المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ظلال آية



أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:43 AM
في ظلال آية

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:43 AM
وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة


يقول الله تعالى : " وماكان لمؤمنٍ ولامؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً "
هذه الآية من آيات البلاء والإمتحان والتمحيص ، تضع المؤمن على المحك الحقيقي لإيمانه ليتميز الصادق من الدعي ، والكيّس من العاجز... يالها من آية عظيمة تكشف حقيقة الإيمان عندما يصطدم أمرالشرع مع هوى النفس وعندما يكون أمر الله ورسوله في كفة وحظوظ النفس وشهواتها في كفة.
كلنا نحب الإسلام ... وكلنا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وكلنا نطمع في رضوان الله وجنتة ... وكلنا يتمنى أن يكون مؤمناً صادق الإيمان. ولكن هل المسألة بالتمنى والإدعاء أم بالعمل والإخلاص ، هل نريد الإيمان بلاعمل ونرجوه بلاثمن؟! ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله هي الجنة.
أخي الكريم : إنها أية تستحق منا التوقف عندها وتأمل كلماتها واستيعاب مدلولاتها ثم مقارنتها بالواقع الذي نحياه والنهج الذي نعيشه. إن هذه الآية تحمل معنى الإسلام ألا وهو الإستسلام لله والإنقياد له والخضوع له بالطاعة . فهو استسلام وانقياد وخضوع ولامجال فيه للإختيار بين قبول ورفض ولا بين أخذ ورد. إذا جاء أمر الله ورسوله في مسألة من المسائل فليس غير السمع والطاعة. لااعتبار وقتها لهوى النفس ولالعادات المجتمع ولا لأي اعتبار آخر ، هذا هو معنى الإستسلام لله والإنقياد له أما إذا تخيرنا من شرع الله مايوافق أهواءنا ورغباتنا وعاداتنا وجئنا به على أنه دين خالص لله وفي نفس الوقت تركنا مايخالف أهواءنا وعاداتنا وتقاليدنا بحجج واهية وأعذار ملفقة فذلك هي الخيرة التي لم يرتضيها لنا ربنا سبحانه وتعالى بنص الآية الكريمة.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه تبارك وتعالى كما أمرنا بالصلاة والصيام والزكاة أمرنا بغض البصر وحفظ الفرج وصلاة الجماعة وطاعة الوالدين وصلة الأرحام وإرخاء اللحى وحجاب النساء ونهانا عن الغيبة والنميمة وأكل الربا والإسبال وأذى الجار وسماع الغناء وغيرها من الأوامر والنواهي مما لايخفى على مسلم ولامسلمة. فليقف أخي الكريم كل منا مع نفسة وقفة محاسبة في ساعة صدق مع النفس وليسأل نفسه : هل أنا ممن يأخذ من دين الله مايوافق هواه ويترك ماعدا ذلك ؟ فمن وجد خيراً فليحمد الله وليسأله الثبات ومن وجد غير ذلك فليثب إلى رشده وليقصر نفسه على الحق قسراً. فالأمر جد لاهزل فيه وحق لامراء فيه. والموعد: يوم لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والموعود: جنة نعيم أو عذاب مقيم. اللهم إنا نسألك عملاً صالحاً ونية صادقة وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وعلماً نافعاً ، اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل وحسن القصد والتوكل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:44 AM
ووضع الكتب ... فترى المجرمين مشفقين مما فيه


يقول الله تعالى: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممافيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها ووجدوا ماعملوا حاضراً ولايظلم ربك أحداً"
مشهد من أعظم مشاهد الحساب يوم القيامة
اليوم الموعود ، اليوم المنتظر ، اليوم العصيب، اليوم الذي لابد كلنا سنلقاه ، يوم الجزاء والحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يتمنى الإنسان لو لم يكن شيئاً مذكوراً ويوم يقول الكافر ياليتني كنت تراباً. لاإله إلا الله ... كيف سيكون ذلك اليوم؟ وكيف ستكون ساعات الترقب ياترى؟ أحدنا لوكان ينتظر إعلان نتيجة إمتحان أو مسابقة يشعر ساعتها أن قلبه يكاد يخرج من صدره من شدة القلق والخوف ! فكيف بنتيجة يترتب عليها جنة أو نار ! نعيم مقيم أو عذاب سرمدي أجارنا الله وإياكم.. لاإله إلا الله .. اللهم رحماك.. رحماك يارب ...
تخيل نفسك أخي الحبيب أنك الآن تقف ذلك الموقف المهيب وتترقب صحيفة أعمالك والناس من حولك في ذهول وهلع يتلقفون صحفهم ، ففرح سعيد حاملاً صحيفته بيمينه يكاد يطير من شدة الفرح يطوف بين الناس ويصيح بأعلى صوته : هآؤم إقرأوا كتابيه ، إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانيه كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ... يالسعادته.. يالسعادته .. يالسعادته ...فاز ورب الكعبة وسعد سعادة لاشقاء بعدها ... وآخر ممسك صحيفته بشماله وجهه مسود يبكي من حسرة وندامة على سواد صحيفته وحق له والله أن يبكي بدل الدموع دماً .. كيف لا؟ والمصير النار والمستقر سقر .. اللهم أجرنا منها: وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ماحسابيه، ياليتها كانت القاضية، ماأغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية. خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ...
أخي الحبيب هل يرضيك ساعتها أنك عصيت الله طرفة عين ؟ وهل يرضيك ساعتها أنك قصرت في فرض من فروض الله ؟ هل يرضيك أنك تكاسلت أو نمت عن صلاة مكتوبة ؟ عصيت وتماديت في المعاصي كثيرا فهل بقى من لذة المعصية شيء ؟ لوعرضت أمامك في تلك اللحظة امرأة جميلة أو صورة فاتنة هل كنت ستنظر إليها ؟ هل يطيب لك ساعتها أن تتلذ بسماع مغن أو مغنية ؟ هل يرضيك ساعتها أنك تكلمت في عرض فلان أو علان ؟ بل هل يرضيك ساعتها أنك اضعت دقيقة من عمرك في غير طاعة الله؟ إذن فاعلم: أن كل صغيرة وكبيرة مسجلة عليك وسوف تحاسب عليها قال تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره . فأعد العدة ياأخي مادمت في زمن المهلة واعلم أن اليوم عمل ولاحساب وغداَ حساب ولاعمل. ولايغرنك طول الأمل فالموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل ، واعلم يارعاك الله أن لذة المعصية تذهب ولكن أثرها يبقى مكتوباً في صحيفتك . وتعب الطاعة يذهب أيضا وثوابها يبقى.. وسيجزى كلٌ بعمله .. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلايلومن إلا نفسه) فكن أخي الكريم كيساً فطناً لاتورد نفسك موارد الهلاك واقسرها على الخير قسراً فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:44 AM
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم


يقول الله تعالى : " .. إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مرد له ومالهم من دونه من والٍ"
إن لله تعالى سنناً لاتتغير وقوانين لاتتبدل : سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً . وهذه سنة وقاعدة اجتماعية سنها الله تعالى ليسير عليها الكون وتنتظم عليها أسس البنيان: إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم : أي أن الله تبارك وتعالى إذا أنعم على قوم بالأمن والعزة والرزق والتمكين في الأرض فإنه سبحانه وتعالى لايزيل نعمه عنهم ولايسلبهم إياها إلا إذا بدلوا أحوالهم وكفروا بأنعم الله ونقضوا عهده وارتكبوا ماحرم عليهم. هذا عهد الله ومن أوفى بعهده من الله ؟ فإذا فعلوا ذلك لم يكن لهم عند الله عهد ولا ميثاق فجرت عليهم سنة الله التي لاتتغير ولاتتبدل فإذا بالأمن يتحول إلى خوف والغنى يتبدل إلى فقر والعزة تؤل إلى ذلةٍ والتمكين إلى هوان.
أيها الأخ الكريم إن المتأمل اليوم في حال أمة الإسلام وماأصابها من الضعف والهوان وماسلط عليها من الذل والصغار على أيدي أعدائها بعد أن كانت بالأمس أمة مهيبة الجناح مصونة الذمار ليرى بعين الحقيقة السبب في ذلك كله رؤيا العين للشمس في رابعة النهار . يرى أمةً أسرفت على نفسها كثيراً وتمادت في طغيانها أمداً بعيداً واغترت بحلم الله وعفوه وحسبت أن ذلك من رضى الله عنها ونسيت أن الله يمهل ولايهمل ، وما الأمة إلا مجموعة أفراد من ضمنهم أنا وأنت . تجول أخي الحبيب في ديار الإسلام (إلا من رحم الله) واخبرني ماذا بقي من المحرمات لم يرتكب وماذا بقي من الفواحش لم يذاع ويعلن ، الربا صروحه في كل مكان قد شيدت وحصنت حرباً على الله ورسوله، والزنا بيوته قد أعلنت وتزينت في كل شارع وناصية، والسفور قد حل محل الستر والخنا قد حل محل الطهر والعفاف. والخمر ( أم الخبائث) صارت لها مصانع ومتاجر. المعروف أصبح منكراً والمنكر غدا معروفاً. أرتفع الغناء (صوت الشيطان) ووضع القرآن (كلام الرحمن). حكمٌ بغير ماأنزل الله وقوانين ماأنزل الله بها من سلطان. وقبل ذلك كله تخلينا عن الجهاد وركنا إلى الدنيا وتبايعنا بالعينة وتتبعنا أذناب البقر ، أفبعد هذا نرجوا نصر الله وعزته وتمكينه ؟ أبعد هذا نتساءل لماذا حل بنا هذا الهوان ؟ أفبعد هذا نستغرب ماأصابنا من الذل على أيدي أعدائنا من شرار الخلق من اليهود والنصارى والهندوس والبوذيين وغيرهم ؟ نعم والله إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم .. إننا لن نخرج ممانحن فيه من الذل والصغار ولن ننال العزة والكرامة إلا إذا عدنا إلى ديننا وتمسكنا بإسلامنا فكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
أخي الكريم : إن الأمة لن تتغير إلا إذا تغير أفرادها ‘ إلا إذا غيرت أنا وأنت وهو وهي ، إذا غيرنا أسلوب حياتنا بما يوافق شرع الله وقلنا لربنا سمعاً وطاعة واتبعنا هدي نبينا عليه الصلاة والسلام : وماآتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا. عندها نصبح أفراداً وأمة أهلاً لموعود الله بإن يغير الله ذلنا إلى عزة وضعفنا إلى قوة وهواننا إلى تمكين. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يردنا جميعاً إلى دينه مرداً حسناً وأن يلهمنا رشدنا ويفقهنا في ديننا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن يمكن لأمة الإسلام ويعيد لها عزتها ومكانتها وأن ينصرها على أعدائها إنه سميع مجيب.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:44 AM
وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق



يقول الله تعالى " وقال الشيطان لماقضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وماكان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني ولوموا أنفسكم، ماأنا بمصرخكم وماأنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذابٌ أليم".
هذه الآية تسمى خطبة إبليس ذكر الحسن كما في القرطبي: أن إبليس يقف يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً. وقيل أنه يخطب خطبته هذه بعدما يسمع أهل النار يلومونه ويقرعونه على أن أغواهم حتى دخلوا النار. فيقول لهم: إن الله وعدكم وعد الحق أي وعدكم وعداً حقاً بإن يثيب المطيع ويعاقب العاصي فوفى لكم وعده، ووعدتكم فأخلفتكم أي وعدتكم ألا بعث ولاثواب ولاعقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد، وماكان لي عليكم من سلطان أي لم يكن لي قدرة وتسلط عليكم إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم، فلاتلوموني ولوموا أنفسكم أي لاترجعوا باللوم علي اليوم ولكن لوموا أنفسكم فالذنب ذنبكم ، ماأنا بمصرخكم وماأنتم بمصرخي أي ماأنا بمغيثكم ولاأنتم بمغيثي من عذاب الله، إني كفرت بماأشركتمون من قبل أي كفرت بإشراككم لي مع الله في الطاعة، إن الظالمين لهم عذاب أليم أي أن المشركين لهم عذاب مؤلم. هكذا يكشف إبليس عن عداوته لإبن آدم ويعترف بخذلانه له ليزيده حسرة وندماً.
عبادالله إن ربنا تبارك وتعالى حذرنا من هذا العدو الغرور الخداع وآيات الكتاب المبين مليئة بالآيات التي تحذرنا من الشيطان ومن وسوسته وتزيينه للفواحش والمعاصي ومع ذلك ماأكثر مايخدعنا وماأكثر ماننجرف في طريقه هذه جملة من الآيات التي تحذرنا من إبليس يقول الله تعالى :" إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير".... "ولايصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين "...." ولاتتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" ... "يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا" ... "يابني آدم لايفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ..." كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير" ... "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك جزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" . وغيرها كثير. فهلا اتعظنا عباد الله بواعظ القرآن ونذير الرحمن، إنه كلام علام الغيوب، الله رب العالمين، وليس على كلام الله مزيد بيان. اللهم إنا نعوذ بك أن نظل أو نُظل أو نزل أو نُزل، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن همزات الشيطان. اللهم اعصمنا من الشيطان ومن وسوسته وهمزه ولمزه.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:45 AM
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا



قال الله تعالى: "قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم"
يقول العلماء هذه أرجأ آية في كتاب الله ! كيف لا ؟ وهي قد أشرعت أبواب الأمل في وجوه البائسين وضمنت خط العودة للتائهين. لاإله إلا الله ، ماأرحم الله بعباده وماأحنه عليهم ,وماأوسع رحمته، جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم" لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده بخطامها ، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح". وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟) قلنا: لا والله. فقال: ( الله أرحم بعباده من هذه بولدها) متفق عليه.
أيها الأخوة إنا ربنا رحيم غفور ودود لايريد أن يعذبنا، خلق من أجلنا الجنة وزينها ووعدنا فيها بحياة طيبة وإقامة دائمة في نعيم وحبور ولكننا نحن الظالمون لأنفسنا نحن المفرطون في جناب الله، الأمر لايحتاج منا سوى إلى توبة صادقة وندم على الذنوب وعودة إلى الله فيبدل الله السيئات إلى حسنات ويعفو عن الخطايا والزلات ولكننا غافلون مسوفون مؤملون، يقول صلى الله عليه وسلم : الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك . كل هذه المغريات وكل هذه التسهيلات إلا أننا نسوف ونؤجل ونؤمل في الحياة وكأننا مخلدون وكأن الموت بعيد عنا. التحرر من الذنوب في الدنيا سهل ميسور ولكنه بعد الموت عسير. باستغفار وتوبة إلى الله يغفر الله لك آلاف السيئات ولكن بعد الممات لو أنفقت مافي الأرض جميعا من أجل أن تمحى عنك سيئة لم تمح. عبدالله ماحجتك إذا جئت يوم القيامة ووزنت أعمالك فرجحت كفة سيئاتك، من يحاججك عنك أمام الله ؟ ماذا سيكون عذرك ؟ كيف يكون ندمك؟ كيف تتصور وقتها أنك فرطت في كل هذه الفرص ورحلت محملا بالذنوب ؟ اسأل نفسك هذا السؤال؟ وتفكر في موقفك يوم الحساب واعلم أنه لايحول بينك وبين الآخرة سوى ان يقال فلان مات. وماأسهل أن يقال، فكم من صحيح خرج من داره في الصباح ولم يعد لها في المساء. وكم من معافى نام على فراشه ولم يصحو من منامه. وكم وكم والقصص والعبر تقرع آذاننا كل يوم فهل من معتبر وهل من متعظ ؟! والله إنه الله لايهلك على الله إلا هالك. ووالله أنه لاحجة لمذنب أمام الله. فالتوبة التوبة أخي في الله قبل فوات الأوان واليقظة اليقظة من الغفلة ! كن على أهبة الإستعداد للسفر الطويل وأرهف سمعك لسماع نداء الإقلاع لرحلتك التي قد يعلن عنها في أي لحظة. الأمر يسير مادمت في زمن التيسير، ولكنه بعد الموت عسير عسير . تذكر إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. فلا تظلم نفسك ولاتحرمها من عفو الله. ونختم بفائدة حول شروط التوبة كما قررها العلماء وهي أربع : أولها أن يقلع عن المعصية والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبداً والرابع: أن يبرأ من حق صاحبها إن كانت تتعلق بحق آدمي كمال أو عرض ونحوهما.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:45 AM
إذ جاء تكم جنودٌ فارسلنا عليهم ريحاً وجنواً لم تروها وكان الله بماتعملون بصيرا


يقول الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاء تكم جنودٌ فارسلنا عليهم ريحاً وجنواً لم تروها وكان الله بماتعملون بصيرا . إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الطنونا. هتالك أبتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا "

كان هذا هو يوم الأحزاب ، يوم أن تحزبت أمم الكفر من المشركين واليهود والوثنيين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام فتنادوا من كل حدب وصوب ، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبني قريضة وأوباش العرب على حرب المسلمين وجاؤا بجيوشهم الجرارة وبعددهم وعتادهم وكانوا زهاء إثني عشر ألفاً جاؤا ليقضوا على الإسلام ويمحوه من الوجود ، وربما كانوا يخططون لفرض نظامٍ عالمي جديد ! وأحاطوا بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم وضيقوا عليهم الخناق في المدينة ودب الرعب والذعر في الناس وظن كثيرون أن الهلاك واقع لامحالة وأنه لاقبل لأحد من المسلمين بهذه الأعداد ، ولكن المؤمنين كانوا واثقين من نصر الله فكان النصر العظيم من عند الله ، نصر جنده بمعجزة من عنده لم تصمد لها تلك الألوف المؤلفة ولم تستطع الوقوف في وجهها، فولت الأدبار وكان النصر للمؤمنين دون إراقة دماء ولا فقد أرواح ، فقد أرسل الله تعالى ريحا من عنده اقتلعت بيوتهم وكفأت قدورهم وأرسل عليهم الملائكة فزلزلتهم وألقت الرعب في قلوبهم ( ومايعلم جنود ربك إلا هو ) .

سبحان الله ! هكذا نصر الله يأتي في لحظة العسر ولحظة الشدة والضيق وبأهون الأسباب بل بما لايخطر على بال أحد ... ولكن أين الإيمان ؟؟ ياهل ترى هل تستطيع أكبر القوى وأعظم الجيوش والدول بما أوتيت من تكنولوجيا وأسلحة نووية وجرثومية وعابرات للقارات وأقمار تجسس ، هل تستطيع أن تثبت على سبيل المثال أما طوفان يرسله الله عليهم فيغرقهم هم وأسلحتهم ومعداتهم ؟! أو ريحا عاتية ذات أعاصير فتقتلعهم وتهلكهم ؟ أو حشرة صغيرة تفتك بهم فتلقيهم صرعى ؟!! إن الله قوي عزيز لايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .

ثم عد إلى الآيات لترى التصوير القرآني البليغ في وصف حالة الخوف والهلع التي بلغت بالمسلمين في ذلك اليوم العصيب حينما تكالبت قوى الشر وتحالفت على حرب المسلمين وهم قلة لايتجاوز عددهم ثلاثة آلاف مجاهد أمام إثني عشر مقاتل جاؤا من كل حدب وصوب ( وإذ زاغت الأبصار ) أي مالت حيرةً وشخوصاً لشدة الهول والرعب (وبلغت القلوب الحناجر) أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى كادت تخرج من الحناجر ( وتظنون بالله الظنونا) أي وكنتم في تلك الحالة الشديدة تظنون الظنون المختلفة وهي مجرد خواطر وإلا فهم مؤمنون بوعد الله ، ولكن المنافقين كانوا يظنون ظن السوء ويقولون ماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا. (هنالك ابتلي المؤمنون) أي امتحنوا واختبروا ليتميز الصادق من المنافق ( وزلزلوا زلزالاً شديدا) أي وحركوا تحريكا شديداً حتى كأن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم ، ولكنهم ثبتوا وسلموا أمرهم لله وقدموا أرواحهم فداءً لدين الله ، فلما علم الله صدق إيمانهم نصرهم بنصر من عنده ( وماالنصر إلا من عند الله ) .وإن ينصركم الله فلاغالب له. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن على المسلمين بنصر من عنده وأن يثبت أقدام المجاهدين في سبيله وأن ينصر الفئة القليلة على الطغمة الكافرة وأن يرد كيد الظالمين في نحورهم وأن يجعل الدائرة عليهم وأن يجعل بأسهم بينهم شديد وأن يرينا فيهم عجائب قدرته ، اللهم يامنزل السحاب وياهازم الأحزاب اهزم أحزاب الكفر، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم ، اللهم إنهم لايعجزونك فاهزمهم شر هزيمة ياعزيز ياقوي ، اللهم لاترفع لهم راية واجعلهم لمن خلفهم آية ، اللهم أعلي راية الجهاد وأدحض أهل الزيغ والفساد ، اللهم امنن علينا بنصر تقر له عيوننا وتشف به صدور قوم مؤمنين إنك سميع مجيب وبالإجابة جدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:46 AM
يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله كثيرا



قال الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً، وسبحوه بكرة وأصيلا
هذه الآية وغيرها من عشرات الآيات في كتاب الله تحض على الذكر، وفي السنة النبوية عشرات بل مئات الآحاديث في فضل الذكر والحث عليه فماهو السبب ياترى؟ ولماذا أولى الله تعالى ورسوله الذكر كل هذا الإهتمام وهذه العناية ؟ قبل الإجابة على هذا السؤال المهم دعونا نستعرض بعضا من الآيات والآحاديث التي وردت في الذكر. يقول الله تعالى: واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. ويقول تعالى: ولذكر الله أكبر. ويقول تعالى: واذكر ربك إذا نسيت . ويقول تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب. ويقول تعالى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم. ويقول تعالى: ياأيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. ومن الآحاديث قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم" قالوا : بلى يارسول الله. قال: " ذكر الله عز وجل" رواه أحمد في المسند وقال عليه الصلاة والسلام " ماعمل آدمي عملاً قطُ أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل". رواه أحمد في المسند أيضاً. وفي الترمذي أن رجلاً قال يارسول الله أن شرائع الإسلام قد كثرت عليَ، وأنا قد كبرت، فأخبرني بشيء أتشبث به. قال: لايزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى". هذا غيض من فيض من الآيات والآحاديث في فضل الذكر والحث عليه ولنقرأ الآن ماقاله الإمام ابن القيَم حول موضوع الذكر لنتبين سبب أهميته يقول رحمه الله "" في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وقال رجل للحسن البصري رحمه الله : يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي قال أذبه بالذكر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة ، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار ، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل و " الذكر شفاء القلب ودواؤه ، والغفلة مرضه وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله تعالى قال مكحول ذكر الله تعالى شفاء ، وذكر الناس داء " إذن أيها الأخوة سر الإهتمام بالذكر هو لأنه حياة القلوب فيه به تكون حية ومن غيره فهي موات لاخير فيها. والقلب هو أهم مافي الإنسان لأنه محل الإيمان. جاء في الحديث: ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب. فبالذكر يحيا القلب ويصلح ويصبح مهيأ لتلقى أوامر الله واتباع هديه فيكون في ذلك سعادة ابن آدم . والسؤال الآهم : كيف حالنا مع الذكر؟ هل نحن من الذاكرين الله تعالى كثيراً ؟ وينبغى أن نركز على كلمة كثيراً كثيراً. ! هل لنا أوراد في الصباح وفي المساء نداوم عليها كل يوم؟ هل نحفظ شيئاً من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم نرددها في أوقاتها؟ هل لنا حزب يومي من كتاب الله نحرص على تلاوته ولايلهينا عنه شغل أو لهو؟ هل نسبح ونهلل ونكبر ونحمد الله إذا كنا في خلواتنا؟ إذا كانت نعم فالله الحمد والمنة وإن كانت الأخرى فمتى اليقظة من الغفلة ياعبد الله؟إلى متى؟إلى متى؟ أترضى أن تكون كالميت؟ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لايذكر ربه مثل الحي والميت-رواه البخاري

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:46 AM
لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خير منهم


يقول الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولانساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن ولاتلمزوا أنفسكم ولاتنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون "


سبحان الله العظيم ... الذي يرى حالنا لايكاد يصدق أن هذه آية في قرآننا نزلت علينا نحن المسلمين بكل ماتحمل من تحذير ونهي شديد عن هذه السلوكيات الذميمة ولا يكاد يصدق أننا نتلوها فلانتأملها وتطرق أسماعنا ولكن لانعيها بكل أسف. أقول لايكاد يصدق وهو يرى مانحن فيه من مخالفة صريحة لهذا النهي الإلهي فهاهم المسلمون يسخر بعضهم من بعض وينتقص بعضهم بعضاً ، كل أهل بلد يرون أنهم أفضل من أهل البلاد الأخرى ، وكل أبناء قبيلة يرون أنهم أفضل من بقية القبائل الأخرى. ومن هنا تنشأ السخرية والتعالي والنظرة المتنقصة وكثيرا مانسمع كلمات الهمز واللمز والنكت والتعليقات الجارحة تطلق على قبيلة أوقبائل معينة أوعلى جنسية من الجنسيات ، فجماعة تسخرون من جماعة أخرى ويطلقون عليهم النكات والتعليقات التي يتهمونهم فيها بالغباء ، وآخرون يعتبرون أنفسهم أفضل من أهل البلد الفلاني لأنهم أغنى منهم وأولئك فقراء وأولئك يسخرون من هؤلاء بأنهم بدو جهلة غير متعلمين وآخرون ينتقصون أقواماً بسبب أنهم يرون أنهم أفضل منهم حسباً ونسباً وآخرون يسخرون من أناس بسبب ألوانهم وغيرها من المسببات الواهية التي لاتولد إلا الكره والبغض والحقد والحزازيات التي تزيد الفرقه وتشق الصف وتورث البغضاء بين المسلمين الذين ينبغي أن يكونوا أمة واحدة على قلب رجل واحد يسعى بذمتهم أدناهم.
ونظراً لأن هذا الأمر خطير وأن عاقبتهم سيئة فقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى منه ونادانا بنداء الإيمان ياأيها الذين آمنوا : نداء تلطف ورحمة أي يامن اتصفتهم بهذه الصفة العظيمة التي اجتمعتم عليها وانظويت تحت لوائها صفة الإيمان لاالحسب ولاالنسب ولاالمال ولاالجاه ولااللون ولاغيرها لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً أي لايهزأ جماعة بجماعة ، ولايسخر أحد من أحد فقد يكون المسخور منه خيراً عند الله من الساخر ولانساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن وأيضا لايسخر نساءٌ من نساءٍ فعسى أن تكون المحتقرة خيراً عند الله وأفضل من الساخرة ولاتلمزوا أنفسكم ولاتنابزوا بالألقاب أي ولايعب بعضكم بعضا ولايدع بعضكم بعضاً بلقب السوء وإنما قال أنفسكم لأن المسلمين كنفس واحدة بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان أي بئس أن يسمى الإنسان فاسقاً بعد أن صار مؤمناً، قال البيضاوي وفي الآية دليل على أن التنابز فسق وأن الجمع بينه وبين الإيمان مستقبح وفي الحديث : (يامن آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لاتغتابوا المسلمين ولاتتبعوا عوراتهم ‘ فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته ومن يتّبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته) أخرجه الحافظ . وختم الآية بقوله تعالى: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون أي ومن لم يتب عن اللمز والتنابز فأولئك هم الظالمون حيث أنهم قد ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب بسبب إقحامها في معصية الله وارتكاب ماحرم عليها. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحرم أجسادنا وأجسادكم ولحومنا ولحومكم على النار وأن يعف ألسنتنا عن أعراض المسلمين وأن يحفظ ألسنتنا من الغيبة والنميمة ومساوئ الأخلاق وأن يعفو عن خطأنا ونسياننا وأن يلهمنا رشدنا ويغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا في الدنيا والآخرة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:47 AM
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس



يقول الله تعالى: ( ولقد ذرأنا لجنهم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لايفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان
لايسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضل أولئك هم الغافلون
تهديد ووعيد للغافلين عن الله ، اللاهثين خلف أهوائهم وشهواتهم ، الذين آثروا الحياة الدنيا وباعوا آخرتهم الباقية بدنيا فانية الذين جعلوا الآخرة خلف ظهورهم والدنيا نصب أعينهم ، هي قبلتهم وغاية آمانيهم، يوالون ويعادون من أجلها ، حبها تمكن من قلوبهم وذكرها يجري على ألسنتهم آناء الليل وأطراف النهار ولايذكرون الله إلا قليلاَ. تطرب أسماعهم لسماع أخبارها وإذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم، جند بالنهار ركبان بالليل ولكن ليس في سبيل الله ، همم عالية وطموحات دونها الثريا ولكن ليس في ذات الله. وإذا أتت وقت الطاعة وساعة العبادة رأيتهم أكسل الخلق . أولئك هم حطب جهنم .. نعوذ بالله من الغفلة
فياعبد الله يامن تنام عن الصلوات المكتوبات يامن تؤخر الظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء والفجر إلى مابعد طلوع الشمس إلى متى الغفلة؟ إلى متى الغفلة؟ أما قرع قلبك وعيد الله : ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون؟
وياعبد الله يامن تظلم الخلق وتأكل حقوق الناس بالباطل إلى متى الغفلة؟ يامن تأكل الربا وتستحل الحرام إلى متى الغفلة؟
ويا من تطلق بصرك في الحرام وتقلب نظرك في وجوه الحسان إلى متى الغفلة؟
يامن أرخيت سمعك للمعازف وتعلق قلبك بالطرب وسماع الغناء إلى متى الغفلة؟
ويامن خلا قلبه من ذكر الله وسماع كلام الله إلى متى الغفلة؟ يامن هجرت كتاب الله متى تعود إليه؟
ويامن تقرأ هذا الكلام وتعترف كما أعترف أنا بالتقصير دعني اسأل نفسي واسألك إلى متى الغفلة؟
اللهم إنا نسألك التوبة والعودة إليك ، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً . اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها، اللهم لاتجعل الدنيا أكبر همنا ولامبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا. اللهم حرم جلودنا وأجسادنا على النار

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:47 AM
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون


يقول الله تعالى : " الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايُفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"
نعم أننا نحسب أننا لانفتن ! إن لم يكن هذا بلسان المقال فلسان الحال يقول ذلك ، والدليل على ذلك أن أعمالنا ( إلا من رحم الله ) لاتدل على أننا نخشى أن نفتن في ديننا ولم يظهر علينا أننا قد أعددنا العدة لذلك ، لذا فإن هذه الآية تقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم ، كيف لا ؟ فمن منا يأمن أن لايخذله إيمانه ساعة أن يفتن فيزل ويخسر دينه وآخرته ويكون والعياذ بالله من الخاسرين وذلك هو الخسران المبين . أخي الكريم أنه لامنجي من الفتنة إلا الإيمان بالله والصدق في التوجه والقصد والإخلاص لله تعالى والإستعداد لتحمل المشاق في سبيل ذلك والتضحية بالغالي والنفيس من أجل هذه العقيدة التي تحملها بين جنبيك ولو كان الثمن روحك التي هي أغلى لديك من كل شيء.
ولأن الجائزة هي الجنة ، والجنة غالية فلا بد أن يكون الثمن غالٍ ولايمكن أن ينالها إلا من يستحقها وقد قضى الله سبحانه تعالى على عباده أن يمتحنهم فيكافيء صادقي الإيمان بالجنة ويبعد أصحاب الهوى والشهوة وعباد الدنيا عنها وهذا الإبتلاء والتمحيص والإختبار هو المدار الذي تدور عليه الحياة قال تعالى : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا . والشاهد قوله : ليبلوكم أي ليمتحنكم وليمحصكم . قد يكون هذا الإبتلاء في الحياة الدنيا بالفتن : فتنة المال أو فتنة النساء أو فتنة الأبناء أو فتنة المنصب أو الجاه وقد يكون الإبتلاء بالتباس الحق بالباطل فلا يستطيع ضعيف الإيمان أن يفرق بينهما فيقع في الباطل ويزل أو قد يكون الإفتتان ساعة الإحتضار حينما يتهيأ الشيطان للإنسان على هيئة أمه أو أبيه -كما ورد في الحديث - ويحاول أن يصرفه عن دينه يقول له أنا أبوك مت على النصرانية أو اليهودية فهي الدين الحق ولايزال به حتى يصرفه عن الدين الحق فإن كان صعيف الأيمان فقد يموت على غير دين الإسلام والعياذ بالله.
ونعود الآن إلى تفسير الآيات : ألم : وتقرأ : ألف لآم ميم : والحروف المتقطعة في أوائل السور تأتي للتنبه على إعجاز القرآن. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون : إستفهام إنكاري أي أظن الناس أن يتركوا من غير افتتنان لمجرد قولهم باللسان آمنا ؟ كلا لابد من الإيتلاء والتمحيص. وفي بيان هذا الأمر تطمين للمؤمنين كي يوطنوا أنفسهم على الصبر على البلاء والأذى وأن يثبتوا على الإيمان. ولقد فتنا الذين من قبلهم : أي ولقد اختبرنا وامتحنا من سبقهم بأنواع التكاليف والمصائب والمحن ، قال البيضاوي : والمعنى أن ذلك سنة قديمة ، جارية في الأمم كلها ، فلاينبغى أن يتوقع خلافه . فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين : أي فليميزن الله بين الصادقين في دعوى الإيمان وبين الكاذبين .
فماذا أعددت ياعبدالله لهذا الإمتحان الذي هو آتٍ لامحالة ؟ هل أعددت له إيماناً راسخاً كرسوخ الجبال ؟ أم اعددت له يقيناً صادقاً صلباً كالحديد لايلين ؟ أم هل أعددت لذلك الإمتحان قلباً عامراً بذكر الله مشرقاً بنور القرآن ولساناً تالياً لآيات الله آناء الليل وأطراف النهار؟ أم قد استعديت له بصيام الهواجر وقيام الليل ؟ أم بالصدقة والسعي على الفقراء والأرامل والأيتام والمحتاجين ؟ إذا كان هذا شأنك فهنيئاً لك بالنجاح والفوز بالجنة إن شاء الله ، وإن لم يكن عندك شيء من ذلك فتدارك نفسك فإنك على خطر عظيم.
اسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمن علينا بعمل صالح يرضيه عنا ويكتب لنا به النجاة من عذابه والفوز بجناته وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يرينا الحق حقاً ويزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأن لايجعله ملتبساً علينا فنضل إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:48 AM
ومن يتق الله يجعل له مخرجا


قال الله تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لايحتسب)

هذا كلام الله تعالى الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وليس قول أحد من البشر، وهو سبحانه وتعالى إذا قال فإن قوله الحق. هذه الآية العظيمة جاءت على سياق شرطي فعل شرط وجواب شرط: من يتق الله يكون جزاؤه أن يجعل الله له مخرجاً وأيضاً يرزقه من حيث لايعلم ولايحتسب. فمتى ماتحقق فعل الشرط وهو التقوى تحقق جوابه وجزاؤه. وياله من جزاء عظيم ومكسب كبير ولكن كيف الطريق إلى التقوى أيها الأخوة؟ بل ماهي التقوى أولاً؟ إنها بعبارة مختصرة : كلمة جامعة لكل خير، هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه والوقوف عند حدوده. لذا كانت التقوى هي وصية الله للأولين والآخرين ووصية كل رسول لقومه إن اتقوا الله لأن فيها السعادة في الدنيا والآخرة وفيها النجاة والمخرج من الشدائد والأزمات.

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بها الصحابي الجليل أبا ذر رضي الله عنه فقال له:" اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن". والتقوى لاتتقيد بمكان ولازمان ولكن المحك الحقيقي لها في الخلوات فالتقي هو من يصرف بصره عن الحرام ولو لم يره أحد والتقي من يتعفف عن أكل الحرام ولو لم يطلع عليه أحد لأنه يعلم علم اليقين أن الله يراه ولأن مراقبة الله وتقوى الله حاضرة في ذهنه في كل حين . والتقوى موضعها القلب يقول صلى الله عليه وسلم: التقوى هاهنا ويشير إلى صدره" وتظهر آثارها على الجوارح بعمل الطاعات وإجتناب المحرمات.

فليفتش كل منا عن تقواه وليزن نفسه بميزان التقوى فعلى قدر تقواه وخوفه من الله وخشيته له يكون إيمانه. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:48 AM
لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد


يقول الله تعالى : " لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. لكن الذين أتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وماعند الله خير للأبرار".
حينما يتسلل الإحباط واليأس إلى نفس المؤمن وهو يرى ماعليه الكفار اليوم من التمكين في الأرض ومايملكونه من القوة والهيمنة ، وعندما يرى جيوشهم وعددهم وعتادهم، ويرى صناعاتهم وتقنيتهم فينتابه شعور بالنقص إزاء ماحققه القوم من رقي وتقدم في عالم الحضارة والمدنية ويصبح متأرجح التفكير في حاضر ماثل للعيان يجسد ضعف أمة الإسلام وهوانها بين الأمم ، تأتي هذه الآية الحكيمة كالبلسم الشافي تعيد إلى نفس المؤمن توازنها وتشعره بالعزة وتضع الأمور في نصابها في بيان حقيقة ومصير أولئك القوم ومآلهم الذين سيصيرون إليه فتتحقق له الطمأنينة ويستشعرعزة الإسلام ونعمة الإيمان التي أمتن الله بها عليه يوم أن جعله مؤمناً بالله موحداً له ومنزهاً له عن الشرك.
إنهم مهما بلغوا من الرقي ومن التطور ومهما ملكوا من الدنيا فإنه ... متاع قليل .. هكذا سماه رب العالمين العليم الخبير .. متاع وقليل أيضا .. نعم إنه متاع إذا ماقورن بنعيم الآخرة الذي سيحرمون منه . هبهم حازوا الدنيا بأكملها جوها وبرها وبحرها وبسطوا نفوذهم على أقطارها وتنعموا بملذاتها وتمتعوا بشهواتها دونما منغصات أو كوارث ، هبهم عمروا فيها مئات السنين ! ثم ماذا بعد ذلك ؟ جهنم وبئس المهاد ! أليس إذن ماكانوا فيه إنما هو مجرد متاع قليل سرعان ماتذهب لذته وتزول شهوته .. لقد خسروا بكفرهم كل شيء ولن يغني عنهم ماهم فيه في الدنيا شيئاً يوم القيامة ، يقول تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين) ويقول تعالى :( ولو أن للذين ظلموا مافي الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون). أفبعد هذا يغبطهم عاقل على ماهم فيه من التنعم ورغد العيش وماهم فيه من القوة والسيطرة والتمكين رغم مايشوب ذلك كله من المنغصات والمكدرات ؟! وهذا ليس من قبيل الدعوة إلى الركون إلى الكسل والدعة والتخاذل عن السعي للكسب ولعمارة الأرض ولكن القصد منه رفع معنويات المؤمن وتبصيره بحقيقة الأمور وأنه أعز وأكرم عند الله وإن ناله شيء من الذل والهوان والضعف في الحياة الدنيا.
إن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة وأن النعيم الحقيقي هو نعيم الجنة والفوز الحقيقي هو الفوز بالجنة والنجاة من النار فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ومالحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ثم تُختم الآية الكريمة بما تننشرح له نفوس المؤمنين وتسر أفئدتهم له وتزهدهم بمافي أيدي أعدائهم وتزيدهم شوقاُ إلى ماعند الله والدار الآخرة وتحفزهم على العمل من أجل النعيم الحقيقي في الحياة الحقيقية فيقول تعالى : لكن الذين أتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عند الله وماعند الله خير للأبرار. رضينا ربنا رضينا .. اللهم لاعيش إلا عيش الآخرة ولاحياة إلا حياة الآخرة . اللهم إجعلنا من أبناء الآخرة ممن لاخوف عليهم ولاهم يحزنون وارزقنا اللهم من العمل ماتبلغنا به جنتك ومن اليقين ماتهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ماأحييتنا وأجعله الوارث منا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:49 AM
ومن الناس من يشري نفسه


قال الله تعالى:" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد".

نزلت هذه الآية الكريمة في صهيب الرومي رضي الله عنه، حينما تخلى للمشركين في مكة عن كل مايملك مقابل أن يخلون سبيله ليلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، احتجزوه ومنعوه من الهجرة وقال قائلهم ياصهيب جئتنا صعلوكاً لاتملك شيئاً، وأنت اليوم ذو مال كثير! - يساومونه- فقال لهم رضي الله عنه: أرأيتم إن دللتكم على مالي هل تخلون سبيلي؟ قالوا : نعم . فدلهم على ماله بمكة ثم انطلق مهاجراً في سبيل الله لايلوي علىشيء تاركاً كل مايملك خلف ظهره وهاجرا إلى الله ورسوله ، فلما وصل المدينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عليه الصلاة والسلام مهنيئاً له على حسن صنيعه: "ربح البيع أبا يحيى ربح البيع " فلله در صهيب شرى نفسه طلباً لرضوان الله تعالى. هكذا تكون التضحية وإلا فلا ! هذا صهيب وهذا فعله الذي غدا قرآناً يتلى إلى يوم القيامة فماذا قدمت أنا؟ وماذا قدمت أنت أخي الحبيب طلباً لمرضات الله؟ ماذا قدمنا من أموالنا في سبيل الله ؟ ماذا قدمنا من أوقاتنا في سبيل الله؟ هل تنازلنا عن شيء ولو يسيرمن شهواتنا وملذاتنا من أجل الله؟ بل كم قد تنازلنا عن إيماننا من أجل دنيانا ؟ أنرقع دنيانا بتمزيق ديننا؟! كيف لوخيرنا بين أموالنا وبين ديننا؟ أو بين أهلينا وبين إيماننا؟

اللهم سترك ياستير ، اللهم لاتفضحنا؟ ولا تمتحنا في إيماننا وتولنا برحمتك ياأرحم الراحمين. هذا حالنا أيها الأخوة ونحن نرجو الجنة ونطمع في نعيم الآخرة ونطمح إلى الدرجات العلى والمنازل الرفيعة بجوار الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ولانريد أن نقدم ولو جزءً يسيراً من الثمن. يقول الله تعالى: الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:49 AM
إن زلزلة الساعة شئ عظيم


يقول الله تعالى : " ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم . يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد "

أخي الكريم عد معي بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، إلى إسبوع مضى إلى تلك الأحداث والمشاهد التي لاشك أنها لم تبرح مخيلتك بعد ، وكيف كان شعورك وأنت تنظر إلى تلك المناظر وكيف كان الرعب والخوف يتملك قلبك وأنت على بعد آلاف الأميال منها، وهكذا كان حال معظم من شاهدها من جميع أقطار المعمورة ، وكيف كان حال القريبين من موقع الحدث ورأيت بعينيك ماصاحب تلك الأحداث من مشاهد الخوف والفزع والهلع الذي أصابهم وقد تملكهم الخوف وانطلقوا في كل حدب وصوب لايلوون على شيء في منظر مرعب مخيف ، سحب الدخان الداكن الكثيف تنتشر بسرعة وألسنة للهب مثل الجبال والناس يتساقطون من أعالي المباني والهدم والدمار والصراخ والعويل.

أخي الكريم : هل ذكرك ذلك المشهد بمشهد يوم القيامة الذي جاء وصفه في كتاب الله وفي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وبالتحديد هل وقفت مرة عند هذه الآية وتأملتها وتخيلت المشاهد التي جاءت فيها ؟ إن ماشاهدناه من صور مرعبة وأحداث مهولة لاتعدل معشار أهوال يوم القيامة وأحداثها. كيف لا ؟ هذا دمار محدود ويوم القيامة سوف يكون الدمار في كل أرجاء الكون ، الأرض سوف تتزلزل من تحت الأقدام، المباني الشاهقة سوف تسقط وتتهدم ، والمصانع القائمة سوف تشتعل فيها النيران، والبحار وماأدراك مالبحار سوف تتحول إلى نيران مشتعلة ، والجبال الراسية سوف تكون كالعهن المنفوش وهو القطن المتطاير في الهواء. يالها من مشاهد تتقطع القلوب من ذكرها فمابالك بمشاهدتها ومعايشتها ؟ اللهم رحماك رحماك يارب .. ويكفي وصف الله تبارك وتعالى لتلك الزلزلة بأنها شيء عظيم : إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، يحذرنا سبحانه وتعالى وهو العالم بأحوالنا الرحيم بنا يحذرنا من شر ذلك اليوم ويوجه الخطاب إلى الناس وليس للمؤمنين فحسب بل لكل البشر : ياأيها الناس اتقوا ربكم أي خافوا عذاب الله وأطيعوه بإمتثال أوامره واجتناب نواهيه إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم : تعليل للأمر بالتقوى أي أن الزلزال الذي يكون بين يدي الساعة أمر عظيم وخطب جسيم يوم ترونها : أي في ذلك اليوم العصيب الذي تشاهدون فيه تلك الزلزلة وترون هول مطلعها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت : أي تغفل وتذهل مع الدهشة وشدة الفزع كل أنثى مرضعة عن رضيعها ‘ فإذا رأت ذلك المنظر نزعت ثديها من فم طفلها وفرت عن أحب الناس إليها وهو طفلها الرضيع !! وتضع كل ذات حملٍ حملها : وتسقط الحامل مافي بطنها من هول الفاجعة وشدة الواقعة ، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى: أي تراهم يترنحون ترنح السكران من هول مايدركهم من الخوف والفزع وماهم على الحقيقة بسكارى من الخمر ولكن عذاب الله شديد : أي أن أهوال الساعة وشدائدها أطارت عقولهم وسلبت أفكارهم.

أخي الكريم : دعنا نتساءل (أنا وأنت ) ماذا أعددنا لأهوال يوم القيامة ؟ أم أن عندنا شك في هذا الكلام ؟ كلا ، إنه كلام ربنا الحق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه ووالله أن ماذكره لنا في كتابه وماصوره لنا من تصوير ووصفه لنا من وصف سوف يقع بتفاصيله وصوره لامحالة ، فالله الله في العمل والإستعداد لتلك الأهوال ، فلا منجي والله إلا الله ولا ينفع الإنسان إلا ماقدم ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. الأيام تمضي والساعات تمر والعمر يتقدم والساعة تقترب وعلاماتها الصغرى قد اكتملت والكبرى بوادرها على الأبواب وإذا جاءت أولاها تلتها أخواتها كما تنخرط حبات المسبحة إذا ماانفرط عقدها، فماذا أعددنا لها ؟ كم هو موجع هذا السؤال ولكنه مفيد مادمنا في ساعة الفسحة وزمن المهلة ! نعم ماذا أعددنا لها من أعمال صالحة ؟ جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال يارسول الله متى الساعة ؟ قال: ماذا أعددت لها ؟... نعم إي والله ماذا أعددنا لها ؟! أعمارنا محسوبة وأيامنا معدودة وكل ساعة محاسبون عليها فماذا أعددنا ؟ هل ننتظر حتى يداهمنا الموت (وماأقرب الموت) حتى نبدأ العمل ؟ إذن اسمع قول الحق تبارك وتعالى : حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب إرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:50 AM
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار



قال الله تعالى: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ماخلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار سبحانك فنا عذاب النار".



روي أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها سئلت عن أعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت ثم قالت: كان كل أمره عجباً، أتاني في ليلتي التي يكون فيها عندي، فاضطجع بجنبي حتى مس جلدي جلده، ثم قال: ياعائشة ألا تأذنين لي أن أتعبد ربي عز وجل؟ فقلت: يارسول الله: والله إني لأحب قربك وأحب هواك- أي أحب ألاّ تفارقني وأحب مايسرك مما تهواه- قالت: فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي ويتهجد فبكى في صلاته حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الفجر، رآه يبكي فقال يارسول الله: مايبكيك وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وماتأخر؟ فقال له: ويحك يابلال، ومايمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة هذه الآيات : (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ....) فقرأها إلى آخر السورة ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها.

هذه الآيات التي أبكت نبينا صلى الله عليه وسلم أيها الأحبة وأقضت مضجعه ولم تجعله يهنأ بالنوم في ليلته تلك فكان يقرأها في صلاته ويبكى قائماً وساجداً وبكى وهو مضطجعاً، نعم إنها لآيات عظيمة تقشعر منها الأبدان وتهتز لها القلوب ، قلوب أولى الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض وليست كل القلوب كذلك ! فهلا تفكرنا في ملكوت الله ؟ وهلا أكثرنا من ذكر الله ؟ واستشعرنا عظمته سبحانه وتعالى ؟ لو فعلنا ذلك لبكينا من خشية الله عند سماع أو قراءة هذه الآيات ولكن لله المشتكى من قسوة في قلوبنا وغفلة في أذهاننا. اللهم أنر قلوبنا بنور القرآن ، اللهم إنا نسألك قلباً خاشعا ولساناً ذاكرا وقلباً خاشعاً وعلماً نافعاً وعملاً صالحاً.

أيهاالأحبة بقى أن أذكركم أن هذه الآيات هي الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران وهذه الآية التي أوردناها هي أول آية فيها.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:50 AM
ولا يزال الذين كفروا تصيبهم قارعة بما صنعوا


يقول الله تعالى : " ..ولايزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لايخلف الميعاد"

صدق الله العظيم : مافرطنا في الكتاب من شيء .. سبحان الله كأن هذه الآية ما أنزلت إلا في القوم ومايعيشونه من أحداث في هذه الساعات!. ولاغرو فكتاب الله صالح لكل زمان ومكان. هاهي النكبات والرزايا تتوالى عليهم ، تنال مصالحهم في الخارج وتقع قريبا من ديارهم هنا وهناك وأخيرا هاهي تقع في عقر دارهم قارعة داهية منذرة فهل يستيقظون وهل يتنبهون إلى عاقبة ظلمهم وعدوانهم ومساندتهم للظالم المعتدي على المظلوم البريء ؟ أم يستمرون في غيهم وجبروتهم وطغيانهم حتى يأتي وعد الله ؟ إن الله لايخلف الميعاد.

لا إله إلا الله من يصدق ماجرى ؟ ومن كان يتوقع أن يقع ماوقع ؟ ولكن لعلها دعوة مظلوم من أرض الإسراء والمعراج ، من يدري ؟ لعلها دعوة حرى صدرت من قلب أب مكلوم على فقد فلذة كبده، جفاه الكرى وأقض مضجعه الفراق، فقام في آخر الليل يصلي ويدعو ، أو لعلها زفرة أم ثكلى بفقد وليدها، تفطر فؤادها من البكاء وسالت دموعها كالأنهار فلم تجد لها ناصراً إلا الله ولم تكن لها حيلة إلا الدعاء فانطلقت منها في جنح الظلام دعوة من القلب ممزوجة بالدموع والآهات فصادفت ساعة استجابة فكان ماكان .. ألم يخبر الصادق المصدوق الذي لاينطق عن الهوىعليه الصلاة والسلام : أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. من يدري ربما يكون هذا هو السبب في ماجرى؟!

ولكن هل يعي القوم هناك أن هذا بسبب ماجنته أيديهم وأقترفته أسلحتهم التي يمدون بهذا الباغي المعتدي ليقتل الأبرياء ؟

هل يتعظون بعد أن ذاقوا ألم الظلم ساعة من نهار ؟ - لاشك أن ماوقع لأولئك القوم الذين ذهبت أرواحهم إنما هو من الظلم .. لأنهم أبرياء لاذنب لهم - ولكن ماأكثر المظلومين في العالم وماأكثر الظالمين وأعوانهم !

هل يتعظون بعد أن تجرعوا هذا الدرس القاسي وشربوا من نفس الكأس وعانوا من ألم المأساة ؟ فيكفوا عن نصرة الظلمة من أبناء القردة والخنازير ؟

نعم إنه درسٍ قاسٍ ولكن من الآن فصاعداً سوف يكون من السهل على كل أم فقدت وحيدها في هذه المأساة أن تتذكر أم محمد الدرة وأن تتخيل كيف نامت تلك الليلة، ليلة فراق فلذة كبدها ..وأن تحس بمعاناة أم الطفلة إيمان البريئة التي لم تتجاوز شهورها الستة وأن تعرف كيف كانت تصارع الأحزان .. آه ماأصعب الظلم!

ومن الآن لن يكون من الصعب على اولئك الذين ناموا في العراء أن يحسوا بمأساة المشردين في أنحاء العالم .. وغيرها من المآسي التي كانت بلادهم ضليعةً فيها ..إن تهديم المنازل .. والبكاء .. والفراق .. والترمل .. واليتم ..والجنائز ..والدماء .. والموت .. والعزاء .. كلها من مفردات الظلم والقهر .. مرت بالقوم ليلة وذاقوا مرارتها .. فهل يتذكرون أنها أصبحت جزءً من حياة أقوام هنا وهناك تنام حيث ينامون وتقيل حيث يقيلون .. يتسلى العالم بمشاهدة أخبارهم على القنوات كما يتسلى برؤية الأفلام دون أن يحرك ساكنا أو ينطق بكلمة حق على أقل تقدير . فهل يتحرك الآن بعد أن عايش المشهد على وجه الحقيقة؟!

ألا لعنة الله على اليهود ماأكثر ماعاثوا في الأرض الفساد .. إنهم أسباب المآسي في العالم .. أججوا العنف وأذكوا روح العداء بين الشعوب وأحلوا الدمار مكان البناء واشاعوا الخوف بدل الأمن .. وصدق الله القائل : لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داؤد وعيسى بن مريم بماعصوا وكانوا يعتدون.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:51 AM
ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون


يقول الله تعالى : " ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعي رؤوسهم، لايرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء.".

آية تهديد ووعيد ولكن ما أعظم مافيها من شفاء لقلوب المظلومين وتسلية لخواطر المكلومين، فكم ترتاح نفس المظلوم ويهدأ خاطره حينما يسمع هذه الآية ويعلم علم اليقين أن حقه لن يضيع وأنه سوف يقتص له ممن ظلمه ولو بعد حين. وأنه مهما أفلت الظالم من العقوبة في الدنيا فإن جرائمه مسجله عند من لاتخفى عليه خافيه ولايغفل عن شئ . والموعد يوم الجزاء والحساب، يوم العدالة، يوم يؤخذ للمظلوم من الظالم، ويقتص للمقتول من القاتل " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لاظلم اليوم" ولكن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار" أي تبقى أبصارهم مفتوحة مبهوتة، لاتتحرك الأجفان من الفزع والهلع، ولاتطرف العين من هول ماترى، "مهطعين مقنعي رؤوسهم رؤوسهم، لايرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء" أي مسرعين لايلتفتون إلى شئ ممن حولهم، وقد رفعوا رؤوسهم في ذل وخشوع لايطرفون بأعينهم من الخوف والجزع وقلوبهم خاوية خالية من كل خاطر من هول الموقف. ماأعظم بلاغة القرآن وماأروع تصويره للمواقف حتى كأنك ترى المشهد ماثلاً أمامك.

أخي الحبيب تخيل وأنت تقرأ هذه الآية مصير الطغاة الظلمة ممن انتهكوا أعراض المسلمات وسفكوا دماء الأبرياء وقتلوا الأطفاء وشردوا النساء ، وهدموا المساجد والمنازل تذكر من عاثوا بأرض البوسنة والهرسك والشيشان الفساد ومن أذاقوا أخواننا في فلسطين صنوف العذاب والقهر والظلم ، وتذكر الطغاة الذين يعذبون الدعاة في السجون ويسيمونهم سوء العذاب من أجل أنهم قالوا ربنا الله، تذكر أن الله فوقهم وأنه سوف يقتص منهم وسيرينا فيهم مايثلج صدورنا إن شاء الله ويتحقق لنا موعود ربنا تبارك وتعالى إذ يقول:" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الآرائك ينظرون ،هل ثوب الكفار ماكانوا يفعلون".

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:52 AM
فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة


يقول الله تعالى : "لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم"

كم قرأنا هذه الآية في كتاب الله وكم سمعناها؟ ولكن هل وعيناها؟ وهل تنبهنا إلى مافيها من تحذير ؟ نعم .. إنه تحذير شديد اللهجة ، مصدره ليس أحد من البشر ولا حتى نبي من الأنبياء بل هو صادر عن رب العالمين تبارك وتعالى ، ومن ماذا يحذرنا ؟ إنه يحذرنا من مخالفة أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فللنظر كيف تعاملنا مع هذا التحذير الإلهي العظيم ! وكيف كان موقفنا منه ؟ هل توقفنا عن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهل اتبعنا هديه في كل ماجاء به ؟ فوقفنا عند حدود مانهى عنه وامتثلنا بما أمر به ؟ وقبل الجواب على هذا السؤال دعونا نجري مقارنة بسيطة : تسير بسيارتك في الطريق فإذا بلوحة مكتوب عليها تحذير : منعطف خطير ! فهل تستمر أم تهدئ من سرعتك حتى لاتقع في المنحدر ؟ مثال آخر : تجد لوحة مكتوب عليها تحذير : خطر تيار عال ! فهل تقترب منه وتلمسه بيدك ؟! كلا ..

إذن مابالنا أخي في الله نقرأ تحذير علام الغيوب الذي لاتخفى عليه خافية في الأرض ولافي السماء ومع ذلك نصم آذاننا ونغمض عيوننا ونستمر في طريقنا غير آهبين بما حذرنا منه ؟ !! إن هذا لهو الجنون والتهور والسفه ! أما من كان في رأسه ذرة من عقل فإنه بلاشك سيتوقف عند هذا التحذير بدل المرة الواحدة ألفا من المرات.

كم من المخالفات لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم في حياتنا اليوم ؟ .. أخي الكريم اسأل نفسك هذا السؤال وحاسبها قبل أن تحاسب واعلم أن المولى تبارك وتعالى ماكان ليحذر من شئ إلا وفيه خطر علينا في دنيانا وأخرانا .. يقول تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم، أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا أو ينالهم عذاب شديد في الآخرة. ولعل هذا المخالف يفتتن عند موته ساعة الإحتضار ساعة التنمحيص ساعة أن يتسلط عليه الشيطان فلا يصمد أمام هذه الفتنة فيموت على غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فيختم له بشر فيخسر الخسران المبين ، وقد لايصمد إذا ما أفتتن في قبره وجاءه الملكان يسألانه من ربك ؟ مادينك ؟ ومن نبيك ؟ فينهار أمام هذه الفتنة فلايجيب ... أعاذنا الله وإياكم من فتنة المحيا والممات.

فلابد لكل عقل أن يتفقد نفسه وأن ينظر حوله ويتفحص نهجه وطريقه هل هو موافق لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم أم أنه في وادٍ وهدى خير العباد في وادٍ آخر ؟ الأمر جد خطير والنتيجة لاتظهر إلا في ساعة العسر والشدة فلا يغتر عاقل باستقرار الأمور وهدوء الأحوال فالعبرة بالمآل ومتابعة الصراط المستقيم ، المحجة البيضاء التي أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه تركنا عليها وأنها بيضاء واضحة ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك.

فتش أخي في الله عن أوامر المصطفي صلى الله عليه وسلم في حياتك وانظر كم من المخالفات قد وقعت فيها : انظر في صلاتك ! وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلى ، انظر في هيئتك ، لباسك ؟ كم فيها من المخالفات ماأسفل من الكعبين من الإزار ففي النار . تفكر في بصرك : وانظر ماذا نهيت أن تنظر إليه من الحرام. تفكر في سمعك : وانظر ماذا نهيت أن تستمع إليه من الحرام. تفكر في لسانك: الغيبة النميمة قول الزور، وهكذا سائر أعمالك وتعاملاتك من بيع وشراء وأخذ وعطاء وتعامل مع الأهل والأرحام والجيران والخدم والسائقين وفي كل أحوالك .. تفكر في هذه الأمور وحاسب نفسك في ظل هذه الآية واعمل فيها فكرك فما خلق الله لنا العقول إلا لنتفكر بها ونتهتدي بها إلى الحق والصواب . نسأل الله السلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار ونسأله أن يجعل أقوالنا وأعمالنا موافقة لهدى المصطفى عليه الصلاة والسلام وأن يجعلنا على هديه سائرين وبسنته متمسكين وعلى أثره مقتفين إنه سميع مجيب .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:52 AM
زين للناس حب الشهوات


قال الله تعالى " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة و الأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب. قل أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها، وأزواج مطهرة، ورضوان من الله والله بصير بالعباد".

في هذه الآية العظيمة مقارنة لطيفة بين متاع زائل وبين نعيم دائم ، بين دنيا فانية وأخرى باقية، إنه امتحان ولكنه مكشوف الأوراق ومحدد النتائج ، أمامك اختياران الأول: متاع الحياة الدنيا والثاني: التقوى (للذين اتقوا). والأمر لايحتاج إلى كثير تفكير فأي عاقل لابد أن يختار الخيار الثاني لأن النتيجة هي: جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها، وأزواج مطهرة، ورضوان من الله .

أفهذا خير أم متاع زائل وشهوة عابرة ونشوة زائلة؟! ولكن بما أن المسألة بهذا الوضوح فلماذا يفشل كثير من الناس في هذا الإمتحان؟ لابد أن في الأمر سر. والسر هو في أول كلمة في الآية : زين . فمن المزين ولماذا هذا التزين؟ يرى بعض المفسرين أن المزين هو الشيطان وذلك بوسوسته للإنسان وتحسنه الميل لهذه الشهوات، قالوا ويؤيد ذلك قوله تعالى: "وزين لهم الشيطان أعمالهم.." ويرى البعض أن المزين هو الله تعالى وذلك للإمتحان والإبتلاء، ليظهرعبد الشهوة والهوى من عبد الله ويؤيد ذلك قوله تعالى: "إنا جعلنا ماعلى الأرض زينة لهم لنبلوهم أيهم أحسن عملاً" وكلا القولين له وجه. ومن رحمة الله بنا أنه لم ينهنا عن التمتع بتلك الشهوات بالكلية ولكنه نهانا عن أن نتعلق بها فتشغلنا عن العمل للآخرة ونهانا عن أن نؤثر حبها على حب الله والدار الآخرة فتعمي أبصارنا وتطغينا فنتجاوز حدود الله ونرتكب الآثام من أجلها ونبيع ديننا لتحصيلها.قال تعالى : " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى". ولفتة أخيرة وهي أن في تعداد هذه الشهوات دون غيرها وبالترتيب الوارد في الآية الكريمة لفت نظر لنا وتأكيد على خطر هذه الشهوات المعددة في الآية لنتنبه لها ونحذر منها أشد من غيرها وهي : النساء، والأبناء، والذهب، والفضة، والخيل الأصيلة، والإبل، والبقر، والغنم، والحرث، والزرع. فاللهم لاتجعل الدنيا أكبر همنا ولامبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا واجعل الجنة هي دارنا ومآلنا.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:53 AM
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد


قال الله تعالى : " ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"

هذه وصية الله لنا معاشر المؤمنين، وصية من هو أرحم بنا من أمهاتنا، وأحن علينا من أنفسنا : ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله : أي خافوا الله واحذروا عقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ. أي ليوم القيامة، قال بن كثير: انظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة وسمي يوم القيامة غداً لقرب مجيئه ( وماأمر الساعة إلا كلمح البصر) واتقوا الله : كررها للتأكيد ولبيان منزلة التقوى التي هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين (ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).

ولنقف اليوم مع : ولتنظر نفس ماقدمت لغدٍ ، الغد هو المستقبل الذي نخطط من أجله. ونسعى ونجد ونجتهد ونكدح ليل نهار، وحين نسأل لماذا ؟ يكون الجواب : من أجل تأمين المستقبل، ولكن أي مستقبل هذا الذي نخطط؟!! كلنا يعرف الجواب ! ولااعتراض على أن يخطط الإنسان ويسعى من أجل مستقبله في حياتة الدنيا، ولكن أليس مستقبله الحقيقي هو الآخر جدير بالتخطيط والعمل ؟! كم نمضي من أعمارنا من سنوات على مقاعد الدراسة لتحصيل الشهادات من أجل تأمين المستقبل ؟ وكم نمضي في العمل والوظيفة من أجل جمع المال للمستقبل ؟ ومقابل ذلك كم خصصنا من أوقاتنا من أجل تأمين حياة الآخرة التي هي أطول وأبقى؟ وهي الحياة الحقيقية ؟ أما تستحق منا أن نخطط لها وأن نبدأ في التحضير لها من الآن ؟ أما تستحق أن نبذل من أجلها الوقت والجهد والمال ؟ فواعجباً لإبن آدم يخطط للمستقبل الذي قد لايأتي وينسى مستقبله الآتي لامحالة !

تجد من الناس من نذر نفسه للوظيفة مخلصاً في عمله مجتهداً بكل ماأوتي من قوة يسابق الطير في بكورها ولايخرج إلا متأخراً يعمل بلا كلل ولاملل يشار إليه بالبنان في الجد والإجتهاد ويضرب به المثل في الدوام والإنضباط ولكن إذا بحثت عنه في المسجد لم تجده ! وإذا فتشت عنه بين الصائمين لم تعثر له على أثر ! وإن تحسسته في الصدقة وأعمال الخير من كفالة يتيم أو نصرة مجاهد أو رعاية محتاج أو إيواء مسكين أو إطعام جائع أو كسوة عار لم تجد له فيها سهماً ولادرهما ولاديناراً.

نعوذ بالله من الخسران ومن الذل والهوان.

ولنعد إلى الآية الكريمة ونتأمل لفظ ولتنظر : إن النظر يقتضي الفكر والفكر يقتضي التخطيط والتخطيط يقود إلى العمل والمقصود بالعمل هنا العمل من أجل الآخرة والآخرة خير وأبقى كما أخبر ربنا تبارك وتعالى... فياأخي في الله هل امتثلنا لأمر ربنا وهو العالم بما يصلح حالنا ومآلنا ؟ وهل وقفنا مع أنفسنا وقفة تأمل في لحظة محاسبة وتفكرنا في أعمالنا كم منها نعمله من أجل الآخرة ؟ وهل بإمكاننا أن نقدم أكثر وأكثر؟ هل تفكرنا في أعمال الخير ووضعنا لنا برنامجاً بحيث نضرب في كل مجال منها بسهم. كم قدمنا لآخرتنا من قيام الليل ؟ وكم قدمنا من قراءة القرآن - كنز الحسنات - كل حرف منه بحسنة والحسنة بعشر أمثالها ؟ كم قدمنا من الصدقات ؟ كم قدمنا من الصيام ؟ من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا. كم حجينا وكم اعتمرنا ؟ كم ذكرنا الله ؟ كم هللنا وسبحنا الله وحمدناه وكبرناه في اليوم والليلة ؟ وكم وكم من أبواب الخير وأعمال الآخرة التي كلها سهلة وميسورة وفي متناول الفقير قبل الغني والوضيع قبل الوزير ؟ولكن أين المشمرون؟ أين طلاب الآخرة؟

فاليقظة اليقظة ياعبدالله !! لايأتيك الموت وأنت غافل ساهٍ تركض في حياتك الدنيا تجري وراء متاعها الزائل غافلٌ عن الآخرة والآعمال الصالحة .. حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب إرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:53 AM
ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم ؟!


يالها من آية عظيمه وياله من نداء تهتز له القلوب وتقشعر منه الأبدان.
يوم ينادى عليك أيها الإنسان الفقير الضعيف ماغرك بربك الكريم ؟
ماالذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار ؟
ماالذي خدعك فاقترفت الآثام بالليل والنهار؟
ماالذي خدعك ففرط في حدود الله ؟
ماالذي خدعك فتهاونت في الصلاة ؟
ماالذي خدعك فأطلقت بصرك في الحرام ؟
ماالذي خدعك فلم تخش الله كما كنت تخشى الأنام ؟
أهي الدنيا؟ أما كنت تعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت!
أهي الشهوات؟ أما تعلم أنها إلى زوال؟ وقد زالت!
أم هو الشيطان ؟ أما علمت أنه لك عدو مبين ؟
إذن ماالذي خدعك ؟ أجب ...أجب ... لاعذر اليوم.
لا إله إلا الله ...
أخي الحبيب .. أرأيت ؟ إنها لآية عظيمة وتذكرة مبينة لمن وعاها... كررها بينك وبين نفسك .. قم بها في جوف الليل إذا هجع الأنام وغارت النجوم كررها في ركعتين تلذذ فيهما بمناجاة ربك وكرر ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكلام وتمثل نفسك ماذا تجيب ، تذكر ذنوبك وابك على تفريطك .
أخي الحبيب ... تخيل معي هذا المنظر كأنك تراه واعلم أنه واقع لامحالة وتخيل هذا المشهد المهيب:
إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا البحار فجرت، وإذا القبور بعثرت، علمت نفس ماقدمت وأخرت، ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم،
الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ماشاء ركبك

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:54 AM
يومئذٍ تحدث أخبارها


يقول الله تعالى : "يومئذ تحدث أخبارها "

يخبر تبارك وتعالى أنه في ذلك اليوم العصيب -يوم القيامة- تتحدث الأرض وتخبر بما عُمل عليها من خير أو شر ، وتشهد على كل إنسان بما صنع على ظهرها، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يومئذ تحدث أخبارها" فقال : أتدرون ماأخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال: أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا ، كذا وكذا ، فهذه أخبارها . أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح. وفي الحديث الآخر : تحفظوا من الأرض فإنها أمكم ، وأنه ليس من أحدٍ عاملٍ عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة به. أخرجه الطبراني في معجمه.

ياله من موقف عظيم ولحظات عصيبة في ذلك اليوم الفضيع الذي تتقطع من شدة أهواله القلوب الأبصار شاخصة والقلوب وجلة والأجساد عارية والشمس دانية من الرؤوس _ تقول عائشة رضي الله عنها يارسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : ياعائشة الأمر أفضع من أن ينظر بعضهم إلى بعض .

لا إله إلا الله والله أكبر تخيل ذلك المشهد يوم تتحدث فيه الأرض وكيف سيكون المشهد ؟ لاشك أنه مشهد مخيف .. سبحان الله .. يوم تأتي ساحات الجهاد تشهد للمجاهدين بذل أرواحهم في سبيل الله ويوم تأتي المساجد تشهد لروادها من المؤمنين ركوعهم وسجودهم ويوم تأتي منى وعرفات تشهد للحجاج وقوفهم على عرصاتها ودعاءهم وبكاءهم وتضرعهم .... ولا إله إلا الله .. يوم تأتي المراقص ونوادي الليل تشهد على روادها ماصنعوا على ظهرها من خنا وفجور وسكر وعربدة ويوم تأتي الشواطيء تشهد بماجرى على ظهرها من عري وسفور وزنا وخمور.

يومها ينكشف الستار وتزول الحجب يوم الفضائح ... يومها كيف يكون حال ذلك المسكين الذي كان يجوب الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، يرتكب في كل بقعة معصية ويقارف في كل زاوية فاحشة وكأن الله هناك غير مطلع عليه وأن الأرض هناك ليست أرض الله ؟

عبدالله يامن فرطت في صلاة الجماعة وتكاسلت عن الذهاب إلى بيوت الله تذكر ذلك اليوم .. تذكر : يوم تحدث أخبارها ماذا ستخبر عنك؟ ماذا ستشهد به لك أو عليك؟

ماذا تتمنى وقتها أخي الكريم حينما ترى المساجد تشهد لأصحابها وتشفع لهم أمام رب العالمين يارب شفعني فيه لقد كان قلبه معلق بي، لقد كان من روادي ليل نهار ، يارب طالما سجد فيّ وركع وقام وقعد وقرأ القرآن ، ماتزال تحاج عنه حتى تشفع فيه ويدخل الجنة . هل تتمنى وقتها أنك كنت من روادها في حياتك الدنيا؟ إذن اغتنم مابقي من عمرك من أيام وقدم لآخرتك مايسرك ويبيض وجهك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه قبل أن تندم وتدرك كم كنت مفرطاً، وتتمنى لو تعود إلى الحياة الدنيا من جديد ولكن هيهات هيهات ، يومئذ لايفيد الندم ولاينفع الإنسان إلا ماقدم. فالبدار البدار مادمت في زمن المهلة قبل أن تصبح مرتهن بعملك تحت أطباق الثرى تنتظر الساعة والساعة أدهى وأمر .. أخيًه .. أن الأمر جد لاهزل فيه، وصدق لامراء فيه، فقم مقام الجد ودع عنك الأماني الخادعة وبادر بالأعمال الصالحة واحذر من التسويف فإن سوف من جند إبليس.

اسأل الله لي ولك ولكل المسلمين حسن الختام وطيب المقام وصحبة الأخيار من الأنبياء والأبرار والصالحين الأطهار واسأله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يفقهنا في ديننا ويرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:54 AM
قل إن كان آبائكم وأبنائكم..... أحب إليكم من الله ورسوله


يقول الله تعالى : " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين "
كلما اقرأ هذه الآية أشعر بالخوف والرهبة من هذا الوعيد الشديد. واسأل نفسي هل حبي لله ورسوله وللجهاد في سبيل الله أكبر من حبي لهؤلاء الذين جاء ذكرهم في الآية : الآباء والأبناء والإخوان والزوجة والعشيرة ؟ أرد وأقول نعم إننى أحب الله ورسوله وأحب الجهاد أكبر ولكن هل هذا هو فعلاً واقع الأمر أم أنه مجرد إدعاء؟
هنا تكمن المشكلة ويكمن الخطر الداهم الذي ربما يكون سبباً في تحقق وعد الله فينا : فتربصوا حتى يأتي الله بأمره !
أيها الأخوة ... كيف نحب الله تعالى ورسوله ؟ يقول العلماء اعرف الله حتى تحبه . فكلما زادت معرفة العبد بربه زاد حبه له. وكلما فكر في نعم الله عليه قوي حبه لربه لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. وإذا أردنا أن نعرف كيف يأتي حب الله في قلوبنا فلننظر كيف جاء حب الدنيا في قلوبنا. لقد تمكن حب الدنيا من قلوبنا بسبب انشغالنا بذكرها آناء الله وأطراف النهار حتى تعلقت قلوبنا بزخرفها وزينتها ومباهجها فتمكن حبها من قلوبنا.... مجالسنا تدور الأحاديث فيها حول الدنيا وطرق تحصيلها وأنواع متاعها والجديد من أخبارها وفي المقابل لانذكر الله إلا قليلاً ، كم من أوقاتنا أمضيناه مع كتاب الله وتدبر آياته وتدارس تفسيره ؟ وكم من الوقت أمضيناه في استعراض سير الأنبياء والصالحين وحياة الزهاد والعباد من الصحابة والتابعين ؟ وكم من الوقت أمضيناه في التفكر في نعيم الجنة وحياة القبر والآخرة ... قارن هذا بهذا تجد الجواب ساطعاً سطوع الشمس في رابعة النهار. فهل بعد هذا نلوم أنفسنا لماذا تتعلق بالدنيا وتزهد في الآخرة وتؤثر متاعها الزائل على حب الله ورسوله والدار الآخرة ؟ هل نلوم أنفسنا بعد ذلك لماذا لاتحب قيام الليل ولاتشتاق إلى الجهاد ولاتحب الإنفاق في سبيل الله ولا قراءة القرآن ولاولاولا ...من أعمال الخير.
إنها الدنيا .. لايتمع حبها مع حب الآخرة في قلب واحد لذا حذرنا منها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرا ، من ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلاتنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تتنظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . رواه البخاري وقال عيسى بن مريم عليه السلام: الدنيا قنطرة فاعبروها ولاتعمروها. وفي الترمذي عن سهل بن سعد الساعدي قال: كنت مع الركب الذين وقفوا على السخلة الميته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا: ومن هوانها ألقوها يارسول الله. قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:57 AM
إنها إن تك مثقال حبة من خردل


قال الله تعالى على لسان لقمان الحكيم : "يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردلٍ فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إنّ الله لطيف خبير".
تشبيه بليغ وصورة بلاغية رائعة في أسلوب بديع يؤدب لقمان الحكيم إبنه مبيناً له سعة علم الله عز وجل وإحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها دقيقها وجليلها. وأن الله تبارك وتعالى مطلع على دقائق الأمور كلها لاتخفى عليه خافية ولايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فلو أن حبة خردل متناهية في الصغر وكانت في بطن صخرة صماء أو كانت في أرجاء السموات أو في أطراف الأرض لعلم مكانها وأتى بها سبحانه وتعالى . فلا إله إلا الله أحاط علمه بكل شيء. يرى دبيب النملة السوداء على الصفاة السوداء في الليلة الظلماء ويرى مخ ساقها وجريان الدم في عروقها. يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور فأين يختبيء منه العاصي إذا أراد أن يعصيه ؟ كيف يزني الزاني وهو يعلم أن الله ينظر إليه ومطلع على حركاته وسكناته!؟ لو كان أبوه أو أمه أو أحد من الناس ولو طفل صغير ينظر إليه أكان يجرؤ على مواقعة المعصية أمامهم ؟ لا والله ، فسبحان الله .. أهان الله في نظره حتى أصبح أهون الناظرين إليه ! جاء في الحديث لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن أي أنه لايكون في قلبه شيء من الإيمان في تلك اللحظة وإلا لأستشعر نظر الله إليه وإطلاعه عليه وهو في تلك الحالة .
لقد هانت خشية الله في قلوب كثير من الناس . تجد بعض المخدنين لايدخن في حضرة أبيه أو حضرة مسؤول كبير توقيرا وإحتراما لهم !
ترى من يسمع الأغاني أو يشاهد الأفلام إذا رأى شيخاً أو داعية أقفل الجهاز !
والله تعالى يقول: أتخشون الناس والله أحق أن تخشوه.
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب.
مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولاخمسة إلا هو سادسهم ولاأدنى من ذلك ولاأكثر إلا هو معهم أين ماكانوا ثم ينبئهم بماعملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم.
عالم الغيب والشهادة الكبير النتعال، سواءٌ منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.
وربك يعلم ماتكن صدورهم ومايعلنون.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:57 AM
إن الله وملائكته يصلون على النبي


قال الله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي ، ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد
روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة. حديث حسن
وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : : إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا يارسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال يقول : بليت قال "إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" رواه أبوداؤد بإسناد صحيح
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغم أنف رجلٍ ذكرت عنده فلم يصل عليَ" رواه الترمذي وقال: حدبث حسن
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبوداؤد بإسناد صحيح
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مامن أحدٍ يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" رواه أبوداؤد
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البخيل من ُذكرت عنده فلم يصل علي" رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح
وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة رضي الله عنه ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، والسلام كما قد علمتم" رواه مسلم

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:58 AM
لا خير في كثير من نجواهم


يقول الله تعالى : " لاخـير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس ، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً "
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى ، قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لاأقول تحلق لشعر ولكن تحلق الدين).
فالله أكبر ماأعظم أجر وثواب الإصلاح بين عباد الله المتخاصمين الذين نزق الشيطان بينهم فأوغر صدروهم وأحل العداوة محل الأخوة والقطيعة مكان الوصل.
إخوتي : إن هذا العمل العظيم قد جهل فضله كثير من المسلمين اليوم، فنجد الخصومات تستمر بالشهور بل السنين العديدة بين الأهل والأخوان والجيران ولاتجد من يسعى للصلح بينهم، كلٌ مكتفٍ بشأنه وكلٌ مشغول بنفسه. فيتركون المتخاصمين للشيطان يوقد نار الفتنة بينهما ويزيدها إشتعالاً حتى يستفحل الأمر وتقع الطامة ، بينما الصالحون غافلون عن هذا السبيل ، هذا العمل الجليل الذي زكاه الله من فوق سبع سماوات وامتدحه من بين سائر الأعمال ، والذي هو أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وهي من أفضل الأعمال وأجلها بلاشك ولكن الصلح خير وأعظم. وكم من صائم قائم مصل ولكنه لايسعى للإصلاح بين المتخاصمين من أهله وجيرانه وماعلم أن ذلك أفضل من عبادته لإن عبادته خيرها مقتصر على نفسه أما إصلاحه بين الناس فخيره عام ومتعد إلى غيره.
وقد ذم الله تعالى الخصومة والقطيعة بين المسلمين لأنها تتنافى مع مبدأ الأخوة الإسلامية : إنما المؤمنون أخوة. وتوعد المتقاطعين بأن لايغفر لهم ولايقبل منهم عملاً حتى يصطلحا ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تُعرض الأعمال في كل أثنين وخميس فيغفر الله لكل أمريء لايشرك بالله شيئاً، إلا إمرءاً بينه وبين أخيه شحناء فيقول : اتركوا هذين حتى يصطلحا) رواه مسلم . وأمرنا معاشر المؤمنين بالسعي في الأصلاح: فأصلحوا بين أخويكم.
فهلا نظرنا أخوتي فيمن حولنا من زملائنا أو أخواننا أو جيراننا ممن نزق الشيطان بينهم وأوقع بينهم القطيعة والبغضاء فسعينا بينهم بالصلح ؟ فإن تم الصلح على يدينا فلله الحمد والمنة على توفيقه وهنيئاً لنا بموعود الله ورسوله وإن لم يكتب لنا التوفيق في مهمتنا فقد أدينا ماعلينا وسلمنا من الإثم.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:58 AM
قال الحق تبارك وتعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى ) سورة النجم

أكثرنا يمر على هذه الآية الكريمة ولا يلتفت إليها ..

ولكن هذه الآية فيها إعجاز من الله سبحانه وتعالى يقول الحق سبحانه وتعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى ) معناه أن الضحك والبكاء من الله .. وكونه من الله سبحانه وتعالى يكون لجميع خلقه ..

فالله يعطي الخلق جميعا ذلك هو عدل الله فإذا نظرت إلى الدنيا كلها تجد أن الضحك والبكاء موحدان بين البشر جميعا على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم .. فلا توجد ضحكة إنجليزية وضحكة أمريكية وضحكة افريقية .. بل هي ضحكة واحدة للبشر جميعا ولا يوجد بكاء آسيوي أو بكاء أسترالي ..

وإنما هو بكاء واحد.. فلغة الضحك والبكاء موحدة بين البشر جميعا وهي إذا اصطنعت تختلف . وإذا جاءت طبيعية تكون موحدة .. ولذلك إذا اصطنع أحدنا البكاء أو أصطنع الضحك فإنك تستطيع أن تميزه بسهولة عن ذلك الانفعال الطبيعي الذي يأتي من الله ومن العجيب أنك ترى مثلا الفيلم الكوميدي الذي صنع في أمريكا يضحك أهل أوربا والذي صنع في آسيا مثلا يضحك أهل استراليا بل إن هناك من أعطاهم الله موهبة القدرة على إضحاك شعوب الدنيا كلها .. أفلام عاطفية تبكي العالم كله .. فبعض الأفلام مثلا إذا قدمته بأي لغة أبكى الناس ..

وهكذا تنزل أحيانا الرحمات من الله فتفيض العيون بالدموع ..

وأحيانا يريد الله أن يروح عن النفوس فتتعالى الضحكات ولكن قد يقول بعض الناس .. إن هناك ما يضحك وأحدا ولا يضحك الآخر .. وأن هناك مشهدا يبكي إنسانا , في حين تتحجر الدموع في العيون فلا يبكي إنسان آخر في نفس الموقف ..

نقول إنك لم تفهم الآية .. فقوله تعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكي ) ليس معناه بالضرورة أن الناس تضحك معا وتبكي معا .. ولكن معناه أن الإنسان لا يستطيع أن يضحك نفسه , ولا أن يبكي نفسه عن شعور صادق وبلا اصطناع .. ولكن ذلك من الله .. ولذلك انعدمت فيه الإرادة البشرية .. فليس لك واحد منا ضحكة تميزه .. بل نحن نبكي جميعا بلغة واحدة .. وليس لكل واحد منا قادرا على أن يضحك ضحكة طبيعية بإرادته كأن يقول إنني سأضحك الآن فيضحك .. ولا يستطيع إنسان أن يبكي بكاء طبيعيا كأن يقول أنا سأبكي الآن فيبكي .. إلا أن يصطنع الضحك أو البكاء بشكل غير طبيعي ولكن يأتي الضحك والبكاء من الله حين يكون طبيعيا .. ولأنه يأتي من الله فهو موحد بين البشر جميعا .. فإذا كنت لا تستطيع أن تضحك نفسك أو تبكي نفسك .. فكيف تدعى أنك سيد نفسك .. ولماذا لا تسلم لخالقلك ؟

من كتاب الأدلة المادية على وجود الله للشيخ محمد متولي الشعراوي

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 11:59 AM
(ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى "2")

الشقاء: هو التعب والنصب والكد، فالحق سبحانه ينفي عن رسوله صلى الله عليه وسلم التعب بسبب إنزال القرآن عليه، إذن: فما المقابل؟ المقابل: أنزلنا عليك القرآن لتسعد، تسعد أولاً بأن اصطفاك لأن تكون أهلاً لنزول القرآن عليك، وتسعد بأن تحمل نفسك أولاً على منهج الله وفعل الخير كل الخير.
فلماذا ـ إذن ـ جاءت كلمة

{لتشقى "2"} (سورة طه)

هذا كلام الكفار أمثال أبي جهل، ومطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة حينما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقولوا له: لقد أشقيت نفسك بهذه الدعوة.

<وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله بعثني رحمة للعالمين">

فقد بعث رسول الله ليسعد ويسعد معه قومه والناس أجمعين لا ليشقى ويشقى معه الناس. لكن من أين جاء الكفار بمسألة الشقاء هذه؟ الكافر لو نظر إلى منهج الله الذي نزل به القرآن لوجده يتدخل في إراداته واختياراته، ويقف أمام شهواته، فيأمره بما يكره وما يشق على نفسه، ويمنعه مما يألف ومما يحب.
إذن: فمنهج الله ضد مرادات الاختيار، وهذا يتعب النفس ويشق عليها إذا عزلت الوسيلة عن غايتها، فنظرت إلى الدنيا والتكليف منفصلاً عن الآخرة والجزاء.
أما المؤمن فيقرن بين الوسيلة والغاية، ويتعب في الدنيا على أمل الثواب في الآخرة، فيسعد بمنهج الله، لا يشقى به أبداً. كالتلميذ الذي يتحمل مشقة الدرس والتحصيل؛ لأنه يستحضر فرحة الفوز والنجاح آخر العام.
ومن هنا رأى هؤلاء الكفار في منهج الله مشقة وتعباً، لأنهم عزلوا الوسيلة عن غايتها؛ لذلك شعروا بالمشقة، في حين شعر المؤمنون بلذة العبادة ومتعة التكليف من الله، وهذه المسألة هي التي جعلتهم يتخذون آلهة لا مطالب لها، ولا منهج، ولا تكليف، آلهة يعبدونها على هواهم، ويسيرون في ظلها على حل شعورهم. لذلك أوضح القرآن أنهم مغفلون في هذه المسألة، فقال:

{ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى "2"} (سورة طه)

أو يكون الشقاء: تعرضه لعتاة قريش وصناديدها الذين سخروا منه، وآذوه وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم، يشتمونه ويرمونه بالحجارة، وهو صلى الله عليه وسلم يشقي نفسه بدعوتهم والحرص على هدايتهم.
والحق تبارك وتعالى ينفي الشقاء بهذا المعنى أيضاً:

{ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى "2"} (سورة طه)

أي: لتشقى نفسك معهم، إنما أنزلناه لتبلغهم فحسب، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيراً في مثل قوله تعالى: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا "6"} (سورة الكهف)

وقوله: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين "4"} (سورة الشعراء)

وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ برجل عنده عبدان: ربط أحدهما إليه بحبل، وأطلق الآخر حراً، فإذا ما دعاهما فاستجابا لأمره، فأيهما أطوع له، وأكثر احتراماً لأمره؟
لاشك أنه الحر الطليق؛ لأنه جاء مختاراً، في حين كان قادراً على العصيان. وكذلك ربك ـ تبارك وتعالى ـ يريد منك أن تأتيه حراً مختاراً مؤمناً، وأنت قادر ألا تؤمن.
والبعض يحلو لهم نقد الإسلام واتهام الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إن رسول الله يخطئ والله يصوب له، ونتعجب: وما يضيركم أنتم؟ طالما أن ربه هو الذي يصوب له، هل أنتم الذين صوبتم لرسول الله!؟ ثم من أخركم بخطأ رسول الله؟ أليس هو الذي أخبركم؟ أليس هذا من قوة أمانته في التبليغ ويجب أن تحمد له؟

<إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أن يربيه ربه؛ لذلك يقول: "إنما أنا بشر يرد علي ـ يعني من الحق ـ فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم">

وقد تمحك هؤلاء كثيراً في قصة عبد الله بن أم مكتوم، حينما انشغل عنه رسول الله بكبار قريش، والمتأمل في هذه القصة يجد أن ابن أم مكتوم كان رجلاً مؤمناً جاء ليستفهم من رسول الله عن شيء، فالكلام معه ميسور وأمر سهل، أما هؤلاء فهم رؤوس الكفر وكبار القوم، ولديهم مع ذلك لدد في خصومتهم للإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويرهق نفسه في جدالهم أملاً في أن يهدي الله بهم من دونهم.
إذن: النبي في هذا الموقف اختار لنفسه الأصعب، وربه يعاتبه على ذلك، فهو عتاب لصالحه، له لا عليه

من تفسير الشيخ / محمد متولى الشعراوى رحمه الله

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:00 PM
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69).‏

قال الكلبي‏:‏ نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن فقال له‏: ‏ يا ثوبان ما غير لونك فقال‏:‏

يا رسول الله ما لي من ضر ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وإني وإن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أراك أبداً فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏

قال‏ عبيدة عن منصور بن صبح عن مسروق قال‏:‏

قال أصحاب رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فأنزل الله تعالى ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَسولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِّن النَبيينَ وَالصِدّيقينَ‏}‏‏.‏

قال‏ روح عن سعيد عن قتادة قال‏:‏

ذكر لنا أن رجلاً قال‏:‏ يا نبي الله أراك في الدنيا فأما في الآخرة فإنك ترفع عنا بفضلك فلا نراك

فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏

عن عائشة قالت‏:‏ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏

يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وأهلي وولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية

‏ أسباب النزول (الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري رحمه الله‏)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:01 PM
إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

نبذة:

من سلالة سيدنا إبراهيم كان من النبيين الموحى إليهم، كان أيوب ذا مال وأولاد كثيرين ولكن الله ابتلاه في هذا كله فزال عنه، وابتلي في جسده بأنواع البلاء واستمر مرضه 18 عاما اعتزله فيها الناس إلا امرأته صبرت وعملت لكي توفر قوت يومهما حتى عافاه الله من مرضه وأخلفه في كل ما ابتلي فيه، ولذلك يضرب المثل بأيوب في صبره وفي بلائه، روي أن الله يحتج يوم القيامة بأيوب عليه السلام على أهل البلاء.



--------------------------------------------------------------------------------

سيرته:

ضربت الأمثال في صبر هذا النبي العظيم. فكلما ابتلي إنسانا ابتلاء عظيما أوصوه بأن يصبر كصبر أيوب عليه السلام.. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على عبده أيوب في محكم كتابه (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) والأوبة هي العودة إلى الله تعالى.. وقد كان أيوب دائم العودة إلى الله بالذكر والشكر والصبر. وكان صبره سبب نجاته وسر ثناء الله عليه. والقرآن يسكت عن نوع مرضه فلا يحدده.. وقد نسجت الأساطير عديدا من الحكايات حول مرضه..

مرض أيوب

كثرت الروايات والأساطير التي نسجت حول مرض أيوب، ونذكر هنا أشهرها:

أن أيوب عليه السلام كان ذات مال وولد كثير، ففقد ماله وولده، وابتلي في جسده، فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة, فرفضه القريب والبعيد إلا زوجته ورجلين من إخوانه. وكانت زوجته تخدم الناس بالأجر، لتحضر لأيوب الطعام. ثم إن الناس توقفوا عن استخدامها، لعلمهم أنها امرأة أيوب، خوفاً أن ينالهم من بلائه، أو تعديهم بمخالطته. فلما لم تجد أحداً يستخدمها باعت لبعض بنات الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير، فأتت به أيوب، فقال: من أين لك هذا؟ وأنكره، فقالت: خدمت به أناساً، فلما كان الغد لم تجد أحداً، فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضاً، وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام؟ فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأى رأسها محلوقاً، قال في دعائه: (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين).

وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم قال: "بينما ‏‏أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه فناداه ربه يا ‏‏ أيوب ‏ ‏ألم أكن أغنيتك عما ترى قال بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك" (رجل جراد ‏أي جماعة جراد).

فلما عوفي جزى الله -عز وجل- أيوب -عليه السلام- على صبره بأن آتاه أهله (فقيل: أحياهم الله بأعيانهم. وقيل: آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم، وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة) وذكر بعض العلماء أن الله رد على امرأته شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا.

هذه أشهر رواية عن فتنة أيوب وصبره.. ولم يذكر فيها أي شيء عن تساقط لحمه، وأنه لم يبقى منه إلا العظم والعصب. فإننا نستبعد أن يكون مرضه منفرا أو مشوها كما تقول أساطير القدماء.. نستبعد ذلك لتنافيه مع منصب النبوة..

ويجدر التنبيه بأن دعاء أيوب ربه (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ). قد يكون القصد منه شكوى أيوب -عليه السلام- لربه جرأة الشيطان عليه وتصوره أنه يستطيع أن يغويه. ولا يعتقد أيوب أن ما به من مرض قد جاء بسبب الشيطان. هذا هو الفهم الذي يليق بعصمة الأنبياء وكمالهم.

وروى الطبري أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين , والله أعلم. وأنه أوصى إلى ولده حومل، وقام بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب، وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:01 PM
والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (الرعد"21")

وأول ما أمر به الله أن يوصل هو صلة الرحم؛ أي: أن تصل ما يربطك بهم نسب.

والمؤمن الحق إذا سلسل الأنساب؛ فسيدخل كل المؤمنين في صلة الرحم؛ لأن كل المؤمنين رحم متداخل؛ فإذا كان لك عشرة من المؤمنين تصلهم بحكم الرحم؛ وكل مؤمن يصل عشرة مثلك، انظر إلى تداخل الدوائر وانتظامها؛ ستجد أن كل المؤمنين يدخلون فيها.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الحديث القدسي: "أنا الرحمن؛ خلقت الرحم، واشتققت لها اسماً من اسمي؛ فمن وصلها وصلته؛ ومن قطعها قطعته".
وقد رويت من قبل قصة عن معاوية رضي الله عنه؛ فقد جاء حاجبه ليعلن له أن رجلاً بالباب يقول: إنه أخوك يا أمير المؤمنين.
ولابد أن حاجب معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان لا إخوة له، لكنه لم يشأ أن يتدخل فيما يقوله الرجل؛ وقال معاوية لحاجبه: ألا تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب: هكذا يقول الرجل. فأذن معاوية للرجل بالدخول؛ وسأله: أي إخوتي أنت؟ أجاب الرجل: أخوك في آدم. قال معاوية: رحم مقطوعة؛ والله لأكون أول من يصلها.
والتقى الفضيل بن عياض بجماعة لهم عنده حاجة؛ وقال لهم: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم. وقد أمرنا سبحانه أن نصل الأهل أولاً؛

ثم الأقارب؛
ثم الدوائر الأبعد فالأبعد؛
ثم الجار،

وكل ذلك لأنه سبحانه يريد الالتحام بين الخلق؛ ليستطرق النافع لغير النافع، والقادر لغير القادر، فهناك جارك وقريبك الفقير إن وصلته وصلك الله. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ومن خلاله يأمر كل مؤمن برسالته: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .. "23"} (سورة الشورى)
وقال بعض من سمعوا هذه الآية: قرباك أنت في قرباك. وقال البعض الآخر: لا، القربى تكون في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن قال في محمد صلى الله عليه وسلم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "6"} (سورة الأحزاب)
وهكذا تكون قرابة الرسول أولى لكل مؤمن من قرابته الخاصة. يستمر قول الحق سبحانه في وصف أولي الألباب: {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب "21"} (سورة الرعد)
والخشية تكون من الذي يمكن أن يصيب بمكروه؛
ولذلك جعل الحق هنا الخشية منه سبحانه؛
أي: أنهم يخافون الله مالكهم وخالقهم ومربيهم؛ خوف إجلال وتعظيم. وجعل سبحانه المخاف من سوء العذاب؛
وأنت تقول: خفت زيداً، وتقول: خفت المرض،
ففيه شيء تخافه؛ وشيء يوقع عليك ما تخافه.
وأولو الألباب يخافون سوء حساب الحق سبحانه لهم؛ فيدعهم هذا الخوف على أن يصلوا ما أمر به سبحانه أن يوصل، وأن يبتعدوا عن أي شيء يغضبه. ونحن نعلم أن سوء الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه؛ فسبحانه منزه عن ظلم أحد، ولكن من يناقش الحساب فهو من يلقي العذاب؛ ونعوذ بالله من ذلك، فلا أحد بقادر على أن يتحمل عذاب الحق له.

من تفسير الشيخ محمد متولى الشعراوى

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:02 PM
يقول الله تعالى في كتابه الكريم
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فان تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم

سورة التوبة الآيتان 128 : 129. هاتان الآيتان اللتان ختمت بهما سورة التوبة و هي المدنية التي فضحت النفاق وأهله ويروي أنهما مكيتان وتتحدث احداهما عن الصلة بين الرسول وقومه وعن حرصه عليهم ورحمته بهم،

والآية الثانية توجيه لهذا الرسول أن يعتمد على ربه وحده حين يتولى عنه من يتولى فالله وليه وناصره وكافيه

وقد ذكر في سبب نزولهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما استعصى عليه ايمان أهل مكة فذهب الى الطائف حيث تسكن ثقيف وهي تبعد عن مكة حوالي خمسين ميلا وقصد الى نفر من رجالاتها الذين ينتهي إليهم أمرها ثم كلمهم في الإسلام ودعاهم الى الله فردوا عليه ردا منكرا وأغلظوا له الجواب فلما يئس من خيرهم قال لهم اذا أبيتكم فاكتموا على ذلك فقالوا له أخرج من بلدنا وحرشوا عليه الصبيان والرعاع

فوقفوا له صفين يرمونه بالحجارة حتى شج في ذلك رأسه واصيب في قدميه فسالت منهما الدماء

واضطره المطاردون أن يلجأ الى بستان لعتيبة و شيبة ابني ربيعة وهما من أشد أعدائه حيث جلس في ظل كرمة يلتمس الراحة والأمن وكان أصحاب البستان فيه فصرفوا عنه الأوباش واستوحش الرسول لهذا الحاضر المرير فهتف يقول

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي اوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل على غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك

وضجت ملائكة السماء لشكاية رسول الله فأنزل الله جبريل ومعه ملك الجبال وقال:

يا محمد إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه معك فان أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين فسأطبقهما عليهم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:

إن الله سبحانه وتعالى لم يبعثني لعانا

وإنما بعثني الله رحمة للعالمين

وإني لأرجو الله تعالى أن يخرج من أصلاب هؤلاء

من يعبد الله ويوحده

ثم قال: اللهم إهد قومي فانهم لا يعلمون

فقال له جبريل : صدق من سماك الرؤوف الرحيم وأنزل الله هاتين الأيتين: ((لقد جاءكم رسول من انفسكم )) الخ.

فأي عفوا هذا وأي صفح ذلك الذي تعجز البشريه عن مقاربته ولكن لا عجب فهو عفو الأنبياء وصفح المرسلين وغفران من أرسله الله رحمة للعالمين،

وليس هذا هو الموقف الوحيد لرسولنا صلى الله عليه وسلم في الصفح والحلم والعفو بل أن مواقفه في هذا الميدان أكثر من أن يحصيها عد أو يحيطها حصر، ومن مواقف العفو والصفح التي لا مثيل لها بين الناس عفوه صلى الله عليه وسلم عن زعيم المنافقين عبدالله بن أبي فقد كان من أشد الناس عداوة للرسول والمسلمين وللدعوة وظل طول حياته يتربص بهم الدوائر ويحالف عليهم الشيطان ويحيك لهم المؤامرات ولا يجد فرصة للطعن عليهم والنيل من نبيهم الا انتهزها، وهو الذي أشاع قولة السوء عن أم المؤمنين عائشة وجعل المرجفين يتهامسون بالإفك حولها ويهزؤون اركان المحتمع الإسلامي بهذا الإتهام الدنيء، وتقاليد الشرق من قديم تجعل عرض المراة في الذروة من القداسة وتربط به كرامتها وكرامة اهلها، ولذلك فقد كان وقع الألم قاسيا في نفس رسول الله وأصحابه، وكانت الغضاضة من هذا التلفيق الجريء تملأ نفوسهم كآبة وغما حتى نزلت الآيات تكشف مكر المنافقين وتفضح ما اجترحوا وتنوه بطهر أم المؤمنين ونقاء صفحتها

إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم

وكتب الله الفوز لرسوله وجنده واكتسح الإسلام مخلفات القرون البائدة المخرفة وانحصر أعدائه في حدود أنفسهم وانكمش ابن أبي ثم مرض ومات بعد ان ملات رائحة نفاقه كل فج وجاء ولده الى رسول الله و كان من الصالحين يطلب من الرسول الصفح عن أبيه فصفح ثم طلب منه أن يكفن في قميصه فمنحه اياه ثم طلب منه أن يصلي عليه ويستغفر له فلم يرد له الرسول الرقيق هذا السؤال، بل وقف امام جثمان الذي طعنه في عرضه بالامس يستدر الرحمة والمغفرة له من رب السماء، واراد عمر ان يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه قائلا له اتصلي على كافر يا رسول الله؟

فقال له صلى الله عليه وسلم اخر عني يا عمر قد خيرت فاخترت قال الله لي: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم

ولكن العدالة العليا حسمت الأمر كله فنزل قوله تعالى

ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون

فصلاة ربي وسلامه عليك يا نبي العفو والصفح والمغفرة والحلم والأناة وصدق الله اذ يقول فيك

(( وانك لعلى خلق عظيم ))

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:02 PM
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا


قال الله تعالى:
"قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله
إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم"

يقول العلماء هذه أرجأ آية في كتاب الله ! كيف لا ؟ وهي قد أشرعت أبواب الأمل في وجوه البائسين وضمنت خط العودة للتائهين. لاإله إلا الله ، ماأرحم الله بعباده وماأحنه عليهم ,وماأوسع رحمته، جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم"
لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده بخطامها ، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح".
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟)
قلنا: لا والله. فقال: ( الله أرحم بعباده من هذه بولدها) متفق عليه.
أيها الأخوة إنا ربنا رحيم غفور ودود لايريد أن يعذبنا، خلق من أجلنا الجنة وزينها ووعدنا فيها بحياة طيبة وإقامة دائمة في نعيم وحبور ولكننا نحن الظالمون لأنفسنا نحن المفرطون في جناب الله، الأمر لايحتاج منا سوى إلى توبة صادقة وندم على الذنوب وعودة إلى الله فيبدل الله السيئات إلى حسنات ويعفو عن الخطايا والزلات ولكننا غافلون مسوفون مؤملون، يقول صلى الله عليه وسلم :

الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك .

كل هذه المغريات وكل هذه التسهيلات إلا أننا نسوف ونؤجل ونؤمل في الحياة وكأننا مخلدون وكأن الموت بعيد عنا. التحرر من الذنوب في الدنيا سهل ميسور ولكنه بعد الموت عسير.
باستغفار وتوبة إلى الله يغفر الله لك آلاف السيئات
ولكن بعد الممات لو أنفقت مافي الأرض جميعا من أجل أن تمحى عنك سيئة لم تمح.
عبدالله ماحجتك إذا جئت يوم القيامة ووزنت أعمالك فرجحت كفة سيئاتك، من يحاججك عنك أمام الله ؟ ماذا سيكون عذرك ؟ كيف يكون ندمك؟ كيف تتصور وقتها أنك فرطت في كل هذه الفرص ورحلت محملا بالذنوب ؟ اسأل نفسك هذا السؤال؟ وتفكر في موقفك يوم الحساب واعلم أنه لايحول بينك وبين الآخرة سوى ان يقال فلان مات.
.وماأسهل أن يقال، فكم من صحيح خرج من داره في الصباح ولم يعد لها في المساء.
وكم من معافى نام على فراشه ولم يصحو من منامه.
وكم وكم والقصص والعبر تقرع آذاننا كل يوم فهل من معتبر وهل من متعظ ؟!
والله إنه الله لايهلك على الله إلا هالك.
ووالله أنه لاحجة لمذنب أمام الله.
فالتوبة التوبة أخي في الله قبل فوات الأوان واليقظة اليقظة من الغفلة !
كن على أهبة الإستعداد للسفر الطويل وأرهف سمعك لسماع نداء الإقلاع لرحلتك التي قد يعلن عنها في أي لحظة.
الأمر يسير مادمت في زمن التيسير،
ولكنه بعد الموت عسير عسير .
تذكر إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
فلا تظلم نفسك ولاتحرمها من عفو الله.
ونختم بفائدة حول شروط التوبة كما قررها العلماء وهي أربع :
أولها أن يقلع عن المعصية
والثاني: أن يندم على فعلها،
والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبداً
والرابع: أن يبرأ من حق صاحبها إن كانت تتعلق بحق آدمي كمال أو عرض ونحوهما.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:03 PM
سورة المجادلة(58)

قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا إذا تَناجَيْتُم فلا تتناجَوْا بالإثْمِ والعُدْوانِ ومعصيةِ الرَّسولِ وتَناجَوا بالبِرِّ والتَّقوى واتَّقوا الله الَّذي إليه تُحشرون(9)}

سورة النساء(4)

وقال أيضاً: {لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهُم إلاَّ من أمرَ بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاسِ ومن يفعلْ ذلك ابتغاءَ مرضاتِ الله فسوف نُؤْتِيهِ أجراً عظيماً(114)}



ومضات:

ـ يحرص المؤمنون على الرقيِّ بأفكارهم والسموِّ بأحاديثهم ومجالسهم نحو الأحسن والأفضل، لذا ينهاهم الله تعالى عن التعرُّض في مجالسهم إلى ما فيه أذىً للناس في أعراضهم، أو اعتداءٌ على كراماتهم، وينهاهم عن الخوض فيما يؤذي الرسول أو يكون مقدِّمة لمخالفته.

ـ يعطي الإسلام للوقت قيمة غالية ثمينة، ويحرص على عدم هدره، وذلك بدعوة المؤمنين لأن تكون مجالسهم جادَّة تثمر ما فيه خير البلاد والعباد، فوَّاحة بعبق الإيمان والرياحين الربَّانية، زاخرة بكلِّ ما فيه شدٌّ للهمم والعزائم إلى المزيد من الطاعات والأخلاق الحميدة.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:03 PM
وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ
*سورة الحجر 21



يخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه,
وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف {وما ننزله إلا بقدر معلوم} كما يشاء وكما يريد, ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب
بل هو كتب على نفسه الرحمة
قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله:
ما من عام بأمطر من عام, ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عاماً ههنا وعاماً ههنا,
ثم قرأ {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} الاَية, رواه ابن جرير,
وقال أيضاً: عن الحكم بن عتيبة في قوله: {وما ننزله إلا بقدر معلوم}
قال: ما عام بأكثر مطراً من عام ولا أقل, ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون بما كان في البحر,
قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس, وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«خزائن الله الكلام, فإذا أراد شيئاً قال له كن فكان»
من تفسير بن كثير

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:04 PM
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ))

أي يا من آمنتم بالله اتقوا الله أي اجعلوا بينكم و بين الله وقاية..

و لكن المفروض أن المؤمن يكون في معية الله فكيف يطلب الحق سبحانه و تعالى منا أن يكون بيننا و بينه وقاية؟

نقول.. أي اجعلوا بينكم و بين صفات الجلال لله تعالى وقاية , و هنا يأتي من يتساءل بأن الله سبحانه و تعالى يقول: ((اتَّقُواْ اللّهَ)) و يقول سبحانه : (( فاتَّقُواْ النار )) فكيف ينسجم المعنى؟

نقول: إن المعنى ينسج لأن النار جند من جنود الله تعالى, فكأن الحق سبحانه و تعالى يقول: اجعلوا بينكم و بين النار التي هي من جنودي صفات الجلال وقاية. وقول الحق سبحانه و تعالى ((وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)) أي التحموا بهم فتكونوا في معية الله, فإذا جاء من بعدكم وجودكم من الصادقين. إذن.. فـــ ((مَعَ الصَّادِقِينَ)) سابقة ((لَمِنَ الصَّادِقِينَ)) و لكن من هم الصادقون؟ مادة الكلمة ( الصاد و الدال و الواو) تدل على أن هناك نسبا يجب أن تتوافق مع بعضها البعض فما معنى هذه النسب؟ إن الإنسان حين يتكلم فإنه قبل أن ينطق بالكلمة تمر على ذهنه نسبة ذهنية قبل أن تكون نسبة كلامية مثل إذا أردت أن أقول:

( محمد زارني) قبل أن تسمع لساني ينطق بهذه العبارة فإنها تمر على ذهني أولا, و المستمع لا يدري شيئا عنها, فإذا قلت لي كلاما أعلم أن النسبة الذهنية جاءت إلى عقلك فترجمها لسانك إلى نسبة كلامية فنطق بها فلما سمعها السامع عرف أولا النسبتين, و قد تكون هذه النسبة صحيحة وواقعة... حينئذ يكون الصدق و قد تكون غير صحيحة و يكون الكذب. إذن.. فالصدق هو أن تطابق النسبة الكلامية الواقع, و إذا لم تتطابق فذلك هو الكذب, فكل كلام يقال محتمل الصدق أو الكذب, و الصدق هو الذي يجمع كل خصال الإيمان

و جاء في الأثر حديث بدوي جاء النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: في ثلاث خصال لا أقدر عليها:

الأولى النساء و الثانية الخمر و الثالثة الكذب و قد جئتك في خصلة من الخصال الثلاث أتوب منها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كن صادقا و لا عليك) فلما ألحت عليه خصلة الخمر قال: وإن سألني رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أشربت الخمر؟) فماذا أقول له؟ لابد أن أقول الصدق فامتنع عن شرب الخمر, و عندما نظر إلى امرأة و اشتهاها قال: إن سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ماذا فعلت مع النساء؟ ) فماذا أقول له؟ لابد أن أقول له الصدق فامتنع عن النساء, و هكذا منعه الصدق من المعاصي

و لذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم أيسرق المؤمن؟ قال نعم. أيزني المؤمن؟ قال نعم, أيكذب المؤمن؟ قال لا

و الله سبحانه و تعالى ينبه إلى أنه لابد أن يكون كلامك مطابقا لواقع فعلك.. و إياك أن تقول كلاما و فعلك غيره, و لذلك يقول الحق سبحانه و تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ, كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ

من كتاب الفضيلة و الرذيلة/ محمد متولي الشعرواي

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:04 PM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ))

الحجاب..لماذا؟؟

إن من اختار الدين,

فعليه أن يقبل أحكام هذا الدين,

حتى ولو كانت هذه الأحكام تقيد حريته في افعل و لا تفعل,

لأن تقييد الحرية هنا, هو لخير الإنسان و ليس شراً له...

إن هذه الأحكام جاءت من الله سبحانه و تعالى و هو أعلم بنا من أنفسنا, فإذا كانت تقيد حركتنا, فهي تعطينا الخير, تذهب عنا السوء, فلا يوجد دين بلا منهج, إلا أن يحاول الإنسان أن يرضى غريزة التدين فيه, وفي نفس الوقت يفعل ما يشاء , فيعبد الأصنام أو الشمس, أو غير ذلك مما لا يقيده بمنهج في الحياة, فيخلص نفسه من تعاليم الله ليفعل ما يشاء, و في هذه الحالة يكون قد كفر- و العياذ بالله - لأنه لا يريد منهجاً سماوياً يقيد حريته.

و المرأة التي تتضرر من الحجاب بزعم أنه يقيد من حريتها بستر ما أمر الله من مفاتنها, و عليها ألا تعترض على منح هذه الحرية لغيرها, فإن أباحت لنفسها أن تتزين و تكشف عن مفاتنها, لتجذب إنساناً و تفتنه, فعليها ألا تعترض على قيام غيرها بكشف زينتها و مفاتنها لتجذب زوج هذه المرأة أو ابنها. إن الهدف هو صيانة المجتمع كله من الفتنة, وإبقاء الاستقرار و الأمن بالنسبة للمرأة, حتى لا يخرج زوجاً من بيته و هي لا تعلم ستفتنه امرأة أخرى فيتزوجها, أم أنه سيعود إلى بيته؟

إن الله سبحانه و تعالى قد وضع من القواعد و الضوابط ما يمنع الفتنة للمرأة و الرجل حفاظاً لاستقرار الأسرة و أمنها و أمانها, و حرم أي شيء يمكن أن تكون فيه فتنة من امرأة لرجل غريب عنها, و لذلك حرم إبداء الزينة إلا لمحارم المرآة, حرمه الله تبارك و تعالى في قوله: (( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))

و هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية هم من محارم المرآة التي لا تحرص على إبداء زينتها أمامهم, و حتى إذا فعلت فإن هذه الزينة لا تثير في نفوسهم أي شهوة, إما لأنهم لم يبلغوا السن التي يحسون فيه بالشهوة, و إما أنهم تعدوا هذه المرحلة تماماً, بل إن الله سبحانه و تعالى حرم على النساء أن يضربن بأرجلهن كنوع من التحايل لاظهار الزينة التي أخفتها الثياب, و ذلك بتعمد اهتزاز الجسم لتظهر مفاتنها, و قال الحق جل جلاله:

(( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ))

كل هذا قد فهمه البعض على أنه تقييد لحرية المرأة, و لكنه في الحقيقة حماية لها.. لو أن الله سبحانه و تعالى لم بفرض الحجاب, لكان على المرأة أن تطالب به, لأنه أكبر تأمين لها و لحياتها, ذلك أن نضارة المرأة موقوتة, و فترة جمالها- لو حسبناها- فلن تزيد عن خمسة عشر عاما, ثم بعد ذلك تبدأ بالذبول... هب أن امرأة بدأت بالذبول و زوجها مازال محتفظا بنضارته, قادراً على الزواج, و خرج إلى الشارع و وجد فتاة في مقتبل العمر و في أتم نضارتها و قد كشفت عن زينتها, ماذا سيحدث؟! إما أن يقتن بهذه الفتاة و يترك زوجته و يتزوجها, و إما أنه عندما يعود إلي بينه يلحظ الفرق الكبير بين امرأته و هذه الفتاة, فيزهد في زوجته, و يبدأ في الانصراف عنها... لكن لو حجبت النساء مفاتنهن عن الرجال, لصارت كل منهن آمنه من فقدان زوجها, و من تغيير نفسه أمام زوجته, و لظلت محتفظه بحبه لها و اقباله عليها, لماذا ؟ لأن الجمال نمو, و النمو في المخلوقات و النبات و الحيوان و الإنسان لا يدركه المتتبع له, و لذلك تجد الرجل و له ولد ينظر إليه كل يوم, فلا يمكن أن يلحظ أنه يكبر, ولكن له غاب عنه شهراً, يتجمع نمو الشهر كله و هو بعيد عنه, و عندما يعود يحس بأنه قد كبر.. و الفلاح مثلا لو جلس بجوار الزرع, لا يلحظ نموه و لا يراه, فإذا غاب عنه فترة لاحظ هذا النمو. و الرجل مع زوجته كذلك, فهو عندما يتزوجها و هي عروس تكون في أبهى زينتها و نضارتها, و لكن لأنه يراها كل يوم, فإنه لا يلحظ فيها أي تغيير, و تكبر و تذهب نضارتها و جمالها من أمامه شيئا فشيئا, دون أن يلاحظ هذا الذبول, بل تظل في عينيه هي نفس العروس الجميلة التي زفت إليه.. و لكن إذا رأى امرأة غيرها, أصغر منها و لا تزال في قمة نضارتها, بدأت المقارنة و أحسن بالتغيير, و أثر ذلك في نفسه.. و لذلك و نحن نرى أمهاتنا بعد أن كبرت و ملأت وجوههن التجاعيد, و لا نشعر بهذا, بل نجد في أمهاتنا نضارة لا نشبع من النظر إليها. فإذا كان الله سبحانه و تعالى قد حجب المرأة من أن تستلفت الأنظار إليها بالكشف عن زينتها, و هو قد حجب غيرها ممن هن أصغر و أجمل و أكثر نضارة من أن يستلفتن أنظار زوجها فيعرض عنها..

و العجيب أن المرأة لا تلتفت إلي هذه الحكمة, و هي أن الحجاب حماية لها و لزوجها و لبيتها, بل تأخذ المسألة على أساس من الحرية الجوفاء, ناسية أن هذا التقييد إنما شرع لحمايتها. و العقاب في الشرع في كل الحالات, لا يبدأ لا عند النزوع إلى عمل شيء, فأنت ترى وردة جميلة, انظر إليها كما شئت فليس في ذلك إثم و لا حساب, و تمتع برائحتها كما شئت, فليس هناك إثم و لا حساب, إلا أن تمد يدك لتقطعها, حينئذ تكون قد اعتديت... و أنت ترى فرسا جميلة, انظر إليها كما شئت, و تمتع بالنظر إليها كما تريد, فلا إثم عليك, إلا أن تحاول أن تركبها دون إذن صاحبها, و هكذا كل ما في الدنيا من جمال, و الله سبحانه و تعالى يقول: (( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )) زينة لمن؟ ألصحابها فقط؟ الآية جاءت بالزينة على إطلاقها, و لهذا فهي زينة لصاحبها, و لمن أراد أن ينظر إليها و يتمتع بجمالها, كل ما في الكون من جمال, انظر إليه كما تشاء, فليس هذا محرما,

إلا المرأة ,

فالنظرة إليها محرمة, من المرأة للرجل, و من الرجل للمرأة, و النظر إليها و التأمل في جمالها من غير زوجها إثم, و كذلك الرجل بالنسبة للمرأة, نظر المرأة للرجل و تأملها في ملامح رجولته إثم, لذلك يقول الله سبحانه و تعالى في كتابه العزيز:

(( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ))

و قوله جل جلاله:

(( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ))


محمد متولى الشعرواي
مكانة المرأة في الإسلام

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:05 PM
الكلمة الطيِّبة

سورة إبراهيم(14)

قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كيف ضَرَبَ الله مثلاً كلمةً طيِّبةً كشجرةٍ طيِّبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السَّماء(24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها ويَضْرِبُ الله الأَمْثال للنَّاس لعلَّهُم يتذكَّرون(25) ومَثَلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خَبيثةٍ اجْتُثَّتْ من فوق الأرضِ ما لها من قرارٍ(26) يُثَبِّتُ الله الَّذين آمنوا بالقولِ الثَّابتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ ويُضِلُّ الله الظَّالمينَ ويفعلُ الله ما يشاء(27)}



ومضات:

ـ الكلمة الطيِّبة نفحة روحانية تصل ما بين القلوب وتربطها برباط المحبَّة والودِّ والتآلف. أمَّا الكلمة الخبيثة فهي معول للهدم والتمزيق والتفريق، يعمل تخريباً في أوصال المجتمع فيهدُّ كيانه.

ـ الكلمة الطيِّبة تُزهر في النفس لتتفتَّح بأجمل أزهار الخير والحبِّ الَّتي يعبق شذاها فوَّاحاً في كلِّ زمان ومكان. والكلمة الخبيثة نتنة الرائحة، تصدر عن بؤر نفسية عفنة.

ـ إن لشجرة الإيمان جذوراً ضاربة في أرض الهدى ومحبَّة الله، من تمسَّك بها فقد استمسك بالعروة الوثقى، واكتسب ثباتاً وتصميماً لا زيغ فيه ولا ضلال.

في رحاب الآيات:

الكلام فنٌّ وأدب وذوق، ومن لا يتقن هذا الفن يضيِّع الكثير من الفوائد والمغانم، فكم من كلمة خبيثة لا يأبه العبد بها، تودي به إلى الذُّل والتهلكة، وكم من كلمة طيِّبة قرَّبت بين المتباعدين، وأصلحت ما بين المتخاصمين، وجمعت شمل المتدابرين، فأورثت صاحبها عزَّاً وحمداً بين الناس لا يُمحى على مرِّ الأيام؛ لذلك أمر الله عباده بأن يجمِّلوا ألسنتهم بالكلام الحسن، وضرب لهم مثلاً حيَّاً يصوِّر فيه قداسة الكلمة الطيِّبة.

إن تصوير المعاني في القرآن معجزة من معجزاته الكثيرة، فهو بأسلوبه المتميِّز يبعث الحياة في الجماد، ويحوِّل المعنى المجرد إلى أمر شبه محسوس، والخبر الغيبـي إلى أمر مُتَخَيَّلٍ شبه ملموس، ليقرِّبه من الأذهان، ويجلِّيه للأبصار، وينفي عنه الغموض، فتكون الصورة أوضح والدلالة أبلغ والحكمة أنفع!!.

وهذه إحدى صور القرآن الكريم ينقلها من العالم المجرَّد إلى عالم الحسِّ والإدراك، إنها الكلمة الطـيِّبة وهي أشبه ما تكون بفاكهة لذيذة المذاق، كثيرة الفائدة، إنها تُسعد قائلها وسامعها؛ فهي تخرج من القلب المزكَّى ويطلقها اللسان المنقَّى لتستقر في القلب، وتُسعد الناس بما تخلقه من جوٍّ يفيض بالأُلفة والمودَّة، وتُنْعِشُهم بأريجها الفوَّاح. إن الكلمة الطيِّبة ترجمة صادقة للشعور الطـيِّب والإحساس النبيل، تحمل بين حروفها دفء الحبِّ ولذَّة العطاء، وسعادة التواصل الرفيع بين إنسان وإنسان؛ فهي رَوْح ورَيحان، كمثل شجرة مباركة جذورها ضاربة في عُمق الأرض، تمتصُّ منها غذاءها وأملاحها وتحوِّلها إلى نُسغ يصعد إلى ساقها فأغصانها فأوراقها، فترتعش فيها دفقة الحياة، وإذا بها تتطاول صاعدة في السماء، ثمَّ تزهر وتثمر في موعدها المحدَّد بإذن خالقها، فتتجمَّع حولها القلوب المتلهِّفة، والنفوس المتعطِّشة لجني ثمرها، والتنعُّم بخيرها المتجدِّد كلَّ عام. ولئن كانت جذور الشجرة الطيِّبة تتفرَّع في جوف الأرض، فإن الكلمة الطيِّبة تتفرَّع في شغاف القلب، وتلامس سويداءه لتخلِّف مكانها أمناً وسلاماً، بينما تصعد فروعها إلى سماء النفس فتجلوها، وإلى مرآة الوجدان فتصقلها، وتنشر على من حولها ظلال الإيمان الندية، فهي لبنة أساسية في صرح السعادة الإنسانية.

إن الكلام الطيِّب رحيق الأنبياء ولغة المؤمنين الصادقين، والمؤمن الحقُّ هو من تخلَّق بخلق القرآن، فسما تفكيره، وتهذَّبت مشاعره، فانعكس هذا كلُّه على كلامه وتصرفاته، فهو هادئ، رزين، وقور، لا يلفظ إلا كلاماً موزوناً طاهراً نقيّاً، فهو إمَّا أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، وإمَّا أن يصلح بين الناس، أو يعين على عمل نافع. وقد وجَّه القرآن إلى ما ينبغي أن تكون عليه مجالس المؤمنين بقوله تعالى: {لا خيرَ في كثير من نَجْوَاهُمْ إلاَّ مـن أَمَـرَ بصدقـةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين النَّاس..} (4 النساء آية 114). كما وجَّه القرآن إلى وجوب أن يكون كلامنا صادقا موزونا يراد به الوصول إلى الحقِّ، وإلى إقامة المجتمع الصالح السليم البنية، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا اتَّقوا الله وقولوا قولاً سَديداً * يُصْلِحْ لَكُم أَعمالَكُم ويَغْفرْ لَكُم ذُنوبَكم ومَنْ يُطِعِ الله ورسولَهُ فقد فازَ فوزاً عَظيماً} (33 الأحزاب آية 70 ـ 71). هذا فيما بين الإنسان وبين إخوانه في الإنسانية، أمَّا فيما بينه وبين ربِّه، فلسانه دائم التسبيح والتحميد والتمجيد والدعاء، ولا يدور إلا بكلمات الذِّكر والشكر لله، فالمؤمن قرآن متحرِّك، سلوكه سلوك الأتقياء، وأقواله أقوال الأنبياء، لا غضب، ولا فُحش، ولا إسفاف ولا مبالغة، ولا لغو، وإذا غضب فإنه يملك نفسه ويصونها عن الانزلاق في مهاوي السفاهة والابتذال، قدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الَّذي ملك قلوب الناس بكلامه الطيِّب، وقوله الليِّن. أمَّا منهله الَّذي يستلهم منه كنوز الكلِم ولآلئه، فهو القرآن الكريم الَّذي سبى القلوب ببيانه الأخَّاذ، وكلامه العذب السلسبيل.

هذا غيض من فيض الحديث عن الكلمة الطيِّبة وأثرها، ولما كانت الأشياء تتميَّز بأضدادها ذكر الله لنا الكلمة الخبيثة بمقابل الكلمة الطيِّبة، فلولا الظلمة لما عُرف فضل النور، ولولا القُبح لما ظهرت روعة الجمال، لأنَّ تعوُّد الإنسان على رؤية الجمال وحده، يجعله باهتاً في نظره، ويفقده قيمته مهما كان جليلاً، فإذا ما صدمت عيني الإنسان دمامةُ القُبح أدرك روعة الجمال، وإذا ما أَدْمَتْهُ يد الشرِّ أحسَّ بحنوِّ اليد الرحيمة، حين تمتدُّ إليه لتمسح جراحه. وإذا كانت الكلمة الطيِّبة كشجرة طيِّبة، فإن الكلمة الخبيثة كشجرة مرٌّ ثمرها، خبيث ريحها، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، جذورها متآكلة نَخِرَة، لفظتها الأرض وطرحتها فإذا بها تهوي جثَّة هامدة، وحطباً يابساً يُحرق أو ينبذ بعيداً. والكلمة الخبيثة ألغام متفجِّرة في طريق المجتمع المتكاتف، تُفتِّت وحدته، وتقتلع جذور الأخوَّة الَّتي تثبِّت المحبَّة بين أبنائه، وتنشر مكانها بذور البغضاء والأحقاد، فيعمُّ فيه الفساد، وتنهار أواصره، وتتداعى مقوِّماته ليصبح هباء منثوراً تذروه الرياح.

وهكذا فإن من طهـرت ألسنتهم فلم تنطق إلا بكلمة الإيمان والتوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يثبِّتهم الله تعالى ويؤيِّدهم في الدنيا، فلا تزعزعهم رياح الشرِّ، ولا تقضي عليهم المصائب، ويؤيِّدهم ويثبِّتهم في الآخرة؛ منذ وصولهم إلى أوَّل منزل من منازلها وهو القبر، وإلى أن يجتازوا الصراط إلى قصورهم في الجنَّة، فلا يحزنون حين يحزن الناس، ولا ينالهم فزع حين يفزعون، بل يُلَقَّون الأمن والأمان، والطمأنينة والتحيَّة والسَّلام، وعن البرَّاء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله فذلك قوله: يثبِّت الله الَّذين آمنوا بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». وأمَّا الَّذين تعوَّدوا الفُحش في القول والسوء في العمل، فإنهم يضلُّون في الدنيا والآخرة، لأنهم اختاروا لأنفسهم طريق الفجور، والله يجزي كلَّ فريق بما يستحقُّ، بعد أن اختار هذا الفريق طريقه ونهايته بإرادته دون إجبار ولا إكراه.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:06 PM
سورة الإسراء(17)

قال الله تعالى: {وقُلْ لعبادي يقولوا الَّتي هيَ أحسنُ إنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بينَهُم إنَّ الشَّيطانَ كان للإنسانِ عدوّاً مُبيناً(53)}



ومضات:

ـ صاحب الذوق السليم ينتقي من حديقة الورد أجملها، ومن الفواكه أطيبها، وكذلك هو المؤمن الراقي الحس، المهذَّب الجوارح يختار من الكلمات أطيبها، ولا يدع لسانه مطيَّة للشيطان يحرِّكه لينطق بما يرضيه في بثِّ الفتن والأحقاد بين قلوب المؤمنين، ليحيل ودَّهم عداوة، ووحدتهم وتعاضدهم فرقة وضعفاً.


في رحاب الآيات:

يملك الشيطان سهاماً عديدة للإيقاع بالمؤمن، فالنظرة سهم مسموم من سهام إبليس، والكلمة الفاحشة سهم أشدُّ سُمَّاً وإيذاءً، يفجِّر الغضب ونيران الحقد في نفوس الناس، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء. لذلك يأمرنا الله تعالى بالتحكُّم في أقوالنا وأعمالنا لتكون مسدَّدة صائبة بحيث لا نتفوَّه من القول إلا بأحسنه، ولا نأتي من الأعمال إلا بأفضلها، لنسدَّ بذلك على الشيطان مسالكه، ونمنعه من التغلغل بين صفوفنا كمؤمنين متحابِّين متوادِّين، كي لا يفسد علينا سعادتنا وطمأنينتنا. فالشيطان ينزغ بين الإخوة، وينفث سمومه في صدورهم فتكون الكلمة الفظَّة السيئة من أولى آثار سمومه، ثم يتلوها الردُّ السيء، فإذا جوُّ الوفاق والود والمحبَّة، ينقلب خلافاً يثمر جفوة فعداءً، بينما تبقى الكلمة الطيِّبة بلسماً يداوي جراح القلوب، ويجمعها على الودِّ والتفاهم الكريم، ويمكننا أن نجد نظير هذه الآية في قوله تعالى: {..وقولوا للنَّاس حُسناً..} (2 البقرة آية 83)، وقوله أيضاً في وصف المؤمنين: {وهُدوا إلى الطَّيِّب من القولِ وهُدوا إلى صراط الحميد} (22 الحج آية 24).

فالعداوة مستحكمة بين الإنسان والشيطان لأنه لا يريد صلاح الناس أصلاً بل يريد هلاكهم، وقد أظهر عداوته لهم في كلِّ مناسبة أتيحت له، كما حذَّرنا الله تعالى من العهد الَّذي أخذه الشيطان على نفسه لإضلال بني آدم عندما قال: {قال فبما أغويْتَني لأَقْعُدَنَّ لهم صِراطكَ المستقيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ من بين أيديْهِم ومن خلْفِهِمْ وعن أيمانِهِمْ وعن شمائِلِهمْ..} (7 الأعراف آية 16ـ17). ولكي تصل البشرية إلى وحدتها فتكون أمَّة واحدة، وإلى تواصلها فتكون أسرة واحدة، أمر الله جَلَّت حكمته بحسن الأدب ولين القول وجميل الفعال، لأنه جميل يحبُّ الجمال، طيِّب يحبُّ الطيِّب. وما علينا في سبيل الفوز بمحبَّته إلا أن نسعى إلى ذلك بالتجمُّل بأخلاق القرآن، والتحلِّي بشمائل المصطفى العدنان صلى الله عليه و سلم، لأن أعلى مستوى من مستويات الكمال هو أن نتخلَّق بأخلاق القرآن الَّتي جسَّدها الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم قولاً وعملاً؛ فهاهو ذا كتاب الله يصفه بأجلِّ الصفات عندما يقول سبحانه: {وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم} (68 القلم آية 4) وهاهي ذي السيِّدة عائشة رضي الله عنها تصفه قائلة: (كان خلقه القرآن

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:06 PM
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (الأعراف 172)


يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه قال تعالى

"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي

فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله"

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم

"كل مولود يولد على الفطرة"

وفي رواية

"على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء"

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

"يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم"

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا يونس بن الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني السري بن يحيى أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات قال فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة

فبلغ ذلك صلى الله عليه وسلم فاشتد عليه ثم قال

"ما بال أقوام يتناولون الذرية" فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال "إن خياركم أبناء المشركين ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها"

قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه

"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم" الآية

وقد رواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري به وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم بن يونس بن عبيد عن الحسن قال: حدثني الأسود بن سريع فذكره ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم عليه السلام وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

"يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال: فيقول نعم فيقول قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي"

أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به. "حديث آخر" قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعني ابن حازم عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

"إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال "ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا - إلى قوله" المبطلون "

وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه

وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن أبي هلال عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس قال أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في أذى من الماء وقال أيضا: حدثنا علي بن سهل حدثنا ضمرة بن ربيعة حدثنا أبو مسعود عن جرير قال: مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام قال: فقال يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحل عنه عقده فإن ابني مجلس ومسئول ففعلت به الذي أمر فلما فرغت قلت يرحمك الله عما يسأل ابنك من يسأله إياه قال يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم قلت يا أبا القاسم وما هذا الميثاق الذي أقربه في صلب آدم. قال: حدثتي ابن عباس إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة من خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة فهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس والله أعلم. "حديث آخر" قال ابن جرير: حدثنا عبدالرحمن بن الوليد حدثنا أحمد بن أبي طيبة عن سفيان بن سعد عن الأجلح عن الضحاك عن منصور عن مجاهد عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم"

قال أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم "ألست بربكم قالوا بلى" قالت الملائكة "شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين"

وقال عمر بن الخطاب: سمعت صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال "إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بأعمال أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار"

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

"لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه قال أي رب من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود قال رب وكم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب قد وهبت له من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته"

و عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال

"ثم عرضهم على آدم فقال يا آدم هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم يا رب لم فعلت هذا بذريتي قال كي تشكر نعمتي وقال آدم يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا قال هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك" ثم ذكر قصة داود كنحو ما تقدم.

"حديث آخر" قال عبدالرحمن بن قتادة النضري عن أبيه عن هشام بن حكيم رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه ثم قال هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار

فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة

وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار"

و عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

"لما خلق الله الخلق وقضى القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال يا أصحاب اليمين فقالوا لبيك وسعديك قال ألست بربكم؟ قالوا بلى قال يا أصحاب الشمال قالوا لبيك وسعديك قال ألست بربكم؟ قالوا بلى ثم خلط بينهم فقال قائل له يا رب لم خلطت بينهم قال لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم ردهم في صلب آدم"

وعن أبي بن كعب في قوله تعالى "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم" الآيات قال فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم في صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق "وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" الآية قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا وإني سأرسل إليكم رسلا لينذروكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؟ قال إني أحببت أن أشكر ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول تعالى "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم" الآية وهو الذي يقول "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله" الآية

ومن ذلك قال "هذا نذير من النذر الأولى" ومن ذلك قال

"وما وجدنا لأكثرهم من عهد" الآية رواه عبدالله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم

فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة وأهل النار وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وفي حديث عبدالله بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع وقد فسر الحسن الآية بذلك قالوا ولهذا قال "وإذ أخذ ربك من بني آدم" ولم يقل من آدم "من ظهورهم" ولم يقل من ظهره "ذرياتهم" أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كقوله تعالى "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض" وقال "ويجعلكم خلفاء الأرض" وقال "كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين" ثم قال "وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا وقالا

والشهادة تارة تكون بالقول كقوله "قالوا شهدنا على أنفسنا" الآية وتارة تكون حالا كقوله تعالى "ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر"

أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك وكذا قوله تعالى "وإنه على ذلك لشهيد"

كما أن السؤال تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال كقوله "وآتاكم من كل ما سألتموه" قالوا ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه فإن قيل إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره وهذا جعل حجة مستقلة عليهم فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ولهذا قال "أن تقولوا" أي لئلا تقولوا يوم القيامة "إنا كنا عن هذا" أي التوحيد "غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا" الآية.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:29 PM
إحذروا خمسة أمور

واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (سورة الإسراء 64 )

فقوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك .. "64"} (سورة الإسراء)

هذا كما تستنهض ولدك الذي تكاسل، وتقول له: فز يعني انهض، وقم من الأرض التي تلازمها كأنها ممسكة بك، وكما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض .. "38" } (سورة التوبة)

فتقول للمتثاقل عن القيام: فز أي: قم وخف للحركة والقيام بإذعان. فالمعنى: استفزز من استطعت واستخفهم واخدعهم (بصوتك) بوسوستك أو بصوتك الشرير، سواء أكان هذا الصوت من جنودك من الأبالسة أمثالك، أو من جنودك من شياطين الإنس الذين يعاونوك ويساندونك. ثم يقول تعالى: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك .. "64"} (سورة الإسراء)

أجلب عليهم: صاح به، وأجلب على الجواد: صاح به راكبه ليسرع والجلبة هي: الصوت المزعج الشديد، وما أشبه الجلبة بما نسمعه من صوت جنود الصاعقة مثلاً أثناء الهجوم، أو من أبطال الكاراتيه. وهذه الأصوات مقصودة لإرهاب الخصم وإزعاجه، وأيضاً لأن هذه الصيحات تأخذ شيئاً من انتباه الخصم، فيضعف تدبيره لحركة مضادة، فيسل عليك التغلب عليه. وقوله تعالى: {بخيلك ورجلك .. "64"} (سورة الإسراء)

أي: صوت وصح بهم راكباً الخيل لتفزعهم، والعرب تطلق الخيل وتريد بها الفرسان، كما في الحديث النبوي الشريف: "يا خيل الله اركبي". وما أشبه هذا بما كنا نسميهم: سلاح الفرسان (ورجلك) من قولهم: جاء راجلاً. يعني: ماشياً على رجليه و(رجل) يعني على سبيل الاستمرار، وكأن هذا عمله وديدنه، فهي تدل على الصفة الملازمة، تقول: فلان رجل أي: دائماً يسير مترجلاً. مثل: حاذر وحذر، وهؤلاء يمثلون الآن "سلاح المشاة". ثم يقول تعالى: {وشاركهم في الأموال .. "64"} (سورة الإسراء)

فكيف يشاركهم أموالهم؟ بأن يزين لهم المال الحرام، فيكتسبوا من الحرام وينفقوا في الحرام (والأولاد) المفروض في الأولاد طهارة الأنساب، فدور الشيطان أن يفسد على الناس أنسابهم، ويزين لهم الزنا، فيأتون بأولاد من الحرام. أو: يزين لهم تهويد الأولاد، أو تنصيرهم، أو يغريهم بقتل الأولاد مخافة الفقر أو غيره، هذا من مشاركة الشيطان في الأولاد. وقوله تعالى (وعدهم) أي: منيهم بأمانيك الكاذبة، كما قال سبحانه في آية أخرى:

{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم "268"} (سورة البقرة)

وقوله: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا "64"} (سورة الإسراء)

أي: لا يستطيع أن يغر بوعوده إلا صاحب الغرة والغفلة، ومنها الغرور: أي يزين لك الباطل في صورة الحق فيقولون: غره. وأنت لا تستطيع أبداً أن تصور لإنسان الباطل في صورة الحق إلا إذا كان عقله قاصراً غافلاً؛ لأنه لو عقل وانتبه لتبين له الحق من الباطل، إنما تأخذه على غرة من فكره، وعلى غفلة من عقله. لذلك كثيراً ما يخاطبنا الحق سبحانه بقوله:

{أفلا تعقلون "60"} (سورة الأنعام)

{أفلا يتدبرون "82"} (سورة النساء)

وينادينا بقوله: {يا أولي الألباب .. "10"} (سورة الطلاق)

وهذا كله دليل على أهمية العقل، وحث على استعماله في كل أمورنا، فإذا سمعتم شيئاً فمرره على عقولكم أولاً، فما معنى أن يطلب الله منا ذلك؟ ولماذا يوقظ فينا دائماً ملكة التفكير والتدبر في كل شيء؟ لاشك أن الذي يوقظ فيك آلة الفكر والنقد التمييز، ويدعوك إلى النظر والتدبر واثق من حسن بضاعته، كالتاجر الصدوق الذي يبيع الجيد من القماش مثلاً، فيعرض عليك بضاعة في ثقة، ويدعوك إلى فحصها، وقد يشعل النار ليريك جودتها وأصالتها. ولو أراد الحق سبحانه أن يأخذنا هكذا على جهل وعمى ودون تبصر ما دعانا إلى التفكر والتدبر. وهكذا الشيطان لا يمنيك ولا يزين لك إلا إذا صادف منك غفلة، إنما لو كنت متيقظاً له ومستصحباً للعقل، عارفاً بحيله ما استطاع إليك سبيلاً، ومن حيله أن يزين الدنيا لأهل الغفلة ويقول لهم: إنها فرصة للمتعة فانتهزها وخذ حظك منها فلن تعيش مرتين، وإياك أن تصدق بالبعث أو الحساب أو الجزاء. وهذه وساوس لا يصدقها إلا من لديه استعداد للعصيان، وينتظر الإشارة مجرد إشارة فيطيع ويقع فريسة لوعود كاذبة، فإن كان يوم القيامة تبرأ إبليس من هؤلاء الحمقى، وقال: {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي .. "22"} (سورة الإسراء)

إذن: في الآيتين السابقتين خمسة أوامر لإبليس: اذهب، استفزز، وأجلب، وشاركهم، وعدهم. وهذه الأوامر ليست لتنفيذ مضمونها، بل للتهديد ولإظهار عجزه عن الوقوف في وجه الدعوة، أو صد الناس عنها، وكان الحق سبحانه يقول له: افعل ما تريد ودبر ما تشاء، فلن توقف دعوة الله.

من تفسير الشيخ / محمد متولى الشعراوى

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:30 PM
للغة تدل على الوجود


فاللغة أساس التفاهم بين البشر، واللغة ليست بيئة ولا حضارة ولا جنسا ولا لونا، ولكنها تعتمد أساسا على السماع، فاذا سمع الانسان تكلم، واذا لم يسمع لا يتكلم، ولذلك تجد دائما أن الأصم الي لا يسمع أبكم لا ينطق، فيقال دائما: الصم والبكم، لأن أساس الكلام هو السماع.

ولكي نفهم هذه الحقيقة جيدا وهي أن اللغة لا علاقة لها الا بالسمع، نقول: اننا اذا أتينا بطفل عربي وأخذناه بعد ولادته الى بريطانيا مثلا، بحيث لا يسمع الا الانجليزية فاذا حاولت أن تتحدث معه باللغة العربية فانه لا يفهمك، مع أنه عربي الأصل، من أب وام عربيين، ولكنه لا يستطيع أن ينطق حرفا واحدا من اللغة العربية لأنه لم يسمعها، فاذا جئنا بطفل انجليزي وأخذناه الى بلاد العرب فانه سنيشأ وهو يتكلم اللغة العربية، ولا يعرف حرفا من الانجليزية، مع أنه من أصل انجليزي، واذا اتينا بطفل أفريقي وكررنا معه نفس المحاولة فسنحصل على نفس النتيجة، اذن فاللغة لا علاقة لها بالأصل ولا باللون ولا بأي شيء آخر غير السماع.

وآدم حين خلقه الله وخلق حواء، لا بد أنه كان بينهما طريقة للتفاهم والا كيف تفاهما؟

لا بد أنه كان بينهما لغة ما تفاهما بها، ثم جاء أولاد آدم فكان بين آدم وحواء وأولادهما لغة للتفاهم سجلها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق اذ قرّيا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين} المائدة 27.

اذن فالثابت يقينا من القرآن الكريم أنه كانت هناك وسيلة للكلام بين آدم وأولاده، واذا كنا قد اثبتنا بالدليل المادي أن الانسان لا يمكن أن يتكلم الا اذا كان قد سمع، وأن اللغة أساسها السماع، فلا بد أن آدم قد سمع حتى يستطيع أن يتكلم، فاذا قال لنا الله سبحانه وتعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} البقرة 31.

اذن فلا بد أن يكون آدم قد سمع الأسماء من الله سبحانه وتعالى، وبما أن السمع هو وسيلة النطق بالكلام، فكأن سماع آدم للأسماء من الله هو الذي علمه الكلام بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمونْ البقرة 31_33.

أي أن آدم تكلم وأنبأ الملائكة بالسماء التي علمها الله له، واذا كان آدم نطق وتكلم فلا بد أنه سمع من الله سبحانه، وحواء سمعت من آدم فتكلمت، وأولاد أدم وحواء سمعوا منهما فتكلموا.




الكلام من السماع


هناك بعض الناس يقول: ان الانسان الأول لم يكن يتكلم، وانما كان يتفاهم بالاشارة ثم بعد ذلك تكلم، ونقول: ان هذا غير صحيح، لأن أي انسان لكي يتكلم لا بد أن يسمع أولا، فممن سمع أول انسان تكلم سواء كان آدم أو من بعده؟ ان الكلام لا يأتي الا بالسماع، والذين يتفاهمون بنفس الأسلوب، الا اذا سمعوا من غيرهم، حينئذ تبدأ عندهم ملكة الكلام، والصم والبكم الذين يعالجون من هذا الداء، اذا لم يسمعوا فلن يتكلموا.

فاذا قال أحدهم: ان البشر يتحدثون بلغات مختلفة ولهجات مختلفة، نقول: ان هذا دليل لنا وليس علينا أن اللغة مصدرها البيئة أو أي شيء آخر، وأن الكلام ليس صفة وراثية تولد مع الانسان ولكنها صفة سمعية فلا بد من السمع أولا.

وهكذا تعطينا القرائن كلها أن الله سبحانه وتعالى هو الذي علم البشرية الكلام بأن علم آدم الأسماء كلها، ولا يمكن أن تكون هناك بداية- علما ولا عقلا - الا هذه البداية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم.


من كتاب الآيا ت الكونية ودلالتها على وجود الله تعالى للداعية الشيخ محمد متولي الشعراوي

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:30 PM
المشارق والمغارب

ظاهرة يومية عرفت منذ تكونت الشمس والأرض وهي ظاهرة الشروق والغروب .. جاءت في كتاب الله بصور وصيغ ثلاث:

قال تعالى : ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا )

وقال تعالى : ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * )

وقال تعالى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ )


ففي الاية الأولى جاء ذكر المشرق والمغرب في صيغة المفرد وفي الثانية في صيغة المثنى وفي الثالثة في صيغة الجمع فما هو السبب في إختلاف الصيغ ؟

وأين كل هذه المشارق والمغارب ؟ لا يبدو وجود صعوبة في فهم صيغة المفرد فأينما كنا وحيثما وجدنا رأينا للشمس مشرقا ومغربا . أما المشرقان والمغربان فقد فسرهما المفسرون بمشرقى ومغربى الشمس في الشتاء والصيف . فالأرض كما نعرف تتم دورتها حول الشمس في 365 يوما وربع يوم كذلك نعلم أن ميل محور دورانها عن المحور الرأسي يسبب إختلاف الفصول ومن ثم إختلاف مكان ووقت الشروق والغروب على الأرض على مر السنة . فالواقع أن المشرق والمغرب على الأرض - أي مكان الشروق والغروب - يتغيران كل يوم تغيرا طفيفا , أي أن الشمس تشرق وتغرب كل يوم من مكان مختلف على مر السنة وهذا بدوره يعني وجود مشارق ومغارب بعدد أيام السنة وليس مشرقين ومغربين إثنين فقط , وإن بدأ الاختلاف بين مشرقى الشمس ومغربيها أكثر وضوحا في الشتاء والصيف . فقد يكونا إذن مشرقى الشمس ومغربيها في الشتاء والصيف هما المقصودان في الآية الكريمة : ( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) كذلك قد تكون هذه المشارق والمغارب المتعددة التي نراها على مر السنة هي المقصودة في الآية الثالثة : ( بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ) وقد يكون المقصود بها أيضا مشارق الأرض ومغاربها في بقاعها المختلفة فشروق الشمس وغروبها عملية مستمرة ففي كل لحظة تشرق الشمس على بقعة ما وتغرب عن بقعة أخرى . وقد يكون المقصود بها مشارق الأرض ومغاربها على كواكب المجموعة الشمسية المختلفة , فكل كوكب - مثله في ذلك مثل الأرض - تشرق عليه الشمس وتغرب كانت هذه تفسيرات مختلفة لمعنى المشارق والمغارب والمشرقين والمغربين . بقى لنا أن نعرف السبب في ذكر المشرق والمغرب في صيغة المختلفة , والسبب يبدو أكثر وضوحا إذا تلونا الآيات مع سوابقها وبتدبر وإمعان فالآية الأولى تبدأ ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) وكما نلاحظ أن ذكر رب المشرق والمغرب هنا كان مقرونا بإسم الجلالة فالله سبحانه وتعالى يأمر رسوله بأن يذكر إسم ربه وأن يتبتل إليه , والتبتل هو الاتجاه الكلي لله وحده بالعبادة والإخلاص فيها بالخشوع والذكر , فليس للرحمن من شريكة ولا ولد ويأتي ذلك مؤكدا في المقطع الثاني من الآية ( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) ففي هذا المقام الذي يؤكد الله فيه وحدانيته لعبده ويدعوه لعبادته وحده عبادة خالصة مخلصة نجد أن صيغة المفرد هنا هي أنسب الصيغ وذكر المشرق والمغرب في صيغة المفرد يكمل جو الوحدانية الذي نعيش فيه مع هذه الآية الكريمة .. أما في الآية الثانية فالوضع يختلف ولنبدأ ببعض الآيات التي تسبق الآية الثانية قال تعالى : ( خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) الحديث في هذه الايات كلها في صيغة المثنى يذكرنا فيها الرحمن بأنه هوالذي خلق الإنس والجان وأنه هو رب المشرقين والمغربين وأنه هو الذي مرج البحرين ليلتقيا ولكن بدون أن يبغي أحدهما على الآخر ومهما يخرج اللؤلؤ والمرجان فصيغة المثنى هي الغالبة في هذه الآيات وكذلك فقد يبدو من الأنسب أن يذكرا المشرقين والمغربين أيضا في صيغة المثنى . وبالمثل في الآية الثالثة فإذا كتبناها مع سوابقها ولواحقها من الآيات الكريمة عرفنا سبب ذكر المشرق والمغرب في صيغة الجمع قال تعالى : ( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ * فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) فالحديث هنا كما يلاحظ القارئ منصب على الذين كفروا ولذلك ذكرت المشارق والمغارب على نفس النمط في صيغة الجمع أيضا حتى يتأتى التوافق في الصيغ الذي وجدناه في الآيتين السابقتين . ومن ناحية آخرى يدعونا العلي القدير للتعمق والتفكير في معانى الصيغ المختلفة فقد يكون المقصود بالمشارق والمغارب هنا على كفار جدد في أماكن جديدة وكأن العلي القدير يخاطبهم ويقول ( فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ) هذه التي عرفتموها ورأيتموها في كل مكان وزمان على الأرض إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منكم وما نحن بمغلوبين ..

لا شك في أن التوافق الذي رأيناه في صيغ الآيات الثلاث السابقة هو مثل حي من بلاغة الأسلوب القرآني وجمال تعبيره ودقة معانية وإلى جانب ذلك نجد أن ذكر المشرق والمغرب مرة في صيغة المفرد ومرة في صيغة المثنى ومرة في صيغة الجمع يعطي باعـثا للبحث والتفكير وحافزا للتعمق والتأمل . فالمعاني والكلمات والتعبيرات بل والصيغ لا تأتي منقادة بهذه السهولة واليسر إلا للعزيز الحكيم وإذا تعمقنا مرة أخرى في معنى رب المشارق والمغارب لوجدنا في هذا التعبير أيضا هذه الزاوية الجديدة التي لا عهد للانسان بها فشروق الشمس وغروبها في كل لحظة على بلد جديد وعلى بقعة مختلفة من بقاع الأرض في أبعد ما يكون عن التصور الانساني.


المصدر " آيات قرآنية في مشكاة العلم " د. يحيى المحجري

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:31 PM
الأراضين السبع

قال الله تعالى :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)(سورة الطلاق:12).ا
أقوال المفسرين :

جاء في تفسير القرطبي في قوله تعالى: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن" دل على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة. ولا خلاف في السموات أنها سبع بعضها فوق بعض، دل على ذلك حديث الإسراء وغيره. ثم قال: "ومن الأرض مثلهن" يعني سبعاً.

وورد في تفسير قوله تعالى: "فسواهن سبع سماوات" ذكر تعالى أن السموات سبع. ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: "ومن الأرض مثلهن" [الطلاق: 12] وقد اختلف فيه، فقيل: ومن الأرض مثلهن أي في العدد، لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار، فتعين العدد. وقيل: "ومن الأرض مثلهن" أي في غلظهن وما بينهن. وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض، قال الداودي. والصحيح الأول، وأنها سبع كالسماوات سبع. روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ شبرا من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أرضين).

الإعجاز العلمي :

كشف العلم أن الأرض تتألف من سبعة طبقات وهي :

‏1‏ـ لب صلب داخلي‏:‏ عبارة عن نواة صلبة من الحديد‏(90%)‏ وبعض النيكل‏(9%)‏ مع قليل من العناصر الخفيفة مثل الكربون والفسفور‏,‏ والكبريت والسليكون والأوكسجين‏(1%)‏ وهو قريب من تركيب النيازك الحديدية مع زيادة واضحة في نسبة الحديد‏,‏ ويبلغ قطر هذه النواة حاليا ما يقدر بحوالي‏2402‏ كم‏,‏ وتقدر كثافتها بحوالي‏10‏ إلي‏13.5‏ جرام‏/‏سم‏3.‏

‏2‏ـ نطاق لب الأرض السائل‏(‏ الخارجي‏):‏ وهو نطاق سائل يحيط باللب الصلب‏,‏ وله نفس تركيبه الكيميائي تقريبا ولكنه في حالة انصهار‏,‏ ويقدر سمكه بحوالي‏2275‏ كم‏,‏ ويفصله عن اللب الصلب منطقة انتقالية شبه منصهرة يبلغ سمكها‏450‏ كم تعتبر الجزء الأسفل من هذا النطاق‏,‏ ويكون كل من لب الأرض الصلب والسائل حوالي‏31%‏ من كتلتها‏.‏

‏3‏ـ النطاق الأسفل من وشاح الأرض‏(‏ الوشاح السفلي‏):‏ وهو نطاق صلب يحيط بلب الأرض السائل‏, ‏ ويبلغ سمكه نحو‏2215‏ كم‏(‏ من عمق‏670‏ كم إلى عمق‏2885‏ كم‏)‏ ويفصله عن الوشاح الأوسط‏(‏ الذي يعلوه‏)‏ مستوي انقطاع للموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل‏.‏

‏4‏ـ النطاق الأوسط من وشاح الأرض‏(‏ الوشاح الأوسط‏):‏ وهو نطاق صلب يبلغ سمكه نحو‏270‏ كم‏, ‏ ويحده مستويات من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية يقع أحدهما علي عمق‏670‏ كم ويفصله عن الوشاح الأسفل‏, ‏ ويقع الآخر علي عمق‏400‏ كم ويفصله عن الوشاح الأعلى‏.‏

‏5‏ـ النطاق الأعلى من وشاح الأرض‏(‏ الوشاح العلوي‏):‏ وهو نطاق لدن‏, ‏ شبه منصهر‏, ‏ عالي الكثافة واللزوجة‏(‏ نسبة الانصهار فيه في حدود‏1%)‏ يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي ويمتد بين عمق‏65‏ ـ‏120‏ كم وعمق‏400‏ كم ويتراوح سمكه بين‏335‏ كم و‏380‏ كم‏, ‏ ويعتقد بأن وشاح الأرض كان كله منصهرا في بدء خلق الأرض ثم أخذ في التصلب بالتدريج نتيجة لفقد جزء هائل من حرارة الأرض‏.‏

‏6‏ـ النطاق السفلي من الغلاف الصخري للأرض‏:‏ ويتراوح سمكه بين‏40‏ ـ‏60‏ كم‏(‏ بين أعماق‏60‏ ـ‏80‏ كم‏)120‏ كم ويحده من أسفل الحد العلوي لنطاق الضعف الأرضي‏, ‏ ومن أعلي خط انقطاع الموجات الاهتزازية المعروف باسم الموهو‏.‏

‏7‏ـ النطاق العلوي من الغلاف الصخري للأرض‏(‏ قشرة الأرض‏):‏

ويتراوح سمكه بين‏(5‏ ـ‏8)‏ كم تحت قيعان البحار والمحيطات وبين‏(60‏ ـ‏80)‏ كم تحت القارات‏, ‏ ويتكون أساسا من العناصر الخفيفة مثل السليكون‏, ‏ والصوديوم‏, ‏ والبوتاسيوم‏, ‏ والكالسيوم‏, ‏ والألمنيوم‏, ‏ والأوكسجين مع قليل من الحديد‏(5.6%)‏ وبعض العناصر الأخرى وهو التركيب الغالب للقشرة القارية التي يغلب عليها الجرانيت والصخور الجرانيتية‏, ‏ أما قشرة قيعان البحار والمحيطات فتميل إلى تركيب الصخور البازلتية‏.‏

المصدر : مقالة للدكتور زغلول النجار نشر في جريدة الأهرام العدد41972 تاريخ ‏19 من شعبان 1422 هــ

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:31 PM
المنجم العجيب

قال تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ سورة يس ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب صحيح ..

وقد وجد بالتحليل أن جسم الإنسان يتكون من نفس مركبات الأرض وهي : ماء - سكريات - بروتينات - دسم - فيتامينات - هرمونات - كلور - كبريت - فسفور - مغنسيوم - كلس - بوتاسيوم - صوديوم - حديد - نحاس - يود- ومعادن أخرى ..

وهذه المعادن تتركب مع بعضها لتكوّن العظام والعضلات وعدسة العين وشعرة الرأس والضرس والدم والغدد اللعابية .. وأشياء أخرى في جسمك .. وهذه المواد تتركب مع بعضها بنسب ثابتة ودقيقة جدا في جسم الإنسان يعلم سر تكوينها وتركيبها رب العالمين .. وقد وجد بالتحليل في المختبرات أنه لو أخذت المعادن التي في جسم الإنسان وركبت لخرجنا بالمكونات التالية : علبة طباشير - علبة كبريت - مسمار صغير - حفنة من الملح - مواد أخرى لا قيمة لها .. وهذه كلها لا تساوي قيمتها عشرة ريالات .. هل يعقل : أن الإنسان كله لا يساوي أكثر من ذلك ؟ إذن ثوبك أو ساعتك أكثر قيمة منك أليس كذلك ..؟ ما هي قيمة الإنسان الفعلية ... ؟

إن قيمة المعادن الموجودة في الإنسان وهي متفرقة لا تساوي شيئا إذن العبرة بالشيء بعد تركيبه ومعرفة فائدته .. ولكننا لم ننته بعد . فمقارنة الإنسان بالآلآت خطأ كبير كبير ولا يقارن الشيء إلا بمثله وإلا لأصبح الخروف والجمل أكثر فائدة من الإنسان وعلى هذا نقول : إن الإنسان له مكانة عالية فوق مقاساتنا المادية والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) وقال تعالى في سورة الأعراف : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ )

فكما نرى أن الله سبحانه وتعالى قد كرم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة لذلك يجب علينا أن ... نحترم الإنسان .. لماذا ؟ لأن الله أكرمه .. لا نحقره ولا نخذله .. لماذا ؟ لأن الله أسجد له ملائكة

المصدر " وفي انفسكم أفلا تبصرون " أنس بن عبد الحميد القوز

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:32 PM
معجزة النطق

قال الله تعال في كتابه العزيز :

{1} الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4}[1].

النطق هبة من الله :

الإنسان يبدأ بالتكلم عندما يصل إلى عمر معين .

وهذه الحادثة تتراءى لنا وكأنها شيءٌ طبيعي لأنها تبدأ عند الجميع في عمر متقارب .

ولهذا السبب تبقى ربما يظن بعض الناس أن المحادثة أو الكلام أمراً عادياً، والحقيقة أن التحدث معجزة خارقة ذلك لأن الطفل لم يكن يعرف أي شيء عن الكلام عندما يبدأ قبل أن يبدأ بالتكلم .

يقول عالم اللسانيات البروفيسور steven pinker والمعروف بأبحاثه النتخصصة في هذا المجال :

"إننا لا نفكر بالنطق ونعتبره أمراً عاديا، وننسى بسهولة أنه معجزة وهدية عجيبة لنا" [2] .

بكل تأكيد عندما يتحدث الطفل فجأة بدون أن يعرف أي شيء عن الكلام وأسراره .. هذه هي المعجزة .

فهو لا يختار اللغة لأنها بسيطة، حتى اللغات البسيطة المعروفة تعتمد على قواعد اللسان المعقدة .. ولأن قواعد اللسانيات .. هي علاقات رياضية بحتة .. فهي تأخذ من الكلمات والجمل المعاني العديدة والكثيرة .

هناك أسئلة كثيرة بقيت دون جواب حول اللسان واللغة .. كيف يتحدث الطفل وهو في الثالثة من عمره؟

وهل يتعلم ذلك من خلال ما يسمعه من بيئته؟ ومن الذي يلقنه قواعد اللغة وقواعد اللسان .. التي عجز العلماء عن وضع أصولها وقواعدها على أكمل وجه حتى الآن؟

وكيف تسيل الكلمات من فمه بشكل انسيابي لائق موافقاً قواعد اللغة المعقدة؟

ثم كيف تنجح الكلمات والجمل لتشكيل الأصول اللغوية وإعطاء الشرح والمعنى ؟

ولماذا تشكلت أكثر من ستة آلاف لغة متفرقة؟

ولماذا .. كان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينطق وبقية الأحياء لا تستطيع الكلام؟

ماذا يحصل في أذهاننا حتى تتحول كل ذلك إلى كلمات وجمل؟

والجملة التي تصدر عن الإنسان لم تعرف بعد حقيقتها لما فيها من العمليات الدقيقة والمعقدة .

ومن الواضح أن النطق لا يؤخذ من خلال التعلم أو التعليم ... لأنه لا أحد يعلمنا أسس آلاف الجمل والكلمات التي نعرفها .. وبالأصل تعليمها غير ممكن .

فمثلاً : عندما يتحدث المرء يؤلف جملاً نظامية مع أن المتحدث لا يعرف شيئاً عن الأساسيات المعقدة الموجودة في الكلمات والجمل التي ينظمها ويستطيع أن ينطق بسهولة ويُسر منظماً جملاً ربما لأول مرة تخرج من فمه .

كل هذا بعفوية بالغة .. ودون أن يشعر بها . هذا العلم اللساني المعقد لم يستطع علماء اللسانيات المشهورين أن يُعرّفوه تماماً .

إن النطق هو عملية معقدة، يتحدث عالم اللغة المعروف "Philip Lieberman" عن هذه القواعد التي لا حصر لها :

"مع نتائج الأبحاث الهائلة وتوسعها، تقترب عدد القواعد والأصول التي نحسبها موجودة من عدد الجمل . وتأتينا القواعد اللغوية بشكل مفجع وتنتهي بفشل ذريع . ولم يستطع أحد حتى الآن أن يضع قواعد كاملة وشاملة عن لغة من اللغات [3].

يبن ليبرمان أن قواعد النطق بالجمل تتساوى مع عدد الجمل فكيف فكيف مع هذا العدد الهائل للقواعد تسنى للطفل ابن الثلاثة سنوات أن يتلكم .

الإنسان يبدأ حياته الاجتماعية بتعلمه قواعد اللغة واللسان .

والشيء الأكثر وضوحاً هو أننا لم نأخذ علم النطق من آبائنا ولا من غيرهما .

هذه الحقيقة يعرضها لنا البرفيسور المدرس في جامعة" "MiT الأستاذ "steven pinker" قائلاً :

كيف يستطيع طفل صغير أن يأخذ اللغة وعلم اللغة والذي هو علم لا ينتهي من الأحاديث القليلة والمقننة التي تجري حوله .

والطفل حقاً لا يأخذ مهارة الكلام من أبويه، وفي الوقت نفسه لا يقوم الأبوين على تصحيح أخطاء الطفل دائماً . ولا يحذرونه بحصول الخطأ في حديثه أو كلامه . وجمل الأطفال الصغار غالباً لا يتناسب مع قواعد اللغة

وإذا كان الحال هكذا فيجب على الأبوين توبيخ ولدهما طوال النهار [4].

إننا نستعمل قواعد علم اللغة ونستخدمها دون أي جهد منا .. لأننا نجدها جاهزة أمامنا . وإذا وضعنا أمام أعيننا بعض الحسابات المعقدة فإن قواعد الكلام تضع الإنسان في حيرة من أمره .

لهذا السبب بقيت مهارة النطق عند الإنسان سراً رياضياً بحتاً بكل بكل ما في الكلمة من معنى – هذا السر المجهول يوضحه لنا "Noam Chomsky" فيقول :

أني لا أملك إلا معلومات قليلة حول علم الكلام عدا بعض الجوانب الظاهرة من الخارج ،فالتكلم هو سر كبير بكل المقايس .[5]

عندما يبدأ كل شخص بالتكلم بكل راحة . وعندما يعرف أنه يستخدم لسانه على أكمل وجه . عندما يضع كل ذلك نصب عينيه يعرف أنه يقوم بذلك دون أي معرفة أو قصد منه .

إذا كنا لا نستطيع أن نضبط الكلمات الخارجة من أفواهنا . فيجب أن يكون ثمة قوة خفية تلهمنا وتعطينا العلم والمعرفة .. كي نؤلف جملاً من كلمات هذه القدرة هي قدرة الخالق العظيم وهو صاحب العزة والعلم والمالك لكل شيء .

إن الله يلهم الإنسان ويجعله يتكلم .. ولا يستطيع إنسان ما أن يفتح فاه ولو بكلمة واحدة بغير إذن الله .. إن مهارة التكلم هبةٌ من الله للإنسان قال الله تعالى في كتابه الكريم : {1} الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4} سورة الرحمن : 1ـ4.

لا تكفي أن تعمل الحبال الصوتية والرئتان والمجرى الهوائي بانسجام لكي يتمكن أحدنا من الكلام ، بل يجب أن يدعم ذلك كله النظام العضلي المرتبط بها . تنتج الأصوات التي تخرج أثناء الكلام من مرور الهواء عبر الحبال الصوتية .

تعدد اللغات آية من آيات الله:

كيف لا تختلط اللغات التي نعرفها ببعضها البعض؟

من المعروف أن الذين يتحدثون بلغتين .. لا يخلطون بينهما .

و قد تم أبحاث عدة لمعرفة السبب في عدم أختلاط الكلمات لمن يتقن عدة لغات عند نطق إحدى اللغتين فقد

أجرى أحد علماء الدماغ هو توماس مونتي "Thomas Munte" بالتعاون مع رفاقه عدد من التجارب وذلك لمعرفة التغيرات الكهربائية الحاصلة في بعض نقاط الدماغ عند النطق وذلك من خلال مراقبة تكتيك رنين المهام المغناطيسية ولقد تمت التجربة على الذين يتحدثون الإسبانية الدراجة مع لغة كاتالان وهي اللغة المستعملة في شمال شرق إسبانيا [6] فكانت نتائج التجارب أن الدماغ يقوم بتخزين مفردات كل لغة من اللغات التي ينطقها الإنسان في قسم مستقل من أقسام الدماغ وذلك حتى لا تختلط ألفاظ اللغتين أثناء النطق .

إن هذه التجربة أكدت عكس الأفكار الدارجة أن اللغتين اللتين يعرفها الشخص موجودتان في قسم واحد أو مكان واحد في الدماغ وعندما يبحث الشخص عن كلمة ما تخرج هذه الكلمة مباشرة دون البحث عن معانيها إن هذه العملية تتحقق خارج إرادة الشخص المتحدث بشكل أتوماتيكي .

وهذا يعني أننا عندما نتحدث بلغة ما .. تبقى اللغة الأخرى مضغوطة لسبب غير معروف حتى الآن، وبالتالي تمنع الاختلاط والتمازج .

وعندما يتحول المتحدث من لغة إلى أخرى فإنه يقوم بتغيير المصافي الموجودة في الدماغ والتي لا تعرف شيئاً عن الكلمات الجديدة الملفوظة .

ويقول دافيد غيرين "David Green" [7]يقول غرين جاذباً انتباهنا إلى هذه المعجزة :

"السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح : كيف يتم ضبط كل ذلك ؟" .

إن الجواب بدون أدنى شكل يتم بشكل مبرمج سابقاً من قبل الله تعالى الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ[8].

هذا النظام المقعد .. هو واحد من الأمثلة التي لم تستطع نظرية التطور توضيحها وفك طلاسمها .

وظهور هذا النظام لا يمكن تفسيره من خلال أيديولوجية المصادفات التي أتت بها نظرية التطور . بل على العكس تماماً .

إن هذا النظام يضع أمامنا قدرة الإله الذي خلقنا في أحسن صورة ودون نقص . وأعطانا هذه النعمة .. نعمة الجسد والروح وكل ما فيهما ومن ذلك نعمة البيان.

إن الله تعالى يبين لنا في كتابه أمن تعدد اللغات التي يتكلم بها الإنسان هي من الأدلة التي تدل على وجود الله تعالى، قال الله تعالى :{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ} [9] .

نظام التكلم المعجز :

في اللحظة التي يريد الإنسان أن يتلكم تصل سلسلة من الأوامر إلى الحبال الصوتية واللسان ومن هناك إلى عضلات الفكين آتياً من الدماغ . إن المنطقة التي تحوي أنظمة الكلام في الدماغ ترسل الأوامر الضرورية لكل العضلات التي تقوم بواجباتها أثناء الكلام .

قبل كل شيءٍ تقوم الرئة على جلب الهواء الساخن وهو المادة الخاصة للنطق . يدخل الهواء عن طريق الأنف . ومن ثَمَّ إلى الفراغات الموجودة فيه ومن الحنجرة إلى قناة التنفس ثم إلى الأوعية القصبية ثم إلى الرئتين ويمتزج الأوكسجين الموجود في الهواء .. مع الدم الموجود في الرئتين وفي هذه الأثناء يطرح غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الخارج .

والهواء الخارج من الرئتين يمر بالحبال الصوتية الذي يشبه الستائر، وتتحرك بحسب تأثير غضروف صغير مربوط بها.

تم تصوير الحبال الصوتية بكاميرات ذات سرعة فائقة . كل الاحتمالات الواردة في الصورة تتم خلال عِشرِ ثانية هذا التصميم المتقن للحبال الصوتية يجعلنا نتكلم

قبل النطق تكون الحبال الصوتية بوضعية مفتوحة . وعند الكلام تُجمع الحبال الصوتية في مكان واحد . وتهتز من جراء الهواء الخارج عند الزفير .

بنية الأنف والفم على تُعطى كافة المواصفات الخاصة للصوت . وفي الوقت الذي تبدأ فيه الكلمات بالخروج من هذا القسم على بسلاسة يأخذ اللسان وضعاً بين اقتراب من سقف الفم أو ابتعاد بمسافات محددة.. وتتقلص الشفاه وتتوسع .. وتتحرك في هذه العملية عضلات كثيرة بشكل سريع .

وحتى يتحقق النطق عند كل واحدٍ منا بشكل سليم يجب أن تكون هذه العملية كاملة دون أي نقص.

أفلا نلاحظ أن هذه العملية المعقدة والكاملة تتم بشكل ميسر وكامل وبدون نقص إذن من الذي برمج دماغ الإنسان مسبقاً للقيام بهذه العملية المعقدة إنه الله تعالى الله خلق السماوات والأرض .

أليس حرياً بنا نحن البشر أن نشكر هذا المنعم الذي تفضل عليها بهذه النعمة قال تعالى : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [10].

تم نقله عن مجلة المدار التي تصدرها مجلة الضحى .


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - سورة الرحمن : 1ـ4.

[2] . .Pinker Words and Rules, Basic Books, 1999, s. 1 s

[3] - "Eve spoke : Human Language and Human Evolution, P. Lieberman, w. w. norton & company, 1998, s. 126-128"

[4] - S. Pinker Words and Rules, Basic Books, 1999, s. 1

[5] - Noam Chomsky, Powers and Prospects, s.16.

[6] - مجلة "Nature" 28 شباط 2002.

[7] - وغرين أستاذ جامعي يعمل في جامعة لندن ومعروف بأبحاثه اللسانية.

[8] - التين:4.

[9] - الروم:22.

[10] - ابراهيم:7.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:34 PM
الفرق بين قوله تعالى (منها تأكلون) وقوله تعالى (ومنها تأكلون)



ورد قوله تعالى (ومنها تأكلون) في القرآن الكريم في أربعة مواضع هي:

سورة النحل (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5))

سورة المؤمنون (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19))

سورة المؤمنون (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21))

سورة غافر (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79))

وورد قوله (منها تأكلون) مرة واحدة في سورة الزخرف (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73))



والفرق بين التعبيرين أن قوله تعالى (منها تأكلون) التي وردت في سورة الزخرف هي في سياق الكلام عن الجنّة وفيها الفاكهة هي للأكل فقط ولا يستفاد منها بشيء آخر.

أما في الآيات التي وردت فيه (ومنها تأكلون) هي في أنعام وفاكهة الدنيا . فالأنعام يستخدمها الإنسان إما للركوب أو التجارة أو الانتفاع بلبنها أو أكلها فالأكل جزء من منافع الأنعام في الدنيا.

وبالنسبة للفواكه في الدنيا فقد تُؤكل أو يؤخذ عصيرها أو يصنّع منها مربيات أو الخلّ أو غيرها فإذن أكلُها هو جزء من استفادة الناس بها في الدنيا.

فسبحان الله وتعالى وصدق الله العظيم (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) النساء) ويا لِدِقّة التعبير القرآني الذي يغيّر فيه حرف واحد معنى الآية كلها ولا عجب أن تحدّى الله تعالى به فطاحل اللغة من العرب (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 12:34 PM
كلمة الجُبّ في سورة يوسف



يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى في قوله تعالى

(قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيّارة إن كنتم فاعلين)

أن الجب هي البئر المطوية التي تُحفر لكي يتجمع فيها الماء من باطن الأرض. والبئر المطوية يأتيها استطراق الماء من أسفل، إذن ففي غيابة الجب أي في فجوة من الجب حتى لا يراه أحد. وكلمة غيابة أي المنطقة الخفية من الجُبّ فالجب مخفي بالنسبة للواقف على سطح الأرض ولكن كونهم يريدون أن يخفوه ولا يراه أحد لا يتلاءم مع قوله تعالى (يلتقطه بعض السيّارة) ولقد قلنا إن الشرّ عند الأخيار يتناقص لذلك بدأوا بالقتل ثم قالوا اطرحوه أرضاً أخف من القتل فقد ينجو وقد تفترسه الوحوش، ثم قالوا ضعوه في الجُب عملية أقل ضرراً على الأقل يجد الماء الذي يشرب منه ويحفظ حياته مدة طويلة، ثم يقولون (يلتقطه بعض السيّارة)



وكلمة سيّارة هنا استعملها القرآن الكريم وهي تعمي جماعة سائرون لكنه تعالى لم يقل سائرون لأن السائر هو الذي يقوم بالسير مرة واحدة. وكلمة سيّارة تعني قافلة تحترف السير من مكان إلى مكان ولذلك فهي تعرف دروب الصحراء وتعرف مواقع المياه وتعرف أن هنا جبّاً فيه ماء. أما السائر العادي فلا يعرف لأنه ليس له خبرة. حينما تأتي القافلة وتريد الماء لا يذهبون جميعاً إلى البئر وإنما يذهب بعضهم ليأتي للباقي بالماء وهذا اسمه الوارد أي أن الوارد هو الذي يرد الماء ليأتي به لبقية القافلة.

(من كتاب قصص الأنبياء والمرسلين للشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله