطعام والشراب قد يؤدي تناوله في حالة الوقوف (القيام) إلى إحداث انعكاسات عصبية شديدة تقوم بها نهايات العصب المبهم المنتشرة في بطانة المعدة،وإن هذه الانعكاسات إذا حصلت بشكل شديد ومفاجئ فقد تؤدي إلى انطلاق شرارة النهي العصبي الخطيرة Vagal Inhibation لتوجيه ضربتها القاضية للقلب، فيتوقف محدثاً الإغماء أو الموت المفاجئ. كما أن الاستمرار على عادة الأكل والشرب واقفاً تعتبر خطرة على سلامة جدران المعدة وإمكانية حدوث تقرحات فيها حيث يلاحظ الأطباء الشعاعيون أن قرحات المعدة تكثر في المناطق التي تكون عرضة لصدمات اللقم الطعامية وجرعات الأشربة بنسبة تبلغ 95٪ من حالات الإصابة بالقرحة. كما أن حالة عملية التوازن أثناء الوقوف ترافقها تشنجات عضلية في المرئ تعيق مرور الطعام بسهولة إلى المعدة ومحدثة في بعض الأحيان آلاماً شديدة تضطرب معها وظيفة الجهاز الهضمي وتُفقد صاحبها البهجة والاطمئنان عند تناوله لطعامه وشرابه.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 07:58 PM
الشرب مصاً على ثلاث دفعات:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه " أن رسول الله rكان يتنفس إذا شرب ثلاثاً " رواه الشيخان. وفي رواية قوله: " كان رسول الله rيتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأبرأ وأمرأ ".

وعن معمر بن أبي الحسين مرسلاً أن النبي r قال: " إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصاً ولا يعب عباً فإن الكباد من العب " ، وعبَّ عبَّاً: شرب الماء دفعة واحدة والكباد مرض في الكبد.

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال: " مصُّوا الماء مصاً ولا تعبوا عباً فإن الكباد من العب " وعن عطاء بن أبي رباح مرسلاً أن النبي r قال: " إذا شربتم فاشربوا مصَّاً " .

وعن أبي هريرة t" أن النبي r كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى إلى فيه يسمي الله وإذا أخره حمد الله يفعل ذلك ثلاثاً " .

فالهدي النبوي في شرب الماء أن يقسم المرء شرابه إلى ثلاثة أجزاء يتنفس بينها، مبعداً الإناء عن فيه وعن نفسه وقاية له من التلوث،وأن يمص الماء مصاً -أي ببطء- لأنه أهنأ وأمرأ وأبرأ لداء العطش. قال النووي كان يتنفس في الشراب ثلاثاً أي أثناء شربه. وقال المنذري وهذا محمول على أنه r كان يبعد القدح عن فيه في كل مرة ثم يتنفس.

يقول د.النسيمي : وفي تقسيم الإنسان شرابه إلى ثلاثة أقسام فوائد أهمها تذوق الماء والشراب ليدرك مدى صلاحيتها للشرب ودرجة حرارتها وما قد طرأ عليها من فساد أو تغير بمواد قد تكون سامة، فيحجم عن الشرب قبل فوات الأوان بشربها دفعة واحدة، وكثيراً ما تأذى أناس أو ماتوا بتجرعهم سائلاً ضاراً أو ساماً بطريق الخطأ إذ ظنوه ماءً. وفي المص وتقسيم الشراب البارد إلى جرعات بعدٌ عن تنبيه العصب المبهم تنبيهاً شديداً، هذا العصب الذي يبطئ القلب، فإذا تنبه بعنف كأن يكون الماء أو الشراب الوارد بارداً كثيراً فقد يؤدي تناوله بسرعة (عباً) إلى توقف القلب بالنهي العصبي وقد يحدث الموت فجأة.

ويؤكد د.الراوي هذا المعنى في مشاهدة له في القصر العدلي لشاب رياضي سقط ميتاً عند هجومه على كوب من الماء البارد وشربه بشرهٍ دون تأنٍّ دفعة واحدة.

والذي يشرب الماء دفعة واحدة يضطر أن يتنفس في الإناء وهذا منهي عنه عدا عما فيه من الأضرار. كما ينقل عن الكتب الطبية المدرسية معالجتها لبعض الآفات العصبية للمريء والسبيل الهضمي علاجاً فيزيائياً يتضمن إعطاء السوائل بجرعات صغيرة متكررة تحدث تنبيهات تنشط الأعصاب والعضلات الحلقية في جدار المريء وحيث ينتج عن ترويضها هذا العلاج الشافي.

وينقل د.النسيمي وصية أخرى من الطب الحديث للمصابين بالوذمات بالإقلال من شرب الماء وتعليمهم لدفع الشعور بالعطش أن يقسموا ماء الشرب إلى جرعات صغيرة حيث يتناولوا جرعة صغيرة كلما شعروا بالعطش وهذا يعطي شعوراً أكبر بالري، ولأن الري الحقيقي لا يحصل إلا بعد امتصاص الماء فإذا عب الإنسان الماء بسرعة فلا يرتوي إلا بعد تناول الكؤوس العديدة والكثيرة مما يؤدي إلى تمدد المعدة واضطراب الهضم.

ويرى د.الكيلاني أن الذي يشرب الماء دفعة واحدة يضطر إلى كتم نَفَسهِ إلى أن ينفد كوب الماء لأن تقاطع طريقي الماء والهواء عند البلعوم يمنع أن يسيرا معاً وعندما يكتم المرء نَفَسهِ طويلاً ينحبس الهواء في الرئتين ويضغط على جدران أسناخها والتي تتوسع بالتدريج مع استمرار هذه العادة حتى يصاب بانتفاخ الرئة والتي يمكن أن تؤدي إلى القلب الرئوي وقصور القلب، وقد ينعكس ذلك مع الوقت على الكبد فتتضخم وتصبح مؤلمة وتنتشر الوذمات في البدن.

النهي عن النفخ في الشراب أو التنفس فيه:

عن أبي سعيد الخدري t قال: " نهى رسول الله r عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب ".

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: " نهى رسول الله r أن يتنفس في الإناء أو أن ينفخ فيه " .

وعن أبي قتادة t أن رسول الله r قال: " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء " رواه البخاري.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه " أن النبي r نهى عن النفخ في الشراب" فقال رجل: القذاة أراها في الإناء،قال: أهرقها " .

وعن أبي المثنى الجهني قال: كنت عند مروان بن الحكم فدخل عليه أبو سعيد فقال له مروان: أسمعت رسول الله r ينهى عن النفخ في الشراب؟ قال نعم، فقال رجل لرسول الله r: إني لا أروى من نفس واحد فقال r: " فأبن القدح عن فيك ثم تنفس " أخرجه مالك في موطئه.

قال ابن القيم : " وأما النهي عن النفخ في الشراب فإنه يكسبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها لا سيما إذا كان متغير الفم، وبالجملة فأنفاس النافخ تخالطه ".

والحقيقة أن هذا هدي نبوي كريم فيه أدب رفيع، فالنفخ في الطعام والشراب خروج على الآداب العامة ومجلبة للازدراء. أما من الناحية الطبية فإن هواء الزفير مفعم بغاز الفحم وفضلات الجسم الطيارة والتي تكثر نسبتها عند المصابين بالتسمم البولي (الأوريميائي) أو الانسمام الخلوني (السكريين) وما النفخ إلا اختلاط لهذه الفضلات بالطعام والشراب ومن ثم إعادتها إلى الجسم عند تناوله لتؤدي فعلها السمّي.

ومن هنا نفهم المعجزة النبوية الخالدة بنهي النبي r عن تبريد الطعام أو الشراب بالنفخ عليه وقاية للإنسان من مخاطر المرض.

النهي عن الشرب من ثلمة القدح:

عن أبي سعيد الخدري tقال: " نهى رسول الله r عن الشرب من ثلمة القدح "، وثلمة القدح مكان انكسار قطعة من حافة القدح.

قال المناوي : وجاء في رواية أنها -أي الثلمة- مقعد الشيطان. وقال ابن الأثير : وحديث النخعي أنه r كره الشرب من ثلمة القدح وقال أنها كفل الشيطان، أراد أنها ركب الشيطان لما يكون عليها من الأوساخ.

يقول ابن القيم " إن الشرب من ثلمة القدح فيه عدة مفاسد أحدهما أن يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثلمة، والثاني أنه ربما يشوش على الشارب فلا يتمكن من حسن الشرب، والثالث أن الوسخ والزهومة تجتمع في الثلمة ولا يصل إليها الغسل كما إلى الجانب الصحيح، الرابع أن الثلمة محل العيب في القدح وهي أردأ مكان فيه فيجب تجنبه، والخامس أنه كان في الثلمة شق يجرح فم الشارب ".

وفي الحقيقة فإننا لا يمكن أن نزيد شيئاً على ما أورده ابن القيم من حكم للنهي النبوي عن الشرب من ثلمة القدح غير أن رواية " أنها مقعد للشيطان " أو " كفل للشيطان " قد تكون من التعابير النبوية المعجزة لمفاهيم علمية حديثة عن وجود تجمع هائل للجراثيم والطفيليات في ثلمة القدح وحيث يصعب تطهيرها تماماً.

النهي عن الشرب من في السقاء:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: " نهى رسول الله r عن الشرب من في السقاء ".

رواه البخاري، وفي السقاء: فمه والسقاء كل ما يجعل فيه ما يسقى كالقربة والجِرار.

وعن أبي سعيد الخدري t قال: " نهى رسول الله r عن اختناث الأسقية: أن يشرب من أفواهها " رواه مسلم وقال الراوي إنما نهي عنه لأنه ينتنها فإن إدامة الشرب هكذا مما يغير ريحها.

وعن أبي هريرة tقال: " نهى رسول الله r أن يشرب من في السقاء والقربة " رواه البخاري ومسلم، وإنما نهي عن الشرب من في السقاء من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه لا يراه الشارب حتى لا يدخل جوفه فاستحب أن يشرب من إناء ظاهر يبصره.

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " نهى رسول الله r أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه " رواه الحاكم.

وعن كبشة الأنصارية رضي الله عنها قالت: " دخل عليَّ رسول الله r فشرب من في قربة معلقة " رواه الترمذي وقال حديث صحيح.

قال النووي : النهي عن الشرب من في السقاء للتنـزيه لاحتمال وجود شيء من الهوام في الماء لذلك إذا غطي فم الجرة أو ربط فم القربة فلا مانع من الشرب من فمها، لكن الأولى ألا يشرب من في السقاء امتثالاً للأمر النبوي.

وقد جمع العلماء بين أحاديث جواز الشرب من في القربة وأحاديث المنع جواز الشرب وأن النهي إنما هو للتنـزيه.

يقول د.الكيلاني فالإناء إن لم يكن شفافاً (من الزجاج) وكانت فوهته مفتوحة فقد يسقط فيه شيء من الهوام أو القذى أو الحشرات من عقرب وسواه، فإذا شرب من فم السقاء فإن هذه قد تدخل جوفه فتؤذيه، كما أنه بعد انتهاء الشرب وخاصة إذا كان الشارب مريضاً فقد يعود ريقه مع ما يحمله من جراثيم إلى فم السقاء ويصبح خطراً على الشاربين.

النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة:

عن حذيفة بن اليمان t أنه سمع النبي r يقول: " لا تلبسوا الحرير والديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " رواه البخاري.

وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي r قال: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر بطنه في نار جهنم " رواه البخاري.

هذا ولم أجد أحداً من الباحثين ذكر حكمةً صحيةً لهذا الأمر التعبدي. ولعل من الحكمة دعوته r إلى عدم التبذير وعدم الكبرياء ولأن في غيرهما من المعادن ما يفي الغرض، وأيضاً حتى لا توجد أزمة نقدية باستعمال ما خصص لها من ذهب وفضة في غير موضعه

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:04 PM
ألا يعيب طعاماً قط:

عن أبي هريرة عنه رضي الله قال: " ما عاب النبي r طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه " رواه البخاري ومسلم.

والحق أن هذا هو التصرف الصحي السليم فتناول الطعام المشتهى يساعد على هضمه واستقلابه والاستفادة منه بالشكل الأمثل .



الاجتماع على الطعام:

عن جابر بن عبد الله tأن النبي r قال: " أحب الطعام ما تكاثرت عليه الأيدي " وفي رواية " ما كان على ضفف " .

وعن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده t قال: قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: " تجتمعون على الطعام أو تتفرقون " قالوا نتفرق قال: " اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه " .

وفي الحديث إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت،حصلت معها البركة فتعم الحاضرين. وهذا علاج نبوي كريم عندما شكى إليه الصحابة الكرام من الجوع وعدم الشبع.

المضمضة بعد الطعام:

عن سويد بن النعمان قال: " خرجنا مع رسول الله r إلى خيبر فلما كنا بالصهباء دعا بطعام، فما أُتي إلا بسويق، فأكلنا، فقام إلى الصلاة فتمضمض ومضمضنا " رواه البخاري.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما " أن رسول الله r شرب لبناً فدعا بماء فتمضمض وقال: إن له دسماً " رواه البخاري ومسلم.

وفي هذا الهدي النبوي حفظ لصحة الأسنان ووقايتها من النخر والتسوس، ذلك أن بقايا الطعام في الفم وبين ثنايا الأسنان يمكن أن تتخمر وتتفسخ متحولة ضمن الفم إلى مزرعة جرثومية خطيرة يمكن أن تترعرع فيها الجراثيم وتتكاثر بسهولة مؤدية إلى حالات مرضية قد تكون وخيمة العواقب، ومن أجل هذا أيضاً كما سنرى شرع استعمال السواك.

عدم الأكل من الخبز المرقق المنخول:

عن سهل بن سعد " أن النبي r كان يأكل خبز الشعير غير منخول ".

وعن أبي حازم قال سألت سهل بن سعد t هل أكل رسول الله r النقي؟ فقال:ما رأى رسول الله r النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه. فقلت: هل كانت لكم في عهد رسول الله r مناخل؟ فقال: ما رأى رسول الله r منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. فقلت:كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ فقال: " نطحنه وننفخه فيطير منه ما يطير وما بقي ثرَّيناه فأكلناه " رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك t قال: " ما أكل النبي r على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق وفي رواية وما أكل خبزاً مرققاً حتى مات " رواه البخاري.

وعن أم أيمن رضي الله عنها أنها غربلت دقيقاً فصنعته للنبي r رغيفاً فقال: ما هذا؟ قالت طعام كنا نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع لك منه رغيفاً فقال r: ردّيه فيه ثم اعجنيه " .

وعن أنس tقال: " ما رأى النبي r رغيفاً محوراً بواحد من عينيه حتى لحق بالله " رواه ابن ماجه.

النقي: الدقيق الأبيض، وثرَّيناه: بلَّلناه بالماء، والخوان هو طاولة الطعام، أما السكرجة فهي الإناء الذي توضع فيه الكوامخ والمقبلات، والمحور الني ينخل مرة بعد مرة.

يقول د.الكيلاني : لقد رفض رسول الله r الرغيف الأبيض ذو الدقيق المنخول ورغب في الأسمر المصنوع من الدقيق الكامل غير المنخول، حدث هذا منذ 14 قرناً وعرف الطب الحديث اليوم أهمية النخالة وفائدة إضافتها إلى الخبز في منع حدوث سرطان القولون الذي كثرت حوادثه في المجتمعات المتحضرة التي تأكل الخبز الأبيض وصارت أكياس النخالة تباع اليوم ليؤكل منها مع الطعام لمنع حدوث الإمساك المزمن وللوقاية من سرطان القولون.

كما صار الخبز الأسمر مرغوباً به عند من يهتم بالصحة هذا عدا عن أن الاقتصار على الخبز الأبيض قد يؤدي إلى نقص في عنصر الزنك في الجسم والذي يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة.

النهي عن أكل الطعام الحار:

عن أبي هريرة t " أن النبي r كان لا يأكل الحار ويقول إنه غير ذي بركة وأن الله لم يطعمنا ناراً " رواه البيهقي بإسناد صحيح.

وعن جابر t أن النبي r قال: " أبردوا بالطعام الحار فإن الحارَّ غير ذي بركة " .

وعن أبي هريرة t " أن النبي r أُتي بصفحة تفور فرفع يده منها وقال: إن الله لم يطعمنا ناراً " .

وعن صهيب t قال: " نهى رسول الله r عن أكل الطعام الحار حتى يمكث".

وعن خولة بنت قيس رضي الله عنها " أن النبي r دخل عليها فصنعت له حريرة (وفي رواية خريزة) فلما قدمتها إليه فوضع يده فيها فوجد حرَّها فقبضها ثم قال يا خولة إنا لا نصبر على حر ولا نصبر على برد" .

أما من الناحية الطبية فإن الأطعمة والأشربة الحارة جداً يمكن أن تؤدي كثيراً إلى حروق تبدو غالباً في قبة الحنك أو المنطقة الشفوية. وتعزو الكتب الطبية المدرسية كثرة حدوث السرطانات في القسم العلوي من جهاز الهضم وخاصة سرطان المريء إلى الاعتياد على شرب المشروبات شديدة الحرارة ولا سيما الشاي.

عدم النوم بعد الطعام مباشرة:

عن عائشة رضي الله عناه أن النبي r قال: " أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم " .

وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن رسول الله r قال: " أكل العباد ونومهم عليه قسوة في قلوبهم " .

قال الحرَّاني: والقسوة اشتداد التصلب والتحجر، وقال الغزالي وفيه يستحب ألا ينام بعد الشبع فيجمع بين غفلتين فيعتاد الفتور ويقسو قلبه ولكن ليصَلِّ أو يجلس يذكر الله فإنه أقرب إلى الشكر، وكان الثوري رحمه الله إذا شبع ليلة أحياها.

وتذكر كتب الطب الوقائي أن النوم يوجب البطء في جميع الأفعال الحيوية في البدن والهضم من جملتها، فالنوم بعد الطعام يربك الهضم ويؤدي إلى عسرات وكثرة الغازات، كما أنه من الملاحظ أن معظم حالات الذبحة الصدرية تأتي بعد وجبة ثقيلة والنوم بعدها مباشرة. فيجب ترك فترة تقرب من ساعة تفصل بين انتهاء الطعام والنوم الطويل حتى تكون المعدة قد انتهت تقريباً من هضمه.

الأمر بلعق الأصابع والصفحة:

عن جابر t " أن النبي r أمر بلعق الأصابع والصفحة وقال: إنكم لا تدرون في أيِّ طعامكم البركة " رواه مسلم.

وعن أبي هريرة tأن النبي r قال: " إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهن البركة " رواه مسلم والترمذي.

وعن جابر tأن رسول الله r قال:" إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان،ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أيِّ طعامه البركة " رواه مسلم.

وعن كعب بن مالك tقال: " رأيت رسول الله r يأكل بثلاث أصابع فإن فرغ لعقها " رواه مسلم.

قال القاضي عياض: إن المراد بذلك هو عدم التهاون بالطعام القليل وإن محله فيما لم يحتج إلى غسل الماء مما ليس فيه دسم ولا زهومة فإن احتاج كان الغسل أولى.

وقال الخطابي: عاب قوم أفسد عقولهم الترف فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع أو الصفحة هو جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذراً لم يكن الجزء اليسير منه مستقذراً.

ويعلق د. الأحمد فيقول: والحق أن وسيلة الأكل في تلك الأيام كانت الأصابع، واليوم فهل يعيب على الآكل أن يلعق ملعقته؟.

تغطية الإناء وإيكاء السقاء:

عن أبي حميد السّاعدي tقال: " أتيت النبي r بقدح من لبن النقيع ليس مخمراً فقال رسول الله r: " ألا خمرته ولو تعرض عليه عوداً " قال أبو حميد: إنما أمرنا بالأسقية أن توكأ ليلاً وبالأبواب أن تغلق " رواه مسلم. وتخمير الإناء تغطيته لئلا يسقط فيه شيء وأوكأت الإناء إذا شددته.

وعن جابر tأن النبي r قال: " غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل بها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء " رواه البخاري ومسلم.

إن تغطية آنية الطعام والشراب لحمايتها من الغبار والذباب ومن أجل منع التلوث الجرثومي وانتشار الأمراض السارية تعتبر من أهم قواعد الطب الوقائي الحديث، وإنه لمن المعجز حقاً أن يأمر النبي r بهذا الهدي الصحي العظيم،وأن يخبر بإمكانية انتقال الوباء بهذه الطريقة قبل اكتشاف الجراثيم والعوامل الممرضة بأكثر من 14 قرناً.

تقديم العَشاء على صلاة العِشاء:

عن أنس بن مالك t عن النبي r أنه قال: " إذا وُضِع العَشاء وأُقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء " رواه البخاري.

إن هذا الحديث عبارة عن قاعدة شرعية جليلة، الحكمة منها أن المصلي الخاوي البطن يبتعد عن الخشوع فينقر صلاته مستعجلاً فلا يحقق المراد من الصلاة. فالنبي r ينصح المسلمين وخاصة في شهر الصيام أن يبدؤوا بالطعام أولاً ثم يصلوا بعد ذلك كي يتسنى لهم الخشوع في صلاتهم.

أما التعليل الطبي لهذا الأمر النبوي فإن الطعام منذ أن يوضع وتظهر روائحه فإن العصارات الهاضمة تبدأ بالإفراز ومنها اللعاب كما تسيل عصارة المعدة منتظرة وصول الطعام إليها وفيها من الحموض والخمائر ما فيها، فإذا تأخر وصول الطعام إليها فقد تؤثر هذه العصارة المتدفقة على جدران المعدة أو في جدران البصلة العفجية محدثة فيها التقرحات، وقد يصاب المرء بعد ذلك بضعف إفراز العصارة المعدية إذا وجدت أن التنبيهات كانت تأتيها خاطئة ويصاب المرء بعسرة الهضم.

ما يقوله المسلم إذا فرغ من طعامه:

عن أبي أمامة t أن النبي r إذا رفع مائدته قال: " الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه" رواه البخاري.

وعنه أيضاً أن النبي r إذا فرغ من طعامه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين " .

وعن أنس بن مالك t أن النبي r قال: " من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه " .

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:06 PM
الآداب الإسلامية في النوم وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:08 PM
الآية الكونية العظمى في تعاقب الليل والنهار



سبحان من خلق كل شيء فأبدعه، وصور كل شيء في هذا الكون فأتقنه، خلق الإنسان على الأرض ويسَّر له كل الظروف المناسبة لحياته عليها، وجعل فيما حوله آيات بينات باهرات ليهتدي بها في حياته على الطريق القويم ، ولعل تعاقب الليل والنهار بهذا النظام المحكم من أهم هذه الآيات. قال تعالى: ] وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكوراً [ الفرقان، و(الخلفة) كما ذكر القرطبي كل شيء بعد شيء وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه، ومنه خلفة النبات وهو الورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف. (لمن أراد أن يذَّكّر) أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعله عبثاً فيعتبر في مخلوقات الله تعالى ويشكره على نعمه.

وقوله تعلى: ] وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً [ النبأ.

وصف سبحانه الليل باللباس تشبيهاً له من حيث أنه يستر الأشياء ويغشاها ، وقال القرطبي يعني ستراً للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن.

وقوله تعالى: ] وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً [ الفرقان.

قوله ] سباتاً [ أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال، وأصل السبات من التمدد، وقيل للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون وفي التمدد معنى الراحة. وقوله ] وجعل النهار نشوراً [ من الانتشار للمعاش والعمل .

فالله سبحانه -جلت قدرته- جعل الليل لباساً يستتر به الإنسان عن عالم العمل ليفتحها على عالم الأمل، والنوم فطرة الإنسان منَّ الله بها عليه، ولا يمكن لبشر أن يظلَّ مستيقظاً لا ينام فتلك صفة الواحد القهار لا يشاركه فيها أحد فهو الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم .

وقوله تعالى:]ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً[ النمل.

قال الرازي لما قال ]جعلنا الليل ليسكنوا فيه [ فَلِمَ لم يقل والنهار لتبصروا فيه؟، وجوابه لأن السكون في الليل هو المقصود من الليل أما الإبصار في النهار فليس هو المقصود بل هو وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية.

وقوله تعالى: ] ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله[ الروم.

تذكر أبحاث طبية حديثة أن الغدة الصنوبرية الواقعة تحت الدماغ تقوم بإفراز مادة الميلاتونين، ويزداد إفراز هذه المادة في الظلام بينما يثبط نور الشمس إفرازها، وقد وُجد أن للميلاتونين تأثير مباشر على النوم. وفي الحقيقة فإنه لحدوث النوم يلزم زوال جميع التنبيهات الخارجية من سمع وبصر والتي تنتقل عن طريق حواسه إلى الدماغ وعندما تخف تلك التنبيهات أو تنعدم تخف وظائف الدماغ المتوقفة عليها ويحصل النوم، فسبحان من جعل الليل سكناً.

وهكذا فإن الظلمة وما يرافقها من سكون الليل وهدوء الحركات كلها عوامل تهيئ للإنسان الظروف المناسبة للسكن والراحة والنوم .وإن تعاقب الليل والنهار هي آية من نواميس الحياة التي سخرها الخالق –جلّت قدرته- لخدمة هذا الإنسان، كما قال تعالى: ] وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [ إبراهيم.

إن تعاقب الليل والنهار يعتبر ضرورة أساسية لنمو الحياة على الأرض. وإنه لمن المحال –علمياً- أن تستمر الحياة مع نهار سرمدي أو ليل سرمدي، وإنه لمن المستحيل أن تتعاض الحقائق العلمية مع النص القرآني. انظر إلى قوله تعالى: ] قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون، ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون [ القصص.

إنّ تخصيص النهار للمعاش والعمل والسعي، وتخصيص الليل للنوم والسكن هو حقيقة علمية كونية أكدت جميع البحوث الطبية الحديثة صحتها، وإن محاولة الإنسان مخالفة سنة الكون هذه بأن ينام في النهار ويسعى على رزقه في الليل يعرض صحته لنكسات وأذيات كبيرة .

وينقل الدكتور حسان شمسي باشا فقرات من بحث هام أجري في جامعة هارفرد الأميركية تؤكد أن العمل الليلي يشكل مصدر خطر صحي في العالم المتحضر اليوم يشمل ازدياد العقم والأرق، كما يترافق بنقص في قدرة الإنسان على إنجاز عمله بشكل تام،ونقص في تيقظه، مما يؤدي إلى نقص معدل الإنتاج وزيادة معدل الحوادث.

فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعمل في الوقت الذي تخلد فيه الكائنات الأخرى للنوم، ثم هو يحاول أن ينام في الوقت الذي يبلغ فيه استيقاظه الغريزي ذروته. ويؤدي هذا السلوك إلى إحباط النظام الطبيعي لساعته الحيوية (البيولوجية) هذه المشكلة تشمل الملايين العاملين في المناوبات الليلية والمسافرين كثيراً عبر القارات، وإن استمرار عملهم لفترة طويلة ليلاً مع عدم إمكانية تكييف ساعاتهم الحيوية مع تغير نظام حياتهم اليومي يؤدي إلى نقص في القدرة على الإنجاز مع ازدياد الحوادث الناجمة عن التعب والإعياء.

ولعل الدكتور الراوي والذي يعتبر الرائد في أبحاث الإعجاز الطبي في القرآن هو أول من أشار إلى الإعجاز العلمي في قوله تعالى: ]جعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً [ فأكد أن قوانين الطب تمنع الاستمرار في العمل الليلي بصورة دائمة وتفرض وجوب المناوبة على الأعمال بصورة دورية بين الليل والنهار إن لم يجد المرء العمل النهاري الدائم، وإن الاستمرار على العمل ليلاً والنوم نهاراً له خطر بالغ على كافة أجهزة البدن وخاصة الجهاز العصبي، وأن النوم الليلي يعتبر كغذاء مشبع لهذا الجهاز،قادر على إعادة الحيوية والفعالية العضوية للحجر الدماغية.

وتؤكد الأبحاث الطبية المعاصرة أن نور الشمس يبقي على الجهاز العصبي وإن نام صاحبه بحالة من التوتر الحاد وليست له القدرة على الاسترخاء الوظيفي الضروري لراحته،مما يؤدي -مع استمرار نومه نهاراً- لتعرض الجسم للسقم والضعف والانهيار. وإن الظلام يعتبر من أهم العناصر التي تحتاجها الجملة العصبية أثناء النوم ليتم ترميمها وأن النوم العميق الذي لا بدَّ منه لراحة الأعصاب لا يحصل إلا مع هدوء الليل وظلمته. وهنا نقف خاشعين أمام عظمة القرآن البليغ في قوله تعالى: ] هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً [ يونس.

ودلَّت الأبحاث الحديثة أيضاً أن الضوء الأحمر ضارٌّ بالجهاز العصبي أثناء النوم، وأشعة الشمس عند شروقها قريبة من اللون الأحمر، لذا كان النوم في ساعات الصباح –وقت الشروق- منافياً لقواعد الصحة العامة، وأن العمل ليلاً والنوم نهاراً إذا استمر طويلاً، يتعرض البدن للاضطرابات العصبية وانهيار الصحة العامة، وأن النوم النهاري يخالف الطبيعة الإلهية التي فرضت على النهار الحركة والضوضاء والشمس، والتي تتعارض كما رأينا مع شروط النوم العميق، ثم إن الهروب الدائم من الشمس في النهار للنوم في غرفة مظلمة يعرِّض الإنسان لخطر الإصابة باضطراب تمثل الكلس في العظام نتيجة فقدان الفيتامين د الذي تكونه أشعة الشمس في الجلد، كما أن أشعة الشمس ضرورية لقتل الكثير من الجراثيم وللوقاية من العديد من الأمراض المهلكة .

النوم والموت

ينفصل النائم عما حوله تماماً بكل مداركه وكأنه ميت، والقرآن الكريم يشبه النوم بالموت في مواقع عدة. فقد قال تعالى: ] الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى [ الزمر.

يقول فخر الدين الرازي المقصود من الآية أن الله تعالى يتوفى الأنفس عند الموت وعند النوم إلا أنه يمسك الأنفس التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى أي إلى وقت ضربه لموتها. فالله سبحانه يتوفى الأنفس التي يتوفاها عند الموت، يمسكها ولا يردها إلى البدن. أما الأنفس التي يتوفاها عند النوم فيردها إلى البدن عند اليقظة وتبقى هذه الحالة إلى أجل مسمى وهو وقت الموت.

وفي هذا يقول الدكتور النسيمي يتوفى الله نفس الإنسان فيميته بعد أن يستوفي ساعات عمله ورزقه المسجل أنه سيحدث في يقظته بين نومين، فيدعه في النوم شبه الميت من انعدام الوعي والإدراك، أي أن الله سبحانه يقبض تلك الأنفس عن التصرف أثناء النوم ويطلقها في اليقظة بالتصرف وذلك حتى يأتي أجلها المحدد.

وبذلك يمكن فهم قوله تعالى: ] وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون [ الأنعام.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:09 PM
بورك لأمتي في بكورها



عن صخر الغامدي عن النبي r أنه قال: " اللهم بارك لأمتي في بكورها " .

وفي رواية عن أبي هريرة tقال: قال r: " بورك لأمتي في بكورها " .

وعن عبد الله بن مسعود t قال: " ذكر عند النبي r رجل فقيل ما زال نائماً حتى أصبح ما قام إلى الصلاة فقال r بال الشيطان في أذنه " رواه البخاري في صحيحه.

يدعو النبي عليه الصلاة والسلام أن يبارك الله سبحانه في عمل أمته أول النهار فهو أبرك الأوقات وأكثرها ملاءمة للعمل والإنتاج وحيث يكون الهواء أصفى وأنعش، فقد ثبت أن الصباح الباكر هو خير الأوقات للعمل والدراسة إذ ينشط الدماغ وتستعد الأعضاء للعمل بهمة وجد، وإن الأمم الصناعية الأكثر تقدماً في العالم هي الأمم التي تستيقظ باكراً وتذهب إلى عملها. ولقد غفل كثير من المسلمين عن دعوة النبي r إلى الاستيقاظ المبكر رغم أن ديننا الحنيف قد فرض علينا صلاة الصبح حيث نستيقظ مع الفجر ورغَّب في التهجد لكي ننعم براحة النفس وصحة الجسم بالقيام في الثلث الأخير من الليل .

وتؤكد الباحثة الفرنسية نيريس دي أن عبارة " النوم المبكر والاستيقاظ المبكر يجعل الإنسان صحيحاً وغنياً وحكيماً " و" إن ساعة من النوم قبل منتصف الليل تساوي ثلاث ساعات بعده " فيها بعض الحقيقة، ولقد تبين أن 70٪ من نومنا العميق غير الحالم يحدث خلال الثلث الأول من الليل، وعندما نتجاوز النوم قبل منتصف الليل فإننا نفقد كثيراً من نومنا العابر غير الحالم.

ويرى الدكتور الراوي أن ريح الصبا التي تهب في ساعات الفجر لها تأثير لطيف يحس به الإنسان ويستذوق حلاوته حيث يكون الهواء مشبعاً بالأوزون، وقد تبين أن لهذا الغاز تأثيرات رائعة على الجملة العصبية والمشاعر النفسية والنشاط العضلي والفكري، كما أن أروع الإنتاجات الصوتية والتلحين الجميل سجلت وقت الفجر الباكر، وهكذا فإن قارئ القرآن الكريم يحس بقابلية عجيبة وقت الفجر من حيث نقاوة الصوت وصفائه والقدرة على التلحين الجميل، هذا عدا عما فيه من خشوع وصفاء. وقد أشار القرآن الكريم إلى سر هذه المعجزة العلمية عند قوله تعالى: ] وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً [ الإسراء.

ويتابع الدكتور الراوي قوله: وفي الحديث النبوي المعجز " بورك لأمتي في بكورها " إشارة إلى سبق علمي عن تأثير ريح الصبا على إنتاج الإنسان العقلي والعضلي خاصة وقد أمر بالقيام إلى صلاة الفجر في الغلس ليستنشق الهواء المشبع بالأوزون وليبعث في أجهزته كلها الطاقة والفعالية والصحة الوفيرة، والعلماء اليوم ينصحون الذين يرغبون دوام شبابهم وحيويتهم بالنهوض المبكر مؤكدين أن المعمرين الذين يتمتعون بقوة الشباب وصلوا إلى هذا العمر المديد المشحون بالحيوية بسبب استيقاظهم المبكر واستمتاعهم بريح الصبا كل يوم.

ويؤكد مؤلفا كتاب (مع الطب في القرآن الكريم) هذه الحقائق عن فوائد الاستيقاظ المبكر، ويضيفا أن هذا الاستيقاظ يقطع النوم الطويل الذي يعرض المسنين للإصابة بالعصيدة الشريانية وخناق الصدر وكثرة حدوث الجلطة القلبية، ويضيفا أن أعلى نسبة للكورتيزون في الدم هي وقت الصباح الباكر حيث تبلغ 7-22 مكغ/ مل من الدم، وأخفض نسبة لها تكون في المساء ومن المعروف أن الكورتيزون هو الهرمون الهام في البدن والذي يعمل على رفع فعاليات الجسم وتنشيط استقلاباته بشكل عام، ويختم المؤلفان بحثهما بقولهما: " وهكذا نجد أن المسلم الملتزم بدينه هو إنسان فريد بالفعل يستيقظ مبكراً لاستقبال يومه الجديد بهمة ونشاط، وحيث تكون إمكاناته الذهنية والعضلية في أعلى مستوى مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج في المجتمع… وإن تعمم هذه الظاهرة في المجتمعات الإسلامية تظهر منها مجتمعات متميزة تدب فيها الحياة منذ مطلع الفجر ".

وإذا كان على المسلم أن يستيقظ مبكراً قبيل صلاة الفجر فلا بد من أن ينام مبكراً ليؤمن حق جسده من الراحة والنوم،وهذه هي دعوة النبي r في تربيته لأصحابه الذين ما عرفوا سهر الليالي الذي عليه أمتنا اليوم. فعن أبي برزة t " أن رسول الله r كان يكره النوم قبل العِشاء والحديث بعدها " رواه البخاري ومسلم، وعن جابر tأن النبي r قال: " إياك والسَّمر بعد هدأة الرِّجل فإنكم لا تدرون ما يأتي الله في خلقه ".

يقول الحافظ العسقلاني وأصل السمر من لون ضوء القمر لأنهم كانوا يتحدثون فيه، والمراد بالسمر ما كان في أمر مباح لأن المحرم حرام في كل الأوقات. وكان رسول الله r يكره النوم قبل العِشاء لأنه قد يؤدي إلى إخراجها عن وقتها، ويكره السَّمر بعدها لأنه قد يؤدي إلى النوم عن صلاة الفجر أو عن قيام الليل.

لكن العلماء استحبوا السهر أو السمر في أمور ضرورية كمؤانسة ضيف أو مداعبة زوجة أو مذاكرة علم أو للتشاور في أمور المسلمين. فعن عمر بن الخطاب t " أن النبي r كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معهما " رواه الترمذي وحسنه.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:11 PM
مفاهيم علمية حول النوم



جمع الدكتور حسان شمسي باشا في كتابه معلومات قيمة وهامة حول ماهية النوم وأنواعه والوظائف الصحية التي يقدمها للعضوية، نقتطف منها ما يحتاجه القارئ لفهم هذا الحدث الهام في حياته، رابطاً إياه مع الآية الكونية العظمى في تعاقب الليل والنهار،نعمة بعد نعمة، مذكراً بقوله تعالى: ] وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [.

فما هو النوم:

النوم حالة طبيعية متكررة يتوقف فيها الكائن الحي عن اليقظة وتصبح حواسه معزولة نسبياً عمَّا يحيط بها من أحداث.

يقول الدكتور شابيرو : من الغريب حقاً أننا لا نعلم إلا القليل جداً عن وظيفة نشاط جسمي نقضي فيه ثلث عمرنا ويرجح أن وظيفته الرئيسية إعطاء الجسم الوقت الكافي ليستعيد قواه، والحقيقة أن الذين ينامون نوماً كافياً وعميقاً هم أكثر نشاطاً أثناء النهار. وينام الإنسان لفترات أطول في مراحل الحياة التي تتميز بسرعة النمو كمرحلة الطفولة والمراهقة، كما يحتاج الإنسان لفترة نوم أطول أثناء المرض.

ويقول كل من ف.كريك وج.متشيسون أن النوم ضروري لكي ينسى الدماغ بعض الأفكار التي يجدها متطفلة، وأنه لو لم يحدث ذلك لشحن الدماغ بذكريات لا تطاق، ولأدى ذلك إلى الهلاوس والهذيان في يقظته.



ويربط البرفسور ك.إيفانس بين الدماغ والحاسب الآلي (الكمبيوتر) فالحاسب بعد استعماله طويلاً يحتاج إلى فترة من الزمن لا يشحن فيها بأي معلومات يقوم أثناءها بعملية إعادة البرمجة. وهكذا فإن الدماغ يقوم خلال النوم بتصفية حساباته والتخلص من المعلومات غير الملائمة، ويعتقد عالم النفس مورتون شاتزمان أن إحدى وظائف النوم الهامة هي حل المشكلات والمعضلات، فكثير من العلماء يجد الحلول لمشكلة أعضلت عليه خلال النوم.

ويؤكد العلماء أن للنوم الهادئ وظيفة مصححة ومرممة وشافية للدماغ إلا أننا لا نعلم طبيعة النوم هذه،أما النوم الحالم فيلعب دوراً مجدِّداً وأساسياً يمكن الدماغ من القيام بوظائفه على أكمل وجه أثناء اليقظة.

وللنوم نوعان:

آ- النوم الهادئ (التقليدي) ويشكل الجزء الأعظم من النوم وتكون أمواج الدماغ الكهربائية فيه أبطأ وأكثر عمقاً مما هي عليه في اليقظة، ويتباطأ نشاط الدماغ وعمليات الاستقلاب في البدن إلى أدنى مستوى لها، وينخفض الضغط ويتباطأ القلب وترتخي العضلات، ويمر الإنسان فيه بأربع مراحل:

أولاها النعاس ثم دور النوم الخفيف ثم دور النوم العميق وهو النوم المريح حقيقة، ثم دور الأمواج البطيئة حيث تصل سعة أمواج الدماغ الكهربائية إلى أقصى ارتفاع لها مع بطئها الشديد.

وتتابع مراحل النوم الهادئ الأربعة واحدة تلو الأخرى، وبعد تسعين دقيقة يدخل المريء ولفترة وجيزة في نوع آخر من النوم هو النوم الحالم، وتلخص دائرة المعارف البريطانية وظيفة النوم الهادئ بأنه النوم الذي يعطي الراحة والسكينة للجسم وتعويضه ما خسره في يقظته وترميم ما بلي منه وخرب، إذ يزداد أثناءه إفراز هرمون النمو وإنتاج البروتين.

ب_ النوم الحالم (المتناقض) ويتميز بحدوث حركة العين السريعة وتشبه أمواج الدماغ فيها تلك التي نجدها في اليقظة، وترتفع حرارة الدماغ ويزداد جريان الدم فيه والنعوظ عند الرجال، وكثيراً ما حل العباقرة مشاكلهم الفكرية أثناء هذا النوع من النوم. يقول ابن سينا: " ومهما أخذني أدنى نوم كنت أرى المسائل بأعيانها في نومي واتضح لي الكثير من المسائل ".

والإنسان يمر في كل 90 دقيقة تقريباً بأدوار يتكرر فيها كلا النوعين من النوم.

التبدلات الوظيفية للجسم خلال النوم:

تنخفض أثناء النوم حرارة البدن لأن الدم ينقص توارده إلى العضلات وانتشاره في الجلد، كما يزداد التعرق، لذا فالجو الحار الرطب يؤرق النائم، ومن ثم فمن الخطأ الجسيم أثناء النوم تشغيل المراوح الكهربائية لأن تيار الهواء البارد يسبب له مع غزارة عرقه العديد من التناذرات المرضية.

والنوم يعتبر من وجهة النظر الطبية فترة راحة للبدن لأن جملة وظائف الأعضاء تبطؤ فيه فيقل النبض ويبطؤ التنفس وينخفض الضغط ويقل استهلاك الأوكسجين في العضلات مما يتيح نوعاً من الوقاية ضد أمراض القلب والشرايين.

ويقل أثناء النوم تكون الفضلات وحتى يستطيع البدن التخلص من فضلاته التي تراكمت أثناء النهار، كما يقل إدرار البول وإفراز اللعاب.

وترتخي العضلات أثناء النوم مع وجود تحرك تلقائي في الأطراف في أوقات معينة لتقليب الجسم بصرف النظر عن عمق النوم وشفافيته، وتتعطل نسبياً كافة الحواس عدا حاسة السمع فإنها تبقى عاملة مع خفة الاستجابة للأصوات لذا فالصوت العالي يوقظ النائم، وما الضرب على آذان أهل الكهف إلا لمنع وصول الأصوات من الوصول إليهم لئلا يستيقظوا حتى يصلوا أجلهم المحدد.

ونجد في النوم أمناً وأماناً من القلق والخوف لذا فقد غشى الله جنود المسلمين بالنعاس آمنة لهم في غزوة بدر، وربط على قلوبهم ليبعد عنهم القلق والخوف وقد كانوا قلة أمام أعدائهم، قال تعالى: ] إذ يغشيكم النعاس أمنة منه [.

كم نحتاج من النوم:

قد تكون الإجابة عن هذا السؤال مستحيلة كما ترى دائرة المعارف البريطانية، لكننا نعلم أن هناك فوارق بين الناس في مدة النوم التي يحتاجونها، فمعظم البالغين ينامون من 6_9 ساعات في اليوم، أما المولودون حديثاً من الرضع فينامون حوالي 16 ساعة، وتنخفض هذه المدة مع نهاية السنة الأولى، ومع نهاية السنة الثانية فإن مدة النوم تصبح من 9_12 ساعة، وتنخفض عند الشيوخ لتصل إلى 6 ساعات فقط.

وذكر بعض الباحثين أننا نمر كل 27 أو 28 يوماً بيومين أو ثلاثة تقل حاجتنا إلى النوم فيها، ويبدو أن ذلك له علاقة بدورة القمر حيث تقل حاجة الإنسان إلى النوم في الليالي التي يكون القمر فيها بدراً.

كما تختلف حاجة الإنسان إلى النوم من وقت لآخر، فالبدن يحتاج إلى نوم أطول بعد القيام بأعمال جسدية شاقة أو أعمال ذهنية كبيرة، وفي حالة الاكتئاب، وتقل الحاجة إلى النوم عندما يكون الإنسان سعيداً هانئاً لا يشغل باله شيء، أو وهو منغمس في أعمال يستمتع بها.

الحرمان من النوم:

النوم حاجة ضرورية حيوية لكل من الإنسان والحيوان، وتدل تجارب أجريت على الكلاب، أن الحيوان لا يمكن أن يعيش بلا نوم، فقد أعطيت مجموعة كاملة من الكلاب غذاءها بالكامل وحرمت من النوم، في حين حرمت مجموعة أخرى من الغذاء وتركت لتنام، فماتت الكلاب التي حرمت من النوم بعد خمسة أيام، أما الكلاب التي حرمت من الغذاء وتركت لتنام فقد قاومت الجوع أكثر من 20 يوماً.

ويؤكد العالم ديكسون أن الحرمان من النوم يقتل الإنسان بسرعة أكبر من الجوع، وأن الحرمان من النوم لفترة محدودة يؤدي إلى التعب وفقد القدرة على التركيز واضطراب في المزاج ونظم القلب وتخطيط الدماغ، أما إذا تجاوزت فترة الحرمان أسبوعاً واحداً فقد يصاب الشخص بالهلاوس والهذيان، وقد ثبت أن معظم حوادث السيارات تقع في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه السائق في أعمق فترات النوم.

القيلولة:

عن أنس بن مالك t أن النبي r قال: " قيلوا فإن الشياطين لا تقيل .

وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي r قال: "استعينوا بطعام السحر على الصيام وبقيلولة النهار على قيام الليل " .

والقيلولة كما جاء في لسان العرب هي نومة في منتصف النهار، والمقيل: الموضع، وقال الأزهري أن القيلولة والمقيل عند العرب الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معه نوم، وقال المناوي في فيض القدير: " وعمل السلف والخلف على أن القيلولة مطلوبة لإعانتها على قيام الليل ".

وقال الغزالي في الإحياء: " وإنما تطلب القيلولة لمن يقوم الليل ويسهر في الخير فإن فيها معونة على التهجد، كما أن السحور معونة على صيام النهار. فالقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من غير صيام النهار ".

ويقول عالم النفس الفرنسي جورج دوفرو :قد تكون الراحة النهارية، بنوم أو بغير نوم ضرورية للتكيف مع النشاط المبذول أثناء العمل، وتتماشى مع إيقاع دورة الأيام في تعاقب بين مراحل الفعل والانفعال التي نجدها في النوم. فالقيلولة ليست شذوذاً عن القاعدة، ويبدو أنها تلبي حاجة جسدية تنكرها علينا القيود الاجتماعية.

النوم كما تحدث عنه كتب الطب النبوي:

يقول العلامة ابن قيم الجوزية : " النوم حالة للبدن يتبعها غور الحرارة الغريزية والقوى إلى باطن البدن … وللنوم فائدتان جليلتان: إحداهما سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من التعب، والثانية هضم الغذاء ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية تغور في وقت النوم إلى باطن البدن فتعين على ذلك أن يبرد ظاهره فيحتاج النائم إلى فضل دثار … وأنفع النوم أن ينام على الشق الأيمن ليستقر الطعام بهذه الهيئة في المعدة استقراراً حسناً، وكثرة النوم على الجانب الأيسر مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه فتنصب إليه المواد. وأردأ النوم على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم، وأردأ منه أن ينام منبطحاً على وجهه.. والنوم في الشمس يثير الداء الدفين، ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء ".

…" ومن تدبّر نومه ويقظته r وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن، فإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ في أول النصف الثاني، فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له، فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظها من النوم والراحة ومن الرياضة مع وفور الأجر وهذا غاية صلاح القلب والبدن. ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه، فينام إذا دعته الحاجة إلى النوم على شقه الأيمن، ذاكراً الله تعالى حتى تغلبه عيناه، غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب، وكان له ضجاع من أدم حشوه ليف وكان يضطجع على الوسادة ويضع يده تحت خده ".

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:13 PM
الأعمال المستحبة قبل النوم



عن أنس بن مالك t أن النبي r قال: " تعشّوا ولو بكف من حشف فإن ترك العشاء مهرمة -وفي رواية- مفسدة " والحشف التمر الرديء.

وعن جابر tأن النبي r قال: " لا تدعوا العشاء ولو بكف من تمر فإن تركه مهرمة " .

وتناول العشاء ضروري من الناحية الطبية . ففي تجارب أجريت على البشر تبين أن التقلصات المعدية تبدو مزعجة أثناء النوم عندما تكون المعدة خاوية،وتزداد الأحلام المزعجة،وتقلبات النائم وحركاته في فراشه مما يدل على عدم حصوله على الراحة والاطمئنان التي هي مرجوة من النوم.

وإذا كان الحديث النبوي منبهاً إلى أهمية تناول العشاء، لكنه يعتبر أيضاً دعوة واضحة إلى عدم الإكثار من الطعام عند العشاء وإتخام البطن به، فالعشاء الثقيل مضر جداً قبيل النوم.

يقول ابن قيم الجوزية: " إن من وصايا الأطباء لمن أراد حفظ صحته أن يمشي بعد الطعام ولو مائة خطوة وألا ينام عقبه فإنه مضر جداً، وقال مسلموهم: أو يصلي بعده ". وذكر ابن القيم أن النبي r كان ينهى عن النوم على الأكل ويذكر أنه يقسي القلب رواه أبو نعيم... وينصح الأطباء اليوم بعدم النوم قبل مضي ساعتين على العشاء.



تدابير وقائية هامة قبل النوم:

إن النائم -كما هو معلوم- يكون في غفلة كاملة عما يحيط به من أمور. وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بجملة من التدابير ندب كل مسلم أن يفعلها قبل نومه، حماية وصيانة له من التعرض أثناء نومه إلى أخطار محتملة قد تؤدي به إلى التهلكة منها:

ما رواه أبو موسى الأشعريt قال: " احترق بيت في المدينة على أهله من الليل فحدث بشأنهم رسول الله r فقال: " إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم " رواه البخاري.

وما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال: " لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون " متفق عليه.

وما رواه جابر tأن النبي r قال: " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأوكوا الأسقية وخمروا الطعام والشراب " رواه البخاري. (أوكوا الأسقية: شدوا فم القرب، وخمروا الطعام أي غطوه).

وما روي عن جابرt أيضاً أن النبي r قال: " خمروا الآنية وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيل فأحرقت أهل البيت " رواه البخاري. (والفويسقة: الفأرة، وأجيفوا: أغلقوا).

يقول الدكتور عبد الرزاق الكيلاني : إن النبي r لم يترك أمراً من أمور الدنيا والآخرة إلا أمر أمته بخير ما يعلمه لهم ويحذرهم من شر ما يعلمه. ولقد كان الناس يستضيئون بفتيلة يغمسونها في الزيت أو الدهن، فإذا نام أهل البيت وتركوا المصابيح أو الفتيلة مشتعلة فقد تجرها فأرة فتحرق البيت… وآنية الطعام إذا بقيت مكشوفة فقد تقع فيها الهوام والغبار والحشرات وهذا كله ضار لذ ا فقد دعت السنة النبوية إلى تغطية آنية الطعام والشراب وشد فم القرب، والى غلق الأبواب ليلاً على المنازل لحماية أهلها من شياطين الإنس والجن ومن اللصوص وغيرهم. وان الإنسان المنصف ليعجب من دقة التوجيه النبوي وحرصه على حفظ مصالح الناس وجعل ذلك من صميم تعاليم الشريعة المطهرة.

وعن جابر بن عبد الله t أن رسول الله r قال: " إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ. فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً " رواه البخاري.

نعم! لقد اهتم الإسلام بصحة أتباعه والتنشئة السليمة لأطفالهم وحمايتهم من التشرد والضياع فمتى أقبل الليل فعلى الصبيان ألا يبقوا خارج منازلهم، وإلا تولتهم شياطين الإنس والجن فأغوتهم وقد يصبحون لصوصاً أو مجرمين، وقد يرغمون على ارتكاب الفواحش، والليل يستر عليهم ذلك والشياطين تجيد الإغواء في الظلام، لذا أهاب النبي r بالمسلمين أن يكفوا أطفالهم بالليل ليحفظوهم من الانحراف. فهذا هدي معلم الخير سيدنا محمد r منذ أكثر من 14 قرناً، وهذه إحصائيات الغرب اليوم التي تؤكد أن في الولايات المتحدة وحدها يهرب مليون طفل من منازلهم سنويا، ربعهم على الأقل لا يعودون إليها. وفي مدينة لندن يفر كل يوم 2500 من المراهقين تحت سن 18 من منازلهم.

ومنها ما رواه جابر t قال: " نهى رسول الله r أن ينام الرجل على سطح غير محجور عليه " أي غير محاط بحاجز أو جدار. رواه الترمذي وهو حديث صحيح.

وهذا أيضاً من الهدي النبوي الرائع في المحافظة على سلامة المسلمين والاهتمام بشؤونهم، صغيرها وكبيرها، فهو r ينهى عن النوم على السطح غير المحاط بجدار يحفظ النائم من السقوط والهلاك فيما لو قام من نومه وسار والنوم ما يزال غالباً عليه .

ومنها ما رواه أبو هريرة tأن رسول الله r قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فانه لا يدري ما خلفه عليه " متفق عليه.

وهذا أيضا هدي نبوي كريم يمنع من الإصابة من أذى محقق لو كان الفراش قد خبأ حشرة أو عقربا أو غيره، فكان هذا الإجراء الذي أمر به الشرع إجراء سلامة ضروري لكل من يريد النوم وخاصة في البيوت القديمة والريفية وفي خيام المعسكرات وسواها.

ومنها ما رواه أبو هريرة t قال: قال رسول الله r: " إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم " رواه أبو داود وفيه ضعف. لكن له شاهد بسند صحيح عن أبي عياض عن رجل من الصحابة قال: " نهى رسول الله أن يجلس بين الضح والظل وقال مجلس الشيطان " صححه الحاكم ووافقه الذهبي. (والضح: هو ضوء الشمس). وكذا ما رواه بريدة بن الحصيب " أن رسول الله r نهى أن يقعد الرجل بين الظل والشمس " .

يقول د.الكيلاني " فأمر البدن لا يستقيم إلا إذا سار العضو على وتيرة واحدة في جميع أعضائه، ففي ضوء الشمس، عدا عن الأشعة المرئية هناك الأشعة الحمراء التي تسخن الأعضاء، والأشعة فوق البنفسجية التي تبيغ الجلد وتحمره. فإذ ا حصل ذلك في جزء من البدن دون الجزء الآخر، ودونما حاجة إلى ذلك، تشوش الدوران واضطربت وظائف الأعضاء وهذا ما يحصل عند الجلوس أو النوم بين الظل والشمس.

الوضوء والنوم:

تؤكد أبحاث علم الصحة أن على المرء -إن أراد النوم الهادئ- أن يغتسل قبل أن ينام، أو أن يغسل وجهه ويديه وأن ينظف أسنانه بالمعجون والفرشاة. وهذه أمور تتوافق مع الهدي النبوي فعن البراء بن عازب tأن النبي r قال: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة … الحديث " رواه البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي r إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه ثم توضأ وضوءه للصلاة " رواه البخاري. كما حض النبي r في أحاديث كثيرة على استعمال السّواك والذي يؤكد استعماله عند النوم .

أدعية النوم:

يقول ابن القيم : " لما كان النائم بمنزلة الميت وكان محتاجاً إلى أن يحرس نفسه ويحفظها مما يعرض لها من طوارق الآفات، وكان فاطره تعالى هو المتولي لذلك وحده، علم النبي r النائم أن يقول كلمات التفويض والالتجاء والرغبة والرهبة ليستدعي به كمال حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه، وأرشده إلى أن يستذكر الإيمان وينام عليه فإنه ربما توفاه الله في المنام، فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنة. فتضمن هذا الهدي مصالح القلب والبدن والروح في النوم واليقظة والدنيا والآخرة ".

عن أنس tأن رسول الله r إذا أوى إلى فراشه قال: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي " رواه مسلم.

وعن أبي هريرة tقال: قال رسول الله r " … فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل: سبحانك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " رواه الشيخان.

وعن البراء بن عازب tأن رسول الله r قال: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم أضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللهم إني أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت واجعلهن آخر كلامك فان متّ متّ على الفطرة " رواه الشيخان.

وتستحب قراءة آية الكرسي لحديث طويل أخرجه البخاري عن أبي هريرة، كما تستحب قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين لما روته عائشة رضي الله عنها " أن رسول الله r كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيها فقرأ (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بما من رأسه ووجهه وما أقبل من جسده،يفعل ذلك ثلاث مرات " رواه البخاري.

اضطجع على شقك الأيمن:

إن الاستلقاء أو الاضطجاع على الفراش يمكن أن يكون على البطن أو على الظهر أو على أحد الشقين الأيمن أو الأيسر فما هي الوضعية الأمثل من أجل عمل الأعضاء؟

فحين ينام الشخص على بطنه كما يقول د.ظافر العطار يشعر بعد مدة بضيق في التنفس لأن ثقل كتلة الظهر العظمية تمنع الصدر من التمدد والتقلص عند الشهيق والزفير كما أن هذه الوضعية تؤدي إلى انثناء اضطراري في الفقرات الرقبية والى احتكاك الأعضاء التناسلية بالفراش مما يدفع إلى ممارسة العادة السرية. كما أن الزلة التنفسية الناجمة تتعب القلب والدماغ. ولاحظ باحث أسترالي ارتفاع نسبة موت الأطفال المفاجئ إلى ثلاثة أضعاف عندما ينامون على بطونهم نسبة إلى الأطفال الذين ينامون على أحد الجانبين.

كما نشرت مجلة التايم دراسة بريطانية مشابهة تؤكد ارتفاع نسبة الموت المفاجئ عند الأطفال الذين ينامون على بطونهم.

ومن المعجز حقاً توافق هذه الدراسات الحديثة مع ما نهى عنه معلم الخير سيدنا محمد r فيما رواه أبو هريرة t قال: " رأى رسول الله r رجلا مضطجعاً على بطنه فقال إن هذه ضجعة يبغضها الله ورسوله " رواه الترمذي بسند حسن.

وما رواه أبو أمامةt قال: " مر النبي r على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله وقال: قم واقعد فإنها نومة جهنمية " .

أما النوم على الظهر فإنها تسبب كما يرى الدكتور العطار التنفس الفموي لأن الفم ينفتح عند الاستلقاء على الظهر لاسترخاء الفك السفلي. لكن الأنف هو المهيأ للتنفس لما فيه من أشعار ومخاط لتنقية الهواء الداخل، ولغزارة أوعيته الدموية المهيأة لتسخين الهواء. وهكذا فالتنفس من الفم يعرض صاحبه لكثرة الإصابة بنـزلات البرد والزكام في الشتاء، كما يسبب جفاف اللثة ومن ثم إلى التهابها الجفافي، كما أنه يثير حالات كامنة من فرط التصنع أو الضخامة اللثوية. وفي هذه الوضعية أيضاً فإن شراع الحنك واللهاة يعارضان فرجان الخيشوم ويعيقان مجرى التنفس فيكثر الغطيط والشخير… كما يستيقظ المتنفس من فمه ولسانه مغطى بطبقة بيضاء غير اعتيادية إلى جانب رائحة فم كريهة. كما أنها تضغط على ما دونها عند الإناث فتكون مزعجة كذلك وهذه الوضعية غير مناسبة للعمود الفقري لأنه ليس مستقيماً وإنما يحوي على انثناءين رقبي وقطني كما تؤدي عند الأطفال إلى تفلطح الرأس إذا اعتادها لفترة طويلة .

أما النوم على الشق الأيسر فهو غير مقبول أيضاً لأن القلب حينئذ يقع تحت ضغط الرئة اليمنى، والتي هي أكبر من اليسرى مما يؤثر في وظيفته ويقلل نشاطه وخاصة عند المسنين. كما تضغط المعدة الممتلئة عليه فتزيد الضغط على القلب والكبد -الذي هو أثقل الأحشاء- لا يكون ثابتاً بل معلقاً بأربطة وهو موجود على الجانب الأيمن فيضغط على القلب وعلى المعدة مما يؤخر إفراغها.

فقد أثبتت التجارب التي أجراها غالتيه وبواسيه أن مرور الطعام من المعدة إلى الأمعاء يتم في فترة تتراوح بين 2.5-4.5 ساعة إذا كان النائم على الجانب الأيمن ولا يتم ذلك إلا في 5-8 ساعات إذ ا كان على جنبه الأيسر.

فالنوم على الشق الأيمن هو الوضع الصحيح لأن الرئة اليسرى أصغر من اليمنى فيكون القلب أخف حملاً وتكون الكبد مستقرة لا معلقة والمعدة جاثمة فوقها بكل راحتها وهذا كما رأينا أسهل لإفراغ ما بداخلها من طعام بعد هضمه… كما يعتبر النوم على الجانب الأيمن من أروع الإجراءات الطبية التي تسهل وظيفة القصبات الرئوية اليسرى في سرعة طرحها لإفرازاتها المخاطية، هكذا ينقل الدكتور الراوي ويضيف قائلاً: إن سبب حصول توسع القصبات للرئة اليسرى دون اليمنى هو لأن قصبات الرئة اليمنى تتدرج في الارتفاع إلى الأعلى حيث أنها مائلة قليلاً مما يسهل طرحها لمفرزاتها بواسطة الأهداب القصبية أما قصبات الرئة اليسرى فإنها عمودية مما يصعب معه طرح المفرزات إلى الأعلى فتتراكم تلك المفرزات في الفص السفلي مؤدية إلى توسع القصبات فيه والذي من أعراضه كثرة طرح البلغم صباحاً هذا المرض قد يترقى مؤدياً إلى نتائج وخيمة كالإصابة بخراج الرئة والداء الكلوي وإن من أحدث علاجات هؤلاء المرضى هو النوم على الشق الأيمن.

من هنا يتبين لنا أن النوم على الجانب الأيمن هو الصحيح من الناحية الطبية والذي تتمتع فيه كافة الأجهزة بعملها الأمثل أثناء النوم، وهو أيضاً القدوة الحسنة لنبي هذه الأمة ومعلمها كل خير سيدنا محمد r حين قال: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن.. " رواه مسلم.

وإن تعليمات النبي الأعظم وهديه في النوم تمثل قمة الإعجاز الطبي حين تنهي وبشكل جازم عن الوضعية الأكثر سوءاً وهي النوم على البطن وتندب للنوم على الجهة الأصح (اليمنى) وتسكت عن جهتين أخريتين أقل سوءاً رحمة بنا وحتى تفسح لنا حرية التقلب في النوم دون حرج أو مشقة.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:15 PM
قيام الليل



قال تعالى: ] ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً [ الإسراء، وقال تعالى مادحاً المؤمنين: ] والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً [ الفرقان، وقال سبحانه يصف قيام الليل: ] إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً [ المزمل. قال الطبري: " أشد وطأً أي أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة ".

هذا وإن للتهجد في نظر الشارع أهمية كبيرة في حياة المسلم لذا فقد حذَر رسول الله r من ترك قيام الليل لمن اعتاده . فعن عمرو بن العاص t قال: قال لي رسول الله r: " يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل " رواه البخاري.

وأما وقت التهجد فهو الثلث الأخير من الليل، فقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة النبي r بالليل؟ قالت: " كان ينام أوله ويقوم آخره فيصلي ثم يرجع إلى فراشه فإذا أذن المؤذن وثب فإن كان به حاجة اغتسل، وإلا توضأ وخرج " رواه البخاري.

وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن النبي r قال: " إنّ الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ حتى يطلع الفجر " رواه البخاري ومسلم.

ولكن … ألا تتعارض أهمية النوم للإنسان وضرورته له مع ما يرغب به رب العزة سبحانه وتعالى أولياءه والصالحين من عباده على قيام الليل؟

يجيب الدكتور سمير الحلو على هذا التساؤل بأن الإنسان ليس جسداً فقط يعمل نهاره ثم يطلب الراحة في الليل مع ما يتخلل ذلك من طعام ولهو، بل إن له ملكات أخرى لها أثرها الكبير في نشاطه وحيويته، إنها القوة الروحية الهائلة التي تجعل منه طاقة عظيمة تخشاها طواغيت الأرض ومردة الجن وتجعل منه ولياً من أولياء الله، ثم إن دراسة علمية قامت بها الدكتورة سلوى محمد رشدي أثبتت أن المعتادين على قيام الليل يتمتعون بمستوى أداء أعلى بالنسبة لفقرات ظهورهم مقارنة مع الذين لا يقومون الليل.

كما أثبتت الدراسات الطبية أن الذي ينام على وتيرة واحدة ساعات طويلة يتعرض للإصابة بأمراض القلب بنسبة عالية، ذلك أن هذا السكون الطويل يؤدي إلى تصلب الشرايين وتضيق في لمعتها لترسب الشحوم في بطانتها، وتنصح الدراسة أن يقوم النائم بعد أربع ساعات من نومه لإجراء بعض الحركات الرياضية أو المشي لربع ساعة من الزمن للحفاظ على مرونة شرايينه ووقايتها من الترسبات الدهنية وما يليها من إصابات وعائية - قلبية، وفي دعوة الإسلام أتباعه إلى قيام الليل سبق طبي رائع لوقايتهم من الإصابات المذكورة.

كل هذا يعتبر من دون شك جانباً من المنافع الصحية التي أشار إليها النبي r حين قال: " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، قربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم وتكفير عن السيئات ومطردة للداء عن الجسم".

وإن نظرة منصفة إلى قول النبي r " ومطردة للداء عن الجسد " ومقارنتها لما أورده الأطباء اليوم من فوائد لقيام الليل للجسد تؤكد الإعجاز الطبي في هذا الحديث النبوي الشريف البليغ.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:20 PM
اضطرابات النوم



مشكلة اجتماعية يعاني منها باستمرار حوالي 5٪ من النساء و12٪ من الرجال، وتكثر عند البدينين، علاوة على أن نسبة أخرى من الناس يعانون منها من وقت لآخر.

والشخير يحرم النائم من لذة النوم العميق الذي هو ضروري بعد تعب النهار، كما يزعج المصاب زوجه بشخيره وقد ينعكس ذلك على صحة الزوجين وعلاقتهما العائلية.

والشخير صوت يحدث في المنطقة التي تتصالب فيها الطرق التنفسية مع السبيل الهضمي عند التنفس من الفم، فالتنفس الفموي يؤدي إلى رفع شراع الحنك بشكل دوري مما يؤدي إلى اهتزازه مولداً لذلك الصوت.

وفي دراسة بإيطالية على مجموعة من الأطفال، وجد أن من أسباب الشخير نزلات البرد، وبعد استئصال اللوزتين، ووجود والدين مدخنين في المنزل نتيجة احتقان الأغشية المخاطية عند الأطفال بسبب الدُّخان. ويرى البرفسور بروسية أن الشخير لا يحدث إلا عند الاستلقاء على الظهر والذي يشترك غالباً مع التنفس الفموي.

وعلاج الشخير قد يكون صعباً ولكن من المفيد التزام الهدي النبوي في النوم على الشق الأيمن قدر الإمكان، وتجنب النوم على الظهر، كما يفيد وضع وسادة لرفع الرأس، كما يجب استئصال الزوائد والناميات حال وجودها في الأنف أو البلعوم.

الأرق:

ظاهرة شائعة تعرف بأنها عدم القدرة على الدخول في النوم، أو عدم القدرة على النوم المدة التي يعتقد أنه ينبغي نومها، أو حدوث تقطع متكرر في النوم .

ويعدد كتاب هاريسون أسباب الأرق: القلق وبعض الأمراض من نفسية أو بدنية، وإن لكثرة تناول الأدوية عند المسنين دور هام في إحداثه، ومن أسباب الأرق تناول القهوة والشاي قبيل النوم، أو تناول وجبة دسمة وما يرافقها من عسرة في الهضم، والضجيج يؤثر بشكل مباشر على الدخول في النوم، والنيكوتين الموجود في دخان التبغ مادة مثيرة للدماغ يمكن أن تسبب الأرق.

والعاملون في الليل، أو في أوقات متغيرة من يوم لآخر معرضون للإصابة بالأرق إلا أن القلق الناجم عن ضغوط الحياة اليومية ومشاكلها هو السبب الأهم في إحداث الأرق، وربما يكون الضغط النفسي المؤدي إلى القلق سبباً هاماً جداً للأرق .

علاج للأرق:

للأطباء اليوم نصائح لمن يصعب عليهم الدخول في النوم منها أن يلجأ المصاب بالأرق إلى القراءة في السرير، أو أن يردد بعض الكلمات أو الحركات الرتيبة، أو أن يتبع نظاماً للتنفس شبيهاً بنظام التنفس أثناء النوم، أو أن يعدَّ من الواحد إلى اثنين أثناء الشهيق، ثم يواصل العد مرة أخرى إلى ثلاثة أثناء الزفير.

ويعلق الدكتور أنور حمدي فيقول: " ينصحون بترديد كلمات أو قصيدة أو العد وكل ذلك من باب الإيحاء وإن الأدعية التي يرددها المسلم كما تعلمها من رسول الله r عند نومه تحقق له المطلوب علاوة على الثواب والأمن والراحة النفسية ". … فعن محمد بن يجيى أن خالد بن الوليد t أصابه أرق فشكا ذلك إلى النبي r فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامات من غضبه ومن شرِّ عباده ومن همزات الشياطين أن يحضرون " .

وفي رواية أخرى أن النبي r أجاب خالداً فقال: " إذا أويت إلى فراشك فقل اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلَّت، كن لي جاراً من شر خلقك كلهم جميعاً أن يفرط عليَّ أحد منهم وأن يبغي علي، عزَّ جارك وجلَّ ثناؤك ولا إله غيرك لا إله إلا أنت " رواه الترمذي بسند ضعيف.

وروى الإمام النووي في الأذكار عن الإمام مالك أنه بلغه عن أبي الدرداء t أنه كان يقوم جوف الليل فيقول: " نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم " رواه مالك في الموطأ، وعن زيد بن ثابت t قال: شكوت إلى رسول الله r أرقاً أصابني فقال: " قل اللهم غارت النجوم وهدأت العيون وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم أهدئ ليلي وأنم عيني " فقلتها فأذهب الله عني ما أجد .

وينصح علماء الصحة المصابين بالأرق أن يبتعدوا عن تناول القهوة والشاي والكولا والشوكولا قبل ثلاث ساعات من النوم، كما يحذر بعضهم من تناول البرتقال والفلفل الأخضر قبيل النوم لما فيهما من مواد منشطة، وكذا مجموعة الفيتامينات ب وث، كما ينصحونهم بتجنب العشاء الثقيل، ويجب أن يكون عشاء مبكراً وأن يحتوي على البيض ومشتقات الحليب لأنها تحتوي على مواد تساعد على الاسترخاء والاستغراق في النوم.

ويعتبر أولد فيلد أن أفضل علاج للأرق وخاصة عند المسنين كأس ماء فاتر تذاب فيه ملعقة كبيرة من العسل، وينقل الدكتور أنور حمدي أن النشويات والموز تولد التربتوفان في البدن وهو مهدئ طبيعي، وكذا فإن الخضار الغنية بالكلس كالخس والملفوف لها فعالية مهدئة ومساعدة للنوم.

يختار لغرفة النوم أن تكون مهوّاة، وأن تكون الأكثر تعرضاً للشمس، وأن يتجنب في طلائها الألوان الزاهية وخصوصاً الأحمر، وأن أفضل لون يعين على الاسترخاء هو الأخضر أو الأزرق الشمعي، كما أن المشي بعد العَشاء ولو لمدة 15-30 دقيقة يفيد جداً في جلب النوم.

وينصح الدكتور سمير الحلو بعدم اللجوء إلى الأدوية المنومة لمعالجة الأرق إلا بنصيحة طبيب اختصاصي وعند الضرورة القصوى، لأن اللجوء إليها كالمستجير من الرمضاء بالنار ولأن مخاطرها تفوق منافعها، وعلى المضطر إليها أن يتناولها بصورة متقطعة ومتباعدة قدر الإمكان، وإن أهم مضاعفاتها كثرة حدوث الإمساك، والإرهاق العام وخوار القوى وإمكانية إحداثها للإدمان.

الرؤى والأحلام:

يقدر الباحثون أن ربع نوم الإنسان يقضيه صاحبه في فترة الأحلام ولكن معظمها يصعب تذكرها إلا عندما يكون للحلم أثر كبير بحيث يتذكره الإنسان في الصباح.

وقد كثرت تأويلات الأحلام وأسبابها وبواعثها بحسب المؤول وخلفيته الثقافية والفكرية، وخرج لنا أناس ضلوا وأضلوا في تفاسيرهم أمثال فرويد اليهودي. وحيث أن الأمر كما يقول الدكتور سمير الحلو غير عادي، ولا يمكن قياسه بأي مقياس بشري، وكل ما نعلمه هو أقاويل وخبرات شخصية لذلك فإن أصدق حديث يفسر هذا كله هو حديث من لا ينطق عن الهوى سيدنا محمد r فيما رواه أبو هريرة t أن النبي r قال: " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا تخزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل وفي رواية وليتفل، ولا يحدث بها الناس " رواه البخاري ومسلم.

قال ابن الأثير اقتراب الزمان هو عند اعتدال الليل والنهار في فصلي الربيع والصيف، وقيل أراد باقتراب الزمان قرب الساعة ودنو القيامة آخر الزمان.

وعن عوف بن مالك t أن النبي r قال: " الرؤيا ثلاثة: منها تهاويل الشيطان ليحزن بها بني آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته يراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ".

وعن جابر t قال: جاء أعرابي فقال يا رسول الله رأيت في منامي كأن رأسي قطع فأنا أتبعه فقال r: " إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في المنام فلا يخبر به الناس " رواه مسلم.

وخلاصة ما جاءت به السنة أن على المسلم إذا رأى رؤيا فإن كانت شراً فلا يخبر بها الناس وليتفل عن شماله وليتعوذ من الشيطان أو ليقم فليصل ركعتين فإنها لن تضره، وإن كانت خيراً فلا يقصها إلا على عالم فقيه بتعبير الرؤيا أو على رجل محب ناصح. فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي r قال: " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها الناس، وإذا رأى أحدكم غير ذلك مما يكره فإنها من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره ".

وعن أبي قتادة t قال: سمعت رسول الله r يقول: " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره " رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس بن مالك t أن النبي r قال: " إن الرؤيا تقع على ما تعبر ومثل ذلك من رفع رجله فهو ينتظر حتى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحاً أو عالماً ".

وعن أبي رزين العقيلي أن النبي r قال: " الرؤيا على رجل طائر حتى تُعبر فإذا عبرت وقعت، قال الراوي وأحسبه قال: ولا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي " رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: " لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات " قالوا: وما المبشرات؟ قال: " الرؤيا الصالحة " رواه البخاري.

وعن عروة بن الزبير t في قوله تعالى: ] لهم البشرى في الحياة الدنيا [ قال: " هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له " .

ويلخص الشيخ محمد علي الصابوني أنواع الرؤيا فيقول: " والرؤيا المنامية من عالم الغيب فقد تكون حقيقة واقعة، وقد تكون أضغاث أحلام أو من تلاعب الشيطان. وقد قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: أحدها حديث النفس كمن يهمه أمر في نهاره ويشتغل فكره بقضية ما فيراها في منامه، ويسميها علماء النفس أحلام الذاكرة كالعاشق الولهان يجد معشوقته في منامه. والثانية أضغاث أحلام لا حقيقة لها بل هي من رعونة النفس وتلاعب الشيطان بالإنسان. والثالثة الرؤيا الصادقة التي هي بشرى من الرحمن، وهي الرؤيا الحسنة التي يراها المؤمن في منامه أو يراها له أخ صديق ".

ويحرم على المسلم أن يختلق رؤيا لم يرها فهي من الكذب المحض، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي r قال: " من تحلَّم بحلم لم يره كُلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل " رواه البخاري.

حقائق علمية عن الأحلام:

ينقل الدكتور حسان شمسي باشا عن كتاب الجمعية البريطانية لصحة العائلة (1990) يقول: هناك أدلة قوية تشير إلى أن الأحلام تحدث بشكل خاص في فترة النوم الحالم (المتناقض)، ورغم أن هناك جدلاً كبيراً حول وظيفة الأحلام إلا أن العلماء تمكنوا من معرفة النواحي الغريزية للأحلام حيث يكون الدماغ نشيطاً في فترة النوم الحالم ويزداد جريان الدم وتزداد حرارته، ويمكن أن يوحي ذلك بأن الدماغ يهيئ نفسه لنشاط جديد.

وقد ترى الأحلام على أنها إعادة تنظيم للمشاعر والأحاسيس والأفكار والذكريات التي كانت تشغل الإنسان في ذلك النهار .

ويرى الدكتور قتيبة الجلبي أن هناك نوعين من الأحلام: الأول يحدث في فترة النوم الهادئ وتتصف بأن لها علاقة مباشرة بالحياة، وبصورة منطقية سليمة، وقد يكون من نتائجها اكتشاف علمي لمخترع أو حل لمعضلة اجتماعية أو حسابية، وهي أحلام من نتائج القشرة المخية في مقدمة الدماغ. والنوع الثاني يحدث في مرحلة النوم الحالم وتتصف بكونها نتيجة للرغبات والأفكار المكبوتة في عالم اللاشعور، وتتصف غالباً بالغرابة واختلاط المرئيات والأسماع. ويمكن للنوعين من الأحلام أن يشتركا في الظهور في آن واحد وتقول مدرسة التحليل النفسي أننا ملزمون بالاعتقاد بأن بعض الرؤى تحمل نبوءات عن المستقبل القريب أو البعيد.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:22 PM
خصال الفطرة في الهدي النبوي وأثرها في صحة البدن

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:25 PM
الفطرة تعريفها وأهم خصالها



الفطرة في الأصل تعني ما يميل الإنسان إليه بطبعه وذوقه السليم .

والإسلام كله يكون بهذا دين الفطرة، وتعاليمه كلها هي سنن الفطرة . لكن رسول الله r قد خصَّ فيها مجموعة من السنن والتعاليم سمّاها "سنن الفطرة" لارتباطها ببدن الإنسان ووظائفه الحياتية.

فمن هذه السنن ما رواه أبو هريرة t قال: سمعت النبي r يقول: "خمس من الفطرة -وفي رواية- الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط " رواه البخاري ومسلم.

وما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي r قال: "عشرٌ من الفطرة: قص الشارب واستنشاق الماء والسواك وإعفاء اللحية ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء وقص الأظافر وغسل البراجم قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة " وانتقاص الماء يعني الاستنجاء رواه مسلم وابن خزيمة في صحيحه. وقال القاضي عياض: لعل العاشرة الختان لأنه مذكور في حديث (الفطرة خمس).

وكما ورد في حديث الإسراء والمعراج " عندما خَيَّر جبريل عليه السلام النبي r، تاركاً الخمر وشارباً اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة " رواه البخاري ومسلم.

قال ابن الأثير " الإنسان يولد على نوع من الجبلة والطبع المهيء لقبول الدين، فلو ترك الأمر عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل من يعدل لآفة من البشر والتقليد ".

وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ]وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [. قال: " ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء ".

قال أبو شامة : " الفطرة هي الخلقة المبتدئة، أي أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها. والاستحداد استعمال الموس في حلق الشعر، والبراجم مفاصل الأصابع أو العقد التي على ظهرها، والمراد بها الموضع التي تتجمع فيها الأوساخ من البدن ".

وقد فسر كثير من العلماء " الفطرة " التي ورد ذكرها في الأحاديث النبوية بأنها " السنة " أي الطريقة التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد أمر الله سبحانه نبيه المصطفى محمد r بالاقتداء بهم في قوله تعالى: ] فبهداهم اقتده [.

يقول الإمام النووي : "جزم الماوردي وأبو اسحق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث: الدين. وقال البيضاني: الفطرة المرادة هنا هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليه ".

وخصال الفطرة كلها، التي حث عليها الإسلام بدعوة صريحة من نبي الرحمة، وأيّاً كان تفسير العلماء لكلمة الفطرة، فإنها تنضوي تحت عنوان "النظافة" والذوق السليم. وسنتناولها في بحثنا هذا بالتفصيل، مع المنافع الصحية والاجتماعية التي يحصل عليها المسلم عند التزامه بها في حياته الدنيا. وسنفرد لكل من الختان والسواك بحثاً مستقلاً لأهميتهما.

ولقد نبه ابن حجر إلى أنه يتحصل من مجموع ما ورد من آثار صحيحة في خصال الفطرة أنها خمسة عشر خصلة وهي الختان والسّواك والاستحداد (حلق العانة) وتقليم الأظافر ونتف الإبط وقص الشارب وإعفاء اللحية والانتضاح وغسل البراجم والمضمضة والاستنشاق والاستنثار والاستنجاء وفرق الشعر وغسل الجمعة.

الاستحداد:

يقول الإمام النووي : " الاستحداد هو حلق العانة وسمي استحداداً لاستعمال الحديدة (الموس أو الشفرة). وهو سنة، والمراد به نظافة ذلك الموضع. والأفضل فيه الحلق، ويجوز بقص الشعر أو نتفه. والمراد بالعانة الشعر النابت حول الذكر أو الفرج وما يلحق به مثل الشعر حول الدُّبر. وأما وقت حلقه فالمختار أنه يضبط بالحاجة، وطوله، فإذا ما طال حُلِقَ.

عن عبد الله بن عَمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: " من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب " رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك t قال: " وقَّت لنا رسول الله r في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة " رواه مسلم.

إنّ ناحية العانة وما يحيط بالقبل والدبر، منطقة كثيرة التعرق والاحتكاك ببعضها البعض، وإنه إن لم يُحلَق شعرها تراكمت عليه مفرزات العرق والدهن، وإذا ما تلوثت بمفرغات البدن من بول وبراز صعب تنظيفها حينئذ، وقد يمتد التلوث إلى ما يجاورها فتزداد وتتوسع مساحة النجاسة، ومن ثَمَّ يؤدي تراكمها إلى تخمرها فتنتن وتصدر عنها روائح كريهة جداً، وقد تمنع صحة الصلاة إن لم تنظف وتقلع عنها النجاسات. وفي حلق شعر العانة أيضاً وقاية من الإصابة بعدد من الأمراض الطفيلية المؤذية كقمل العانة الذي يتعلق بجذور الأشعار ويصعب حينئذ القضاء عليها. كما يخفف الحلق من إمكانية الإصابة بالفطور المغبنية. لذا سن الإسلام حلق العانة والأشعار حول الدبر كلما طالت تأميناً لنظافتها المستمرة ولأنها من أكثر مناطق الجسم تعرضاً للتلوث والمرض .

نتف الآباط:

قال النووي : " وأما نتف الإبط فهو سنة بالاتفاق والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه ويجوز بالحلق وغيره ". ويرى العلامة ابن حجر أن الهدي النبوي بنتف شعر الإبط وليس بحلقه لأن النتف يضعف التعرق تحت الآباط.

ويؤكد د.الكيلاني أن النتف يضعف إفراز الغدد العرقية والدهنية. وإن الاعتياد عليه (أي بالنتف) منذ بدء نموه ودون أن يحلقه أبداً يضعف الشعر أيضاً ولا يشعر المرء بأي ألم عند نتفه. والمقصود بالنتف أن يكون باليد ويمكن إزالته أيضاً بالرهيمات المزيلة للشعر.

وفي الحقيقة فإن نمو الأشعار تحت الإبطين بعد البلوغ يرافقه نضوج غدد عرقية خاصة تفرز مواد ذات رائحة خاصة إذا تراكمت معها الأوساخ والغبار أزنخت وأصبح لها رائحة كريهة ، وإن نتف هذه الأشعار يخفف إلى حد كبير من هذه الرائحة، ويخفف من الإصابة بالعديد من الأمراض التي تصيب تلك المنطقة كالمذح والسعفات الفطرية والتهابات الغدد العرقية (عروسة الإبط) والتهاب الأجربة الشعرية وغيرها، كما يقي من الإصابة بالحشرات المتطفلة على الأشعار كقمل العانة .

قص الشارب وإعفاء اللحية:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال: " احفوا الشارب وأعفوا اللحى " رواه البخاري.

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: " جُزّوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس " رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي r قال: " من الفطرة قص الشارب " رواه البخاري.

وعن أنس بن مالك t قال: " وقت لنا رسول الله r في قص الشارب … ألا نترك أكثر من أربعين ليلة " رواه مسلم.

وعن زيد بن أرقم t أن رسول الله r قال: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " رواه النسائي وأحمد، ورواه الترمذي عن المغيرة بن شعبة وقال حديث حسن صحيح.

قال النووي : " وأما قص الشارب فسنة أيضاً. وأما حدُّ ما يقصه فالمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله. وأما روايات احفوا الشوارب فمعناها ما طال على الشفتين، وإعفاء اللحية توفيرها وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشارع عن ذلك ".

إن قص الشارب سنة بالاتفاق، إنما يرى الشافعية والمالكية التقصير أي قص الزائد عن الشفة العليا، بينما يرى الحنفية استئصال الشارب كله، والحنابلة مخيرون بين هؤلاء وهؤلاء .

ومن الناحية الطبية فإن الشوارب إذا ما طالت تلوثت بالطعام والشراب وأصبح منظرها مدعاة للسخرية وقد تكون سبباً في نقل الجراثيم .

وعندما يقص المسلم شواربه يبدو بمظهر التواضع والارتياح خلافاً لما يخلفه إطالة الشارب وفتله من مظهر الكبر والجبروت .

وسنة الإسلام في قص الشوارب تتفق مع ما دعا إليه الطب، بقص ما زاد عن حدود الشفة العليا فقط وهو ما كان عليه جمع من الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير، وهو ما ذهب إليه الشافعي ومالك، وإن عدم إزالة الشارب بقصه فقط تتفق مع الطب الوقائي، فالشارب خلق للرجل، وهو المهيأ للعمل وطوارئ البيئة ووجود الشارب يحمي الرجل من طوارئ البيئة وفي تصفية الهواء الداخل عبر الأنف إلى الرئتين، وهذا بالطبع أنفع وأسلم.

أما اللحية فقد دعا الإسلام إلى إعفائها وعدم حلقها: وقد ذهب المالكية والحنابلة إلى حرمة حلقها وقال الحنفية بكراهة التحريم وأفتى الشافعية بالكراهة .

ومن الناحية الصحية فإن د.عبد الرزاق كيلاني يرى أن عمل الرجل يؤدي إلى كثرة تعرضه لأشعة الشمس والرياح الباردة والحارة والذي يؤثر سلبياً على الألياف المرنة والكلاجين الموجودين في جلد الوجه ويؤدي تخربهما شيئاً فشيئاً إلى ظهور التجاعيد والشيخوخة المبكرة. وقد خلق الله [المصور] اللحية في وجه الرجل للتخفيف من تأثير هذه العوامل، ولم يخلقها للمرأة لأنه سبحانه خلقها للعمل في البيت بعيداً عن تأثير الأشعة الشمسية وتقلبات الرياح.

من هنا نرى النتيجة الرائعة للهدي النبوي العظيم في أن وجه الملتحي أكثر نضارة وشباباً من وجه حليق اللحية، كما أن وجه المرأة المحجبة أكثر حيوية ونضارة من وجه السافرة مهما تقدمت بها السن. هذا عدا عما يسببه حلق اللحية اليومي من تهيج للجلد وتخريب لأنسجته، وعلاوة عما في حلق اللحية من تشبه الرجل بالمرأة وقد " لعن رسول الله r المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال " كما روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري.

أحمد سعد الدين
07-12-2005, 08:27 PM
المضمضة والاستنشاق والاستنثار:

عن عبد الله الصنايجي أن النبي r قال: " إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه ".

وعن علي بن أبي طالب t" أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ثم قال: هذا طهور نبي الله r " .

فالمضمضة هي إدخال الماء إلى الفم وإدارته فيه ثم طرده وهي سنة في الوضوء والغسل عند الشافعية والمالكية، ويرى الحنابلة وجوب المضمضة في الوضوء، أما الحنفية فيرون وجوبها في الغسل فقط، وقد كان هدي النبي r أيضاً أن يتمضمض بعد الطعام وخاصة إذا كان دسماً. فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما " أن رسول الله r شرب لبناً فتمضمض وقال: إن له دسماً " رواه البخاري.

ويتم بالمضمضة نظافة الفم وإزالة بقايا الطعام منه، وأما الغرغرة وهي المبالغة بالمضمضة (وهي مندوبة أيضاً) فتنظف الحلق والبلعوم. وإن تراكم البقايا الطعامية في الفم يجعلها عرضة للتخمر وتصبح بؤرة مناسبة لتكاثر الجراثيم مما قد يسبب التهابات في اللثة والقلاع ونخر الأسنان وغيرها من التهابات جوف الفم، ومن ثم إلى انتقالها إلى السبيل الهضمي وما ينتج عنه من اضطرابات هضمية وتعفنات يصدر عنها رائحة الفم الكريهة .

أما الاستنشاق